(الرسالة الرابعة) (١):
قال جامع الرسائل
وله أيضا – قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه- رسالة إلى محمد بن علي آل موسى، في مسألة السفر إلى بلاد المشركين، وقد ذكر له –أعني محمد بن علي- من جهة فتوى الإمام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فيمن في حكم من يسافر إلى بلاد المشركين. يسافر إلى بلد المشركين، فشرح ووضح ما أفتى به والده، فكشف القناع عن محاسن معانيها، وقطع – بالوجوه الساطعة الأسارير، الراسخة مبانيها- جميع ما يتعلق به كل مبطل، وأزاح بما أبداه، غبار كل مشكل.
وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم محمد بن علي آل موسى، سلّمه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وسبق إليك خط مع البداة (٢)، أشرت لك فيه إلى المسألة التي ذكرت لي من جهة فتوى الوالد الشيخ –قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه- فيمن يسافر إلى بلاد المشركين. وفي هذه الأيام ورد علينا خط من ولد العجيري (٣)، ذكر فيه أنّ لفظ الوالد في جوابه، قوله:" وأما السفر إلى بلدان المشركين للتجارة، فقد عمّت به البلوى، وهو نقص في
_________________
(١) في (ب): جاءت هذه الرسالة متأخرة، في لوحة ١٤٩-١٥٣؛ أي بعد الرسالة (٦٢) حسب ترتيب (أ) . وقد وردت أيضًا في " الدرر السنيّة"، ٧/١٥٩-١٦١.
(٢) هكذا في جميع النسخ: (البداة) .
(٣) لم أعرفه. وجاء في" علماء نجد":" وأسرة العجيري تقيم في حوطة بني تميم، وليسوا منهم". انظر: علماء نجد خلال ستة قرون، ٢/٥١٤.
[ ١ / ٢٣٧ ]
دين من فعله (١)؛ لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين، فينبغي هجره وكراهته.
وهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سبّ ولا ضرب، ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله، ولو لم يكن حاضرًا. والمعصية إذا وُجدت أُنكرت على من فعلها، أو رضيها إذا اطلع عليها". انتهى ما نقله.
وهذه العبارة -بحمد الله- ليس فيها ما يتعلق به كل مبطل؛ لوجوه؛ منها:
أنّ الذي وقع في هذه الأعصار -وكلامنا بصدده- أمر يجلّ عن الوصف، وقد اشتمل مع السفر على منكرات عظيمة، منها: موالاة المشركين، وقد عرفتم ما فيها من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وعرفتم أنّ مسمى الموالاة، يقع على شُعَب متفاوتة، منها ما يوجب الردّة وذهاب الإسلام بالكليّة، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات. وعرفتم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢) أنّها نزلت فيمن كاتب المشركين بسرِّ رسول الله ﷺ (٣)، وقد جُعل ذلك من الموالاة المحرمة، وإن اطمأنّ قلبه بالإيمان.
وكذلك من رأى أن في ولايتهم مصلحة للناس والحضر، وهذا واقع مشاهد تعرفونه من حال أكثر هؤلاء الذين يسافرون إلى تلك البلاد، وربّما نقل بعضهم من
_________________
(١) إنّ هذا يكون نقصًا في الدين، بحسب المسافر إلى تلك البلدان، من حيث القوة أو الضعف في إيمانه؛ إذ قد سافر بعض الصحابة –رضوان الله عليهم-إلى بلدان المشركين للتجارة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ فمتى كان المسلم على ثقة، وقوة في إيمانه، قادرًا على إظهار دينه، ومصارحة الكفار بفساد ما هم عليه، فمثل هذا يجوز له السفر إليهم للتجارة، ولا يكون ذلك نقصًا في دينه. أما من كان دونه، فهذا الذي يخشى عليه الفتنة بمخالطتهم. انظر: رسالة حكم السفر إلى بلاد الشرك، لسليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن " الجامع الفريد"، ط/٣، ص ٣٧٦.
(٢) سورة الممتحنة: الآية (١) .
(٣) وهو حاطب بن أبي بلتعة ﵁. انظر: أسباب النزول، للواحدي، ص٤٢١.
[ ١ / ٢٣٨ ]
المكاتبات إلى أهل الإسلام ما يستفزّونهم به، ويدعونهم إلى طاعتهم، وصحبتهم، والانحياز إلى ولايتهم، فالذي يظهر هذه الفتوى، ويستدلّ بها على مثل هذه الحال، من أجهل الناس بمدارك الشر، ومقاصد أهل العلم، وهو كمن يستدل بتقبيل الصائم على أن الوطء لا يبطل صيامه.
