أما قوله: إن قبر الولي أفضل من الحجر الأسود؛ فهذا من جنس ما قبله في الفساد والضلال. فالحجر الأسود يمين الله في أرضه، من صافحه واستلمه فكأنما بايع ربه١. تفضيل القبوريين للقبور على الكعبة. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٢.
ولم يرد في قبور الأولياء ما يدل على مثل ذلك، فضلًا عن أن تكون أفضل منه، والحج ركن من أركان الإسلام، والطواف بالبيت أحد أركان الحج، /والركن/٣ الذي فيه الحجر الأسود، أفضل أركان البيت، والطواف به /من أفضل العبادات/٤ وأوجبها.
_________________
(١) ١ أصل هذا الكلام، حديث يرفع إلى رسول الله ﷺ، وهو حديث ضعيف مروي عن محمد بن المكندر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض، يصافح به عباده ". ذكره الهندي في "الكنز" (٣٤٧٤٤)؛ والخطيب البغدادي ٦/٣٢٨؛ وابن الجوزي في"العلل المتناهية"، ٢/٨٥، وقال: "هذا حديث لا يصح، وإسحاق بن بشر قد كذبه ابن أبي شيبة". وورد في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت ١١٦٢هـ)، مكتبة التراث الإسلامي، دار التراث، القاهرة ١/٤١٧. وفي "سلسلة الأحاديث الضعيفة"، ١/٢٧ (٢٢٣)، قال الألباني: "ضعيف". وذكره شيخ الإسلام بن تيمية -﵀- في "مجموع الفتاوى"، ٦/٣٩٧، ورده مرفوعًا، وارتضاه موقوفًا على ابن عباس فقال: "فقد روي عن النبي ﷺ" بإسناد لا يثبت، وإنما هو عن ابن عباس". وقال في "التدمرية"، ص٧٠: "مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس"، وإلى هذا الموقوف أشار الشيخ عبد اللطيف -﵀-. انظر تفاصيل الكلام حول هذا الحديث: التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد بن عودة السعوي، ط/١، ١٤٠٥هـ -١٩٨٥م، ص٧٠. ٢ سورة آل عمران: الآية (٩٦، ٩٧) . ٣ في (د): (والأركان) . ٤ في (د): (أفضل من العبادات) .
[ ١ / ٣١٣ ]
والطواف بالقبور واستلامها من أوضاع المشركين والجاهلية، وفيها مضاهاة لما يفعله اليهود والنصارى عند قبور أحبارهم ورهبانهم.
وأفضل القبور على الإطلاق قبره ﷺ، ولا يشرع تقبيله واستلامه بالإجماع، بل ولا يشرع الدعاء عنده، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، وبيت العبد ببيت الرب.
وبالجملة، فهذا القول شنيع لا مستند له ولا دليل عليه. وتقبيل الحجر الأسود مشروع١، وكذا استلامه باليد، فإن استلمه بالمحجن ونحوه لعذر، فقد صح أن النبي ﷺ أشار إلى الحجر الأسود واستلمه بمحجن كان في يده٢.
وأما قوله: إنكم تعتقدون العلو، فنعم، نعتقده ونشهد الله عليه، وكل مسلم عرف الله بأسمائه وصفاته، يعتقد أنه العلي الأعلى، الذي على العرش استوى، على الملك احتوى٣.
هذا نص القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٤ وأول من أنكر العلو فرعون، إذ قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ٥. كذب موسى فيما جاء به من أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق عباده، مستو على عرشه. وأما الآية التي احتج بها هذا الضال، فلم يعرف معناها، ولم يدر المراد منها،
_________________
(١) ١ وقد ورد ذلك في قول عمر بن الخطاب ﵁ أنه قبل الحجر ثم قال: " أما والله لقد علمت أنك حجر -لا تضر ولا تنفع- ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك ". صحيح مسلم بشرح النووي، ٩/٢٠. ٢ روى ذلك ابن عباس -﵄-: "أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بالمحجن". صحيح مسلم بشرح النووي، ٩/٢٢؛ صحيح البخاري مع الفتح، ٣/٥٥٢. ٣ تقدمت هذه المسألة. ٤ سورة هود: الآية (١٧) . ٥ سورة غافر: الآيتان (٣٦، ٣٧) .
