(الرِّسَالَةُ الثَامِنَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضًا –قدس الله روحه ونوّر ضريحه- رسالة إلى صالح بن عثمان ابن عقيل١، [سأله٢ عن السّمْتِ والهدي والاقتصاد، وعن التؤدة، وعن الرؤيا التي ذُكرت في الأحاديث ما معناها، وهل هذه الخصال جزء من أربع وعشرين جزء من النبوّة فأجابه –﵀ وعفا عنه-] ٣ /بما نصه/٤:٥
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم صالح بن عثمان بن عقيل –سلّمه الله تعالى- وتولاّنا وإيّاه في الدنيا والآخرة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما أنعم به من سوابغ نعمه، وألبس من ملابس فضله وكرمه، جعلنا الله وإيّاكم ممن عرف نعمة الله عليه، فاستعان بها فيما يقرِّبه إليه.
والوصية الجامعة العظمى، ما أوصى الله به سبحانه من التقوى، وتفاصيلها على القلوب والجوارح بحسب الأحوال والأوقات، لا يخفى على من له /به/٦ اهتمام، وله إليه التفات، والأحاديث التي سألت عن معناها٧، قد تكلم عليها
_________________
(١) ١ لم أطلع على ترجمته. ٢ هنا زيادة كلمة (فيها) وهي غير صالحة هنا، لأنه بذلك يقتضي كون الرسالة من الشيخ وليس كذلك. ٣ ما بين المعكوفين زيادة في (ب) . ٤ في (أ) و(ج) والمطبوع: وهذا نصها. ٥ هذه المقدمة كلها ساقطة في (د) . ٦ ساقط في (د) . ٧ الظاهر أنّ من بين الأحاديث التي سأل عن معناها:
[ ١ / ٤٢١ ]
بعض العلماء بما حاصله: أنَّ السَّمْت١ والهدي، في حالة الرجل ومذهبه وخلقه، وأصل السمت في اللغة: الطريق المنقاد٢، ثم نقل لحالة الرجل وطريقته في المذهب والخلق.
والاقتصاد: سلوك القصد في الأمر، والدخول فيه برفق، وعلى سبيل يمكن الدوام عليه٣، وأمّا التؤدة: فهي التأنِّي والتمهُّل، وترك العجلة وسبق الفكر والرؤية للتلبس في الأمور.
وأما كون هذه الخصال /جزءًا/٤ من أربع وعشرين /جزءًا/٥ من النبوة، فقد قيل: إنّ هذه الخلال من شمائل الأنبياء ﵈، ومن الخصال المعدودة من
_________________
(١) = (أ) حديث حذيفة: عن عبد الرحمن بن يزيد قال: سألنا حذيفة عن رجل قريب السَّمت والهدي من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه، فقال: ما أعرف أحدًا أقرب سمتًا وهديًا من النبي ﷺ من ابن أم عَبد. يعني ابن مسعود. صحيح البخاري مع الفتح ٧/١٢٨، فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁، قال ابن حجر –﵀- في معنى الحديث: (سمتًا) أي خشوعًا، (وهديًا) أي طريقة، (ودلالة) أي سيرة وحالة وهيئة. فتح الباري ٧/١٢٨. (ب) عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد، جزء من خمس وعشرين جزءًا من النبوة) . سنن أبي داود ٥/١٣٦، الأدب باب في الوقار؛ سنن الترمذي ٤/٣٢١-٣٢٢، البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة، وقال الترمذي: (حديث حسن غريب) وفي إسناده: قابوس بن أبي ظبيان، لا يحتج بحديثه. انظر التعليق بهامش سنن أبي داود ٥/١٣٧. ١ السَّمت: حسن النحو في مذهب الدين، يقال: إنه لحسن السمت، أي: حسن القصد والمذهب في دينه ودنياه. لسان العرب ٢/٤٦، مادة (سمت) . ٢ المرجع السابق، نفس الصفحة. ٣ هذه المعاني يذكرها المصنف هنا، هي ما فسّر بها الخطابي لحديث ابن عباس المتقدم ذكره آنفًا. انظر معالم السنن المطبوع مع سنن أبي داود ٥/١٣٦. ٤ في (ج) و(د): جزء. ٥ في (ج) و(د): جزء.
