الأصل الخامس (١): أنه /لا/ (٢) يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان /بالعبد/ (٣)، أن يسمى مؤمنًا،
ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافرًا (٤)، وإن كان ما قام به /كفرًا/ (٥)، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالمًا، أو طبيبًا، أو فقيهًا. وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر، كما في /حديث/ (٦): "اثنتان /بأمتي/ (٧) هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت " (٨)، وحديث: «من حلف بغير الله فقد كفر» (٩)، لكنه لا يستحق اسم الكافر على الإطلاق. فمن عرف هذا، عرف فقه السلف، وعمق
_________________
(١) هذا الأصل نقله المصنف من الكتاب السابق، ص٦١، بتصرف.
(٢) ساقط، (د) .
(٣) في جميع النسخ: (لعبد) . وفي المطبوع المثبت.
(٤) أي قيامها بالعبد ولم يذكر العبد هنا استغناءً بما تقدم.
(٥) كذا في كتاب "الصلاة"، لابن القيم. وفي جميع النسخ، والمطبوع: (كفر) .
(٦) في المطبوع: (الحديث) .
(٧) في (ب)، و(ج): (من أمتي) . وفي المطبوع: (في أمتي) .
(٨) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي، ٢/٤١٧، الإيمان، باب (إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب)، بلفظ: «اثنتان في الناس» . مسند الإمام أحمد، ٢/٤٩٦. السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨هـ)، دار الفكر، ٤/٦٣.
(٩) انظر: سنن الترمذي ٤٩٣-٤٩٤، النذور والأيمان، باب (ما جاء في كراهية الحلف بغير الله) . مسند الإمام أحمد، ٢/١٢٥. المستدرك للحاكم، ١/١٨، ٥٢، ٤/٢٩٧، وصححه، وأقره الذهبي. سنن البيهقي، ١٠/٢٩. شرح السنة للبغوي، ١٠/٧، كلهم بزيادة (أو أشرك) .
[ ١ / ١٩٨ ]
علومهم، وقلة تكلفهم. قال ابن مسعود /﵁/" (١) من كان متأسيًا /فليتأس/ (٢) بأصحاب رسول الله ﷺ؛ فإنهم أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، / وأقلها/ (٣) تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم؛ فإنهم على الهدى المستقيم" (٤) . وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر:
إحداهما: الغلو، ومجاوزة، الحد، والإفراط.
والثانية هي: الإعراض، والترك، والتفريط.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما ذكر شيئًا من مكايد الشيطان: قال بعض السلف: "ما أمر الله سبحانه بأمر، إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر". وقد اقتطع أكثر الناس، إلا أقل القليل، في هذين الواديين: /واد/ (٥) التقصير، /وواد/ (٦) المجاوزة والتعدي، والقليل
_________________
(١) ساقط في (ب)، و(ج)، والمطبوع.
(٢) كذا في (أ)، وفي بقية النسخ، والمطبوع: (فليأتس)
(٣) في (ب)،و(ج)، و(د): (وأقلهم) . وقد صححه ناسخ (أ) بالهامش على ما أثبته، وهو كذلك في المطبوع، وفي "جامع بيان العلم وفضله"، وغيره من المراجع التي خرجت هذا الأثر. انظر الهامش التالي.
(٤) نقل المصنف كلام ابن مسعود هذا بتصرف. فقد ورد بلفظ: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا ". ورد في: جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (ت٤٦٣هـ)، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ٢/٩٧. جامع الأصول من أحاديث الرسول، لابن الأثير (٦٠٦هـ)، تحقيق محمد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط/١، ١٤٠٠هـ-١٩٨٠م، ١/١٩٩. شرح السنة للبغوي، ١/٢١٤. مشكاة المصابيح للتبريزي، ١/٦٧-٦٨. مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام، ٢٤/٣٢١-٣٢٢.
(٥) في (ب)، والمطبوع (وادي) بإثبات الياء، وهكذا في إغاثة اللهفان، وهو خطأ؛ إذ يجب حذف الياء للإضافة.
(٦) في (ب)، و(ج)، والمطبوع: (ووادي)، وهكذا في الإغاثة. وهو خطأ كالذي قبله.
[ ١ / ١٩٩ ]
منهم جدًا، الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، -وعدّ ﵀- كثيرًا من هذا النوع، إلى أن قال:- وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم، كإيمان جبريل وميكائيل، فضلًا عن أبي بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا (١) من الإسلام بالكبيرة الواحدة (٢) .
قال جامع الرسائل:
هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة، العظيمة المنافع، القاضية بالبراهين والأدلة القواطع. وصلى الله على محمد، وآله، وصحبه، وسلم [تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. ١٩ ذي ١٣٣١هـ] (٣) .
_________________
(١) في (ب)، و(د): خرجوا.
(٢) إلى هنا نهاية كلام الإمام ابن القيم في كتابه: "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان"، لابن قيم الجوزية (ت٧٥١هـ)، تصحيح وتحقيق محمد عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ومكتبة الخاني، الرياض، ط/١، ١٤٠٧هـ-١٩٨٧م،١/١٨٤-١٨٦.
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة في (ب) .
[ ١ / ٢٠٠ ]