[ ١ / ٣١٤ ]
وأهل التفسير متفقون على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ١ أنه معبود في السماء ومعبود في الأرض٢ لأنه الإله المعبود٣، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ٤، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٥.
والحلولية من غلاة الجهمية، يرون أنه حال بذاته في كل مكان٦، لم ينزهوه عن شيء، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وأما حديث: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "٧، فهو حديث صحيح جليل، مثل قوله تعالى:٨ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٩ فالقرب في هذا ونحوه أضيف إلى العبد. والقلب إذا أناب
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: الآية (٨٤) . ٢ انظر: جامع البيان، للطبري، ٢٥/١٠٤؛ والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٦/٨١؛ وتفسير ابن كثير، ٤/١٤٧؛ وتفسير القاسمي؛ ١٤/٥٢٨٩. ٣ وأصل "الإله" من أله يأله إلهةً، أي عبد يعبد عبادة. تقول: أله الرجل: إذا تعبد؛ وتأله: إذا تنسك. انظر: الجامع لأحكام القرآن، ١/٧٣. ٤ سورة الأنعام: الآية (٣) . ٥ سورة مريم: الآية (٩٣) . ٦ الفرق بين الفرق، ص٢٢٦. ٧ صحيح مسلم، بشرح النووي، ٤/٤٤٦، الصلاة، باب (ما يقال في الركوع والسجود)؛ سنن أبي داود، ١/٥٤٥، الصلاة، باب (في الدعاء في الركوع والسجود) . سنن النسائي، ٢/٢٢٦، الافتتاح، باب (أقرب ما يكون العبد من الله)؛ مسند الإمام أحمد، ٢/٢٤١؛ شرح السنة للبغوي، ٣/١٥١-١٥٢. قال البغوي بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح. وقال النووي في معنى الحديث: أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله. شرح صحيح مسلم، ٤/٤٤٥-٤٤٦. ٨ زيادة مني. ٩ سورة الإسراء: الآية (٥٧) .
[ ١ / ٣١٥ ]
إلى الله، وأخلص في عبادته، وصدق في معاملته، كان له من القرب بحسب صدقه وإخلاصه ورتبته من الإيمان. فترتفع عنه حجب الشهوات والشبهات، وينقشع عنه ليلها وظلامها١؛ وهذا المعنى حق لا شك فيه.
ويضاف القرب إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٢ فهذا قرب خاص للسائلين والداعين، وقد يقرب من عباده، ومن القلوب الطيبة كيف ما شاء لكنه قرب خاص، ليس كما يظنه الجهمي من أن ذاته تحل في المخلوقات٣، فهو -سبحانه- ليس كمثله شيء في صفاته وكمال عظمته وقدرته٤، وينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر٥، وهو مستو على عرشه٦، عال فوق خلقه، لا تحيط به المخلوقات، ولا تحتوي عليه الكائنات، ويدنو٧ عشية عرفة فيباهي ملائكته بأهل الموقف٨، ومع ذلك فصفة العلو والاستواء ثابتة في تلك الحال، لا يخلو العرش منه٩، ولا نعلم قدر
_________________
(١) ١ في (د): (وضلامها) . ٢ سورة البقرة: الآية (١٨٦) . ٣ انظر: الفرق بين الفرق، ص٢٢٦. ٤ قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ٥ تقدم تخريج حديث النزول ص٢٥٩. ٦ وذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . [طه: ٥] . ٧ في (د): (ويدنوا) . ٨ ورد في ذلك حديث عائشة -﵂- أن رسول الله ﷺ قال: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول ما أراد هؤلاء؟ ". صحيح مسلم بشرح النووي، ٩/١٢٥، الحج، باب (فضل الحج والعمرة ويوم عرفة)؛ سنن النسائي ٥/٢٥١ـ ٢٥٢، الحج، باب (ما ذكر في يوم عرفة)، سنن ابن ماجة، ٢/١٨٠، المناسك، باب (الدعاء بالعرفة) . ٩ هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في استواء الله تعالى على عرشه، ونزوله، وعدم خلو العرش منه عند نزوله. فقد اتفقوا على إثبات تلك الصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، فهو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بذلك، وأخبر به رسوله ﷺ، استواء يليق بجلاله تعالى، كما أن نزوله لا يشبه نزول المخلوق، بل ينزل نزولًا يليق بعظمته، لا نعلم كيفيته، ولا ندرك كنهه، وهو عند ذلك لا يخلو منه العرش. وقد اشتهر جواب أئمة الأمة، لمن سأل عن كيفية الاستواء، وهو قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". يروى هذا الجواب، عن الإمام مالك، وعن شيخه ربيعة، وعن أم سلمة. انظر: شرح حديث النزول، لابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، تحقيق محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، الرياض، ط/١، ١٤١٤هـ، ص ١٣٢ـ ١٣٦، ٢٠٤. الاقتصاد في العقيدة، للمقدسي، ص ١٠٢ـ ١٠٤. شرح أصول الاعتقاد، للآلكائي، ٣/٣٩٨. مختصر العلو، للألباني، ص ١٣٢. مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ٥/ ٣٦٥.
[ ١ / ٣١٦ ]
عظمته إلا هو -جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه.
وقد يكون المؤمن المخلص القريب من الله في مكان، معه من هو ملعون مطرود عن رحمة الله، وهما في مكان واحد، /كما/١جرى لموس وفرعون. فالقرب الذي وردت به الأحاديث٢، وصرحت به النصوص٣، حجة على الجهمي المعطل للعلو، القائل بأن الله في كل مكان، تعالى الله وتقدس. فهؤلاء الجهال خاضوا فيما قصرت عقولهم وأفهامهم عن إدراك معناه، وما يراد به، فصاروا في بحر الشبهات
_________________
(١) ١كذا في (ب)، والمطبوع. وفي بقية النسخ: (وكما) . ٢ من الأحاديث الواردة في قرب الرب ﷾: أ- عن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". صحيح البخاري مع الفتح، ١٣/ ٣٩٥، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ . صحيح مسلم بشرح النووي، ١٧/ ٥، الذكر والدعاء، باب (الحث على ذكر الله)، سنن الترمذي، ٥/ ٥٤٢، الدعوات، باب (في حسن الظن بالله) . سنن ابن ماجة، ٢/ ٣٣٩، الأدب، باب (فضل العمل) . كلهم عن طريق أبي صالح، عن أبي هريرة. ب- وقد تقدم حديث دنو الرب -﵎- من عبادة يوم عرفة في حاشية (؟؟؟) من هذه الصفحة. ٣ أما ما ورد في قرب الله تعالى من عبادة، من الآيات القرآنية، فمنها: أ- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] . ب- وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [قّ: ١٦] . ج- وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وقربه من العباد بتقربهم إليه، مما يقربه جميع من يقول: إنه فوق العرش". شرح حديث النزول، ص ٣١٦.
[ ١ / ٣١٧ ]
غرقى، لا يعرفون لهم ربًا، ولا يستدلون بصفة من صفاته على معرفة كماله وجلاله. وقد بلغ الرسول ﷺ ما أنزل إليه /من ربه/١ قراءة على الناس، وأكثره في معرفة الرب وصفاته وربوبيته وتوحيده، سمعه منه قرويهم وبدويهم، وخاصهم وعامهم، وعجمهم، ولم يشكل على أحد منهم ذلك، ولم يشك فيه٢؛ بل آمنوا به وعرفوا المراد منه. ومضت القرون الثلاثة٣ على إثبات ذلك، والإيمان به، وتلقى معناه عن الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٤. وإن جحد بعض المنافقين، فهو مدحور مقهور. حتى حدث ما حدث في آخر القرن الثالث٥ وما بعده.
