الرسالة السابعة (١)
قال جامع الرسائل
وله أيضًا /-﵀، وعفا عنه-/ (٢)، رسالة إلى الإخوان من أهل الفُرَع (٣)، وهم عثمان بن مرشد (٤)، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد (٥)، وإبراهيم بن مرشد (٦)، في قطع الوسائل والذرائع المفضية إلى محبّة من حاد الله ورسوله، /واختيار/ (٧) ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، ومحبة ظهورهم (٨) . لأنّ اختيار /ديارهم/ (٩) ومساكنتهم وولايتهم، ومحبة ظهورهم والثناء عليهم، وتفضيلهم بالعدل على أهل الإسلام، وإعانتهم على المسلمين، وجرّهم على بلاد أهل الإسلام، ردّة صريحة بالاتفاق. فقطع -﵀- الأسباب والوسائل المفضية إلى
_________________
(١) في (ب): جاءت هذه الرسالة متقدّمة، في لوحة (١٣-٢٠) .
(٢) في (ب) والمطبوع: (قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه) .
(٣) الفُرَع: بضم الفاء، وفتح الراء، فعين: منطقة بين (وادي نعام) من اليمنى، و(وادي بريك) من جهة اليسار. فوادي نعام به من البلدان (الحريق، والمفيجر)، ونعام قسم من حوطة بني تميم. أما (بريك) ففيه من البلدان: (الحوطة، والحلوة)، وما بين الواديين من قرى وتوابع. فهذه المجموعة من البلدان في هذين الواديين تسمى (الفُرَع) . معجم اليمامة، لعبد الله بن محمد بن خميس، ٢/٢٤٨.
(٤) تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص٩٥.
(٥) تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص ٩٤.
(٦) تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص ٩٤.
(٧) في (ب)، و(ج): (ومن اختار) . وفي المطبوع: (واختار) .
(٨) فهذه بلا شك من صفات المنافقين، الذين يميلون باطنًا إلى الكفار، ويتمنّون كل وقيعة بالمسلمين، وذلك قال ﵎: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] . فقطع الله جميع الروابط غير الإيمانية، وأشار إلى أنّ المودّة لا بد أن تكون مبنيّة على أصل اإيمان، فما سواها فهو مردود، يبعد صاحبها عن أهل الإيمان.
(٩) ساقط في (د) .
[ ١ / ٢٥٨ ]
ذلك بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، وهذا نصها:
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان: عثمان بن مرشد، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الخط وصل –وصلكم الله بما يرضيه- وما /ذكرتم/ (١) من طلب النصيحة، فقد تقدمت إليكم – بحمد الله- مرارًا، وقامت الحجّة. ويبلغني تصميم الأكثر على رأيه الأول، وعدم الانتفاع.
ومن أكبر أسباب شرح الصدور للنصائح والمواعظ وقبولهما، ما يعلمه من حرص العبد على الخير والهدى (٢)، والتجرّد من ثوب التعصب والهوى، والبعد عن الإعجاب بالنفس، وإيثار الشهوات الدنيوية. فالقلب إذا سلم من هذا، وابتهل إلى الله بالأدعية المأثورة، كدعاء الاستفتاح:" اللهم ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل " الحديث (٤) . لا سيّما في أوقات الإجابة (٥)، فإنّ هذا لا تكاد تسقط له دعوة،
_________________
(١) في (ب)، و(د): (ذكرتوا) .
(٢) وفي ذلك يقول ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ الآية [الأنعام:١٢٥] .
(٣) تمامه: عن عائشة -﵂- قالت:" كان نبي الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنّ ك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". صحيح مسلم بشرح النووي، ٦/٣٠٣، صلاة المسافرين، باب (الدعاء في صلاة الليل) . سنن النسائي، ٣/٢١٢-٢١٣، قيام الليل، باب (بأي شيء تستفتح صلاة الليل) . سنن ابن ماجة، ١/٢٤٦، إقامة الصلاة، باب (ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل) .
