(الرِّسَالَةُ الرابعَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل
وله أيضًا -قدّس الله روحه ونوّر ضريحه- رسالة إلى محمد بن عون، نزيل عمان، وسبب ذلك: أوراق ألقيت إلى حضرة الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ عبد اللطيف -﵀- حاصلها التلبيس والتشويش على عوام المسلمين. فأجابه -رحمه الله تعالى- بما كشف عن قناع هذه الشبهة الباطلة، /والتمويهات التي هي عن الصراط السوي مائلة/٢ مع أنَّ صاحبها من الجهلة الطغام، ومن جملة سائمة الأنعام.٣ وهذا نص الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: محمد بن عون، سلمه الله تعالى، وأعانه على ذكره وشكره، ووفقه للجهاد في سبيله، ومراغمة من تجهَّم، أو نافق، أو ارتدَّ، من أهل دهره، وعصره؛ سلام عليكم ورحمة الله، وبركاته.
وبعد:
فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو على ما منّ به من سوابغ إنعامه، وجزيل فضله وإكرامه.
والخط وصل، وصلك الله ما يرضيه، وسرّنا سلامتكم وعاقيتكم.
وما ذكرت صار معلومًا، والواجب على المكلفين، في كل زمان ومكان، الأخذ بما صح وثبت، عن رسول الله ﷺ، وليس لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره.
_________________
(١) ١ في (ب) جاءت هذه الرسالة في ص ١٧٩-١٨٣. وررد هذه الرسالة في الدرر السنية ٣/٣٢٢-٣٢٦. ٢ زائد في جميع النسخ. ٣ وصف جامع الكتاب صاحبَ الأوراق بذلك، لأن أهل الضلال كالأنعام، بل هم أضلّ، كما وصفهم اتلله بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] .
[ ١ / ٣٦٠ ]
ومن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه، فعليه بما كان عليه السلف الصالح، والصدر الأول، فإن لم يدر شيئًا من ذلك، وصح عنده عن أحد من الأئمة الأربعة المقلَّدين، الذين لهم لسان صدق في الأمة، فتقليدهم سائغٌ حينئذٍ.
فإن كان المكلَّف أنزل قدرًا، وأقل علمًا، وأنقص فهمًا، من أن يعرف شيئًا من ذلك، فليتق الله ما استطاع، وليقلد الأعلم من أهل زمانه، أو من قبلهم، خصوصًا من عُرِف بمتابعة السًنَّة، وسلامة العقيدة، والبراءة من أهل البدع؛ فهؤلاء أحرى الناس، وأقربهم إلى الصواب، وأن يلهموا الحكمة، وتنطق بها ألسنتهم؛ فاعرف هذا، فإنه مهم جدًا.
ثم لا يخفاك أنه قد ألقي إلينا أوراق وردت من جهة عمان، كتبها بعض الضالين، ليُلبِّس ويُشَوِّش بها على عوام المسلمين، ويتشبع بما لم /يعط/١، من معرفة الإيمان والدين.
وبالوقوف على أوراقهم، يَعرف المؤمن حقيقة حالهم، وبعيد ضلالهم، وكثافة أفهامهم؛ وأنّهم ملبوس عليهم، لم يعرفوا ما جاءت به الرسل، ولم يتصوّروه، فضلًا عن أن يدينوا به ويلتزموه. وأسئلتهم وقعت لا لطلب الفائدة والفهم، بل للتشكيك، والتمويه، والتحلي بالرسم، والوهم.
ومن السنن المأثورة، عن سلف الأمة وأئمتها، وعن إمام السنة أبي عبد الله، أحمد ابن محمد بن حنبل -قدس الله روحه- التشديد في هجرهم، وإهمالهم، وترك جدالهم، وإطراح كلامهم، والتباعد عنهم /حسب/٢ الإمكان، والتقرب إلى الله بمقتهم، وذمهم، وعيبهم. وقد ذكر الأئمة من ذلك، جملة في كتب السنة، مثل: كتاب السنة لعبد الله٣ بن الإمام أحمد والسنة للخلاّل٤،
_________________
(١) ١ في (د): يعطى. ٢في (د): بحسب. ٣ عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، الإمام الحافظ، محدث بغداد، أبو عبد الرحمن، روى عن أبيه شيئًا كثيرًا من جملته: المسند والزهد. وله كتاب السنة وغيره (ت٢٩٠هـ) . تاريخ بغداد ٩/٣٧٥، سير الأعلام ١٣/٥١٦، تهذيب التهذيب ٥/١٤١. ٤ هو أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد، أبو بكر الخلال البغدادي، شيخ الحنابلة، صاحب كتاب "الجامع في الفقه" و"العلل" و"السنة"، وغيرها (ت٣١١هـ) . تاريخ بغداد ٥/١١٢، سير الأعلام ١٤/٢٩٧.
