كانت الجزيرة العربية مقسمة إلى مناطق عدة وأمارات تضم القبائل العربية التي أصبحت مستقرة، ولم تكن الحالة الاجتماعية في إقليم نجد تختلف عما كان سائدًا ذلك الوقت في شبه الجزيرة العربية؛ فكانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية، لكل قبيلة بدوية كبيرة أمير أو شيخ، يمتد نفوذه حسب كفاءته الشخصية، وهمته وقوته وهو عادة أوفر أفراد القبيلة ثراء (١) .
وكانت أسرة آل سعود في نجد على رأس تلك المناطق، وكان سعود بن عبد العزيز، يمنح مشايخ البدو الكبار، الذين تتبعهم قبائل صغيرة، لقب أمير الأمراء.
وكانت الإمارات الرئيسية هي: الإحساء، والعارض، والقصيم، والوشم، والسدير،، ووادي الدواسر، وجبل شمر، والحرمين، والخرج، والقطيف، وجهات عمان. فتلك كانت المناطق التابعة لحكم آل سعود في عهد سعود بن عبد العزيز (ت١٢٢٩هـ)، وكان ما بعده امتدادًا لذلك، إلى أن حدث التغيرات السياسية، التي سببها الأطماع الخارجية، والنزاعات والنعرات الداخلية، كما تقدم ذكرها.
وكان لسعود من القوة والنفوذ، بحيث يستطيع عزل من يريد من زعماء القبائل وأمراء المناطق، ولكنه بصفة عامة كان يثبت من اختاره العرب لأنفسهم (٢) .
وكان بين أفراد القبيلة البدو الرحل، والحضر المستقرون. أما البدو فإنهم يتنقلون بأغنامهم وإبلهم وراء المرعى حيثما وجد، ويجوبون المناطق؛ بحثًا لسبيل رزقهم وهذه،
_________________
(١) جزيرة العرب في القرن العشرين، ص٢٢٣. موارد لتاريخ الوهابيين، ص٤٢-٤٣. الدولة السعودية الأولى (١١٥٨-١٢٣٣) ط/٢، لعبد الرحيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم، ١٩٧٥م، ص٢٠-٢١.
(٢) انظر المرجع السابق: موارد، ص٤١-٤٢.
[ ١ / ٥١ ]
الحياة كانت في كثير من الأوقات سببًا في تقاتل القبائل من أجل المرعى ومصادر المياه (١) .
أما الحضر فكانوا هم سكان الواحات والقرى، فكانت لهم صفة الاستقرار، غير أن حياتهم كانت متأثرة بحياة البدو؛ لما بينهم من صلات المصاهرة والقربى والتجارة.
أما طبائعهم، فكانت تختلف حسب المناطق التي يعيشون فيها وظروف الحياة التي يعيشونها (٢) .
أما منطقة نجد فكانت مقر أمراء آل سعود، وكانت أهم العشائر النجدية: آل مرة، وبنو خالد، والعجمان في الشرق، وقحطان في الجنوب والجنوب الغربي، وسبيع والسهول في الغرب، ومطير في الشمال الغربي، وشمر في الشمال، وعتيبة في الشمال الغربي، وحرب في الشمال الشرقي، وعَنَزة في الشمال الشرقي أيضًا (٣) .
وكان من صفات أهل نجد التجارة؛ فإن كثيرًا منهم كانوا يسافرون إلى أطراف الروم وبقية جزيرة العرب، كما كان يأتيهم عن طريق القطيف والبحر شيء كثير (٤) .
وكان أهل عنيزة في القصيم، وأهل الرياض، أكثر السكان حضارة، وأقلهم سكانًا وادي الدواسر والسليّل.
ولم يكن النور الكهربائي معروفًا، وكان السكان يستعملون مصابيح تضاء بالبترول، وهي واردة إليهم من الخليج أو الحجاز، وأواني الطبخ من النخاس غالبًا، ويصنع البعض أنواع الفخار في نجد. وكانت خدمات الملابس كلها ترد من الخارج، إلا ما يصنع من الصوف وكذلك المصنوعات الجلدية ترد من الخارج إلا ما يلزم
_________________
(١) الدولة السعودية الأولى (١١٥٨-١٢٣٣هـ)، ص٢٠-٢١.