وهذا من جنس ما حصل من هؤلاء الجهلة، في رسالة ابن عجلان (١)، وما فيها من الاستدلال على جواز خيانة الله ورسوله، وتخلية بلاد المسلمين، وتسليط أهل الشرك عليها، وأهل التعطيل والكفر بآيات الله، وغير ذلك من ظهور سلطانهم، وإبطال الشرع بالكليّة، بمسألة خلافية في جواز الاستعانة بمشرك ليس له دولة، ولا صولة، ولا دخل في الرّأي (٢)، مع أنها من المسائل المردودة على قائلها، كما بسط في غير موضع، وبالجملة، فإظهار مثل هذه الفتوى في هذه الأعصار، من الوسائل المفضية إلى أكبر محذور، وأعظم المفاسد والشرور، مع أنّ عبارة الشيخ، إذا تأمّلها المنصف، وجد فيها ما يرد على هؤلاء المبطلة.
وقول الشيخ "عمّت به البلوى" يبيّن أنّ الجواب في الجاري في وقته، مع ظهور الإسلام وعزته، وإظهار دين من سافر إلى جهاتهم، وليس ذلك ما في السفر إليهم في هذه الأوقات؛ إذ هو مسالمة وإعراض عما وجب من فروض العين. وإذا هجم العدوّ، وصار الجهاد فرض عين، يحرم تركه، ولو للسفر المباح، فكيف بهذا السفر؟!
_________________
(١) هو محمد بن إبراهيم بن عجلان المطرفي العنزي، ولد بالرياض، كان كفيف البصر وقت الفتنة بين أبناء فيصل بن تركي، وكان ممن أجاز لعبد الله الاستعانة بالجنود العثمانية –مع ما هم عليه من مخالفة لخالص التوحيد-وألف في ذلك رسالة، فرد عليه الشيخ عبد اللطيف. علماء نجد خلال ستة قرون، ٣/٧٧٩.
(٢) مسألة الاستعانة بالمشرك في الغزو: هذه مسألة خلافية، كما أشار إليها المصنف، وقد ذهب العلماء فيها مذهبين: الأول: ذهبت جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين مطلقًا، وتمسكوا بحديث عائشة –﵂وهو قوله ﷺ للرجل المشرك الذي أدركه ليتبعه إلى بدر:" ارجع؛ فلن أستعين بمشرك ". والحديث أخرجه الإمام مسلم في صخيخه، ١٢/٤٣٩؛ والترمذي في سننه، ٤/١٠٨؛ وأبو داود في سننه، ٣/١٧٢؛ وابن ماجه في سننه، ٢/١٤٢. قالوا: هذا الحديث ثبت عن النبي ﷺ، وما يعارضه لا يوازيه في الصحة والثبوت، فتعذّر ادعاء النسخ لهذا،. انظر بدائع الفوائد ٣/١٠٢. الثاني: ذهبت الشافعية وآخرون إلى جواز الاستعانة بهم، ولكن بشروط هي: -أن يكون في المسلمين قلة، ودعت الحاجة إلى الاستعانة بهم. -أن يكون الكافر حسن الرأي في المسلمين، وممن يوثق به. -ألاّ يكون له دخل في الرأي ولا مشورة. -ألاّ يكون للمشرك صولة ولا جولة يخشى منها. انظر نيل الأوطار ٨/٢٥٤؛ المغني مع الشرح الكبير ١٠/٤٥٦. وقد استدل هؤلاء على مذهبهم بالآتي: أ-ما رواه ابن عباس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ استعان بيهود بني قينقاع، أخرجه البيهقي في الكبرى ٩/٥٣؛ وأورده سعيد بن منصور في سننه برقم (٢٧٩٠) . ب-"أنّ النبي ﷺ استعان بصفوان بن أميّة قبل إسلامه، فشهد حنينًا، والطائف، وهو كافر". أخرجه الإمام مالك في الموطأ ٢/٥٤٣-٥٤٤، النكاح، باب (نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله) . والحديث أورده الذهبي في "سير الأعلام" ٢/٥٦٥؛ قالوا: إن حديث عائشة –﵂كان يوم بدر، وفي الحديث كان استعانته ﷺ بهؤلاء يوم حنين، فهو متأخر، ناسخ لحديث عائشة، فتعيّن المصير إليه. وإلى هذا الرأي الثاني ذهب الإمام ابن القيم –﵀فقد قال –حين تحدّث عن فوائد صلح الحديبية-: " ومنها: أنّ الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة، عند الحاجة، لأنّ عينه الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذ أخبارهم"، زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط/٢٦، ١٤١٢هـ-١٩٩٢م، ٣/٣٠١.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وأيضًا، فكلام الشيخ يحمل على ما ذكره الفقهاء، في أن عامة الناس ليس لهم أن يفتاتوا (١) على ولي الأمر في الحدود والتعزيرات، إلاّ بإذنه. وقد عرفتم حال أكثر الولاة في عدم الاهتمام بهذا الأصل، فالافتيات علم بالحبس، والضرب، ونحو
_________________
(١) الافتيات: من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يؤتمر، وافتات عليه في الأمر: حكم، وكل من أحدث دونك شيئًا، فقد افتات به، وافتات بأمره: أي مضى عليه، ولم يستشر أحدًا. لسان العرب ٢/٦٩، مادة (فوت) .
