الأصل الرابع: أن الكفر نوعان،
كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وهو أن يكفر بما علم أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله، جحودًا وعنادًا، من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه التي أصلها توحيده، وعبادته، وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه.
وأما كفر العمل، فمنه ما يضاد الإيمان، كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي، وسبه.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهذا كفر عمل، لا كفر اعتقاد، وكذلك قوله /ﷺ: (١) «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (٢)، وقوله: «من أتى كاهنًا فصدقه، أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد/ ﷺ / (٣) (٤)، فهذا من الكفر العملي،
_________________
(١) ساقط في (ب)، و(ج)، و(د)، والمطبوع.
(٢) انظر: صحيح البخاري مع الفتح، ١/٢٦٢، العلم، باب (الإنصات للعلماء) . صحيح مسلم بشرح النووي، ٢/٤١٥، الإيمان، باب (بيان معنى قوله ﷺ لا ترجعوا بعد كفارًا) . سنن أبي داود، ٥/٦٣، السنة، باب (الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه) . سنن الترمذي، ٤/٤٢١، الفتن، باب (ما جاء: "لا ترجعوا بعدي كفارًا") . سنن النسائي، ٧/١٢٦-١٢٧، تحريم الدم، باب (تحريم القتل) . سنن ابن ماجه، ٢/٣٦٦، الفتن، باب (لا ترجعوا بعدي كفارًا) .
(٣) زيادة في (ب)، و(ج) .
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، ٤/٢٢٥-٢٢٦، الطب، باب (في الكاهن)، بلفظ: "فقد برئ مما أنزل على محمد". وأخرجه أصحاب السنن بلفظ آخر: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد»، أخرجه بهذا اللفظ كل من: الترمذي في سننه، ١/٢٤٣، الطهارة، باب في كراهية إتيان الحائض، والدارمي (ت٢٥٥هـ) في سننه، بتحقيق فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع العلمي، نشر دار الريان، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت، ط/١، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م، ١/٢٧٥-٢٧٦، الطهارة، باب (من أتى امرأته في دبرها) .
[ ١ / ١٩٠ ]
وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي، وسبه، وإن كان الكل يطلق عليه الكفر، وقد سمى الله /سبحانه/ (١) من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه، مؤمنًا بما عمل به، /وكافرًا/ (٢) بما ترك العمل به. /قال/ (٣) تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٤) . فأخبر -سبحانه- أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، وأخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقًا آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفر بما أخذ عليهم، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي (٥) يضاده الكفر العملي (٦)، والإيمان الاعتقادي (٧) يضاده الكفر الاعتقادي (٨) .
وفي الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٩) /و/ (١٠) فرق بين
_________________
(١) ساقط في (ب) .
(٢) في (د): وكافر، وهو خطأ؛ لأنه مفعول سمّي.
(٣) في (أ)، و(د): وقال.
(٤) سورة البقرة: الآيات (٨٤، ٨٥) .
(٥) الإيمان العملي هو كالصلاة، والزكاة، والحج، والصوم.
(٦) الكفر العملي: كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وترك الصلاة.
(٧) الإيمان الاعتقادي كالمحبة والرضا والتصديق والإخلاص.
(٨) الكفر الاعتقادي: وهو جحود وعناد، كتكذيب ما جاء به النبي ﷺ من أسماء الرب وصفاته وأحكامه.
(٩) صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٣٥، الإيمان، خوف المؤمن أن يحبط عمله. صحيح مسلم بشرح النووي، ٢/٤١٤، الإيمان باب بيان قول النبي ﷺ سباب المسلم فسوق؛ سنن الترمذي، ٤/٣١١، البر ما جاء في الشتم؛ سنن النسائي، ٧/١٢١، تحريم الدم، باب قتال المسلم، سنن أبي داود ٢/٣٦٥-٣٦٦، الفتن، باب سباب المسلم.
(١٠) الواو ساقط في (ب) و(ج) والمطبوع.
[ ١ / ١٩١ ]
سبابه، وقتاله، وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به، والآخر/كفرًا/ (١)، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي، لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني، والسارق، والشارب، من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان (٢) .