[ ١ / ٣٦١ ]
والسنة لأبي بكر الأثرم١، والسنة لأبي القاسم اللالكائي٢، وأمثالهم.
فالواجب: نهي أهل الإسلام، عن سماع كلامهم، ومجادلتهم؛ لاسيما وقد اقفرَّ ربعُ العلم في تلك البلاد، وانطمست أعلامه.
قال في الكافية الشافية -/رحمه الله تعالى/٣ -:
فانظر ترى لكن نرى لك تركها حذرًا عليك مصائد الشيطان
فشباكها والله لم يعلق بها من ذي جناح قاصر الطيران
إلا رأيت الطير في /شبك/٤ الردى يبكي له نوحٌ على الأغصان٥
وإذا عُرِف هذا، فأحد الورقتين، المشار إليهما، ابتدأها الملحد الجاهل، بسؤال يدل على إفلاسه من العلم، ويشهد بجهالته وضلالته.
وهو قوله: الرؤية الثابتة، عند أهل السنة والجماعة في الجنة٦، هل هي بصفات
_________________
(١) ١ أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الأثرم الطائي، الإمام الحافظ، تلميذ الإمام أحمد، صاحب "السنن"، توفي في حدود الستين ومائتين، تذكرة الحفاظ ٢/٥٧٠-٥٧٢،سير الأعلام ١٢/٦٢٣، تهذيب التهذيب ١/٧٨. ٢ هبة الله بن الحسن بن منصور، الطبري الرازي، الشافعي للالكائي، الإمام الحافظ أبو القاسم، له كتاب في السنن، وفي معرفة أسماء من في الصحيحين وغيرهما. (ت ٤١٨هـ) . تاريخ بغداد ١٤/٧٠، سير الأعلام١٧/٤١٩. ٣ زائدة في (د) . ٤ في أصل القصيدة: (في قفص) . ٥ الكافية الشافية ٢/٧٢. ٦ وهو معتقد أهل السنة والجماعة، في الرؤية. وهو أن الله ﵎ يكرم عباده المؤمنين بالنظر إلى وجهه الكريم، بعد دخولهم الجنة، كما تواترت النصوص بذلك. قال تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢،٢٣] . وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم. [جامع البيان ١١/١٠٤،٢٩/١٩٣؛ الجامع لأحكام القرآن ٨/٢١٠-٢١١] . وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: (إنّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته) [صحيح البخاري مع الفتح ٢/٤٠ كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر؛ وفي ١٣/٤٢٩، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣٨-١٣٩، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما. انظر تفاصيل المسألة في: شرح العقيدة الطحاوية ص٢٠٧-٢٢٠. الاقتصاد في الاعتقاد، لعبد الغني المقدسي ص٢٢٥. وشرح صحيح مسلم للنووي ٥/١٣٩-١٤٠. وفتح الباري ١٣/٤٢٩-٤٣١. والحجة في بيان المحجة ٢/٢٤٦-٢٥١. ومجموع الفتاوى ١٦/٨٥-٨٦، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/٧٠.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الجلال، أو الجمال، أو الكمال؟!
ولم يشعر هذا الجاهل الضال، أنّ الرُّؤية تقع على الذات المتصفة بكل وصف، يليق بعظمته، وإلهيّته، وربوبيّته، من جلال، وجمال، وكمال؛ وأن صفات الجلال ترجع إلى الملك، والمجد، والسلطان، والعزة. والجمال وصف ذاتي، كما أن الجلال كذلك، والكمال /حاصل بكل/١ صفة من صفاته العُلى، فله الجلال الكامل، والجمال الكامل، والمجد، والعزة والسلطان التي لا تُضاهى ولا تماثل؛ فهذه أوصاف ذاتية، لا تنفك عنه في حال من الأحوال، وإنما يقال: تجلّى بالجلال، والمجد، والعزة، والسلطان، إذا ظهرت آثار تلك الصفات؛ كما يقال: تجلّى بالرحمة، والكرم، والعفو، والإحسان، إذا ظهرت آثار تلك الصفات في العالم؛ ويستحيل أن يرى تعالى، وقد تخلف عن صفة جلال وجمال وكمال.
