"الرسالة الثلاثون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى محمد بن عون –رجل من أهل عمان- قد ألقيت إليه شبهات وضلالات من أضاليل الجهمية النفاة. فبعث بها إلى الشيخ الإمام، وقدوة العلماء الأعلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن. فأجابه عليها بأدل دليل، وأوضح برهان. وقد سأل هذا الجهمي٢ الكافر/محمدا/٣ عن هذه الأسئلة.
فمنها: هل لكلمة التوحيد لا إله إلا الله شروط وأركان وآداب؟.
ومنها: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ ما معناه استواؤه مختص بالعرش، أو به/و/٥ بغيره لأنه تعالى ما نفى استواءه من غيره، فإذا زعمت أن استواءه مختص بالعرش، فمن أي شيء علم ذلك وهل أتى سبحانه بحرف الحصر وحروف الاختصاص وهل تعرف حروف الاختصاص وحروف الحصر أم لا وما هي؟
فإذا قلت مثلا: زيد استوى على الماء، فهل علم منه أنه لا يستوي على غيره والعاقل يعلم ذلك بأدنى تأمل.
ومنها قوله: وإذا أقررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٦
_________________
(١) ١ هذه رسالة ساقطة في "د". وجاءت في المطبوع في ص ٢٣٨. ٢٥٥، وهي الرسالة رقم "٤٠". وجاءت في "ب" في ص ٧٢-٨٧. ووردت في الدرر السنية ٣/٣٣٣-٣٤١. ٢ صاحب الأسئلة الملقاة إلى محمد بن عون. ٣ في "أ" و"ج": "محمد" والصواب المثبت، إذ إنه هو المسئول. وهو ساقط في المطبوع. ٤ سورة طه الآية "٥". ٥ في "أ": أو. ٦ سورة البقرة الآية "١١٥".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ١ وقد قال إنه قريب٢. وقال ﷺ: "حيثما كنتم فإنه معكم"٣؛ فإذا قلت: هذه الآيات مؤولة وأقررت بالتأويل، فالآية الأولى أولى به، لأنها بلا تأويل تخالف الإجماع، وتعارض الآيات والأحاديث. أما/ الآيات/٤ الأخيرة. فقد قيل في الأول٥ أنها ليست من المتشابهات، لأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وما نفى الاستواء عن غير العرش.
هذا كلامه بحروفه، نقله الشيخ على ما فيه من التحريف واللحن ليعتبر الناظر، ويعرف المؤمن المثبت، حال هؤلاء الجهال الضلال الحيارى.
وقد أجاب –﵀- إفادة لمحمد بن عون، إذ كان من أهل التوحيد والإثبات، وممن جاهد الجهمية في تلك الجهات؛ وإلا فليس هذا الجهمي الكافر كفا للجواب، لأنه من العجم الطغام، بل هو أضل من سائمة الأنعام، إذ لا فكرة ثاقبة، ولا روية كاسبة، ولا طريقة صائبة يتشبع بما لم يعط من العلم، ويتزيّى بزي أهل الذكاء والفهم، وليس له في ذلك ملكة ولا روية، ولا معرفة للعلوم ولا دراية، ولا يعرف من الإسلام أصلا ولا فرعا، بل هو ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
_________________
(١) ١ سورة ق الآية "١٦". ٢ هذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة/١٨٦] . ٣ لم أجد هذا الحديث فيما اطلعت عليه. ولعل السائل ذكره بالمعنى. وقد وجدت حديثا بهذا المعنى، عن عبادة من الصامت ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: " إن من أفضل إيمان المرء، أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان". كتاب المصنف في الأحاديث والآثار لأبي بكر بن أبي شيبة، الدار السلفية بالهند، تحقيق مختار أحمد الندوي، ط/١، ١٤٠٠هـ ١٩٨٠م، ١٢/١٩٥، ١٥/١٦٥. الدر المنثور ٦/١٧١. كنز العمال "١٣٣٩". ٤ في "أ" و"ج": آيات. ٥ يريد قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وقد موه هذا الجهمي الكافر بهذه السفسطة١ والجعجعة٢، وهرقع بهذه المحرقة والقعقعة٣، وظن أن ليس في حمى التوحيد من أهله ضيارم، ولا لتلك الشبه المتهافتة من عالم مصارم٤؛ كلا والله، إن الليث مفترش على براثنه، لحماية حمى التوحيد وقاطنه؛ فلا يأتي صاحب بدعة ليقلع من التوحيد الأواسي٥، ويهد الرعان٦ الشامخات الرواسي، إلا ودفع في صدره بالدلائل القاطعة، والبراهين المنيرة الساطعة، فرحمه الله من إمام جهبذ ألمعي، ومقول بارع لوذعي٧، أحكم وأبرم من الشريعة المطهرة أمراسها ٨ فضاء –بحمد الله- للورى نبراسها، وسقى عللا بعد نهل غراسها، فأورقت وبسقت أشجارها؛ وأينعت –بحمد الله- ثمارها، فجنى من ثمارها كل طالب مسترشد، وورد من معينها الصافي كل موحد.
