بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن المكرم النجيب إبراهيم بن عبد الملك، سلّمه الله /تعالى/١، ورحم أباه، وزيّنه بزينة خاصته، /وأوليائه/٢، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل الإنكار على من كفّر أُناسًا شمتوا بانتصار أعداء المسلمين عليهم، شيء قدير. والخط وصل، وقد سَألْتَ فيه عن خمس مسائل:
أُوْلاها: قولك: إنه وقع من بعض الإخوان تكفير من أحبّ انتصار آل شامر٣ على المسلمين، وفرح بذبحهم، هل له مستند في ذلك أو٤ لا؟
فالجواب:
إنِّي لا أعلم مستندًا٥ لهذا القول، والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام، من
_________________
(١) ١ زائدة في (د) . ٢ في جميع النسخ: (وأولياه)، وفي المطبوع المثبت. ٣ آل شامر: من العشائر النجدية التي تتجول في نجد، وتدخل العراق، تنتسب إلى مرزوق، من قبيلة العجمان، التي تقع منازلها في جوار بني خالد، اعتبارًا من الطفّ إلى العقير، وتمتدُّ ديارها حتى الصمّاء، وفي الشتاء تتوغّل حتى الزُّلفى، والقصيم، والخرج، وآل شامر من يام، حيث ينتسب قبيلة العجمان، قلب جزيرة العرب، لفؤاد حمزة، ص١٩٠، ١٩١. معجم قبائل المملكة العربية السعودية، لأحمد الجاسر، نشر دار اليمامة، الرياض، ط/١/ ١٤٠٠هـ-١٩٨٠م، ١/٣٣٣. معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، لكحالة، ٢/٥٧٤-٥٧٥. ٤ في جميع النسخ: (أم) . ٥ في (د): مستند.
[ ١ / ٢٠٥ ]
غير مستند شرعي، ولا برهان مرضي، يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال، ومن عدم الخشية والتقوى فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال.
والفرح بمثل هذه القضيّة قد يكون له أسباب متعدّدة، لا سيّما /و/١ قد كثر الهرج٢، وخاضت الأمة في الأموال والدماء، واشتدّ الكرب والبلاء، وخفي الحق والهدى، وفشى الجهل والهوى، وكثر الخوض والردى، وغلب الطغيان والعمى، وقلَّ المتمسك٣ بالكتاب والسنة، بل قلَّ من يعرفهما، ويدري حدود ما أنزل الله من الأحكام الشرعية، كالإسلام والإيمان٤،
_________________
(١) ١ الواو ساقطة في (ب) . ٢ الهَرْجُ: له معانٍ عدة، منها: الاختلاط، ومنها: الكثرة في المشي، والاتساع، ومنها: الفتنة في لآخر الزمان، ومنها: القتل وكثرته، وغير ذلك، وهذا الأخير هو المراد هنا. لسان العرب ٢/٣٨٩، مادة (هرج) . ٣ في (د): التمسّك. ٤ يتضح الفرق بين هذين اللفظين (الإسلام والإيمان) بأن النبي ﷺ قد جعل الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، وأدناها الإسلام. فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنًا، ولا كل مسلم مؤمنًا، وقد دلّ على هذا الفرق قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . وكذلك يدل عليه أحاديث نبوية عديدة، من بينها: حديث جبريل الطويل، وفيه: عن أبي هريرة رضي الله علنه قال: "كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة وتؤدّيَ الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " الحديث، أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح، ١/١٤٠، كتاب الإيمان، ومسلم في صحيحه بشرح النووي، ١/٢٧٠-٢٧٣، وأبو داود في سننه، ٥/٧٢؛ والترمذي في سننه ٥/٨، والنسائي ٨/٩٧-٩٨؛ وابن ماجه في سننه ١/١٤. ولكن لفظ الإسلام يراد به تارة الدين كله، وكذلك الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، وقوله ﷺ " الإيمان بضع وسبعون شعبة ". وتارة يراد بالإسلام الأمور الظاهرة، وبالإيمان الأمور الباطنة، كما في حديث جبريل السابق، وانظر في الفرق بين اللفظين: كتاب "الإيمان لابن تيمية" ص٨، مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ٧/٦.