ولو وقف هذا الغبي، على ما جاء في الكتاب والسنة، من إثبات الرؤية، وتقريرها، ولم يتجاوز ذلك، إلى تخليط، صَدَرَ عن من لا يدري السبيل، ولم يقم بقلبه شيءٌ من عظمة الربّ الكبير الجليل، لكان أقرب إلى إيمانه، وإسلامه.
وأما قوله: وما الفرق ين صفات المعاني، والمعنوية٢؟
فهذه الكلمة، لو فرضت صحتها، فالجهل بها لا يضر، ولم تأت الرسل بما يدلّ أن
_________________
(١) ١ كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ المخطوطة (حاصلة لكل) ٢ صفات المعاني: هو ما دل على معنى وجودي قائم بالذات، وهذه الصفات سبعة: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام فهذه السبعة هي التي تسميها الأشاعرة صفات المعاني. أما الصفات المعنوية: هي الأحكام الثابنة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه عليما قديرا مريدا سميعا بصيرا متكلما. وهي واسطة ثبوتية لا موجودة ولا معدومة.
[ ١ / ٣٦٣ ]
من صفات الله ما هو من المعاني، وما هو من الصفات المعنوية؛ وهذا التقسيم: يطالب به الأشعرية١، والكرامية٢، ونحوهم؛ فلسنا منهم في شيء.
والعلم: آية محكمة؛ أو فريضة عادلة؛ أو /سنة متبعة/٣؛ هكذا سبيله، /وما سوى ذلك/٤ فالواجب: إطراحه وتركه؛ والعلم كل العلم، في الوقوف /مع ألفاظ الرسول/٥، وترك ما أحدثه الناس، من /العبارات/٦ المبتدعة.
ومن الأصول المعتبرة، والقواعد المقررة، عند أهل السنة والجماعة، أن الله تعالى، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز ذلك أهل العلم والإيمان، ولا يتكلَّفون علمَ ما لم يصف الربّ ﵎ /به نفسه/٧، وما لم يصفه به رسوله ﷺ؛ والله أكبر، وأجل، وأعظم، في صدور أوليائه وعباده المؤمنين، من أن يتكلّموا في صفاته، بمجرّد /آرائهم/٨، واصطلاحاتهم، وعبارات متكلّميهم.
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بهم في ص ٥٧. ٢ قول المصنف هنا (هذا التقسيم يطالب بها الأشعرية والكرامية) يظهر أنه وهم من الناسخ، والصواب (الأشعرية الكلابية)، لأن هذا التقسيم أحدثه الأشاعرة، أما الكرامية فلا تقول به. والكرامية: طائفة من أهل الكلام، أصحاب أبي عبد الله محمد بن كراّم المتوفي سنة (٢٥٥هـ) . انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢١٥-٢٢٥، والملل والنحل للشهرستاني ١/١٠٨-١١٣. ٣ في (د): سنة قائمة متبعة) . ٤ ساقط في (ب) و(ج) و(د)، وفي المطبوع: ( متبعة، وما سوى ذلك هكذا سبيله) . ٥ بياض في (ب) و(د)، وفي المطبوع: (مع السنة) . ٦ في (ج) و(د) والمطبوع: العبادات، والمثبت هو الصواب، لأن الشيخ في صدد ردّ ألفاظ صاحب الأوراق في الفرق بين (صفات المعاني والمعنوية) . ٧ في جميع النسخ: من نفسه. ٨ في (د): رأيهم.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وأما قول السائل: وهل صفات المعاني ثابتة في ذات الله؟
فهذه عبارة نبطيّة١ أعجمية، لأنه /إنْ/٢ أريد بالإضافة، إضافة الدال /على المدلول/٣، فكل صفاته تعالى، لها معان ثابتة لذاته المقدسة، وأي وصف ينفكّ /عن هذا/٤، لو كانوا يعلمون.
وإن أريد بالإضافة، إضافة الصفة للموصوف، أي المعاني الموصوفة، فالمعاني الموصوفة، منها صفات أفعال، وصفات ذات.