إمام هدى فاضت ينابيع علمه فأم الأوام الواردون معينها
فبلوا الصدى من صفوها وتضلعوا وصعصع٩ تيار لهن معينها١٠
كهذا الذي أبدى معرة جهله وكان يرى أن قد أجاد رصينها
_________________
(١) ١ السفسطة: تقدم معناه في ص ٢٣٠. ٢ الجعجعة: صوت الرحى ونحوها. أصوات الجمال إذا اجتمعت. تهذيب اللغة ١/٦٩، لسان العرب ٨/٥١، مادة "جمع". ٣ القعقعة: حكاية أصواب السلاح، والترسنة والجلود الياسبة والحجارة والرعد والبكرة والحلي ونحوها. لسان العرب ٨/٢٨٦. مادة "قعع". ٤ مصارم: اسم فاعل من صارم، فهو صارم ومصارم، أي: ماض في كل أمر، وقاطع. والصيرم: الرأي المحكم. تهذيب اللغة للأزهري ١٢/١٨٤ مادة "صرم". ٥ الأواسي: جمع الآسي، وهي: شجرة ورقها عطر. لسان العرب ٦/١٩، مادة "أوس". ٦ الرعان: جمع الرعن، وهو الأنف العظيم من الجبل، تراه متقدما. تهذيب اللغة للأزهري ٢/٣٤٠، لسان العرب ١٣/١٨٢، معجم متن اللغة ٢/٦١٠، مادة "رعن". ٧ تقدم معناه في ص ٤٤٥. ٨ تقدم معناه في ص ٤٥١. ٩ الصعصع: المتفرق. والصعصعة: الحركة والاضطراب. تهذيب اللغة للأزهري ١/٧٧، لسان العرب ٨/٢٠٠ مادة "صعع". ١٠ في "د": مهينها.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فضعضعها بالرد والهد جهبذ وأبدى عوارا قد رأى أن يزينها
وما هو إلا كالسراب بقيعة يلوح لظمآن فلاقى متونها
فإن كنت مشتاقا إلى كشف زهوها فإن الإمام الشيخ أبدى كمينها
وجلى ظلام الجهل بالعلم مدحضا ضلالات كفر غثها وسمينها
وأطلع شمس الحق للخلق جهرة وشاد لعمر للبرية دينها
وقد سمقت أنوار برهان علمه وقد بلغت غرب البلاد رصينها
ورد على من رد سنة أحمد ورام سقاها بالهوى أن يشينها
زمن ند من أتباع جهم ونحوهم وقد رام جهلا أن يهد مكينها
بنفي استواء الرب ﷻ على عرشه إذ رام أن يستهينها
وقد أوضحت بل صرحت بعلوه وقرر أعلام الهدى مستبينها
وفي سبع آيات ثبوت استوائه على العرش فاقرأ يا مهين رصينها١
وهذا جواب إحدى الورقتين/ اللتين أرسلهما/٢ محمد بن عون، وقد تقدم جواب الورقة الثانية فيما سبق٣، ولم أجدها تامة، ولكن لمسيس الحاجة إليها أثبتناها.
_________________
(١) ١ هذه الأبيات لجامع الرسائل، الشيخ سلميان بن سحمان ﵀. ٢ في "أ" و"ب" و"ج": التي أرسلها. ٣ تقدم ذلك الجواب، في رسالة رقم "١٤". إلى محمد بن عون ص٢٦٠.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
جهادك أهل البدع، والإغلاظ في الإنكار على الجهمية والمعطلة ومن والاهم، وهذا من أجل النعم وأشرف العطايا، وهو من أوجب الواجبات الدينية؛ فإن الجهاد بالعلم والحجة، مقدم على الجهاد باليد والقتال، وهو من أظهر شعار السنة وآكدها. وإنما هو تختص به في كل عصر ومصير، أهل السنة وعسكر القرآن، وأكابر أهل الدين والإيمان.
