إن الإيمان مركب من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو اعتقاده، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو
[ ١ / ١٨٧ ]
قصده، حقيقة الإيمان واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه؛ وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة (١) . فإذا زال تصديق، القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية؛ وإذا زال شيء من الأعمال، كالصلاة، والزكاة والحج، والجهاد، مع بقاء تصديق القلب وقبوله، فهذا محل خلاف: هل يزول الإيمان بالكلية إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة وغيرها، أو لا يفرق؟
فأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو محبته، ورضاه، وانقياده، والمرجئة / تقول/ (٢): يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنًا.
والخلاف في أعمال الجوارح (٣)، هل يكفر /أو/ (٤) لا يكفر؟ واقع بين أهل السنة، والمعروف عن السلف، تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة والزكاة، والصيام، والحج (٥) .
_________________
(١) هذا هو مجمل قول السلف الصالح في الإيمان، بأنه: اعتقاد، وقول وعمل. خلافًا لطوائف المرجئة، التي تخرج العمل عن مسمى الإيمان. وقد تقدم بيانه في ص١٧٤.
(٢) ساقط في (د) .
(٣) أي في تركها.
(٤) في جميع النسخ: (أم)، وهو خطأ؛ لأن (هل) لا يقابل بـ (أم) . وفي المطبوع المثبت، وهو الصواب.
(٥) هذا مذهب جمهور السلف. وقد ورد إجماع الصحابة على أن تارك الصلاة عمدًا كافر. جاء ذكره في: المحلى، لابن حزم (ت٤٥٦هـ)، نشر المكتب التجاري، بيروت، لبنان، ٢/٢٤٢. الترغيب الترهيب من الحديث الشريف، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت٦٥٦هـ)، تعليق مصطفى عمارة، نشر دار إحياء التراث العربي، لبنان، ط/٣، ٣٨٨هـ-١٩٦٨م، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م، ص٢٥٩. "كتاب الصلاة وحكم تاركها"، لابن القيم، ص٣٧، ٦٥. وفي ذلك قال أبو بكر الصديق ﵁ حين عزم على قتال مانعي الزكاة: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال" أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١٣/٢٦٤، ومسلم في صحيحه بشرح النووي، ٢/٣١٤-٣١٦، وأبو داود في سننه، ٢/١٩٨، والترمذي٥/١٤-١٥. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة. انظر: قوانين الأحكام الشرعية، ومسائل الفروع الشرعية، لمحمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت١٣٤٠هـ)، ط/١، شركة الطباعة الفنية. ص٤٩. الشرح الصغير على أقرب المسالك، للدرديري، دار المعارف بمصر، ١٣٩٢هـ، ١/٢٣٨. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، لمحمد الشربيني الخطيب، طبعة الحلبي، بيروت، ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م، ١/٢٢٧-٢٢٨.
[ ١ / ١٨٨ ]
(والقول الثاني): أنه لا يكفر إلا من جحدها (١) .
(والثالث):الفرق بين الصلاة وغيرها (٢) . وهذه الأقوال معروفة.
وكذلك المعاصي والذنوب، التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها بين ما يصادم /أصل/ (٣) الإسلام وينافيه (٤)، وما دون ذلك (٥)، وبين ما سماه الشارع كفرًا (٦)، وما لم يسمه.
هذا ما عليه أهل، الأثر المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ. وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها.
_________________
(١) وهذا مذهب الحنفية. انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار، لمختار أمين الشهير بابن عابدين (ت١٢٥٢هـ)، طبع مصطفى الحلبي، بمصر، سنة ١٣٨٦هـ، ١/٣٥٢.
(٢) هذه رواية الإمام أحمد، أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة فقط. انظر: كتاب "الإيمان" بان تيمية، ص٢٥٩.
(٣) في (د): أصلًا.
(٤) من ذلك: الشرك بالله، والاستهانة بالمصحف، وقتل الرسول، وسب الله ورسوله، وغير.
(٥) كالسرقة، وشرب الخمر، وأكل الربا، ونحوها.
(٦) كقتال المسلم لأخيه، وتكفيره، والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت.
[ ١ / ١٨٩ ]