وأما دعواه أن الأولياء يقدرون على خلق ولد من غير أب، فهذه طامة كبرى، وردة صريحة، وتكذيب لجميع الكتب السماوية، ورد على كل رسول، ومخالفة لإجماع الأمم المنتسبين إلى الرسل والكتب السماوية، فإنهم مجمعون على أن الله هو الخالق وحده، وغيره مخلوق٦، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ
_________________
(١) ١ ساقط في (ب)، و(ج) . وفي (د): (ما أنزل الله إليه قراءة) . ٢ يريد أن المؤمنين، لم يوجد منهم من يشك فيما أنزل على الرسول ﷺ ٣ وهي القرون التي وصفها الرسول ﷺ بالخيرية؛ وذلك في قوله: " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم أن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن ". صحيح البخاري مع الفتح، ٧/ ٥، فضائل الصحابة. ٤ سورة النجم: الآية (٤) . ٥ في (د): (قرون) . *يلاحظ أن مسألة إنكار العلو، التي هي مقالة الجهمية، ظهرت في آواخر عصر التابعين؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "ثم ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة الجهمية، وذلك في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية". مجموع الفتاوى، ١٣/٢٧٧. منهاج السنة، ١/٣٠٩. وانظر: الصواعق المرسلة، لابن القيم، ٣/١٠٦٩، ١٠٧٠. ٦ في (د): (مخلوقًا) . ولا وجه للنصب هنا.
[ ١ / ٣١٨ ]
خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، ولو كان لغير الله شركة في الخلق والتأثير، لكان له شركة في الربوبية والإلهية. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية٤. فنفى سبحانه عن غيره أن يكون له ملك في السموات والأرض ولو قل، كمثقال ذرة، ونفى الشركة أيضًا في القليل والكثير، ونفي أن يكون له ظهير وعوين يعاونه في خلق أو تدبير؛ فإنه الغني بذاته /عما/٥ سواه.
والخلق بأسرهم فقراء إليه٦. ثم نفي الشفاعة إلا لمن أذن له. قال بعض السلف: هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك من أصلها٧.
_________________
(١) ١ سورة فاطر: الآية (٣) . وما بين المعقوفتين تكملة من المصحف. وفي المطبوع زاد خطأً كلمة (قل) في بداية الآية. ٢ سورة الأنعام: الآية (١٠٢) . ٣ سورة الأعراف: الآية (١٩١) . ٤ سورة سبأ: الآية (٢٢- ٢٣) . ٥ في (ج)، و(د): (عن كل ما) . ٦ قال تعالى في بيان افتقار العبيد إليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] . ٧ وردت هذه العبارة في تسير العزيز الحميد، طبعة المكتب الإسلامي، دمشق، ط/١، ص٢٤٥، حيث قال: "هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها". ورد نحو هذه العبارة في كلام ابن القيم في "الصواعق المرسلة"، ٢/٤٦١، حيث قال: " أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه ".
[ ١ / ٣١٩ ]
ومعلوم أن من يخلق، له ملك ما خلقه، فلو كان ثم خالق غير الله، تعددت الأرباب والآلهة، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣، فعيسى داخل في عموم هذه الآيات، لم يخالف في ذلك إلى من ضل من النصارى٤؛ قال تعالى في خصوص عيسى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٥، فكان عيسى بكن كما كان آدم. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ٦ فاعترف أن الله ربه وخالقه ومعبوده. فكفى بهذه النصوص /ردًا/٧ على من أشرك بالله، وجعل معه خالقًا آخر.