وهذا التفصيل هو قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمها، فلا تلقى هذا المسائل إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين: /فريق/ (٣) أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار (٤)، و/فريق/ (٥) جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان (٦) . فأولئك غلوا، وهؤلاء جفوا، فهدى الله أهل السنة، للطريق المثلى، والقول الوسط (٧)، الذي هو في المذهب، كالإسلام في الملل (٨)، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم. فعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٩)
_________________
(١) في (ب)، و(ج)، و(د)، والمطبوع: كفر.
(٢) أي حين اقترافه لإحدى هذه الأمور. انظر: كتاب "الصلاة وحكم تاركها"، ص٥٧.
(٣) في (ب)، و(ج)، و(د) والمطبوع: فريقًا.
(٤) وهم الخوارج والمعتزلة. غير أن المعتزلة يخرجون صاحب الكبيرة من الإيمان، ولا يدخلونه في الكفر، ويقولون إنه في منزلة ما بين المنزلتين، ويتفقون مع غيرهم في تخليده في النار؛ بناءً على أصل مذهبهم في الوعيد، بأنه يجب على الله إنفاذه.
(٥) في (ب)، والمطبوع: فريقًا.
(٦) وهم المرجئة الذين لا يعتبرون الأعمال من الإيمان، وعليه فأهل الكبائر مؤمنون كاملو الإيمان، كما يقول الغلاة فيهم "لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة". وقد تقدم بيان مذهبهم في ص١٧٤.
(٧) تقدم قول أهل السنة في أصحاب الكبائر في ص١٧٥.
(٨) وقد ذكر وسطية الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية، [البقرة:١٤٣] .
(٩) سورة المائدة: الآية (٤٤) .
[ ١ / ١٩٢ ]
قال: "ليس هو بالكفر (١) الذي تذهبون إليه" رواه عنه سفيان (٢)، وعبد الرزاق (٣) (٤) .
وفي رواية عنه أخرى: "كفر لا ينقل عن الملة" (٥) . وعن عطاء (٦): "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (٧) .
وهذا بيّن في القرآن لمن تأمله، فإن الله -سبحانه- سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا (٨)، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرًا (٩)، وليس الكافران على حد سواء. وسمى الكافر ظالمًا،/كما/ (١٠) في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ
_________________
(١) الباء في قوله (بالكفر) ساقط في (ب) و(ج)، والمطبوع.
(٢) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الكوفي، ولد سنة (١٠٧هـ) حدث عن كثير من التابعين (ت١٩٨هـ) . انظر ترجمته: تاريخ بغداد، ٩/١٧٤. وتذكرة الحفاظ، ١/٢٦٢. وتهذيب التهذيب ٤/١١٧.
(٣) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع، صاحب المصنف، ولد سنة (١٢٦هـ)، حدث عن سفيان الثوري، وحدث عنه سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، (ت٢١١هـ) . انظر ترجمته: تذكرة الحفاظ، ١/٣٦٤. وسير الأعلام، ٩/٥٦٣. وتهذيب التهذيب، ٦/٣١٠.
(٤) ونص ما رواه عنه سفيان، وعبد الرزاق، هو قوله: "إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليسس كمن كفر بالله، واليوم الآخر". انظر: جامع البيان للطبري، ٦/٢٥٦. كتاب "الصلاة وحكم تاركها"، لابن القيم، ص٥٧.
(٥) جامع البيان للطبري، ٦/٢٥٦. وهي أيضًا رواية عن طاووس. انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة. الجامع لأحكام القرآن، ٦/١٢٤. كتاب "الصلاة وحكم تاركها"، لابن القيم، ص٥٧.
(٦) هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد القرشي، ولد في خلافة عثمان ﵁، وحدث عن عائشة، وأم سلمة، وغيرها، (ت١١٥هـ) . انظر ترجمته: طبقات ابن سعد، ٥/٤٦٧. سير الأعلام، ٥/٧٨. تهذيب التهذيب، ٧/١٩٩.
(٧) هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد القرشي، ولد في خلافة عثمان ﵁، وحدث عن عائشة، وأم سلمة، وغيرهما، توفي (١١٥هـ) . انظر ترجمته: طبقات ابن سعد، ٥/٤٦٧. سير الأعلام، ٥/٧٨. تهذيب التهذيب، ٧/١٩٩.