(٤) أوقات إجابة الدعاء: مما ورد من أوقات إجابة الدعاء ما يلي:
(٥) : في جوف الليل الآخر: في ذلك روى أبو هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال:" ينزل ربنا –﵎كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ". صحيح البخاري مع الفتح ٣/٣٥-٣٦، التهجد، باب (الدعاء والصلاة من الليل) . صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢٨٣، صلاة المسافرين، باب (الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، والإجابة فيه) . سنن أبي داود ٥/١٠٠-١٠٢، السنة، باب (في الرد على الجهمية)؛ سنن الترمذي ٢/٣٠٧، الصلاة، باب (ما جاء في نزول الرب) سنن ابن ماجة ١/٢٤٨، إقامة الصلاة باب (أي ساعات الليل أفضل) . [٢،٣،٤]: عند الصوم والسفر، وعند تلقي الظلم: جاء في ذلك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ثلاث على الله حق أن لا يرد لهم دعوة، الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع "، مجمع الزوائد ١٠/١٥١، قال: أخرجه الترمذي باختصار، وبغير هذا السياق؛ الترغيب والترهيب ٤/٨٥. [٥،٦،٧]: عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث: أخرج أبو داود عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ اثنتان لا تردان –أو قَلَّما تُردان-الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا". قال موسى (راوي الحديث): وحدثني رزق بن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: " ووقت المطر ". سنن أبي داود ٣/٤٥-٤٦، الجهاد، باب (الدعاء عند اللقاء)؛ الحديث صححه الألباني في صحيح الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم الجوزية (٧٥١هـ)، مكتبة ابن الجوزي ط/١،١٤٠٩هـ-١٩٨٩م، ص١٨٤.
(٦) : الساعة التي في يوم الجمعة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله خيرًا إلا أعطاه، وقال بيده، قلنا يقللها، يزهدها". صحيح البخاري مع الفتح١١/٢٠٢، الدعوات باب (الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة)؛ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٨٨، الجمعة باب (في الساعة التي في يوم الجمعة)؛ سنن ابن ماجة ١/١٩٥، الإقامة، باب (في فضل الجمعة) .
[ ١ / ٢٥٩ ]
والتوفيق له أقرب من حبل الوريد (١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ (٢)، والواجب عند ورود الشبهات هو القيام لله مثنى وفرادى، والتفكير،
_________________
(١) لأن مجيب الدعاء ﷾، قد وصف نفسه بذلك؛ فقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] .
(٢) سورة الأنفال: الآية (٢٣) .
[ ١ / ٢٦٠ ]
لا سيّما عند هذه الفتنة التي عمّت وطمّت، وأعمت وأصمّت، فإنها كما في حديث حذيفة (١)
قال: قلت يا رسول الله، إنّا كنّا في شرٍّ فذهب الله بذلك الشر، ِّ وجاء بالخير على يديك، فهل بعد الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: ما هو؟ قال"فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضًا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر، لا تدرون أيًّا من أيّ " (٢) .
فهذه الفتن الواقعة في هذا الزمان، من جنس ما أشير إليه في هذا الحديث، الذي خرّجه الإمام أحمد في مسنده، فتعيّن الاهتمام بالمخرج منها، والنجاة فيها، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بالاعتصام بحبل الله، ومعرفة ما أوجب وندب إليه كتابه من شرائع الإيمان وحدوده، وما نهى عنه وحرّمه من شعب الكفر والنفاق وحدوده، وقد نصّ على هذا ﷺ، لما سأله حذيفة عن الفتن؛ فعن حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأسأله عن الشرِّ، وعرفت أن الخير لن يسبقني، قلت: يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: " يا حذيفة تعلّم كتاب الله، واتبع ما فيه " ثلاث مرار، قال: قلت يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: " فتنة وشر "، قال قلت يا رسول الله أبعد هذا الشر من خير؟ قال: " يا حذيفة تعلّم كتاب الله، واتبع ما فيه " ثلاث مرار، قال قلت يا رسول الله أبعد هذا الشر من خير؟ قال: " هدنة على دَخَنٍ (٣)، وجماعة على أقذاء (٤)
_________________
(١) هو حذيفة بن اليمان (حسل) بن جابر العبسي اليماني، من أعيان المهاجرين، صاحب سرِّ النبي ﷺ، مات بالمداائن سنة (٣٦هـ) . انظر الاستيعاب ١/٣٤؛ أسد الغابة ١/٤٦٨؛ سير الأعلام ٢/٣٦١.
(٢) مسند الإمام أحمد ٥/٣٩١.