وما احتج به الملحد من قوله تعالى حاكيًا عن جبريل أنه قال لمريم: ﴿قَالَ إِنَّمَا٨
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: الآية (٢٢) . ٢ سورة آل عمران: الآية (٦) . ٣ سورة البقرة: الآية (٢١) . ٤ يعلم أن النصارى الضالين، قد قالوا في عيسى ﵇ قولًا عظيمًا، فقد سموه ابنًا لله، وسموه إلهًا، وسموه ثالث ثلاث، وزعموا أنه إله الحق من إله الحق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الرب المحي المنبثق من الأب، الذي هو مع الابن يسجد له. انظر: محاضرات في النصرانية، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ص٩٩. والأسفار المقدسة قبل الإسلام، للدكتور صابر طعيمة، عالم الكتب، بيروت، ط/١، ١٤٠٦هـ، ١٩٨٥م، ص٢٢٦. ٥ سورة آل عمران: الآية (٥٩) . ٦ سورة المائدة: الآية (١١٦- ١١٧) . ٧ في جميع النسخ: (رد)، عدا المطبوع. ٨ ما بين المعقوفتين، تكملة من المصحف.
[ ١ / ٣٢٠ ]
أَنَا١ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ٢. فيقال: قراءة البصريين: "ليهب لك"، بالياء٣، وهي تفسير للقراءة الأخرى. وعلى القراءة الأخرى نسب الهبة إليه لأنه سبب نفخ الروح في درعها، والسبب يضاف إليه الفعل، كما جزم به البيضاوي٤ وغيرها في هذه الآية٥. والله -﷾- ينفذ أمره الكوني على يد من يشاء من ملائكته. وربما نسب الفعل إليهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٦، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٨، فأضافه إليهم لأنهم موكلون بقبض
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: إني ٢ سورة مريم: الآية (١٩) . ٣ هكذا قرأ ورش، عن نافع، وأبو عمرو بن العلاء، على معنى: إنما أنا رسول ربك، أرسلني إليك ليهب الله لك غلامًا زكيًا. وقد صوب الطبري القراءة الأولى بالألف " لأهب". انظر: التذكرة في القراءات الثمان، لأبي الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون (ت٣٩٩هـ) تحقيق: أيمن رشيد سويد، ط/١، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م، ٢/٤٢٤؛ والحجة في القراءات السبع، لابن خالويه، تحقيق د. عبد العال سالم مكرم، دار الشروق، بيروت، ط/ ٢، ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧م، ص٢٣٦؛ وجامع البيان، للطبري، ١٦/٦١؛ والجامع لأحكام القرآن؛ ١١/٦٢؛ وتفسير ابن كثير، ٣/١٢١. ٤ هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشيرازي الشافعي، ناصر الدين أبو الخير، عالم بالفقه والتفسير، صاحب "مناهج الوصول إلى علم الأصول"؛ و"أنوار التنزيل"، و"شرح مصباح السنة". (ت٦٩١هـ)، وقيل (٦٨٥هـ؛ ٦٩٦هـ) . انظر طبقات الشافعي الكبرى، للسبكي، ٨/٥٧- ١٥٨؛ ومعجم المؤلفين، ٦/٩٧. ٥ أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي (ت ٧٩١هـ)، ومعه "تفسير الجلالين"، ط/٢، ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م، طبعة الحلبي بمصر، ٢/٣١؛ وتفسير القاسمي؛ ١١/٤١٣٢. ٦ سورة الزمر، الآية (٤٢) . ٧ سورة الأنفال: الآية (٥٠) . ٨ سورة الأنعام: الآية (٦١) .
