(الرِّسَالَةُ السَادِسَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضًا /-قدس الله روحه ونوّر ضريحه-/٢ رسالة، جوابًا لمسائل وردت عليه من محمد بن راشد الجابري.
الأولى: فيمن آمن بلفظ الاستواء ولكن نازع في المعنى، وزعم أنه /هو/٣ الاستيلاء.
الثانية: عن رفع اليدين بالدعاء في الصلاة.
الثالثة: عن الفطرة عن صوم رمضان.
الرابعة: عن الابتداء بفاتحة الكتاب كلَّما أراد تلاوة القرآن.
الخامسة: عن الرجل الذي يخالط أهل بلدته ومحلته، ويرجو بمخالطتهم أن يجيبوا إلى الإسلام وإلى السنة، ويتركوا ما هم عليه من شرك أو بدعة أو فواحش.
السادسة: البداءة بالسلام على الكافر.
فأجاب /-﵀-/٤ بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم محمد بن راشد الجابري –سلّمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد:
_________________
(١) ١ في (ب) جاءت هذه الرسالة في ص ١٨٤-١٩١. وررد هذه الرسالة في الدرر السنية ٣/٣٢٧-٣٣٢. ٢ في (د): رحمه الله تعالى وعفى عنه. ٣ ضمير الغائب ساقط في (ب) و(د) . ٤ ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع.
[ ١ / ٣٧١ ]
فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمد أهلٌ، وهو على كل شيء قدير. والسؤالات وصلت.
فأما السؤال الأول: فيمن آمن بلفظ الاستواء الوارد في كتاب الله، لكن نازع في المعنى، وزعم أنه الاستيلاء:
فهذا جهميّ١ معطّلٌ، ضالٌ، مخالفٌ لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة؛ وهذا القول هو المعروف عند السلف، عن جهم وشيعته الجهمية؛ فإنهم لم يصرحوا بردّ ألفاظ القرآن، كالاستواء، وغيره، من الصفات؛ وإنما خالفوا السلف في المعنى المراد.
وقولهم هذا، لا يعرف في المسلمين، إلاّ عن الجهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم؛ وكان الجعد قد سكن حرّان، مخالط الصابئة واليهود، وأخذ عنهم من المقالات والمذاهب المكفِّرة، ما أنكره عليه كافة أهل الإِسلام، وكفَّروه بذلك، حتى إنّ خالد
_________________
(١) ١ هذا هو قول الجهمية والأشاعرة والماتريدية في الاستواء، يفسّرونه بالاستيلاء والملك والقهر والغلبة. ويستشهدون على هذا المعنى، بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق وقد أبطل العلماء هذا التأويل، ورد شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله تعالى- على استدلالهم بهذا البيت، فنفى كون الاستواء بمعنى الاستيلاء، وقال: (لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا: إنه بيت مصنوع، لا يعرف في اللغة، وقد علم لو أنه احتج بحديث رسول الله ﷺ لا يحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده، وقد طعن فيه أئمة اللغة) . مجموع الفتاوى ٥/١٤٦. وانظر في الرد على هذا التأويل: الرد على الجهمية للدارمي ص١٤، الرد على الجهمية لابن مندة ص١٩، الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل ص١٥، كتاب الأسماء والصفات لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨هـ)، تحقيق عبد القادر عطا دار الكتب العلمية بيروت، ط/١، ١٤٠٨هـ -١٩٨٨م، ٢/٧٦. الكافية الشافية ١/٤٤٢، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ١/٨٨. وقد أبطل الإمام ابن القيم هذا التأويل في مواضع كثيرة. وفي كتابه (الصواعق المرسلة) بيّن بطلانه من (٤٢) وجها.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ابن عبد الله القسري -أمير واسط في خلافة بني أمية- قتل الجعد، وضحى به يوم العيد الأكبر، فقال وهو على المنبر: (أيُّها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإنِّي مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلّم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا) ثم نزل فذبحه١، وشكره على هذا الفعل، وصوّبه أهل السنة.
وإنما قال الجعد هذه المقالة، لاعتقاده أن الخلّة، والتكليم، والاستواء، ونحو ذلك، من الصفات، لا تكون إلاّ من صفات المخلوقات، وخصائص المحدثات، وهذا المذهب نشأ من سوء اعتقادهم، وعدم فهمهم لما يراد، وما يليق من المعنى المختص بالله تعالى، فظنوا ظن السوء بالله وصفاته، ثم أخذوا في نفيها، وتعطيلها، وتحريف الكلم عن مواضعه، والإِلحاد في أسمائه، ولو عرفوا أنّ ما يثبت لله من الصفات، لا يشبه صفات المخلوقات، بل هو بحسب عظمة الذات، وكل شيء صفاته بحسب ذاته، فكما أننا نثبت لله تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات، لا تشبه صفات المخلوقات٢؛ لو عرفوا هذا، لسلموا من التعطيل.
وعلى قولهم، ومذهبهم الخبيث: لا يعبدون ربًا موصوفًا بصفات الكمال، وصفات العظمة والجلال؛ وإنما يعبدون ذاتًا موصوفًا مجرّدة عن الصفات، فهم -كما قال بعض العلماء: لا يعبدون واحدًا، أحدًا، فردًا صمدًا، وإنما يعبدون خيالًا عدمًا٣.
وهذا المذهب اشتهر بعد الجعد بن درهم، عن تلميذه جهم بن صفوان؛ ولذلك يسمى أهل هذا المذهب، عند السلف، وأئمة الأمة: جهميّة، نسبة إلى جهم.
_________________
(١) ١ تقدم قصته في ص ٣٠٠. ٢ وهذا ما رد به الإمام ابن القيم –﵀- على الجهمية، في كتابه: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، تحقيق علي محمد دخيل الله، دار العاصمة، الرياض، النشرة الأولى ١٤٠٨هـ ١/٢٢٢، وانظر الصفات الإلهية للجامي ص ١٣٠. ٣ وقال بعض العلماء: ٠المعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنمًا، والممثل أعشى) . مجموع الفتاوى ٥/١٩٦،٢٦١.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثمّ أعلن به وأظهره بشر المريسي١، وأصحابه، في أوائل المائة الثالثة، لأنهم تمكّنوا من بعض ملوك بني العباس٢، وصار لهم عنده جاه ومنزله، فقويت بذلك شوكة الجهمية، وكثر شرُّهم، وعظم على الإِسلام وأهله كيدهم، وضررهم، حتى امتحنوا من لم يوافقهم على بدعتهم وضلالتهم، فشرّدوا بعض أهل السنة عن أوطانهم، وحبسوا وضربوا، وقتلوا على هذا المذهب٣.