(٣) هدنة على دخن: الهدنة الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار، وبين كل متحاربين. *والمعنى: أنّه سيكون هدنة وصلح –بينكم وبين الكفار-على فساد واختلاف، تشبيهًا بدخان الحطب الرطب لما بينهم من الفساد والباطن، تحت الصلاح الظاهر. انظر النهاية لابن الأثير ٢/١٠٩، ٥/٢٥٢.
(٤) وجماعة على أقذاء: الأقذاء جمع قذى، والقذى: جمع قذاة، وهو ما يقع في العين، والماء والشراب، من التراب أو الوسخ. والمعنى: أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم. انظر النهاية لابن الأثير ٤/٣٠؛ لسان العرب ١٥/١٧٤، مادة (قذي) .
[ ١ / ٢٦١ ]
[فيها أو فيهم] " (١)، قال: قلت يا رسول الله الهدنة على دخن ما هي؟ قال: " لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه " (٢)، قال:
قلت يا رسول الله أبعد هذا الخير من شر؟ [قال: " يا حذيفة تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه " ثلاث مرار، قال: قلت يا رسول الله أبعد هذا الخير من شر؟] (٣)، قال: " فتنة عمياء صمّاء، عليها دعاة على أبواب النار، وإن تمت (٤) يا حذيفة، وأنت عاض على جذل (٥)، خير لك من أن تتبع أحدًا منهم " (٦) .
قلت: فتأمّل ما أرشد إليه حذيفة، ووصّاه عند حدوث الفتن العظام، التي لا يبصر أهلها الحق، ولا يسمعون من الداعي والناصح، وتكريره الوصية بقراءة كتاب الله، واتباع ما فيه، لأنّ المخرج من كل فتنة موجود فيه مقرر، ولكن لا يفهمه ويفقهه إلاّ من تعلّم كتاب الله، ألفاظه ومعانيه، ووُفِّق للعمل بما فيه، فذاك جدير أن يهبه الله نورًا يمشي به في الناس، ولا يخفى عليه ما وقع فيه الأكثر من الشكّ، والريب، والالتباس، وهذا الصنف عزيز الوجود في القرّاء، ومن ينتسب إلى العلم والطلب، فكيف بغيره؟! شعر:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها (٧)
_________________
(١) ما بين المعقوفتين، ساقط في جميع النسخ، وهو موجود في أصل المتن، عند أبي داود في سننه.
(٢) أي لا يصفوا بعضها لبعض، ولا ينصع حبُّهُا، النهاية لابن الأثير٢/١٠٩.
(٣) ما بين المعقوفتين، لا يوجد في سنن أبي داود، فهي زيادة في جميع النسخ، ولم أجد من خرج الحديث بها.
(٤) هكذا في متن الحديث عند أبي داود، وفي المطبوع، وأما في جميع النسخ (تموت) وهو خطأ.
(٥) الجذل: ما عظم من أصول الشجر المقطع. وقيل هي أصول الحطب العظام، وجمعه الأجذال. لسان العرب، لابن منظور، مادة (جذل)، ١١/١٠٦.
(٦) سنن أبي داود، ٤/٤٤٧، الفتن والملاحم، باب (ذكر الفتن ودلائلها) .
(٧) لم أجد مصدر البيت، ولا قائله.
[ ١ / ٢٦٢ ]
فعليكم بلزوم الوصيّة النبويّة لصاحب السرّ، حذيفة بن اليمان، وبتدبر القرآن، والتفقه في معانيه، /لعلّه بذلك/ (١) يعرف العبد -إنْ عقل عن الله- أنّ أوجب واجب /فيه/ (٢) وأهمّه وآكده وزبدته، معرفة الله تعالى، بما تعرّف به إلى عباده، من صفات كماله، ونعوت جلاله، وبديع أفعاله، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، وكمال عزته، وعميم رحمته.
وبمعرفة ذلك يهتدي العبد إلى محبته وتعظيمه، وإسلام الوجه له، وإنابة القلب إليه، وإفراده بالقصد والطلب، وسائر العبادات، كالخشية، والرجاء، والاستعانة، والاستغاثة، والتوكل، والتقوى، ويرضى به ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، ويذوق من طعم الإيمان ما يوجب له كمال حب الله، وحب رسوله، وكمال الحب بجلاله، ويعرف الوسائل إلى هذا المطلوب الأكبر، والمقصود الأعظم، ويهتم بها غاية الاهتمام، ويطلبها منتهى الطلب، ويعرف ما يضاد هذا الأصل ويناقضه، من تعطيل وكفر وشرك، ويعرف وسائلها وذرائعها الموصلة إليها، المفضية إلى اقتحامها وارتكابها، فيهتم بتحصيل وسائل التوحيد، ويهتم بالتباعد عن وسائل الكفر والتعطيل والتنديد، كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) .