[ ١ / ٢٤٠ ]
ذلك، مفسدة تمنعها الشريعة ولا تقرها، و"درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح" (١)،فهذا، يوجب للشيخ وأمثاله، مراعاة المصلحة الشرعية، في الفتاوى الجزئية، لا سيّما في مخاطبة العامة. وقول الشيخ –لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين- صريح في أن الكلام فيمن لم يفتتن بدينه، وقد عرفتم حال أكثر الناس في هذا الوقت، أقل الفتنة أن يستخف بدينه (٢)، وجمهورهم يظهر الموافقة بلسان الحال، أو لسان المقال، فهذا الضرب ليس داخلًا في كلام الشيخ، ﵀.
وقوله: "فينبغي هجره وكراهيته"، فيه بيان ما يستطيعه كل أحدٍ، وأمّا ولاة الأمور ومن له سلطان أو قدرة، فعليه تغيير المنكر باليد، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبالقلب، وهذا نص الحديث النبوي (٣)، فلا يجوز العدول عنه، وإساءة الظن بأهل العلم، بل يحمل كلامه على ما وافقه، والمصر المكابر لا ينتهي إلاّ إذا غُيِّر فعله
_________________
(١) هذه قاعدة أصولية، معمول بها في الشرع. الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، (٩١١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، ١٤٠٣هـ، ص٨٧، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، لزين العابدين بن إبراهيم بن نجيم، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، طبعة عام ١٤٠٠هـ-١٩٨٠م، ص٩٠. شرح القواعد الفقهية، لأحمد بن السيخ محمد الزرقا (ت١٣٥٧هـ)، ط/٢، دار القلم، ١٤٠٩هـ، ص٢٠٥.
(٢) وقد ذكر الله –﷾في كتابه، أمثال هؤلاء الناس الذين لا يثبتون عند أدنى فتنة تعترضهم، قال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] . قال القرطبي في معنى عبادة الله على حرف: "وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، لضعف القائم على حرف مضطرب فيه". الجامع لأحكام القرآن، ١٢/١٣. فهذا الذي يصل إلى درجة الاستخفاف بدينه، لا شك في كونه ضعيفًا في عبادته ويقينه، وإن لم يوصله ذلك إلى درجة الكفر بالله تعالى.
(٣) هنا أورد الشيخ –﵀الحديث بالمعنى- أما نصه فهو عند مسلم، من حديث أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٣٨١، الإيمان، باب (كون النهي عن المنكر من الإيمان)، وأخرجه أصحاب السنن: سنن أبي داود ١/٦٧٧-٦٧٨، الصلاة، باب (الخطبة يوم العيد) . سنن الترمذي، (٤/٤٠٨، الفتن باب (ما جاء في تغيير المنكر) . سنن النسائي ٨/١١١-١١٢، الإيمان باب (تفاضل أهل الإيمان) . سنن ابن ماجة ٢/٣٨٢، الفتن باب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .
[ ١ / ٢٤١ ]
بالأدب والحبس، وهو داخل في عموم الحديث.