وجرى على إمام السنة، الإِمام المبجّل أحمد بن حنبل من ذلك أشدّ امتحان وأعظم بليّة، وضُرب حتى أغشي عليه من الضرب، فإذا جادله منهم مجادل، قال: ائتوني بشيء من كلام الله، وكلام رسوله، حتى أجيبكم إليه٤، فيأبون ويرجعون إلى شبه الفلاسفة، واليونان، وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه، ويبّين بطلانها، بأدلّة الكتاب،
_________________
(١) ١ هو بشر بن غياث بن أبي كريمة البغدادي المريسي، أبو عبد الرحمن، من موالي آل زيد بن الخطاب –﵁- متكلم مناظر أخذ عن القاضي أبي يوسف وسفيان بن عيينة وغيرهما، نظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرّد القول بخلق القرآن ودعا إليه، (ت٢١٨هـ) . انظر تاريخ بغداد ٧/٥٦،سير الأعلام١٠/١٩٩. *وقد ناظره الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي (ت٢٤٠هـ)، في مسألة خلق القرآن، فألزمه الحجة، وتغلب عليه، حتى أن بشر كان يحيد عن أسئلة الإمام عبد العزيز في المناظرة، وقد ذكر قصة مناظرته بشرًا في كتابه (الحيدة)، وهو مطبوع متداول. ٢ المأمون والمعتصم والواثق، انظر البداية والنهاية لابن كثير ١٠/٣٤٥. ٣ ومن الذين امتحنوا وثبتوا أمام الفتنة ولم يجيبوا إلى القول بخلق القرآن: *الإمام أحمد بن حنبل *محمد بن نوح ابن ميمون *نعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن *أحمد بن نصر الخزاعي، وقد قتل. *أبو يعقوب البويطي، وقد مات هو أيضًا في السجن. انظر البداية والنهاية ١٠/٢٤٩. وكان ممن شرّد عن أوطانهم: فضل الأنماطي، وأبي صالح، اللّذين فرِّق بينهما وبين زوجتيهما. سير الأعلام ١١/٢٦٣. ٤ انظر البداية والنهاية ١٠/٣٤٧، وسير الأعلام ١١/٤٢٦-٤٢٧؛ وأحمد بن حنبل بين محنة الدين ومحنة الدنيا، لأحمد عبد الجواد الرومي، المكتبة العصرية، صيدا- بيروت، ص١٣٣.
[ ١ / ٣٧٤ ]
والسنة، وإجماع الأمة، والأدلة العقلية الصريحة١.
وصنّف في ذلك كتابه المعروف، في الرد على الزناقة، والجهمية٢، وهو كتاب جليل، لا يستغنى عنه طالب العلم.
والمقصود أن علماء الأمة، أنكروا مذهب الجهمية، أشدّ الإِنكار، وصرحوا بأنه من مذاهب الضلاّل والكفار، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وقد جمع الإِمام اللالكائي٣، جملة من كلام السلف في تكفيرهم، وتضليلهم؛ في كتابه الذي سماه: "كاشف الغمة، عن معتقد أهل السنة"٤ ومختصر كتابه، موجود عندكم في الساحل، قدم به: عبد الله بن معيذر٥، عام اثنين وسبعين، وهو وقف على طلبة العلم الشريف.
إذا عرف هذا، فأهل السنّة متفقون، في كل مصر، وعصر، على أن الله موصوف بصفات الكمال، ونعوت الجلال، التي جاء بها الكتاب، والسنة؛ يثبتون لله، ما أثبته
_________________
(١) ١ انظر محنته في: البداية والنهاية لابن كثير ١٠/٣٤٥-٣٤٩، سير الأعلام ١١/٢٣٢-٢٦٥؛ كتاب ذكر محنة الإمام أحمد، جمع إبي عبد الله حنبل بن إسحاق بن حنبل، تحقيق محمد نغش، ط/١، ١٣٩٧هـ- ١٩٧٧ م. أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، للأستاذ عبد الحليم الجندي، إصدار محمد توفيق عويضة، ١٣٩٠هـ- ١٩٧٠م. ص ٣٧٣، ٣٧٩، ٤٠٠؛ الصفات الإلهية في الكتاب والسنة، لمحمد أمان الجامي ص ٩٩-١٠٢. ٢ وهو كتاب مطبوع باسم: (الرد على الجهمية والزنادقة)، وقد تقدم النقل منه ص ٣٠٣ وانظر ردّه عليهم في: مناقب الإمام أحمد بن حنبل، لابن الجوزي، مكتبة الخانجي بمصر، ط/١، ٣٠٨-٣١٩. ٣ تقدم في ص ٣٦٢. ٤ هذا الكتاب هو اختصار لكتاب شرح أصول أهل السنة والجماعة للالكائي، ومختصره مجهول، ويوجد له نسختان مخطوطتان الأولى في مكتبة جامعة أم القرى، والثانية بالمكتبة العلمية ببريدة، ذكر ذلك فضلية الشيخ الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي في تحقيقه لشرح أصول الإعتقاد في (١/١٢٨-١٢٩) . وقد نقل اللالكائي كلام السلف في تكفير الجهمية، في كتابه: شرح أصول اعتقاد أهلال سنة والجماعة ٢/٣١٣-٣٢٢. ٥ تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص ٩٥.
[ ١ / ٣٧٥ ]
لنفسه المقدّسة، وما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تمثيل، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تشبيه؛ لا يبتدعون لله وصفًا، لم يرد به كتاب ولا سنة١، فإن الله تعالى: أعظم، وأجل، وأكبر في صدور أوليائه المؤمنين، من أن يتجاسروا على وصفه، ونعته، بمجرد عقولهم، وآرائهم، وخيالات أوهامهم؛ بل هم منتهون في ذلك إلى حيث انتهى بهم الكتاب والسنة، لا يتجاوزون ذلك بزيادة، على ما وصف الرب به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، ولا يعطلون ما ورد /في/٢ الكتاب والسنة، من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وينكرون تعطيل معنى الإِستواء، وتفسيره بالاستيلاء؛ ويتبرؤون من مذهب من قال ذلك، وعطّل الصفات، من الجهمية وأتباعهم؛ وقد وقع في هذا كثير ممن ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري٣؛ وظنّه بعض الناس من مذهب أهل السنة والجماعة؛ وسبب ذلك: هو الجهل بالمقالات، والمذاهب، وما كان عليه السلف.