وأما قوله: وما الاعتبارات الأربع؟
فهذه كلمة ملحونة، أعجمية؛ والعرب تقول: الاعتبارات الأربعة، لا الأربع؛ والحكم معروف في باب العدد٥؛ وأما معناها، فهو إلى الألغاز، والأحاجي، أقرب منه إلى الكشف، والإيضاح في السؤال؛ فالحساب تجري فيه اعتبارات أربعة، من جهة لفظه، وإفراده، وجمعه، وتصحيحه؛ وكسر، وضربه، وطرحه؛ وتجري الاعتبارات الأربعة، فما فوق في أبواب الفقه، من كتب الفروع، من كتاب الطهارة، إلى أبواب العتق، والإِقرار.
وكثير من عباراته تختلف مفهوماتها، باختلاف عباراتها، وكذلك المقدّمات العقلية، والأدلة النظرية، والبديهيات الذهنيّة، والضروريات الحسيّة، لها اعتبارات، ولها حالات، ولها مراتب، ودرجات، يطلق عليها لفظ الاعتبارات.
وكذلك قوله: وما الوجود الأربع؟
عبارة ملحونة أعجمية، فقد يراد بها ما يوجد في الأعيان، والأذهان، واللسان،
_________________
(١) ١ النبطيّة: نسبة إلى الأنباط، جمع نبط، وهم قوم ينزلون سواد العراق، يقال رجل نبطيٌّ ونَبَاط، وعبارة نبطيّة. الصحاح للجوهري ٣/١١٦٢، لسان العرب ٧/٤١١، مادة (نبط) . ٢ ساقط في (د) . ٣ بياض في (ب) . ٤ بياض في (ب) . ٥ وهو أن العدد من [٣ إلى ١٠] يخالف المعدود تذكيرًا وتأنيثًا وإذا كان المعدود جميعًا، ينظر إلى مفرده، فالمعدود هنا جمع اعتبار، وهو لفظ مذكر، فيُؤْنَّث وصفه، وفيه قال ابن مالك: [ثلاثة بالتاء قل للعشرة * في عدّ ما آحاده مذكرة. في الضدد جرِّد ] انظر شرح ابن عقيل: ٢/٣٤٥.
[ ١ / ٣٦٥ ]
والبنان١.
وقد يراد بها غير ذلك، من مراتب وجود العلم٢، أو وجود الوحي، فإنه قسم هذا التقسيم، باعتبار إدخال الإِلهام في مسمى الوحي٣.
وكذلك الجهل، له مراتب أربع، فمنه الجهل المركب، ومنه البسيط، وكلًا منهما، إما في السمعيات، أو العقليات؛ وكذلك الأخبار قطعية وظنية.
وبالجملة: فالاِعتبارات الأربعة، والوجود، ونحو ذلك، تقع على كل ما تناله العبارة، ويصدق عليه اللفظ في أي فن، وأي حكم، فإن قال: المراد بالاعتبارات، والوجود، باعتبار صفاته تعالى، قلنا: تقسيم الاعتبارات والوجود، يختلف باختلاف المقاصد، والإِصطلاح؛ وليس في كلام السلف، ما يجيز الخوض، في اصطلاحات المتكلمين، والأشاعرة.
وأما الفرق: بين الدليل، والبرهان:
فالدليل: في اصطلاح الأصوليين، والفقهاء، ما يستدل به على إثبات الحكم وصحته؛ والبرهان: ذكر الحجة بدليلها.
_________________
(١) ١ قوله: الوجود الأربعة: من مصطلحات المتكلمين، فهم قد جعلوا لكل شيءٍ أربع وجودات، هي: أ - وجود عيني: وهو كل موجود في الأعيان، أي وجود الموجودات في أنفسها. ب - وجود علمي: وهو كل موجود في الأذهان، أي العلم بالموجودات التي في القلوب. ت - وجود لفظي: وهو كل موجود في اللسان، أي التعبير عن تلك الموجودات. ث - وجود رسمي: وهو كل موجود بالرسم بالبنان. أي كتابة ذلك، هو الوجود البناني. انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ١٢/١١٢. ٢ مراتب وجود العلم ثلاث: (١) علم بالجنان، (٢) عبارة باللسان. (٣) خط بالبنان. مجموع الفتاوى ١٢/١١١-١١٢. ٣ وذلك كما هو كلام المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] قالوا الوحي هنا بمعنى الإلهام. انظر جامع البيان للطبري ١٤/١٣٩، والجامع لأحكام القرآن ١٠/٨٨، وتفسير ابن كثير ٢/٥٩٦.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وأما الفرق بين العهد والميثاق:
فهو اعتباري، والمفهوم واحد١، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ ٦ وطالع عبارات المفسرين٧.