وقد شاهدنا من الوالد –﵀- تعنيف هذا الجنس وذمّمهم، وذكر حكم الله ورسوله في تحريم مخالطة المشركين، مع عدم التمكن من إظهار الدين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن التعزيزات تفعل بحسب المصلحة، وليس لها حدّ محدود، بل بحسب ما يزيل المفسدة، ويوجب المصلحة، وذكر قتل شارب الخمر في رابعة، وأنه من هذا الباب، وأشار إلى ذلك في اختياراته (١) وكذلك غيره من المحققين، ذكروا أنّ
_________________
(١) انظر: الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية، ص٢٩٩-٣٠٠؛ مجموع الفتاوى ٢٨/٣٦٦. مسألة قتل شارب الخمر في الرابعة: هذه المسألة مختلف فيها عند العلماء على قولين: القول الأول: وهو لبعض العلماء، منهم بعض أهل الظاهر، والحسن البصري، قالوا بأنّ من شرب الخمر في الرابعة يقتل. المحلى لابن حزم ١٣/٤٢٦؛ واستندوا في ذلك على ما رواه معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه " سنن أبي داود ٤/٦٢٣-٦٢٤، الحدود باب (إذا تتابع في شرب الخمر) . سنن الترمذي ٤/٣٩، الحدود باب (ما جاء في " من شرب الخمر فاجلدوه ") . سنن النسائي ٨/٣١٣، الأشربة. سنن ابن ماجة ٢/٨٩، الحدود، باب (من شرب الخمر مرارًا) . فالحديث صريح في أمر النبي ﷺ بقتل شارب الخمر في الرابعة. القول الثاني: ذهب جمهور العلماء –منهم الأئمة الأربعة-إلى أنه لا يقتل، ويكتفى فيه بالحد. المحلى لابن حزم ١٣/٤١٩. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لمحمد بن عبد الرحمن المبارك فوري (ت١٣٥٣هـ)، نشر المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة، ط/٢، ١٣٨٥هـ، ٤/٧٢٤. واستدلوا على ذلك بالآتي: ما أخرجه أبو داود والترمذي، من حديث الزهري، عن قبيصة، أنّ النبي ﷺ قال: " من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه " فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده، ورفع القتل. سنن أبي داود ٤/٦٢٥-٦٢٦، الحدود، باب (إذا تتابع في
[ ١ / ٢٤٢ ]
_________________
(١) = شرب الخمر) . سنن الترمذي ٤/٤٠. قال الترمذي بعد إيراده لهذا الحديث: "والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك، في القديم والحديث". قال الجمهور: أحاديث القتل منسوخة بحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ". صحيح البخاري مع الفتح ٢٢٠٩، الديات باب (قولع تعالى: ﴿﴾ .. إلخ) . صحيح مسلم بشرح النووي ١١/١٧٦، القسامة باب (ما يباح به دم امرئ مسلم إلخ) . سنن النسائي ٧/٩٠، تحريم الدم باب (ذكر ما يحل به دم المسلم) . سنن ابن ماجة، الحدود باب (لا يحل دم.. إلخ) . وانظر: المحلى لابن حزم، ١٣/٤٢٢-٤٢٤. فالحديث خص حلّ الدم في هؤلاء الثلاثة، ولم يذكر فيهم شارب الخمر. قال شارح تحفة الأحوذي بعد نقله لحديث أبي صالح عن معاوية، في القتل، الذي استدل به أصحاب القول الأول قال: " وإنما كان هذا في أول الأمر، ثم نسخ بعد. تحفة الأحوذي ٤/٧٢٣. قال الترمذي: "إن حديث القتل غير معمول به عند أهل العلم،". تحفة الأحوذي ٤٧٢٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقتل عند أكثر العلماء منسوخ". مجموع الفتاوى، ٢٨/٣٣٦. الإجماع: استدلوا بإجماع العلماء على أن السكران في المرة الرابعة، لا يجب عليه القتل، نقل هذا الإجماع الإمام ابن المنذر (٣١٨هـ) في كتابه: الإجماع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م، ص٧١. قال النووي: "وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها، وإن تكرر ذلك منه. هكذا حكى الإجماع فيه الترمذي وخلائق. وحكى القاضي عياض -رحمه لله تعالى- عن طائفة شاذة، أنهم قالوا: "يقتل بعد جلده أربعه مرات، للحديث الوارد في ذلك". وهذا القول باطل، مخالف لإجماع الصحابة، فمن بعدهم، على أنه لا يقتل، وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات. وهذا حديث منسوخ، قال جماعة: "دلّ الإجماع على نسخه". شرح صحيح مسلم للنووي ١١/٢٢٨. وهذا القول الثاني، هو الراجح لقوة استدلال الجمهور، وثبوت الإجماع على عدم القتل في الرابعة، ونسخ ذلك، وعليه فالشارب في الرابعة لا يقتل حدًاَ. غير أنّ العلماء قد أجازوا للإمام قتله تعزيرًا، فيما لو رأى في ذلك مصلحة راجحة، وذلك لعدم وجود تقدير في التعزير على الكبائر. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، للدكتور أحمد الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط/٣، ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م، ٦/٢٠١.