_________________
(١) ١ انظر عقيدة أهل السنة في صفات الله: الحجة في بيان المحجة١/٩١-٩٢-١٧٤؛ والصفات الإلهية في الكتاب والسنة للجامي ص ٥٧ وما بعدها. ٢ في (د):به. ٣ هو علي ابن اسماعيلبن أبي بشر اسحاق بن سالم، أبو الحسن الأشعري، اليماني البصري، إمام المتكلمين، ولد سنة (٢٦٠هـ)، برع في معرفة الاعتزال، ثم تبرّأ منه إلى الأشعرية، ثم تركه وصار من جماعة أهل السنة، وألّف مقالات الإسلاميين، والإبانة عن أصول الديانة وغيرهما. (ت ٣٢٤هـ) . انظر: تاريخ بغداد ١١/٣٤٦، طبقات الشافعية ٣/٣٤٧، سير الأعلام ١٥/٨٥. *ويلاحظ أن مذهب أبي الحسن هو مذهب أهل السنة والجماعة وقد مر في أطوار ثلاثة: الطور الأول: الإعتزال الذي رجع عنه. الطور الثاني: طور الأشعرية، في إثبات-ما يسمونه- الصفات العقلية السبعة: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وكذلك تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحوها. الطور الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل جريًا على طريقة أهل السنة وهي طريقته في الإبانة، الذي صنفه آخرًا. انظر: مجموع الفتاوى ٤/٧٢، ٥/٥٥٦؛ الخطط للمقريزي ٢/٣٥٨، غاية الأماني في الرد على النبهاني ١/٤٨٠.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال حذيفة ﵁: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، /وكنت/١ أسأله عن الشر، مخافة الوقوع فيه) ٢.
فالواجب على من له نهمة في الخير، وطلب العلم أن يبحث عن مذاهب السلف، وأقوالهم في هذا الأصل العظيم، الذي قد يكفر الإِنسان بالغلط فيه، ويعرف مذاهب الناس في مثل ذلك؛ وأن يطلب العلم من معدنه ومشكاته، وهو ما جاء به محمد ﷺ من الكتاب والحكمة، وما كان عليه سلف الأمة قال الله تعالى: ﴿آلمص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٤.فإذا وفق العبد لهذا، وبحث عن تفاسير السلف، وأئمة الهدى، ورزق مع ذلك معلّمًا، من أهل السنة، فقد احتضنته السعادة، ونزلت به أسباب التوفيق والسيادة. وإن كان نظر العبد وميله، إلى كلام اليونان، وأهل المنطق، والكلام، ومشائخه من أهل البدعة والجدل، فقد احتوشته أسباب الشقاوة، ونزلت/به/٥ وحلت قريبًا من داره موجبات الطرد عن مائدة الرب وكتابه.
ومن عدم العلم، فليبتهل إلى معلّم إبراهيم، في أن يهديه إلى صراطه المستقيم، وليتفطّن لهذا الدعاء إذا دعا به في صلاته، ويعرف شدة فقره إليه وحاجته.
وأما من جحد لفظ الاستواء، ولم يؤمن به، فهو أيضًا كافر؛ وكفره أغلظ وأفحش
_________________
(١) ١ في (د): وأنا. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٧١٢، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، وفي آخره بلفظ: ( مخافة أن يدركني) . وكذا عند مسلم في صحيحه بشرح النووي ١٢/٤٧٨-٤٧٩، الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال. ٣ سورة الأعراف الآية (١-٣) ٤ سورة الأنعام الآية (١٥٥) . ٥ زيادة في (د) .
[ ١ / ٣٧٧ ]
من كفر من قبله،١ وهو كمن كفر بالقرآن كله؛ ولا نعلم أحدًا قال هذا القول، ممن يدعي الإِسلام، ويؤمن برسالة محمد ﷺ؛ والجهمي يوافق على كفر هذا، ولا يُشكِلُ كفر هذا على من عرف شيئًا من الإِسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٢ أي: بالقرآن٣.
وأما قول الرجل: استوى، من غير مماسة للعرش٤؛ فقد قدّمنا أن مذهب السلف، وأئمة الإِسلام، عدم الزيادة، والمجاوزة، لما في الكتاب والسنة، وأنهم يقفون وينتهون، حيث وقف الكتاب، والسنة، وحيث انتهيا.
قال الإِمام أحمد -رحمة الله عليه-: (لا يوصف الله تعالى، إلاّ بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله) ٥ انتهى. وذلك لعلمهم بالله وعظمته في صدورهم، وشدّة هيبتهم له، وعظيم إجلاله.
ولفظ المماسة لفظ مخترع، مبتدع، لم يقله أحدٌ ممن يقتدى به، ويتّبع، وإن أريد به نفي ما دلّت عليه النصوص من الاستواء، والعلوّ، أو الارتفاع، والفوقيّة، فهو قول باطل، ضالٌ، قائله مخالف للكتاب والسنة، ولإجماع سلف الأمة، مكابر للعقول الصحيحة، والنصوص الصريحة، وهو جهمي لا ريب، من جنس من قبله؛ وإن لم يرد هذا المعنى، بل أثبت العلو والفوقية، والارتفاع الذي دلَّ عليه لفظ الاستواء، فيقال فيه هو مبتدع ضالٌ، قال في الصفات قولًا مشتبهًا موهمًا، فهذا اللفظ لا يجوز نفيه، ولا إثباته٦.
_________________
(١) ١ من أوَّله بالاستيلاء. ٢ سورة هود الآية (١٧) . ٣ جامع البيان للطبري ١٢/١٨. ٤ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/١١٢؛ وأورده الذهبي في سير الأعلام ١٩/٣٤٤؛ عند ذكره لعقيدة أبي حامد الغزالي. ٥ أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، لعبد الغني الدقر، دار القلم، دمشق، بيروت، ط/١، ١٣٩٩هـ -١٩٧٩م، ص١٢٦، ١٢٨. ٦ أي قول القائل: (استوى من غير مماسة العرش)؛ لا يجوز نفيه ولا إثباته، لأن نفيه قد يستلزم نفي ما هو ثابت بالنصوص القطعية، وذلك لو قصد به قائله إثبات العلو والفوقية الذي دل عليه لفظ الاستواء، وكذلك إثباته باطل لفظًا، إذ إنه لم يرد في السنة المطهرة، ولا في أقول السلف الصالح، فهو لفظ مبتدع.