[ ١ / ٣٢١ ]
الأرواح١. ولما كانوا لا يستقلون بشيء من دونه، ولا يفعلون إلا بمشيئته وحوله وقوته، صرح بهذا المعنى في الآية الأولى. فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ٢ وأبلغ من هذا، أنه نسب إليهم التدبير في قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ٣؛ لأنهم رسل بأمره الكوني، وأخبر بأنه المدبر الفاعل المختار، في غير آية من كتاب الله، كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٤، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٥، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٦؛ إلى غير ذلك من الآيات الدالات على اختصاصه تعالى بالتدبير والإيجاد. وفي الحديث القدسي: " ومن أظلم ممن يذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو يخلقوا شعيرة " ٧،
_________________
(١) ١ انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٧/٧؛ وتفسير ابن كثير، ٢/١٤٣؛ وتفسير القاسمي، ٦/٢٣٤٩. ٢ سورة الزمر: الآية (٤٢) . ٣ سورة النازعات: الآية (٥) . ٤ سورة السجدة: الآية (٥) . ٥ سورة يونس: الآية (٣) . ٦ سورة يونس: الآية (٣١) . ٧ ورد هذا الحديث بألفاظ عدة، وهذا اللفظ قريب من لفظ البخاري، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " قال الله تعالى: ومن أظلم أو ليخلقوا حبة أو شعيرة ". صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٦، التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . *وفي الحديث إشارة إلى تحريم التصوير؛ إذ أن في مضاهاة لخلق الله تعالى. وقد تفرد الله ﷾ بالخلق والأمر ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] . فمن صور صورة على شكل ما خلقه الله من إنسان أو بهيمة، كان مضاهئا لخلق الله؛ لذلك يكلف يوم القيامة بنفخ الروح فيها، وليس بنافخ، فكان أشد الناس عذابًا، كما جاء ذلك في قوله ﷺ من صور صورة، فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا ". صحيح البخاري مع الفتح ٤/٤٦٦، البيوع، باب (بيع التصاوير) . صحيح مسلم بشرح النووي، ١٤/٣٣٩، اللباس، باب (تحريم تصوير صورة الحيوان) .
[ ١ / ٣٢٢ ]
_________________
(١) أما الصورة الفوتغرافية، فإن أحدًا من العلماء لا يجادل في تحريم الصور المجسمة، والمنحوتة، والمفصل باليد من ذوات الأرواح. فالصورة الفوتغرافية، اختلف في حكمها العلماء المتأخرون؛ لكونها نوعًا جديدًا لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وقد ذهبوا فيها مذهبين: الأول: أنها محرمة؛ لعموم لفظ التصوير، وشموله لها عرفًا. وقد تقدم آنفًا أحاديث النهي. الثاني: أنها مباحة. والقول الأول هو الصواب. وقد بين فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- في فتاواه، عندما سئل عن حكم التصوير، فقال: "اختلف فيه العلماء المتأخرون؛ فمنهم من منعه؛ لعموم اللفظ له عرفًا، ومنهم من أحله نظرًا للمعنى؛ فإن التصوير بالكاميرا، لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى، وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى، على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها. ونظير ذلك تصوير الصكوك والوثائق وغيرها بالفوتغراف، "فإن هذه الصورة التي تخرج ليست هي من فعل الذي أدار الآلة وحركها، فإن الذي حرك الآلة، ربما يكون لا يعرف الكتابة أصلًا، والناس يعرفون أن هذه كتابة الأول. والثاني ليس له أي فعل فيها "بل زعم أصحاب هذا القول، أن التصوير بالكاميرا، لا يتناوله لفظ الحديث، كما لا يتناوله معناه. فقد قال في القاموس: الصورة: الشكل. قال وصور الشيء: قطعه وفصله. قالوا: وليس في التصوير بالكاميرا تشكيل ولا تفصيل، وإنما هو نقل شكل وتفصيل، شكله وفصله