[ ١ / ٤٢٢ ]
خصالهم، /وأنها/١ جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها قالوا: وليس معنى الحديث أن النبوّة تتجزّأ، ولا أنَّ من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوّة؛ فإنَّ النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلبة بالأسباب٢، وإنما هي كرامة من الله تعالى، وخصوصيّة لمن أراد الله إكرامه من عباده، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، فقد انقطعت النبوّة بمحمد ﷺ.٤
وفيه وجه آخر وهو: أن يكون معنى النبوة ها هنا، ما جاءت به النبوّة، ودعت إليه
_________________
(١) ١ ساقط في (د) . ٢ كما يقوله الباطنية والفلاسفة. انظر: الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام، ليحيى بن حمزة العلوي (٧٤٥هـ)، تحقيق: فيصل بدير عون، نشر منشأ المعارف بالإسكندرية، مصر ص٢٠-٢١؛ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، عقائدها وحكم الإسلام فيها، د. محمد أحمد الخطيب، مكتبة الأقصى، الأردن ط/٢، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م، ص٩٦. ٣ سورة الأنعام الآية (١٢٤) . ٤ معالم السنن بحاشية سنن أبي داود ٥/١٣٦-١٣٧. *هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وقد خالف هذا المعتقد السليم، فرقة القاديانية (الأحمدية) التي تدّعي لنفسها نبيًا بعد رسول الله محمد ﷺ؛ وهو "غلام أحمد القادياني" المولود في قرية قاديان، من إحدى قرى البنجاب في باكستان، عام ١٨٣٩م، وقد توفي هذا المتنبي سنة ١٩٠٨م، [القاديانية دراسات وتحليل، للأستاذ إحسان إلهي ظهير، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ط/١، ١٣٨٧هـ- ١٩٦٧م، ص٢٦٨-٢٢؛ وما هي القاديانية، لأبي الأعلى المودودي، طبعة عام ١٣٨٩هـ- ١٩٦٩م، ص٩،١٩،١٧٥] . ولا شك أنّ خروج مثل هذا النبي إن هو إلا تصديقًا لقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، الذي لا ينطق عن الهوى؛ إذ أنه ﷺ قد أخبر بأنه سيكون كذّابون يدَّعون النبوة بعده، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجَّالون كذّابون قريب من ثلاثين، كلُّهم يزعم أنه رسول الله". صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٨٨، الفتن، باب (٢٥) حدّثنا مسدّد؛ صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/٢٦٠، الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر رجل فيتمنّى أن يكون مكان الميت من البلاء، (٨٤) . فغلام أحمد القادياني أحد ألئك الكذّابين الثلاثين.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الأنبياء ﵈؛ يعني أن هذه الخلال من خمسة وعشرين جزءًا مما جاءت به النبوّات، ودعت إليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد أُمرنا بإتباعهم في قوله ﷿: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
قالوا: وقد يحتمل وجهًا آخر وهو: أن من اجتمعت له هذه الخصال، لقيه الناس بالتعظيم والتوقير، وألبسه الله لباس التقوى، الذي يلبسه أنبياءه، فكأنّها جزءٌ من النبوّة٢.
قلت: وما قبل هذا أليق بمعنى الحديث.