[ ١ / ٣٧٨ ]
والواجب في هذا الباب: متابعة الكتاب والسنة، والتعبير بالعبارات السلفية السنيَّة الإيمانية، وترك المتشابه.
وأما من يقول: إذا قلتم إنّ الله على العرش استوى، فأخبروني قبل أن يخلق العرش، كيف كان، وأين كان، وفي أي مكان؟!
وجوابه: أن يقال، أما كيف كان فقد أجاب عنه إمام دار الهجرة، الذي تضرب إليه أكباد الإِبل، في طلب العلم النبوي، والميراث المحمدي، قال له السائل، يا أبا عبد الله١: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة؛ وأمر بالسائل فأخرج عنه٣، فأخبر -﵀- أن الكيف غير معلوم، لأنه لا يعلم إلاّ بعلم كيفية الذات، وقد حجب العباد عن معرفة ذلك، لكمال عظمته، وعظيم جلاله، وعقول العباد، لا يمكنها إدراك ذلك، ولا تحمله، وإنما أمروا بالنظر، والتفكُّر، فيما خلق وقدر؛ وإنما يقال: "كيف /هو/"٤ لمن لم يكن ثم كان؛ فأمَّا الذي لا يحول ولا يزول، ولم يزل، وليس له /نظير ولا/٥ مثل، فإنه لا يعلم كيف هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد، ولم يمت، ولا يبلى. "وكيف" يكون لصفة شيء منه حد ومنتهى، يعرفه عارف، أو يحدّ قدره
_________________
(١) ١ في (أ) و(ب) و(ج) والمطبوع: يا أبا عبد الرحمن، والمشهور من كنيته ما أثبته. ٢ سورة طه الآية (٥) . ٣ ذكره ابن مندة في ردّه على الجهمية ص ١٤، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/٣٩٨ رقم (٦٦٤) وشيخ الاسلام ابن تيمية في المجموع ٥/١٤٤، ٣٦٥. وقال: (ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه) . وقد ذكر اللالكائي قول ربيعة في شرح أصول الاعتقاد برقم (٦٦٥) . ٤ساقط في (ب) و(ج) و(د) . ٥ ساقط في (ب) و(ج) و(د) .
[ ١ / ٣٧٩ ]
واصف لأنّه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه؛ والعقول عاجزة قاصرة عن تحقيق صفة أصغر خلقه، كالبعوضة، وهو لا يكاد يرى، ومع ذلك يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، فما يتقلب به، ويحتال من عقله أخفى وأعضل مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وقال بعضهم٢ مخاطبًا للزمخشري٣، منكرًا عليه نفي الصفات: شعر:
قل لمن يفهم عني ما أقول قصر القول فذا شرح يطول
أنت لا تفهم إياك لا من أنت ولا كيف الوصول
لا ولا تدري خفايا رُكَّبت بك حارت في خباياها العقول
أنت آكل الخبز لا تعرفه كيف يجري منك أم كيف تبول تبولتبول
أين منك الروح في جوهرها كيف تسري فيك أم كيف تحول
فإذا كانت طواياك التي بين جنبيك /كذا فيها ضلول/٤
كيف تدري من على العرش استوى لا تقل كيف استوى كيف النزول٥
وبالجملة: فهذا السؤال، سؤال مبتدع، جاهل بربه؛ وكيف يقول: إذا قلتم، إنّ الله على العرش استوى، وهو يسمع: إثبات الاِستواء، في سبعة مواضع من القرآن٦.
_________________
(١) ١ سورة الشورى الآية (١١) ٢ في هامش المطبوع: (المشهور أنه أبو حامد الغزالي ﵀) . ٣ هو محمود بن عمرو بن محمد الزمخشري، أبو القاسم جار الله الخوارزمي، كبير المعتزلة، صاحب الكشاف في التفسير والمفصّل في النحو والفائق في غريب الحديث وغيرها. (ت٥٣٨هـ) .انظر ترجمته: سير الأعلام ٢٠/١٥٠، والنجوم الزاهرة ٥/٢٧٤. ٤ في هامش المطبوع: الرواية التي نحفظها: (بها أنت جهول) . ٥ لم أعرف مصدر الأبيات. ٦ المواضع السبعة التي ورد فيها ذكر الاستواء هي:
(٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
(٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] .
(٤) قوله تعلى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢] .
(٥) قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
(٦) قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] .
(٧) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤] .
(٨) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] .
[ ١ / ٣٨٠ ]
وأما قوله: أين كان قبل أن يخلق العرش؟
فهذه المسألة ليس فيها تكييف، ولا ابتداع، وقد خرج الترمذي جوابها، مرفوعًا، من حديث: أبي رزين العقيلي١، أنه قال: يا رسول الله، أين كان ربنا، قيل أن يخلق الخلق؟ قال: (/كان/٢ في عماءٍ، ما فوقه هواء، وما تحته هواء) ٣ انتهى الحديث٤.
فهذا جواب، مرفوع إلى النبي ﷺ قد قبله الحفاظ، وصحّحوه.
والعماء: هو السحاب الكثيف٥.
_________________
(١) ١ هو لقيط بن عامر، أبو رزين العقيلي، صحابي جليل، ويقال: لقيط بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق، ويقال إنهما اثنان. انظر: الاستيعاب ٣/١٣٤٠، وأسد ٤/٥٢٣-٥٢٥. ٢ ساقط في جميع النسخ. ٣ في رواية الترمذي وابن ماجة وأحمد، تقديم وتأخير هكذا: (ما تحته هواء وما فوقه هواء) . ٤ سنن الترمذي ٥/٢٦٩، التفسير، باب من سورة هود، سنن ابن ماجة ١/٣٥، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، قال الترمذي: وهذا حديث حسن. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/١١، من طريق يزيد بن هارون. ٥ العماء بالمد: هو السحاب الرقيق، وقيل الكثيف والمطبق. ويروه بعض المحدثين: "في عمى" بالقصر، قال الخطابي: معناه أنه كان في عمى عن الخلق. وقال ابن الأثير: معناه ليس معه شيء، ورجّح الخطابي كونه ممدودًا. غريب الحديث للخطابي (ت٣٨٨هـ)، تحيق عبد الكريم العزباوي، ط ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م ٣/٢٤٣؛ النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٣/٣٠٤؛ الفائق للزمخشري ٣/٢٦.