(٢) الدول السعودية الأولى (١١٥٨-١٢٣٣هـ)، ص٢١.
(٣) انظر: جزيرة العرب في القرن العشرين، لحافظ وهبة، ص٤٦-٤٧.
(٤) الدولة السعودية الأولى (١١٥٨-١٢٣٣هـ)، ص٢٢
[ ١ / ٥٢ ]
لقراب المياه، والدلاء، والسرج، والنعال؛ فإنها كانت تصنع في نجد (١) (٢) .
أما الدرعية -العاصمة- على وجه الخصوص، فكانت ذات شأن كبير، ومد وفير، تغص بالأموال، وتزدهر بالأعمال، وتزهو بالمباني الفاخرة، وكان بها أسواق متعددة (٣) .
وبعد سقوطها في أيدي الغزاة الأتراك والمصريين، وفي عهد خالد باشا بالتحديد، انتشرت الفوضى، وقطعت الطريق، ونهب السفر، وكثرت الغارات؛ لكل من أنس من نفسه القوة، عدا على الضعيف ينهبه، وكل من عضه الجوع هب كالمجنون، يدفعه بالسلب، فلا يتورع في قتل نفس من أجل لقمة يسد بها السغب، وأصبح الناس أوابد ضارية، يفترس القوي منها الضعيف، لا قائد يقودها إلى الخير، ولا سلطان للفضيلة عليهم، ولا رادع من دين أو من خلق (٤) .
وقد وصف ابن بشر حال نجد الاجتماعية، في فترة ما بعد سقوط الدرعية إلى قيام تركي بن عبد الله، وذكر بأن نظام الجماعة انحل، وتطايرت شرر الفتن، في تلك الأوطان وتعذرت الأسفار بين البلدان، وعاثت فيها العساكر المصرية، فقتلوا صناديد الرجال، وصادروا أهلها فأخذوا ما بأيديهم من الأموال، وقطعوا الحدائق، وهدموا القصور العاليات، وصار أهل نجد بينهم أذل من العبيد، وتفرقت علماؤهم وخيارهم ما
_________________
(١) هكذا كان الأمراء في ذلك الوقت، أما الآن -وفي ظل النهضة الحديثة- فقد تطورت الحياة تطورًا سريعًا وباهرًا في جميع ربوع المملكة، لا سيما في عهد خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله ونصر به الإسلام والمسلمين- وذلك من حيث التطور المعماري، وفي الحياة الأسرية والمنزلية، أو الاجتماعية عمومًا. فمدينة الرياض وغيرها من المدن في المملكة العربية السعودية -حاليًا- غيرها في البلاد الأخرى، بل قد تمتاز على كثير منها في بلدان العالم؛ وهذا –بفضل الله وحده، وتوفيقه للساهرين على هذا النمو المطرد.
(٢) انظر: جزيرة العرب في القرن العشرين، ص٤٧-٤٨.
(٣) انظر: تذكرة أهل النهى والعرفان، ١/٥٥،٩٢، الدرعية، ص٤٠٨-٤٠٩.
(٤) انظر: صقر الجزيرة، ١/٦٦.
[ ١ / ٥٣ ]
بين طريد وشريد، وظهر المنكر، وعدم المعروف، وصار الرجل في جوف بيته مخوفًا، وتتابعت هذه المحن في تلك الجزيرة نحو أربع سنين، والشر فيها في زيادة وظهور وتمكين، حتى أنعش الله -تعالى- أهل نجد بشبل من أشبال ملوكها؛ الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود (١) .
هذا ملخص الحالة الاجتماعية في عصر الشيخ عبد اللطيف.
_________________
(١) انظر: عنوان المجد، ٢/٤-٥.
[ ١ / ٥٤ ]