[ ١ / ٢٠٦ ]
والكفر والشرك والنفاق، ونحوها١، وقد جاء في الحديث: " من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما "٢، فإطلاق القول بالتكفير والحالة هذه، دليل على جهل المكفِّر، وعدم علمه بمدارك الأحكام.
وقد تأوّل أهل العلم ما ورد من إطلاق الكفر على بعض المعاصي، كما في حديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "٣، وحديث: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض "٤، وحديث: " لا ترغبوا عن آبائكم، فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم "٥، فهذا ونحوه تأوّلوه على أنّه كفر عملي، ليس كالكفر الاعتقادي الذي ينقل عن الملة، كما جزم به العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- وغيره من المحققين٦،هذا مع أنه باشره عمل وفرح، وأطلق عليه الشارع هذا الوصف، فكيف بمجرد الفرح!
وذكر عن الإمام أحمد –﵀- /تعالى/٧ أنه قال: "أمروا هذه النصوص
_________________
(١) ١ في (أ) و(ب) و(د) والمطبوع: (ونحوهما) . ٢ تقدم تخريجه في ص ١٦٣، بلفظ: "إذا كفّر ". ٣ تقدم تخريجه في ص ١٩١. ٤ تقدم تخريجه في ص١٩٠. ٥ ورد هذا الحديث بهذا اللفظ في: مسند أحمد ١/٤٧؛ التمهيد لابن عبد البر ٤/٢٤٦، وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ: " لا ترغبوا عن آبائكم؛ فمن رغب عن أبيه فقد كفر "، من حديث أبي هريرة. صحيح البخاري مع الفتح ١٢/٥٥، الفرائض، باب (من ادعى إلى غير أبيه) . صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٤١٢، الإيمان باب (بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم) . ٦ انظر: كتاب "الصلاة وحكم تاركها"، للإمام ابن القيم، ص٥٦، شرح صحيح مسلم للنووي٢/٤١٤، فتح الباري ١/١٣٨. ٧ ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع.
[ ١ / ٢٠٧ ]
كما جاءت، ولا تعرضوا لتفسيرها"١.
وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- في الفتاوى المصرية أن السلف متفقون على عدم تكفير البغاة٢، فكيف بمجرد الفرح.
وقد قابل هذا الصنف من الإخوان، قومٌ كفّروا أهل العارض٣، أو جمهورهم في هذه الفتنة، واشتهر عن بعضهم أنه تلا عند سماع وقعة آل شامر، قوله تعالى ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ٤، وعلّلوا بأشياء متعدّدة، من فرح، ومكاتبة وموالاة، وغير ذلك. والفريقان ليس لهم لسان صدق، ولا هدى، ولا كتاب منير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-:" لا بد للمتكلم في هذه المباحث ونحوها، أن يكون معه مباحث كليّة يردّ إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلاّ فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات"٥، وأطال الكلام في الفريقين، بين المتأول والمتعمد، ومن قامت عليه الحجة، وزالت عنه الشبهة، والمخطئ الذي التبس عليه الأمر، وخفي عليه الحكم، وقرر مذهب علي بن أبي طالب، في عدم تكفير الخوارج، المقاتلين له، المكفّرين له، ولعثمان ولمن والاهما، ﵄. ونقل قول علي لما سئل عن الخوارج: أكفّر هم؟ قال:"من الكفر فرّوا"٦. وقوله:"إنّ لكم علينا أن لا نقاتلكم حتى
_________________
(١) ١ وهذا قول كثير من السلف الصالح، كالإمام الزهري، ومكحول، والأوزاعي، ومالك، والثوري، والليث بن سعد، وغيرهم. انظر: الصفات الإلهية، للجامي، ص ١٠٠،١١٩. ٢ مختصر الفتاوى المصرية، لابن تيمية، تأليف بدر الدين محمد بن علي البعلي (ت ٧٧٧هـ)، تصحيح محمد حامد الفقي، دار نشر الكتب الإسلامية، كوجرانوالة-باكستان، طبعة سنة ١٣٩٧هـ-١٩٧٧م، ص٤٩٠. ٣ تقدم بيان موقعه في ص٣٥. ٤ سورة محمد: الآية (١٠) . ٥ انظر: مجموع الفتاوى، ٩/٢٣٨. ٦ انظر: فتح الباري، ١٢/٣١٤.