[ ١ / ٣٨١ ]
قال يزيد بن هارون١، إمام أهل اليمن، من أكابر الطبقة الثالثة، من طبقات التابعين، ومن ساداتهم، معناه: ليس معه شيء٢.
وأما قول السائل: [وفي أي مكان؟] ٣، وفي زعم هذا القائل: إنه بذلك ينبغي حاجة الرب إلى العرش.
فيقال: ليس في إثبات الاِستواء على العرش، ما يوجب الحاجة إليه، أو فقر الرب تعالى وتقدس، إلى شيء من خلقه؛ فإنه سبحانه هو الغني بذاته عما سواه٤، وغناه من لوازم ذاته، والمخلوقات بأسرها – العرش فما دونه – فقيرة محتاجة إليه تعالى، في إيجادها، وفي قيامها، لأنه لا قيام لها إلاّ بأمره، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ٥ والسماء: اسم لما علا وارتفع؛ فهو اسم جنس، يقع على العرش، قال تعالى: ﴿ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦ الآية؛ وبحوله وقوّته حمل العرش، و/حمل/٧ حملة العرش؛ وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ﴾ ٨ الآية؛ وجميع المخلوقات: مشتركون في الفقر، والحاجة، إلى بارئهم، وفاطرهم. وقد قرّر
_________________
(١) ١ هو يزيد بن هارون بن وادي، ويقال زاذان بن ثابت السلمي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، ثقة، توفي في خلافة المأمون سنة (٢٠٦هـ) . انظر: سير الأعلام ٩/٣٥٨، وتهذيب التهذيب ١١/٣٦٦،٣٦٨. ٢ وهو ما ذكره ابن الأثير. ٣ ما بين المعقوفين ساقط في جميع النسخ، وهو مقول قول السائل، أسقطه الناسخ، إذ تتمة الأسئلة التي تقدمت في ص ٣٦٣. وقد انتهى الشيخ من الجواب على السؤالين (كيف كان؟ وأين كان قبل أن يخلق خلقه؟) والذي يأتي هنا هو جواب بهذا القول المُسقَط هنا. ٤ فهو ﷾ مستغن عن العرش وما دونه، وهذا مجمل معتقد أهل السنة والجماعة. انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص٢٥٣. ٥ سورة الروم الآية (٢٥) . ٦ سورة الملك الآية (١٦) . ٧ في (أ) و(ب) و(ج): (وحملت) . وفي (د): (وحملته العرش) . ٨ سورة فاطر الآية (٤١) .. وتمامها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
[ ١ / ٣٨٢ ]
سبحانه كمال غناه، وفقر عباده إليه، في مواضع من كتابه١، واستدّل بكمال غناه، المستلزم لأحديّته، في الردّ على النصارى، وإبطال ما قالوه من الإِفك العظيم، والشرك الوخيم، قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ٢ الآية؛ وكمال غناه يستلزم نفي الصحبة، والولد٣، ونفي الحاجة إلى جميع المخلوقات، ولا يظنّ أحدٌ يعرف ربّه، أو شيئًا من عظمته وغناه ومجده، أنه محتاج إلى العرش، أو غيره؛ وإنّما يتوّهم هذا من هو في غاية الجهالة والضلالة، ومن لم يعرف شيئًا من آثار النبوة والرسالة؛ ومن فسدت فطرته، ومسخ عقله، بنظره في كلام الجهمية، وأشباههم، حتى اجتالته الشياطين، فلم يبق معه أثارة من علم، ولا نصيب من فهم.
بل استواؤه على عرشه، صفة كمال، وعز، وسلطان٤؛ وهو من معنى اسمه (الظاهر) ومعناه: الذي ليس فوقه شيء؛ والعلو، علو الذات، وعلوّ القهر، وعلوّ السلطان، كلّها ثابتة لله، وهي صفات كمال، تدلّ على غناه، وعلى فقر المخلوقات إليه. والذي ينبغي لأمثالنا: ترك الخوض مع هؤلاء المبتدعة الضلال، وترك مجالستهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ٥، وأكثر المعطلة، يزعمون أن تعطيلهم، تنزيه للربّ عما لا يليق به، فساء ظنّهم، وغلظ حجابهم، حتى توهّموا: أنّ إثبات ما في الكتاب والسنّة، على ما فهمه سلف الأمة مما ينزّه الرّب، ﵎ عنه.
_________________
(١) ١ من تلك المواضع التي ذكر فيها كمال غناه وفقر عباده: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] . ٢ سورة يونس الآية (٦٨) . ٣ ومما ورد من الآيات في نفيه تعالى ذلك عن نفسه، قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:٣] . ٤ وهي صفة فعليّة للربّ ﷾، تتعلّق بمشيئته وقدرته. ٥ سورة الأنعام الآية (٦٨) .
[ ١ / ٣٨٣ ]
المسألة الثانية:
وأما مسألة رفع اليدين /بالدعاء/١ في الصلاة، فالذي /يثبت/٢ عنه ﷺ أنه كان يرقع يديه إذا اجتهد في الدعاء٣ وليس ذلك من السنن المتعلّقة
_________________
(١) ١ في (د): في الدعاء. ٢ في المطبوع: ثبت. ٣ هذا كما كان يفعل في الاستسقاء، فكان يرفعها حتى يرى بياض أبطيه، فقد روى أنس بن مالك ﵁، قال: (كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاّ في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه) . [البخاري مع الفتح ٢/٦٠١، الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء] . قال الإمام ابن حجر –﵀- عند شرحه لهذا الحديث: (ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء) . [فتح الباري ٢/٦٠١] . *ومن تلك الأحاديث المثبتة لرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء، ما يلي:
(٢) ما أخرجه البخاري في صحيحيه من حديث أبي موسى الأشعري، في قصة مقتل عمه أبي عامر الأشعري في أوطاس، قال ابو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمِيَ أبو عامر في ركبته، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزل منه الماء، قال: يا ابن أخي، أقرئ النبي ﷺ السلام، وقل له: استغفر لي. واستخلفني أبا عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قال له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر،. ورأيت بياض أبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس) الحديث [صحيح البخاري مع الفتح ٧/٦٣٧، المغازي، باب غزوة أوطاس] .