فعليك بالجد والاجتهاد به، من أفضل الزاد للمعاد، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ١.
هذا وقد ألقي إلي ورقة جاءت من نحوكم، سوَّدها بعض الجهمية المعطلة، مشتملة على إنكار علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، كما هو رأي جهم وأشياعه، محتجا صاحبها بشبهات كسراب بقيعة، من نظر إليها من أهل العلم والمعرفة؛ تيقن أنه من الأدلة على أن قائله قد عدم العلم والإيمان، والمعرفة والحقيقة، وأنه ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا ٢.
وقد أبداه قائله ليتشبع بما لم يعط من العلم ٣ ويتزيى/ بغير زي العلماء/٤؛ فكشف الله سوءته، وأبدى خزيه، وصار كلامه دليلا على جهله وعماه، وضلاله عن سبيل رشده وهداه.
فأول ما رسم في هذه الورقة المشار إليها، قوله –وفقك الله إلى أقوم الطريق: هل لكلمة التوحيد- وهي لا إله إلا الله- شروط وأركان وآداب فإن قلت نعم، فما هي
_________________
(١) ١ سورة غافر الآية "٥١، ٥٢". ٢ هذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] . ٣ وقد تقدم في ذلك قوله ﷺ: "المتشيع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" في ص ٥٢٥. ٤ في المطبوع: بغير زيه.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
هذا لفظه. وقد عرفت أن الرجل لبس من أهل هذا الفن، ولا يدري ما هنالك.
والتوحيد عند هذه الفرقة الجهمية، حقيقة١ تعطيل الأسماء والصفات؛ لأن عندهم تعدد الصفات يقتضي تعدد الموصوف، والوحدة عندهم والتوحيد ينافي ذلك، فيثبتون ذاتا مجردة، وحقيقة مطلقة غير موصوفة ثبوتية٢ ويفسرون الواحد بأنه الذي لا يقبل الانقسام.
وهذا كلام شيوخه وأسلافه من الجهمية الضالين، الذين ينكرون العلو والاستواء، ويزعمون أنه بذاته مستوٍ في كل مكان، فما نزهوه عن شيء من الأماكن القذرة التي يتنزه عنها آحاد خلقه. فما أجرأهم وما أكفرهم وما أضلهم عن سواء السبيل.
ومنكر الاستواء هذا توحيده، وهذا رأيه. وأما التوحيد الذي اشتملت عليه كلمة الإخلاص، فهذا أجنبي عنه، لا يدريه، وكيف يدري ذلك كمن أنكر أظهر الصفات التي بنيت عليها كلمة التوحيد، واستحق بها الرب ما له من صفات الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فما للجهمية وهذا، وهم إنما يعيدون عدما وإنما يبحث عن هذا ويدريه من يعيد إلها واحدا فردا صمدا.
وشرط كلمة الإخلاص، يعرفها –بحمد الله- صغار الطلبة من المسلمين أهل الإثبات. ويتبين ذلك بتعريف الشرط: وهو أنه ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود لذاته٣. وإذا عرف هذا، فالعقل يلزم من عدمه العدم، والتمييز يلزم من عدمه العدم، والعلم يلزم من عدمه العدم؛ هذه شروط الصحة٤.
وأما شروط القبول: فالالتزام والإيثار والرضا. وإذا اجتمعت هذه الشروط، حصل
_________________
(١) ١ كذا في جميع النسخ، ولعل الأولى أن يقال: حقيقته. ٢ تقدم ذكر معتقد الجهمية في ص ٢٩٩. ٣ روضة الناظر ١/١٦٢. وأصول الفقه لمحمد أبي زهرة ص ٥٩. ٤ أي: العقل والتمييز والعلم.
[ ٢ / ٥٤١ ]
القول المنجي، والشهادة النافعة١. ومصدر هذه الشروط عن علم وعمله، وهناك يصدر التلفظ بها عن يقين وصدق. والجهمية لم يتصفوا بشروط من هذه الشروط، وقد صرح أهل السنة بذلك.
وحاجة معطلة الصفات إلى معرفة التوحيد في العبادات، كحاجة من عدم الرأس من الحيوانات إلى الرسن. قال أبو الطيب:
فقر الجهول بلا علم إلى أدب فقر الحمار بلا/ عقل/٢ إلى رسن٣
وله أيضا شروط:
منها: معرفة الإله الحق بصفات كماله، ونعوت جلاله، التي علوه وارتفاعه واستواؤه على عرشه من أظهرها وأوحيها. /وكذلك/٤ معرفة أمره ونهيه ودينه الذي شرعه، والوقوف مع أمر رسوله وحدوده. ومنها: كون الطبيعة لينة منقادة/ سلسة/٥ قابلة.