(٨) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤] .
(٩) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧] .
(١٠) ساقظ في (ب)، و(ج)، والمطبوع.
[ ١ / ١٩٣ ]
الظَّالِمُونَ﴾ (١) . وسمى من يتعد حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا (٢)، وقال ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣) .
وقال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، وقال آدم ﵇ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٥)، وقال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ (٦) . وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، وسمى الكافر
فاسقًا في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ (٨) وسمى العاصي فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩)، وقال في الذين يرمون المحصنات:
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١٠)، وقال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١١)، وليس
_________________
(١) ساقط في (ب)، و(ج)، المطبوع.
(٢) سورة البقرة: الآية (٢٥٤) .
(٣) سُمي من يتعد حدوده في تلك الأمور ظالمًا، في الآيات التالية: في الطلاق والرجعة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٣١] .
(٤) سورة الطلاق: الآية (١) .
(٥) سورة الأنبياء: الآية (٨٧) .
(٦) سورة الأعراف: (٢٣) .
(٧) سورة القصص: الآية (١٦) .
(٨) سورة البقرة: الآية (٢٦) .
(٩) سورة البقرة: (٩٩) .
(١٠) سورة الحجرات: الآية (٦) .
(١١) سورة النور: الآية (٤) .
[ ١ / ١٩٤ ]
الفسق كالفسوق.
وكذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر (١)، وشرك لا أنواع الشرك والنفاق ينقل عن الملة، وهو الأصغر، كشرك الرياء (٢) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ (٤)، وقال في شرك الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٥) . وفي الحديث: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٦) .
ومعلوم أن حلفه بغير لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم
_________________
(١) قال الراغب في المفردات: "وشرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يقال: أشرك فلان بالله، وذلك أعظم كفر. الثاني: الشرك الأصغر، وه مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق". المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني (٥٠٢هـ)، تحقيق محمد سيد كيلاني، طبعة الحلبي الأخيرة، ١٣٨١هـ-١٩٦١م، ٢٥٩-٢٦٠. وقال الذهبي -﵀-: "فأكبر الكبائر الشرك بالله تعالى، وهو نوعان، أحدهما: أن يجعل لله ندًا، ويعبد معه غيره، من حجر، أو شجر، أو قمر، أو نبي، أو شيخ، أو نجم، أو ملك أو غير ذلك، وهذا هو الشرك الأكبر ". كتاب الكبائر، للذهبي، دار الريان للتراث، القاهرة، ط/٢، ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م، ص٢٢.
(٢) وفيه ما رواه محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا سول الله؟ قال: «الرياء» . مسند الإمام أحمد، ٥/٤٢٨-٤٢٩.
(٣) ورة المائدة: الآية (٧٢) .
(٤) ورة الحج: الآية (٣١) . وقوله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ زائد في (د) .
(٥) ورة الكهف: (١١٠) . وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ تكملة مني من لمصحف، لضرورة بيان الشاهد. قال الترمذي في صحيحه: "وقد فسر أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الآية، قال: "لا يرائي". سنن الترمذي، ٤/٩٤.