(٣) أخرج البخاري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذِيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولا: أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين) . [صحيح البخاري مع الفتح ٧/٦٥٤، المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد إلى بني جذيمة] . قال ابن حجر –﵀-: (في الحديثين ردٌّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء. [فتح الباري ١١/١٤٦] .
[ ١ / ٣٨٤ ]
بالصلاة كما يظنّه بعض من لم يعرف السنّة، فإنّه لم ينقل عنه ﷺ
_________________
(١) = ٣- وعن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إنّ ربكم ﵎ حييّ كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرًا، أو قال خائبتين. [سنن أبي داود ٢/١٦٥، الصلاة باب الدعاء، سنن الترمذي ٥/٥٢٠، الدعوات، سنن ابن ماجة ٢/٣٤٩، الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء] . قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال ابن حجر في الفتح ١١/١٤٧: (وسنده جيّد) وصححه الألباني في صحيح أبي داود حديث رقم (١٣٣٧)، وصحيح ابن ماجة رقم (٣١١٧) وفي المشكاة –التصحيح الثاني_ برقم (٢٢٤٤) . وفي شرح العقيدة الطحاوية ص٢٦٠، وفي مختصر العلو ص٩٧. فكل هذه الأحاديث تثبت مشروعية رفع اليدين في الدعاء عامة، وتعارض حديث أنس الذي يفيد تخصيص الرفع في الاستسقاء، وهو حديث صحيح. لذا فقد عمد العلماء إلى الجمع بينه وبين الأحاديث المثبتة للرفع في غير الاستسقاء، كالآتي: -ذهب بعضهم على تأويل حديث أنس: أن النفي واقع على صفة خاصة في الرفع، لا أصل الرفع، كما يدل عليه قوله: (حتى يرى بياض أبطيه) . قال ابن حجر: (ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء، إنما المراد به: مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، إنما المراد به: مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء. وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهة حتى حادتاه) [فتح الباري ٢/٦٠١] . -وذهب آخرون إلى حمل حديث أنس على نفي رؤيته وهو غير الاستسقاء، وأن ذلك لا يستلزم نفي رؤيته غيره، وعليه فالعمل بأحاديث الرفع أولى. [فتح الباري ٢/٦٠١] . -وقال الإمام النووي –﵀-: (قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه، أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جعل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث) . يعني حديث أنس: (أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء) . [صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٤٤١-٤٤٢، الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء] . مواقف لا بشرع فيها رفع اليدين في الدعاء: وقد ذكر العلماء من تلك المواقف ما يلي:
(٢) عقب الصلوات المفروضة، وقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد اللطيف هنا.
(٣) في حال جلوس الإمام بين الخطبتين.
(٤) لا يشرع للخطيب على المنبر حال الخطبة، وتبعه في ذلك المستمعون للخطبة. (والسنة للخطيب رفع إصبع) . انظر فتح الباري ١١/١٤٧، ومجموع الرسائل والمسائل النجدية ٢/١٦٤.
[ ١ / ٣٨٥ ]
ولا عن أصحابه ملازمة ذلك وفعله عقب كل صلاة.
المسألة الثالثة:
وأما الفطرة عن صوم رمضان، فجمهور العلماء يرون أنه لا يجزي /إلا صاع كاملٌ/١ من أي صنف من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد٢ وابن عمر وغيرهما٣، وهي الطعام والشعير والتمر والأقط والزبيب.٤
وذهب جمع إلى جواز الإخراج من غالب قوت البلد٥، أي قوتٍ كان، كالذرة والأرز ونحوها.
وذهب بعضهم إلى أن نصف الصاع من سمراء الشام (وهو البر) يجزي عن صاع من غيره. وهذا القول قاله معاوية ورآه رأيًا له، وليس بمرفوع٦، وقد خالفه أبو
_________________
(١) ١ في (د): إلاّ صاعًا كاملًا. ٢ هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، أبو سعيد الخدري، من مشاهير الصحابة. (ت٧٤هـ) . انظر الاستيعاب ٢/٦٠٢؛ وأسد الغابة ٢/٢٨٩، و٥/٢١١؛ وسير الأعلام ٣/١٦٨. ٣ حديث أبي سعيد الخدري هو ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي سعيد قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب) . صحيح البخاري مع الفتح ٣/٤٣٤، الزكاة، باب صدقة الفطر صاعًا من طعام؛ صحيح مسلم بشرح النووي ٧/٦٥، الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير. ٤ ذهب الحنابلة إلى أن الواجب: الإخراج من هذه اللأصناف المنصوص عليها في الحديث. المغني مع الشرح الكبير ٢/٦٥٨-٦٥٩، والمبدع في شرح المقنع، لابن مفلح ٢/٣٩٢-٣٩٤. ٥ هذا مذهب المالكية والشافعية، انظر: المدوّنة الكبرى، للإمام مالك، دار صادر، بيروت لبنان، ١/٣٥٧. الشرح الصغير للدردير ١/٦٧٥. الخرشي على مختصر سيدي الخليل، بهامشه حاشية العدوي، دار صادر، بيروت ٢/٢٢٨. الأم، للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت٢٠٤هـ)، خرّج أحاديثه وعلق عليه محمود مطرجي، طبعة دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط/١، ١٤٣١هـ -١٩٩٣م، توزيع مكتبة دار الباز ٢/٨٨-٨٩. مختصر المزني على الأم، (مطبوع مع الأم) الطبعة السابقة ٩/٦٢. روضة الطالبين ٢/٣٠١-٣٠٢. ٦ وقد أخرج ذلك البخاري من حديث أبي سعيد قال: (كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله
[ ١ / ٣٨٦ ]
سعيد الخدري، ولم يوافقه عليه١، وبعض العلماء وافق معاوية على ذلك وقليل ما هم٢.
المسألة الرابعة:
وأما الابتداء بفاتحة الكتاب /كلّما/٣ أراد تلاوة القرآن؛ فلا أرى الإنكار على من فعل ذلك، لما ثبت في الحديث الصحيح، من قصة الأنصاري الذي كان يقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٤، في كل ركعة، يكررها إذا أراد القراءة بغيرها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: "سلوه لم فعل ذلك" فقال: إنِّي أحبها، لأن فيها صفة الرحمن، قال النبي ﷺ: "أخبروه أن الله يحبه" ٥.