الله تعالى. والقول بتحريم التصوير بالكاميرا أحوط، والقول بحله أقعد، لكن القول بالحل مشروط، بأن لا يتضمن أمرًا محرمًا، فإن تضمن أمرًا محرمًا -كتصوير امرأة أجنبية، أو شخص ليعلقه في حجرته تذكارًا له، أو يحفظه فيما يسمونه (ألبوم) ليتمتع بالنظر إليه وذكراه- كان ذلك محرمًا" وقال في محل آخر: "ولكن إذا صور هذا التصوير الفوتوغرافي لغرض محرم، فإنه يكون حرامًا تحريم الوسائل". المجموع الثمين من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان، دار الوطن للنشر، الرياض، ط/ ٣، ١٤١١هـ. ٢/ ٢٥٤-٢٥٦، و١/ ٢٠١. أما الصورة الفوتغرافية الضرورية: كما هو الشأن في الوثائق؛ كالجواز، وحفيظة النفوس، والإقامة، ونحوها، فالعلماء متفقون على جوازها، من باب الضروة. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لعبد العزيز بن باز، بجمع الدكتور/محمد بن سعد الشويعر، طبعة دار الإفتاء، ط/ ٢، ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، ١/ ٤٤١.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية١، وأكابر الخلق؛ كالملائكة والأنبياء، لم يدع أحد منهم أنه إله، وأنه يخلق. قال تعالى في حق الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية٣، فأخبر أن اتخاذهم أربابًا كفر بعد الإسلام. وأيضًا، فآخر الآية، وهو قوله: ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ٤، فكونه هينًا عليه تعالى، وهو الذي جعله آية/٥، وهو الذي قدره وقضاه، كل هذا يرد على المبطل. فتفطن-هداك الله- للأدلة على تفرده بالخلق والإيجاد والتدبير، لا يحيط بها إلا الله سبحانه.
/وفي كل شيء له/٦ آية تدل على أنه واحد٧.
أما كونهم لا يشهدون الجمعة والجماعة، ولا يسلمون ولا يردون السلام، فهم بذلك مخالفون لأهل السنة والجماعة، من سلف الأمة وأئمتها. ولو وجد في الإمام من الفجور ما لا يخرجه عن الإسلام، فأهل السنة يصلون خلف أهل الأهواء، إذا تعذرت الجمعة والجماعة خلف غيرهم٨؛ وإن كانوا يرون كفر من لا يوافقهم
_________________
(١) ١ سورة الحج: الآية (٧٣) . ٢ سورة الأنبياء: الآية (٢٦- ٢٧) . ٣ سورة آل عمران: الآية (٧٩) . ٤ سورة مريم: الآية (٢١) . ٥ ساقط في (د)، والمطبوع. ٦ في (ب)، و(ج) و(د): (وله في كل شيء) . ٧ البيت لأبي العتاهية. انظر: ديوان أبي العتاهية، دار صادر، ودار بيروت، للطباعة والنشر، بيروت، ١٣٨٤هـ - ١٩٦٤م، ص ١٢٢. ٨ انظر: شرح عقيدة الطحاوية، ص ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٣.
[ ١ / ٣٢٤ ]
على /أهوائهم/١، فهم من جنس الخوارج الذين وردت فيهم الأحاديث الصحيحة، بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية٢، وأنهم كلاب أهل النار٣.
وصلى الله وسلم٤ على سيد ولد آدم، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده آمين. والحمد لله على /التمام وحسن الختام/٥.
_________________
(١) ١ في (د): (هوائهم) . ٢ تقدم تخريج حديث مروقهم من الدين في ص ١٦٩- ١٧٠. ٣ ورد في كونهم كلاب أهل النار: حديث أبي أمامة قال: شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، فقد كانوا هؤلاء مسلمين، فصاروا كفارًا، قلت: يا أبا أمامة! هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ، سنن ابن ماجة، ا/ ٣٤، المقدمة، باب في ذكر الخوارج. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٥/ ٢٥٠، ٢٥٣، مطولًا. والحديث حسنه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجة"، ط/ ٣، ١٤٠٨هـ، نشر مكتب التربية العربي، لدول الخليج، الرياض، ١/ ٣٥. وفي "مشكاة المصابيح" بتحقيقه ٢/ ٢٨٦ (٣٥٥٤) . ٤ زيادة مني؛ إذ يوجد في جميع النسخ صلاة على النبي ﷺ، دون السلام عليه. ٥ ساقط في (د) .
[ ١ / ٣٢٥ ]