_________________
(١) ١ وقد أوضح الشيخ عبد الرحمن بن حسن هذه الشروط، عند بيانه لمعنى لا إله إلا الله، وقال وهي كلمة الإخلاص، المنافي للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله، فلا تنفع قائلها إلا بشروط سبعة: الأول: العلم بمعناها، نفيا وإثباتا. الثاني: واليقين، وهو كمال العلم بها، المنافي للشرك والريب. الثالث: والإخلاص، المنافي للشرك. الرابع: والصدق، المانع من النفاق. الخامس: المحبة لهذه الكلمة، ولما دلت عليه، والسرور بذلك. السادس: القبول المنافي للرد، فقد بقولها من يعرفها لكن لا يقبلها ممن دعاه إليها، تعصبا وتكبرا، كما هو قد وقع من كثير. السابع: الانقياد بحقوقها، وهي الأعمال الواجبة، إخلاصا لله، وطلبا لمرضاته. رسائل وفتاوى الشيخ عبد الرحمن، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٢/٨٧-٨٨. ٢ في جميع النسخ "رأس" والتصويب من ديوان المتنبي. ٣ البيت تقدم في ص ٢٢٥. ٤ في "أ": وكذا. ٥ في المطبوع: سلسلة.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وهذه الشروط معدومة في الرسائل، قد اتصف بضدها ومعبوده مسلوب الصفات، لا وجود له في الحقيقة، وأمره ونهيه منبوذ عند هذه الطائفة، لا يهتدون بكتابه ولا يأتمرون بأمره؛ والمعول عندهم على شبهات منطقية، وخيالات كلامية يسمونها: قواطع عقلية، ومقدمات يقينية. ونصوص الكتاب والسنة عندهم، ظواهر لفظية، وأدلة ظنية.
وأما طبائعهم فأقسى الخلق وأعتاهم وأعظمهم ردا على الرسل، واعتمادا على أقوال الصابئة والفلاسفة وأمثالهم من شيوخ القوم، الذين لم يلتفتوا إلى ما جاءت به الرسل، ولم يرفعوا به رأسا، فضلا عن معرفته وقبوله، فما لهذا السائل وآداب كلمة الإخلاص.
وأما الأركان: فركناها: النفي والإثبات. نفي استحقاق الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده على وجه الكمال.
وأما الآداب: فالدين كله يدخل في مدلولها وآدابها. وأرفع مراتب الآداب وأعلاها، مرتبة الإحسان، وهي أعلى مقامات الدين، وبَسْطُها يعلم من معرفة شعب الإيمان وواجباته ومستحباته. وعندهم أن الإيمان مجرد التصديق، فلا يشترط عمل القلب وعمل الأركان، في حصول الحقيقة المميزة بين المسلم والكافر. هذا رأي الجهمية الجبرية، فالأعمال ليست من مسماه، والتصديق والإخلاص/ليسا/١ من أركانه٢. وهذا يعرفه صغار الطلبة؛ فكيف يترشح هذا الجهمي لما ليس من فنه ولا من علمه وفي المثل: ليس هذا بعشك فادرجي ٣. والمقصود إفادة مثلك. وأما
_________________
(١) ١ في "أ": ليس. ٢ هذه هي عقيدة المرجئة في الإيمان، وقد تقدم ذكرها في ص ١٧٤. ٣ في "أ" و"ج": "ليس عشك ادرجي". وفي جمهرة الأمثال: "ليس بعشك فادرجي"، والمثبت من مجمع الأمثال. هو مثل يضرب لمن يرفع نفسه فوق قدره. مجمع الأمثال للميداني ٢/١٧٠؛ جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري ٢/٦١٣، مثل رقم "١٧٢٦". وقد أورده صاحب اللسان في مادة "درج".
[ ٢ / ٥٤٣ ]
السائل فليس كفا للرشاد والهدى. ثم قال الجهمي في ورقته قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ ما معناه٢؟ استواؤه مختص بالعرش أو به/و/٣ بغيره لأنه تعالى ما نفى استواءه/عن/٤ غيره، فإذا زعمت أن استواءه مختص بالعرش، فمن أي شيء علم ذلك وهل أتى سبحانه بحروف الحصر وحروف الاختصاص؟ وهل تعرف حروف الاختصاص وحروف الحصر أم/لا/٥ وما هي فإذا قلت مثلا: زيد استوى على الدار، فهل علم منه أنه لا يستوي على غيره والعاقل يعلم ذلك بأدنى تأمل.