وأما حديث الرُّؤيا٣، فقيل٤، معناه: تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وهو جزء من أجزاء النبوّة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم، لأنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ. قال عمرو بن دينار٥ عن عبيد بن عمير٦: (رؤيا الأنبياء ﵈ وحيٌ، وقرأ قوله ﷿: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ٧) .٨
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية (٩٠) . ٢ إلى هنا انتهى كلام الخطابي الذي حكاه المصنف ابتداءاّ من أول جوابه: (والأحاديث التي سألت عن معناها قد تكلم عليها بعض العلماء ) ص٤٢٢. انظر: معالم السنن بحاشية أبي داود ٥/١٣٦-١٣٧. ٣ هو حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة". وفي رواية أبي سعيد الخدري: (الرُّؤيا الصالحة ) الحديث؛ صحيح البخاري مع الفتح ١٢/٣٨٩-٣٩٠، التعبير باب الرؤيا الصالحة. ٤ القائل هو الإمام الخطابي –﵀- في معالم السنن، المطبوع مع سنن أبي داود ٥/٢٨١. ٥ هو عمرو بن دينار أبو محمد الجمحي مولاهم، المكي الأثرم، الإمام الحافظ، أحد الأعلام، سمع من الصحابة. سير الأعلام ٥/٣٠٠؛ تهذيب التهذيب ٨/٢٨. ٦ هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجنُدعي المكي الواعظ المفسر، ولد في حياة رسول الله ﷺ. كان من ثقات التابعين وأئمّتهم بمكة. (ت٧٤هـ) . أسد الغابة ٣/٣٥٣، تذكرة الحفاظ ١/٥٠، سير الأعلام ٤/١٥٦. ٧ سورة الصافات الآية (١٠٢) . ٨ صحيح البخاري مع الفتح ١/٢٨٧-٢٨٨، الوضوء، باب التخفيف في الوضوء.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وأما تحديد الأجزاء بالعدد المذكور في الحديث، فقد قال فيه بعض أهل العلم: إنه أوحي إليه ﷺ بمكة ستة أشهر في منامه، ثم توالى الوحي يقظةً إلى أن توفي ﷺ وكانت مدة الوحي ثلاثًا وعشرين سنة، منها نصف سنة في أول الأمر، يوحى إليه في منامه، ونسبة الستة الأشهر لبقيّة مدة الوحي، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
وسئل بعض أهل العلم عن هذا الحديث قال: معناه أنّ الرؤيا تجيء على موافقة النبوّة لأنها جزء من باق النبوّة.
وقال بعضهم: إنها جزء من أجزاء علم النبوّة، /وعلم النبوّة/١ باقٍ، والنبوّة غير باقية بعد رسول الله ﷺ. "ذهبت النبوّة وبقيت المبشِّرات، الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له "٢،.٣
وعندي أن النبوة التي هي الوحي بشرائع الأنبياء، عبارة عن نبأ أو شأن عظيم في القوة، وإفادة اليقين، والرؤيا الصالحة التي هي من أقسام الوحي جزء باعتبار القوة، وإفادة العلم من ستة وأربعين جزءًا، ولا يقتضي هذا تجزؤ النبوة، وأنها مكتسبة، ولا إطلاق اسم النبوة على هذا الجزء، لأن المسمى هو الكل المستجمع لجميع الأجزاء فلا
_________________
(١) ١ ساقط في المطبوع. ٢ الجزء الأول من الحديث: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات" أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/٣٨١، وابن ماجة في سننه ٢/٣٥٥، التعبير، باب الرؤيا الصالحة. والدارمي في سننه ٢/١٦٦، الرؤيا، باب ذهبت النبوّة، قال الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ٣/١٥٨: (صحيح) . وورد الجزء الآخر، في رواية مسلم: "لم يبق من مبشرات النبوّة إلاّ الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له". صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٤٤٢، الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. وأخرجه النسائي في سننه ٢/١٨٩-١٩٠، الافتتاح، باب تعظيم الرب في الركوع. وابن ماجة في سننه ٢/٣٥٦، الرؤيا، باب الرؤيا الصالحة. ٣ إلى هنا ينتهي كلام الخطابي في معالم السنن بحاشية سنن أبي داود ٥/٢٨١.
[ ١ / ٤٢٥ ]
محذور. ويمكن أن يقال هذا فيما تقدم من قوله: "الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمس وعشرين جزءًا١ من النبوة" ٢. هذا ما ظهر لي، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم /تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. تحريرًا في ٢٩ صفر ١٣١٩هـ/٣.
_________________
(١) ١ في (ج) و(د): جزء. ٢ تقدم تخريجه في ص ٤٢٢. ٣ ساقط في جميع النسخ. مثبت في (أ) .
[ ١ / ٤٢٦ ]