[ ١ / ٢٠٨ ]
تبدؤونا١ بالقتال، ولا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم حقًا هو لكم في مال الله"٢. ومع هذا هم مصرحون بتكفيره، مقاتلون له، ومستحلون لدمه، فكيف بمجرّد الفرح.
وقد ذكر في الزواجر: أن الفرح بمثل هذه المعاصي من المحرمات. ولم يقل إنه كفر٣.
ثم اعلم أنّ الفتنة في هذا الزمان بالبادية والبغاة، وبالعساكر الكفرة الطغاة، فتنة عمياء صماء، عمّ شرُّها، وطار شررها، ووصل لهيبها٤ إلى العذارى في خدورهنّ، والعواتق وسط بيوتهنّ، ولم يتخلّص منها إلاّ من سبقت له الحسنى، وكان له نصيب وافر من نور الوحي، والنور الأول، يوم خلق الله الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، وما أعزّ/من يعرف/٥ هذا الصنف، بل ما أعز من لا يعاديهم، ويرميهم بالعظائم، وأكثر الناس-كما وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فيما رواه كميل بن زياد٦: " لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق"٧.
_________________
(١) ١ في (د): (تبدؤوننا) . ٢ انظر البداية والنهاية، ٧/٢٩٢-٢٩٣،٢٩٦. ٣ الزواجر عن اقتراف الكبائر، لأبي العباس أحمد بن محمد الهيتمي (ت ٩٧٣هـ)، طبعة الحلبي وبذيله: كتاب" الإعلام بقواطع الإسلام "، ط/٢، ١٣٩٠هـ، ٢/١٩٨،١٢٣. ٤ في (د): (لهبها) . ٥ ساقط في (أ)، و(ج) . ٦ هو كميل بن زياد النخعي، صاحب علي رضي الله عته، قال ابن حبان:" كان من المفرطين في علي، ممن يروي عنه المعضلات، منكر الحديث جدًا، تُتَّقَى روايته، ولا يحتج به، ووثقه ابن سعد، وابن معين، (ت٨٢هـ) . انظر ترجمته: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي (ت٧٤٨هـ)، تحقيق محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، الحلبي بمصر، ٣/٤١٥. البداية والنهاية، لابن كثير، ٩/٥٠. تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط/٢، ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م، ٢/١٣٦. ٧ قول علي ﵁ أوله:" الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ". انظر: جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر،١/٢٩. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن قيم الجوزية (٧٥١هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج١/١٢٣؛ وعزاه لأبي نعيم في الحلية.
[ ١ / ٢٠٩ ]
ومجرد الانتساب إلى الإيمان والإخوان، والتزيّي بزيّ أهل العلم والإيمان، مع فقد الحقيقة لا يجدي.
والناس مشتبهون في إيرادهم وتفاضل١ الأقوام في الإصدار٢
_________________
(١) ١ في (د): (تفاظل) . ٢ البيت لأبي الحسن التهامي. انظر: ديوان أبي الحسن علي بن محمد التهامي (ت٤١٦هـ)، تحقيق د. محمد عبد الرحمن الربيع، مكتبة المعارف، الرياض، ط/١، ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م، ص٣١٦.
[ ١ / ٢١٠ ]