فمن عرف /هذا/ (٤) الأصل الأصيل، عرف ضرر الفتنة الواقعة في هذه الأزمان، بالعساكر التركية، وعرف أنها تعود على هذا الأصل الأصيل، بالهدم والهدّ والمحو بالكليّة، وتقتضي ظهور الشرك والتعطيل، ورفع أعلامه الفكريّة، وأنّ مرتبتها من الكفر، وفساد البلاد والعباد، فوق ما يتوهّم المتوهِّمون، ويظنُّه الظانُّون، وبه يعلم أن ما وقع من المسائل إلى تهوين تلك الفتنة، وتسهيل أمرها، والسكوت عن التغليظ فيها،
_________________
(١) زيادة في (د)، وبها يستقيم المعنى.
(٢) ساقط في (ب)، والضمير راجع إلى القرآن.
(٣) سورة الفاتحة: الآية (٥) .
(٤) زيادة في (ب) والمطبوع.
[ ١ / ٢٦٣ ]
من أكبر أسباب وقوع الشر، ومحو أعلام التوحيد، والوسيلة لها حكم الغاية، فإن انضاف إلى تسهيلها إكرام من أقام بديارهم، وتلطَّخ بأوضارهم (١)، وشهد مهرجانهم (٢)، وتوقيرهم، والمشي إليه، وصنع الولائم له، فعند ذلك يَنْعى الإسلامَ ويبكيه، مَنْ كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد (٣)، وفي الحديث: " من وقّر صاحب بدع، فقد أعان على هدم الإسلام " (٤)، فكيف بما هو أعظم وأطمّ من البدع؟! فالله المستعان.
_________________
(١) في (د): بأوظارهم، بالظاء، وهو خطأ، والصواب (أوضارهم) بالضاد، وهو جمع وضر، وهو وسخ الدسم واللبن، وغسالة السقاء والقصعة ونحوها.
(٢) المهرجان: عيد من أعياد الفرس، يقع في السادس والعشرين من تشرين الأول، (من شهور السريان)، وفي السادس عشر من مهرماه (من شهور الفرس) . وهذا أول وسط أزمان الخريف، وهو ستة أيام، يسمى اليوم السادس (المهرجان الأكبر)؛ وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم: هو أنهم كانوا يسمون شهورهم بأسماء ملوكهم، وكان لهم ملك يسمى (مهر) يسير فيهم بالعنف والعسف، فمات في نصف الشهر الذي يسمونه (مهرماه) فسمي ذلك اليوم (مهرجان) . نهاية الأرب في فنون الأدب، لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري (٦٧٧-٧٣٣هـ)، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب ١/١٨٧.
(٣) هنا اقتباس من الآية الكريمة، هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] .
(٤) ورد الحديث في: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، لمحمد بن علي الشوكاني (١٢٥٠هـ) تحقيق عبد الرحمن المعلمي، مطبعة السنة المحمدية، ص٢١١. قال الشوكاني: إسناده ضعيف، وذكره ابن الجوزي في "تلبيس إبليس"، دار القلم بيروت، ص١٦. وفي كتاب "الموضوعات" له أيضًا، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة، ط/١، ١٣٨٦هـ-١٩٦٦م؛ ١/٢٧١، وقال بعد إخراجه لهذا الحديث: من رواية عبد الله بن بشر، وعائشة، وعبد الملك بن جريج، قال: "هذه الأحاديث كلها باطلة موضوعة على رسول الله ﷺ وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، (٤٣٠هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ٥/٢١٨، وقال: غريب من حديث خالد، تفرّد به عيسى، عن ثور، وذكره السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" في الأحاديث الموضوعة، ١/١٣٠. وذكره الهندي في "الكنز" برقم (١١٠٢) . وبهذا يظهر ضعف الحديث، غير أن معناه واقعي، فتوقير أهل البدع، وإجلالهم، والسكوت عنهم، من أخطر ما يُهدم به الدين، إذ إنَّ في ذلك تشجيعًا وتأييدًا لهم، على الاستمرار عليها، وإهمال السنن. وإذا كان هذا التوقير من أحد علماء الأمة، ممن يؤخذ بقوله، فالمصيبة أعظم وأطمّ.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وأعجب من هذا، أن بعض من يتولَّى خدمة من حاد الله ورسوله، ويحسِّن أمرهم، ويرغَّب في ولايتهم، ويقدح في أهل الإسلام، وربَّما أشار بحربهم، فإذا قدم بعض بلاد أهل الإسلام، تلقَّاه منافقوها وجهَّالُها، بما لا يليق إلاّ مع خواص الموحِّدين؛ فافهم أسباب الشرك ووسائله.