وأما العهود التي أخذها الله من عباده، فلا يسأل عن كميتها، إذ لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ٨، وكل رسولٍ يؤخذ عليه، وعلى قومه العهد؛ فكيف يسأل عن كميتها؟ ومن ادعى علمها فهو كاذب؛ نعم: ما ذكر في القرآن، من أخذ العهد على الأنبياء، وعلى الأمم، كبني إسرائيل، وعلى بني آدم كافة، كما في آية يَس، وأخذ العهد على الذرية، فهذا معروف محصور.
وأما قوله: وما العهود التي عاهدها معهم؟
فهذه عبارة: أعجمية، جاهلية؛ فالله عهد إليهم، ولم /يعاهدهم/٩ هو، بل هم
_________________
(١) ١ قال الجرجاني: العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، هذا أصله، ثم استعمل في الموثق الذي تلزم مراعاته، التعريفات للجرجاني ص٢٠٤. ٢ سورة البقرة الآية (٨٣) . ٣ سورة المائدة الآية (٧٠) . في (ب) و(ج): (ولقد أخذ الله)، وفي (د): (وإذ أخذنا) والصواب ما أثبته. ٤ سورة يَس الآية (٦٠) . ٥ سورة النحل الآية (٩١) . ٦ سورة آل عمران الآية (٨١) . ٧ قال القرطبي –﵀-: الميثاق: العهد المؤكد باليمين، مِفْعال من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدّة، في العقد والربط نحوه. الجامع لأحكام القرآن ١/١٨١. ٨ سورة النساء الآية (١٦٤) . ٩ كذا في (أ)، وفي بقية النسخ: يعاهد.
[ ١ / ٣٦٧ ]
عاهدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه﴾ ١، ولم يقل عاهدهم الله أبدًا، فالمعاهدون هم العباد، والله عهد إليهم، وعاهدوه هم، ولم /يعاهدهم/٢ هو؛ فاعرف جهل السائل، وعجميّته.
وأما قوله: وكم من تعلقات للقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام؟
فاللفظ: أعوج، ملحون، لا تأتي: (من) بعد (كم) الاستفهامية أبدًا؛ والرجل غلبت عليه العجمة في الفهم، والتعبير.
فإن أريد بالتعليق، كون الأشياء، بالقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام؛ فأي فرد من أفراد الكائنات، يخرج عن هذا؟ ولا يتعلق به؟!.
وأما قوله: وما علة نفي الحروف السبعة، من فاتحة الكتاب٣؟
فهذا: عدم، لا نفي، والعدم لا يعلل؛ فلا يقال: لم عدمت بقية حروف الهجاء، من سورة الإخلاص مثلًا، أو من بسم الله الرحمن الرحيم؟ لأن المعنى المراد، حاصل بالحروف المذكورة، والتراكيب المسطورة، والعدم لا يعلّل، وإن عُلّل، فعلَّته عدمية.
والسائل رأى كلمات مسطورة، فظنّها داخلة في مسمَّى العلّة، وإنما هي: جهالات، /وضلالات/٤، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.٥
آخر ما /وجد/٦ من هذه الرسالة، /والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين/٧.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية (٧٥) . ٢ كذا في (أ) والمطبوع، وفي بقية النسخ: يعاهد. ٣ يريد الحروف التي لم ترد في سورة الفاتحة، وهي [ث ج خ ز ش ظ ف]، وهذه الحروف على الرغم من عدم وجودها في سورة الفاتحة، فليس ثمّ كبير فائدة في معرفتها وعدمها، كما أن السورة مكتملة بدونها، فلا داعي في البحث عن سبب عدم ورودها. ٤ في (د) والمطبوع: وخيالات. ٥ هذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩] . ٦ في (د): وجدنا، والجملة من قوله: آخر ما وجد إلخ، من كلام جامع الرسائل. ٧ ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع.
[ ١ / ٣٦٨ ]