(٦) نظر: سنن أبي داود، ٣/٥٧٠، الإيمان، باب (في كراهية الحلف بالآباء) . مسد الإمام أحمد، ٢/٨٧-١٢٥. مشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد
[ ١ / ١٩٥ ]
الكفار، ومن هذا قوله ﷺ «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» (١)، فانظر كيف انقسم الشرك والكفر، والفسوق والظلم، إلى ما هو كفر ينقل
_________________
(١) ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط/١، ١٣٨٠هـ-١٩٦١م، حديث رقم (٣٤١٩) . مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، دار صادر، بيروت، لبنان، ط/١، مطبعة مجلس دائرة المعارف بالهند، ١٣٣٣هـ، ١٣٥٩. سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/١٥٥. السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن حسين بن علي البيهقي (ت٤٥٨هـ)، دار الفكر، ١٠/٢٩.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ. وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٤/٤٠٣، بلفظ: «اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل» من حديث أبي موسى الأشعري. وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ)، نشر دار الريان للتراث، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت، ١٠/٢٢٣-٢٢٤. وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وقال:: ورجال أحمد رجال الصحيح، غير أبي علي، ووثقه ابن حبان. إن هذا الشرك الخفي، من أخطر ما يسري في هذه الأمة، خاصة في هذا العصر، فإذا كان الرسول ﷺ قد تخوف منه على أصحابه لخفائه، مع قوة إيمانهم، وكمال علمهم، فكيف بأهل هذا الزمان؟ الذين هم أقل علمًا، وإيمانًا، وإدراكًا لمخاطر الشرك الأكبر، فضلًا عن الأصغر، بل الخفي منه، فلا بد أن يكون الخوف عليهم أشد؛ إذ وقوعهم في مثل هذا أيسر، وقد لا ينجو منه إلا من رحم الله. وقد بينه ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] . قال: "الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صماء سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله، وشئت، وقول الرجل: لولا الله، وفلان، لا تجعلوا فلانًا، فإن هذا كله به شرك". رواه ابن أبي حاتم (٣٢٧هـ) في تفسير القرآن العظيم، مسندًا عن الرسول، والصحابة، والتابعين، نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ودار طيبة، ودار ابن القيم، ط/١، ١٤٠٨هـ، تحقيق د. أحمد عبد الله الغماري، ١/٨١. وما قاله ابن عباس، هو أكثر ما يدور على ألسنة كثير من أهل هذه الأمة؛ ولذلك حرص الصحابة -﵃- على معرفة كيفية اتقائه، فسألوه: وكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل، يا رسول الله؟ قال: «اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم» . رواه أحمد في مسنده، ٤/٤٠٣.
[ ١ / ١٩٦ ]
عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها.
وكذلك النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد، ونفاق عمل (١) . ونفاق الاعتقاد مذكور في القرآن في غير موضع، أوجب لهم تعالى به الدرك الأسفل من النار (٢)، ونفاق العمل جاء في قوله ﷺ «أربع من كن فيه كان منافقًا /خالصًا/ (٣)، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان» (٤)، وقوله ﷺ «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٥) .
وقال بعض الأفاضل (٦): "وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام، ولكن إذا
_________________
(١) يكون النفاق اعتقاديًا، إذا كان نفاقًا في اعتقاد الإيمان، فهو نفاق الكفر، الذي كان عليه المنافقون، أتباع أبي بن سلول، في عهد النبي ﷺ فالنفاق الاعتقادي: هو إظهار الإسلام، وإبطال الكفر، وهو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار. أما النفاق العملي: هو اختلاف السر مع العلانية في الواجبات. انظر هذا التقسيم لنوعي النفاق: كتاب "الصلاة وحكم تاركها"، لابن القيم الجوزية (٧٥١هـ)، ص٥٦-٥٧. ونقل الترمذي نحوه، عن الحسن البصري. سنن الترمذي، ٥/٢١.
(٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء:١٤٥] . ومن الآيات الواردة في النفاق الاعتقادي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:٨،١٤] .
(٣) في (ب)،و(ج)، و(د): حقًا.
(٤) انظر: صحيح البخاري مع الفتح، ١/١١١، الإيمان، باب (علامة المنافق)، بتقديم الخصلة الرابعة على كل الخصال. صحيح مسلم بشرح النووي، ٢/٤٠٦، الإيمان، باب (بيان الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه) . سنن الترمذي، ٥/٢٠-٢١، الإيمان، باب (ما جاء في علامة المنافق) . سنن النسائي، ٨/١١٦، الإيمان، باب (علامة المنافق) .
(٥) انظر: المراجع السابقة: البخاري، ١/١١١. مسلم، ٢/٤٠٧. الترمذي، ٥/٢٠. النسائي، ٨/١١٧.
(٦) يريد الإمام ابن قيم الجوزية؛ فهو صاحب القول المنقول هنا.
[ ١ / ١٩٧ ]
استحكم وكمل، فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى، وصام، وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، لم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا". انتهى (١) .
_________________
(١) ما بين القوسين كلام للإمام ابن القيم، منقول من كتابه "الصلاة وحكم تاركها"، ص٥٣-٥٩، بتصرف.
[ ١ / ١٩٨ ]