ومن كان في قلبه حياة، وله رغبة، وله غيرة وتوقير لرب الأرباب، يأنف ويشمئزّ مما هو دون ذلك، ولكن الأمر، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "إنَّما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهليّة" (١) .
وما جاء في القرآن من النهي والتغليظ والتشديد في موالاتهم وتولِّيهم، دليل على أنّ أصل الأصول، لا استقامة له ولا ثبات، إلا بمقاطعة أعداء الله، وحربهم وجهادهم، والبراءة منهم، والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم؛ وقد قال تعالى - لما عقد الموالاة بين المؤمنين، وأخبر أنّ الذين كفروا بعضهم أولياء بعض- (٢) قال: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٣)، وهل الفتنة إلا الشرك، والفساد الكبير هو انتثار عقد التوحيد والإسلام، وقطع ما أحكم القرآن من الأحكام والنظام؛ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
_________________
(١) ورد هذا الأثر في مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١٠/٣٠١. ومعناه: إنه إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، فإنه يجهل ما أزاله الإسلام من الشرك، والكفر، وغيرهما، فلا يدرك قيمة ما جاء به الإسلام، فربما يعمل –من هذا حاله-بعض أعمال الجاهلية من غير معرفة منه أنها منها، فينقض بذلك بعض عرى الإسلام على غير علم.
(٢) عقد تلك الموالاة في الآيتين: (٧٢-٧٣) من سورة الأنفال.
(٣) سورة الأنفال: الآية (٧٣) .
(٤) سورة الممتحنة: الآية (١) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الآية (١) .
قال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر (٢) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٣) .
قلت: فليتأمل من نصح نفسه، ما يجري من هؤلاء العساكر، عند سماع الأذان، من المعارضة بالطبل والبوق والمزمار، استبدالًا به عمّا اشتمل عليه الأذان، من توحيد الله وتعظيمه، وتكبير الملك القهار، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤) . وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (٥)﴾ (٦) .
_________________
(١) سورة المائدة: الآية (٥١-٥٢) .
(٢) لم أعرف قائله.
(٣) سورة المائدة: الآية (٥٧-٥٨) .
(٤) سورة المائدة: الآية (٧٨-٨١) .
(٥) ساقط في: (ب)، و(ج) .
(٦) سورة آل عمران: الآية (٢٨) .
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقد جزم ابن جرير (١) /في تفسيره/ (٢) بكفر من فعل ذلك (٣) . قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٤)، فليتأمّل من نصح نفسه هذه الآيات الكريمات،
_________________
(١) هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام المجتهد، صاحب التصانيف، منها: "جامع البيان" في التفسير، ولد سنة (٢٢٤هـ)، وتوفي سنة (٣١٠هـ) . انظر ترجمته: تاريخ بغداد ٢/١٦٢-١٦٩؛ تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠-٧١٦.
(٢) ساقط في (د) .