_________________
(١) = عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب. فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدّا من هذا يعدل مدّين) . البخاري مع الفتح ٣/٤٣٦، الزكاة، باب صاع من زبيب، وذكر ذلك الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "صدقة الفطر صاع من شعير أو صاع من تمر، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع بر، بصاع من شعير". المسند للحميدي (ت٢١٩هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، عالم الكتب، بيروت، مكتبة المتنبي القاهرة ٢/٣٠٧. ١ انظر فتح الباري ٣/٤٣٨. ٢ وقد وافقه على ذلك الحنفية، انظر: فتح القدير لابن الهمام ٢/٢٩٠؛ وبدائع الصنائع ٢/٩٦٧؛ وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي، دار المعرفة بيروت، ط/٢، ١/٣٠٨. ٣ في (أ): كل من. ٤ سورة الإخلاص. ٥ وتمام الحديث: (أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك"، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: "أخبره أن الله يحبه". البخاري مع الفتح ١٣/٣٦٠؛ التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله؛ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٤٣، المسافرون، باب فضل قراءة
[ ١ / ٣٨٧ ]
فمن قرأ فاتحة الكتاب أو غيرها بقصد يضاهي هذا ويشابهه، فلا حرج عليه، وأما إن قرأها قبل كل قراءة معتقدًا أن الله أمر بذلك، أو أن رسول الله ﷺ سنَّه، فهذا يعرّف بالسنة ويُخْبر بها، وأنها إنما يبتدأ بها القراءة في الصلاة١ لا في سائر أحوال التلاوة.
(المسألة الخامسة):
وأما الرجل الذي يخالط أهل بلده ومحلته، ويرجو بمخالطتهم أن يجيبوه إلى الإسلام وإلى السنة، ويتركوا٢ ما هم عليه من شرك أو بدعة أو فواحش.
فهذا يلزمه خلطتهم ودعوتهم إن أمن الفتنة، لما في ذلك من المصلحة الراجحة، على مصلحة الهجر والاعتزال. ورؤية المنكر إذا رجا بها إزالته وتغييره، وأمن الفتنة به، ولم يكن تحصيل المصالح الدينية إلاّ بذلك، فلا حرج عليه، بل ربما تأكد واستحب٣.
وبلغني أن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدّس الله روحه- كان يخرج إلى عسكر التتار لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق، ويجتمع بأميرهم ويأمره وينهاه٤. ويرى في
_________________
(١) = ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ سنن النسائي ٢/١٧٠، الافتتاح، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . ١ كما ورد بذلك الأحاديث، ومنها: حديث أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . سنن النسائي ٢/١٣٣، الافتتاح، باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة؛ مسن أحمد ٣/٢٠٣. وعنه ﵁ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٣٥٤، الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة. ٢ في (ب) و(ج) و(د): ويترك. ٣ وهذا هو حال العلماء والدعاة المتواجدون في دول الأقليات الإسلامية. ٤ انظر: الدرر الكامنة ١/١٦٤، والبداية والنهاية ١٤/٨-١٣، ٥٦. والإمام ابن تيمية لعبد السلام هاشم حافظ الحلبي، ط/١، ١٣٨٩هـ-١٩٦٩م، ص ٢٤-٢٥.
[ ١ / ٣٨٨ ]
خروجه عندهم شيئًا من المنكرات. وقد أراد بعض الأفاضل ممن صحبه في /إحدى/١ تلك المرات أن ينكر على جماعة منهم، ما رآه يدور بينهم من كاسات الخمر، فقال له الشيخ: لا تفعل، إنهم لو تركوا هذا زاد شرهم على أموال المسلمين وحرمهم٢.
(المسألة السادسة):
وأما البداءة بالسلام، فلا ينبغي أن يُبدأ الكافر بالسلام٣، بل هو تحية أهل البداءة بالسلام على الكافر الإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة أو فوات مصلحة
_________________
(١) ١ في (أ) و(ج): أحد. ٢ لم أجد مكان ورود هذا القصة. *لا شك أن في هذا من الحكمة البالغة في الدعوة، والتي يجب أن يتصف بها الدعاة، كما يستفاد من فعل شيخ الإسلام هذا، وجوب مراعاة الأحوال والظروف لدى المدعوِّين، وتقديم الأهم فالأهم في الدعوة، والأخذ بقاعدة: مراعاة أعظم الضررين بارتكاب أخفهما. [انظر القاعدة في الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٨٩] . ٣ مسألة: السلام على الكفار والرد عليهم: إنّ الرسول ﷺ قد نهانا عن ابتداء الكفار بالسلام، وذلك في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام". صحيح مسلم بشرح النووي١٤/٣٩٧، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام؛ سنن الترمذي ٤/١٣٢، السير، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب. *والنهي عن ابتدائهم بالسلام يفيد جواز الردّ عليهم فيما إذا هم ابتدؤوها. وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيرز وبهذا قال سفيان بن عيينة وعمر بن عبد العزيز، نقل الإمام ابن حجر –﵀- في [الفتح ١١/٤٢] ما أخرجه الطبري من طريق ابن عيينة قال: (يجوز ابتداء الكفار بالسلام لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] . وقيد جماعة جواز ابتدائهم به بالضرورة والحاجة أو سبب، وهو قول علقمة والنخعي. وهو ما ذهب إليه الشيخ عبد اللطيف هنا عند رجحان المصلحة في ذلك، والخوف من فواتها، حيث قال: ( لكن إن خاف مفسدة راجحة أو فوات مصلحة كذلك، فلا بأس بالبداءة) . [وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١٤/٣٩٦] . ومعتمد هذا الوجه: هو ما سيورده قريبًا من فعل الرسول ﷺ الذي أخرجه البخاري ومسلم وهو: عن عروة بن الزبير قال: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله
[ ١ / ٣٨٩ ]