[ ١ / ٢٤٣ ]
التعزير على الكبائر والمحرمات غير مقدّر، بل هو بحسب المصلحة (١) . وهذه قواعد كليّة، تدخل فيها تلك القضيّة الجزئيّة.
وقول الشيخ:" والمعصية إذا وجدت أُنكرت على من فعلها أو رضيها" /ليس/ (٢) فيه أنّ الانكار بمجرّد القول، بل هو بحسب المراتب الثلاث المذكورة في الحديث، /وإلا لخالف نص الحديث/ (٣)، بل يتعيّن حمل كلام الشيخ عليه لموافقة الحديث، لا على ما خالفه، وأسقط من النكار ركنه الأعظم، ومن شم رائحة العلم، لم يعرض هذه الفتوى لأهل هذه القباثح الشنيعة، ويجعلها وسيلة إلى مخالفة واجبات الشريعة، ومثل هذا الذي أظهر هذه الفتوى، يجعله بعض المنتسبين، منفاخًا ينفخ به ما يستتر من إظهاره وإشاعته. والواجب على مثلك النظر في أصول الشريعة، ومعرفة مقادير المصالح والمفاسد. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ الآية (٤) . وانظر ما ذكره المفسّرون، حتّى أدخل بعضهم لياقة الدواة، وبري القلم في الركون (٥)؛ وذلك لأنّ ذنب الشرك أعظم ذنب عصي الله به (٦)، على اختلاف /رتبه/ (٧)، فكيف إذا انضاف إليه ما هو أفحش منه، من الاستهزاء بآيات الله، وعزل أحكامه وأوامره، وتسمية ما خالفه وضاده بالعدالة، والله
_________________
(١) انظر: فتح القدير، لابن الهمام، ٥/٢١٢. حاشية رد المختار، ٤/٦٠. المغني مع الشرح الكبير، ١٠/٣٤٧. الفروق للقرافي، ٤/١٧٧.
(٢) في (د): (ليست) .
(٣) في (د): ولا مخالف لنص الحديث) .
(٤) سورة الإسراء: الآية (٧٤) .
(٥) لم أجد من أدخل ذلك في الركون مما اطلعت عليه من كتب المفسرين.
(٦) ومن أجل عظمته، كان الذنب الوحيد الذي لا يغفر الله لصاحبه، إن لم يتب منه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . [النساء:٤٨]
(٧) في (د): (رتبته) .
[ ١ / ٢٤٤ ]
يعلم، ورسوله، والمؤمنون، أنّها الكفر، والجهل، والضلالة؟! ومن له أدنى أنفة، وفي قلبه نصيب من الحياة، يغار لله، ورسله، وكتابه، ودينه، ويشتدّ إنكاره، وبراءته في كل محفل وكل مجلس، وهذا من الجهاد، الذي لا يتحصل جهاد العدو إلا به، فاغتنم إظهار دين الله والمذاكرة به، وذمّ ما خالفه، والبراءة منه ومن أهله. وتأمّل الوسائل المفضية إلى هذه المفسدة الكبرى، وتأمّل نصوص الشارع في قطع الوسائل والذرائع (١) .
وأكثر الناس ولو تبرأ من هذا ومن أهله فهو جند لمن تولاّهم، وأنس بهم، وأقام بحماهم، والله المستعان.
وهذا الخط اقرأه على من تحب من إخوانك. وبلّغ سلامي والدك، وخواص الإخوان، والسلام.
_________________
(١) والنصوص التي تأمر بقطع الروابط والوسائل بين المؤمنين وغيرهم، كثيرة جدًا؛ منها: قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨] وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠] . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١] . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود:١١٣] . وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] . وغير ذلك من الآيات. وقد تقدّم ذكر بعض الأحاديث في هذا الشأن، ص٢٤١. وكلها تأمر المؤمن بمجانبة الكفار، وقطع الموالاة بينه وبينهم، وعدم اتخاذهم أولياءً، إذ إنًهم -مهما كانوا-لا يرضون منه أقل من أن يروه قد ارتد عن دينه. ولا مفسدة أكبر من ذلك، فسد جميع الوسائل الموصلة إليه.
[ ١ / ٢٤٥ ]