(٣) جامع البيان للطبري، ٣/٢٢٨. *وهذه الآية، هي مستند الشيعة في تأصيل عقيدة (التقية) لديهم، التي تعد في المذهب الشيعي، بمنزلة الرأس من الجسد، ويروُون في ذلك –كذبًا-روايات موضوعة، منها: ما رواه الكليني في "أصول الكافي"، ٢/٢١٩، عن محمد بن خلاد، قال: سألت أبا الحسن ﵁، عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر ﵁: (التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له) .الأصول من الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، دار الكتاب الإسلامي، طهران، إيران، ط/٣، سنة ١٣٨٨هـ. وانظر منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد، طبعة جامعة الإمام، ١٤٠٦هـ، ط/١، ٢/٤٦. وروى أيضًا في "أصول الكافي"، ٢/٢١٨: عن أبي عبد الله ﵁ قال: "اتقوا الله على دينكم، واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له". والمعنى المراد من "التقية" لدى الشيعة، مخالف لمراد أهل السنة منها، فالشيعة يقصدون بالتقية: الكذب والخداع، والنفاق وإظهار خلاف ما يبطنونه من المعتقدات. وهذا خلاف المعنى المراد من التقية عند أهل السنة؛ فهي عندهم: المحافظة على النفس أو العرض أو المال، من شر الأعداء. قال ابن عباس –﵄هو أن يتكلم بلسانه، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، ولا يقتل. الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٤/٣٨. وفد عدّ من باب التقية، مداراة الكفار والفسقة والظلمة، وإلانة الكلام، والبسم في وجوههم، وإعطائهم لكف أذاهم، وقطع ألسنتهم، وصيانة العرض منهم. انظر مختصر التحفة الاثنى عشرية، لمحمود شكري الألوسي (١٣٤٢هـ)، تحقيق محب الدين الخطيب، طبعة دار الإفتاء، بالرياض، ص٢٨٧-٢٨٨.
(٤) سورة المجادلة: الآية (٢٢)
[ ١ / ٢٦٧ ]
وليبحث عمّا /قاله/ (١) المفسِّرون وأهل العلم في /تأويلها/ (٢)، ولينظر ما وقع من أكثر الناس اليوم، فإنّه يتبين له -إن وُفِّق وسُدِّد- أنّها تتناول من ترك جهادهم، وسكت عن عيبهم، وألقى إليهم السلم (٣)، فكيف بمن أعانهم، أو جرَّهم على بلاد أهل الإسلام، أو أثنى عليهم، أو فضَّلهم بالعدل على أهل الإسلام، واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، وأحبَّ ظهورهم، فإنّ هذا رِدَّة صريحة بالاتفاق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٤) .
وقد عرفتم ما كان عليه أسلافكم من أهل الإسلام، وما منَّ الله به عليكم من دعوة شيخنا -﵀- إلى توحيد الله، والإيمان به، وإخلاص الدين له، والبراءة من أعدائه، وجهادهم، وببركة دعوته وبيانه، حصل للإسلام من الظهور والنصر وإعلاء كلمة الله، ما لم يحصل مثله في دياركم وأوطانكم منذ قرون متطاولة. فيجب شكر هذه النعمة، ورعايتها حق الرعاية، والعض عليها بالنواجذ، وأن لا تستبدل بموالاة أعداء الله ورسله، والانحياز إلى دولتهم، والرضا بطاعتهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٥) . فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٦)، ودَعوا اللجاج والمراء، وتمسّكوا بما جاء عن الله ورسوله من البينات والهدى، ولا يسهل لديكم مبارزة ربِّ السموات العلى، بما عليه غالب الناس اليوم، من الكفر والتعطيل والشرك والجدل والمراء، ولا تفتحوا أبواب الفتن، للمشاقة والتفرُّق والقدح في أهل الإسلام، فإنَّ ذلك من الصدِّ عن سبيل الله، ومن الفتنة عن دينه الذي ارتضاه.
_________________
(١) كذا في المطبوع. وفي جميع النسخ: (قال) .
(٢) في المطبوع: تفسيرها وتأويلها.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ١٧/١٩٩.
(٤) سورة المائدة: الآية (٥) .
(٥) سورة إبراهيم: آية (٢٨-٢٩) .
(٦) سورة البقرة: الآية (٢٨١) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقد جاء الحديث: " إنَّ هذا الحيّ من مضر، لا تدع في الأرض لله عبدًا صالحًا إلاّ فتنته وأهلكته، حتى يدركها الله بجنود من عنده، فيذلُّها حتى لا تمنع ذنب تلعة (١) " (٢) .