_________________
(١) = عليه وسلم ركب حمارً عليه إكافٌ تحته قطيفة فدكيّة، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث من الخزرج –وذلك قبل وقعة بدر- حتى مرّ في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبّروا علينا. فسلّم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن ) الحديث. [صحيح البخاري مع الفتح ١١/٤١، الاستئذان، باب التسليم في مجلس فيه أخلاط. صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٣٩٩-٤٠٠، الجهاد، باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٢٠٣] . قال النووي: (إذا مرَّ على جماعة فيهم مسلمون أو مسلم وكفار، فالسنّة أن يسلم عليهم (بلفظ التعميم) ويقصد المسلمين أو المسلم) مستدلًا بهذا الحديث. [الأذكار للنووي، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت٦٧٦هـ، تحقيق سبيع حمزة حاكمي، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، ومؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط/١، ١٤١٢هـ- ١٩٩١م. ص٣٥٣. وانظر فتح الباري ١١/٤١-٤٢] . وقد نقل ابن حجر ما جمع به الطبري بين القولين، قال: (وقال الطبري: لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النبي ﷺ على الكفار حيث كانوا مع المسلمين، وبين حديث أبي هريرة في النهي عن السلام على الكفار، لأن حديث أبي هريرة عام، وحديث أسامة خاص. فيختص من حديث أبي هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سبب ولا حاجة، من حق صحبة أو مجاورة أو مكافأة أو نحو ذلك) . [فتح الباري ١١/٤٢] . وهذا جمع حسن يرجح به بين القولين. *أما إذا سلَموا علينا ابتداءً: فإننا نرد عليهم بمثل ما سلّموا علينا به، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] . فإن قالوا السلام عليكم فلنا أن نقول: عليكم السلام أو وعليكم. وإن قالوا السام عليكم بحذف اللام، قلنا: وعليكم وذلك أن اليهود كانوا يأتون رسول الله ﷺ فيسلِّمون عليه بقولهم: "السام عليكم" يريدون بذلك الدعاء عليه بالموت، وكان ﷺ يردُّ عليهم بقوله "وعليكم" وبه أمر النبي ﷺ أمته أن يقولوا؛ كما جاء ذلك في السنة المطهّرة. منها: حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". وعن عائشة ﵂ قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: "السام عليكم" فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله ﷺ: يا عائشة إن الله يحب الرفق في كل أمر. قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت وعليكم " أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه ١٤/٣٩٣،٣٩٥ السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب السلام.
[ ١ / ٣٩٠ ]
كذلك، فلا بأس بالبداءة١ لا سيما من ينتسب إلى الإسلام، ولكن يخفى عليه شيءٌ من أصوله وحقوه.
وقد كان ﷺ يأتي المشركين من العرب في منازلهم أيام الموسم٢، ويدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه، وأن يقولوا لا إله إلا الله، ويتلوا عليهم القرآن، ويبلِّغهم ما أُمر بتبليغه؛ مع ما هم عليه من الشرك والكفر والردّ القبيح، لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والتباعد، والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل، فإذا انتفى ذلك وصار فيه مفسدة راجحة فلا يشرع. ومن تأمّل السيرة النبوية والآثار السلفيّة يعرف ذلك ويتحققه.
وقد أمر الله بالدعوة إليه على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية٣، وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤.
والجهاد بالحجة والبيان يقدم على الجهاد بالسيف والسنان.
وقد مرَّ ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمنافقين واليهود، وفيه عبد الله ابن أُبيّ٥ رأس المنافقين، فسلّم ﷺ ونزل
_________________
(١) ١ زاد المعاد، لابن القيم ٢/٤٢٥. ٢ انظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/٤٢٢-٤٢٣. ٣ سورة يوسف الآية (١٠٨) . ٤ سورة الحج الآية (٧٨) . ٥ هو عبد الله بن أُبيّ بن سلول العوفي، رأس المنافقين، ورئيس الخزرج والأوسي. وهو القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل. فنزلت سورة المنافقين بأسرها. (ت٩هـ) . انظر البداية والنهاية ٣/٢٣٨؛ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/٥٢٦-٥٨٤.
[ ١ / ٣٩١ ]
عن دابته ودعاهم إلى الإسلام، وذلك حين ذهب إلى سعد بن عبادة١ يعوده في منزله٢، والقصّة مشهورة. وكثير من العلماء يبتلى بخلطة هذا الضرب من الناس، لكنَّه يكون مباركًا أينما كان، داعيًا إلى الله، مذكرًا به، هاديًا إليه، كما قال /تعالى/٣ عن المسيح ﵇ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ ٤، أي داعيًا إلى الله مذكرًا به معلمًا بحقوقه، فهذه هي البركة المشار إليها، ومن عدمها محقت بركة عمره، وساعاته وخلطته ومجالسته.
نسأل الله العظيم لنا ولكم علمًا نافعًا، يكون لنا يوم القيامة شافعًا.
وبلِّغ سلامنا من لديك من الإخوان في الدين من أهل السنة، وإن أشكل عليكم شيء مما كتبته فراجعوني فيه، ولا تنسوني من صالح الدعاء٥.
أسأل الله العظيم أن يغفر زلّتي، ويقبل توبتي، ويقيل عثرتي. /والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته/٦. /وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا/٧.
_________________
(١) ١ هو سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور (ت١٦هـ) . الاستيعاب ٤/١٥٢، أسد الغابة ٢/٣٥٦، سير الأعلام ١/٢٧٠. ٢ والحديث تقدم تخريجه بنصه في هامش ص٣٨٩. ٣ ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع. ٤ سورة مريم الآية (٣١) . ٥ هذا من باب طلب الدعاء من الصالحين، وهو أمر جائز، كما يرشد إليه فعل رسول الله ﷺ حين طلب من عمر بن الخطاب ﵁ ذلك. قال ﵁: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن وقال: "لا تنسانا يا أخيَّ من دعائك". سنن أبي داود ٢/١٦٩، الصلاة باب الدعاء، سنن الترمذي ٥/٥٢٣، الدعوات باب ١١٠، بلفظ: "أي أَخِي أشركنا في دعائك ولا تنْسنَا" وقال: (حديث حسن صحيح) . سنن ابن ماجة ٢/١٥٥، الحج، باب فضل دعاء الحاج، بلفظ: "يا أُخيَّ أشركنا في شيءٍ من دعائك، ولا تَنْسَنا". ٦ ساقط في المطبوع. ٧ ساقط في (ب) و(ج) و(د) . وفي المطبوع سقط قوله (وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا) .
[ ١ / ٣٩٢ ]