وبعض من يدّعي الدين، إنّما يتعبد بما يحسن في العادة، ويُثني عليه به، وما فيه مقاطعة ومجاهدة وهجرة في ذات الله، ومراغمة لأعدائه، فذاك ليس منه على شيء، بل ربّما ثَبَّط عنه، وقدح في فاعله. وهذا كثير في المنتسبين إلى العبادة، والمنتسبين إلى العلم والدين، والشيطان أحرص شيء على ذلك منهم، لأنهم لا يرونه غالبًا دينًا وحسن خلق، فلا يتاب منه ولا يستغفر (٣)؛ ولأن غيرهم يقتدي بهم ويسلك سبيلهم، فيكونون فتنة لغيرهم؛ ولهذا حذّر الشارع من فتنة م فسد من العلماء
_________________
(١) لا تمنع ذَنَبَ تلعةٍ: هو مثل عربي، يضرب للرجل الذليل الحقير. لسان العرب ٨/٣٦ مادة (تلع) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٣٩٠؛ والهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/٣١٣، واللفظ له، سوى قوله "في الأرض"، وعزاه لأحمد والبزار والطبراني في "الأوسط"، وقال: وأحد أسانيد أحمد وأحد أسانيد البزار، رجاله رجال الصحيح، وذكره الهندي في الكنز برقم (٤٣٠١٨) . هو عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف الشمري الفرضي النجدي ثم المدني، نزع والده من المجمعة، وجاور المدينة وفيها ولد المترجم له، ونشأ بها وقرأ على علمائها، ثم سافر إلى دمشق، وقرأ على علمائها، من تلاميذه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإحسائي، وابنه الشيخ إبراهيم بن عبد الله، وهو صاحب كتاب: "العذب الفائض في شرح عمدة الفرائض". توفي بالمدينة علم ١١٤٠هـ. ﵀. انظر ترجمته: علماء نجد خلال ستة قرون، ٢/٥٠١-٥٠٤.
(٣) وقد نقل عن سفيان الثوري وله: "والبدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية، فإنّ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها". حلية الأولياء ٧/٢٦؛ ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه ١١/٤٧٢؛ ومعنى قوله "والبدعة لا يتاب منها": أي أن أصحاب البدع، لإنما يمارسونها على أنها من الدين، ولا ينتبه إلى ذلك؛ وليس المراد أن من كان على بدعةٍ، ثم علم خطأه أنه لا يتوب منها، أو أنه لا يقبل توبته؛ فالصواب أن صاحب البدعة، يجب عليه التوبة منها، متى فطن إلى أنّ ما هو عليه باطلٌ.
[ ١ / ٢٦٩ ]
والعباد، و/خافه/ (١) على أمّته (٢) . فالمؤمن إذا حصل له، وظفر بحقائق الإيمان، وصار على نصيب من مرضاة الملك الرحمن، فقد حصل له الحظ الأوفر والسعادة، وإن قيل ما قبل: شعر:
أقام الحي أم جدّ الرحيل (٣) إذا رضي الحبيب فلا أبالي
وينبغي لك يا عثمان أن تقرأ هذه النصيحة على جماعتك، وتبيّن لهم معانيها، وما في الفرق والاختلاف من فتح أبواب الشر والفساد، فاحرص على ذلك واعتدّ به من صالح أعمالك، فقد قال ﷺ لعلي: " فوالله، لأن يهدي الله بك /رجلًا واحدًا/ (٤) خيرٌ لك من حمر النَّعَم " (٥) . والشيطان قاعد على الصراط المستقيم، فإن عاض أحد بشبهة، فيلزمكم تبليغها وطلب كشفها، ولا يحلُّ السكوت على الشبه التي تُقع في الريب والشك، وتفضي غلى ما تقدم من المفاسد. وإن رأيتم في كلامي مجازفة أو مخالفة لما قاله أهل العلم، فاذكروه لي. وإن جاءني عنكم نصيحة أو تنبيه على شيء من الغلط، فنشهد الله على قبوله ممن كان.
_________________
(١) في (د): (وخافهم) .
(٢) في ذلك أخرج الهندي في "الكنز"، قوله ﷺ أخوف ما أخاف على أمتي، الأئمة الضالون " برقم (٢٩٠٤٢)، وعزاه لأحمد عن عمر.
(٣) لم أعرف قائله ولا مصدره.
(٤) في (د): رجلٌ وادٌ.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٣٠، الجهاد باب (دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة)؛ صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/١٨٧، فضائل الصحابة، باب (فضل عي)؛ سنن أبي داود ٤/٦٩، العلم باب فضل نشر العلم. و"حمر النعم": النعم هو الإبل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، وقد كان ذلك أعز الأموال عند العرب وأنفَسِها. انظر عون المعبود ١٠/٩٥.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وبلِّغوا سلامنا إخوانكم، والعيال. والإخوان ينهون إليكم السلام، والسلام. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم القيامة/ (١) .
_________________
(١) ساقط في (ب) .
[ ١ / ٢٧١ ]