وجوابه أن يقال: قد ثبت من غير طريق عن مالك بن أنس/ ﵀/٦ وعن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن٧ بل ويروى عن أم المؤمنين أم سلمة –﵂- أنهم قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول٨. وفي بعض طرقه: والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة ٩. وزاد مالك: فقال للسائل: وما أدراك إلا رجل سوء. وأمر به فأخرج١٠.
وعلى هذا درج أهل السنة من عهد رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، ولم يخالف في ذلك إلا الطائفة الضالة الملعونة، الجهمية وأشياخهم من غلاة
_________________
(١) ١ سورة طه الآية "٥". ٢ في "أ": ما معنى. ٣ في "أ": أو. ٤ في "أ" و"ج": من. ٥ في "أ": لي. ٦ ساقط في "أ". ٧ هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، أبو عثمان القرشي التيمي، مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، مفتي المدينة. روى عن أنس بن مالك "، وعنه تفقه الإمام مالك بن أنس، ت ١٣٠هـ". تاريخ بغداد ٨/٤٢٠، سير الأعلام ٦/٨٩، تهذيب التهذيب ٢/٢٥٨. ٨ تقدم تخريج هذا الكلام في ص ٣١٧. ٩ إثبات صفة العلو، لابن قدامة ص ١٧٢-١٧٣، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي ص ٨٥. ومجموع فتاوى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٥/١٨١. ١٠ المراجع السابقة: صفة العلو ص ١٧٣، والفتاوى ٥/٣٦٥.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
الاتحادية والحلولية.
وأما أهل السنة، فعرفوا المراد وعقلوه، ومنعتهم الخشية والهيبة والإجلال والتعظيم، من الحوض والمراء والجدل والكلام الذي لم يؤثر ولم ينقل. وقد عرفوا المراد من الاستواء وصرح به أكابر المفسرين وأهل اللغة، فثبت عنهم تفسيره بالعلو والارتفاع١ وبعض أكابرهم صرح بأنه صعد٢. ولكنهم أحجموا عن مجادلة السفهاء الجهمية، تعظيما لله، وتنزيها لرب البرية.
وإذا أخبر جل ذكره أنه استوى على العرش، وعلا وارتفع، وكل المخلوقات وسائر الكائنات تحت عرشه، وهو بذاته فوق/ذلك/٣.
وفي الحديث: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ٤. وإذا عرف هذا عرف معنى اختصاص العرش بالاستواء، وأن هذه الصفة مختصة بالعرش. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال للرجل الذي قال له: إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله
_________________
(١) ١ شرح حديث النزول لابن تيمية ص ٣٨٩. ٢ وهو قول أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري "ت٢١١هـ". انظر المرجع السابق ص ٣٩٢. ٣ في "ج": "ذاته". ٤ هذا جزء من حديث أبي صالح، قال سهيل: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطحع على شقه الأيمن ثم يقول: رب السموات ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك الشيء وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر. وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/٣٩، الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضطجع. سنن أبي داود ٥/٣١٠، الأدب، باب ما يقول عند النوم، سنن الترمذي ٥/٤٤٠، الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه. سنن ابن ماجه ٢/٣٤١، الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ و٢/٣٥١، باب ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
عليك قال: "الله أكبر، إن شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله، إنه على عرشه. وأشار بيده كالقبة، وأنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه"١. وهذا الحديث لا يستطيع سماعه الجهمي، ولا يؤمن به إلا أهل السنة والجماعة الذين عرفوا الله بصفات كماله، وعرفوا عظمته، وأنه لا يليق به غير ما وصف به نفسه من استوائه على عرشه، ونزهوه أن يستوي على ما لا يليق بكماله وقدسه من سائر مخلوقاته.
ومن أصول أهل السنة والجماعة، أنه سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه٢. ولم يصف نفسه بأنه استوى على شيء غير العرش. وكذلك رسله وأنبياؤه وورثتهم، لم يصفوه إلا بما وصف به نسفه. فإنكار هذا الجهمي اختصاص الاستواء بالعرش، تكذيب لما جاءت به الرسل، ورد لما فطر الله عليه بن آدم، من التوجه إلى جهة العلو وطلب معبودهم وإلههم فوق سائر الكائنات٣. ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٤.
وتخصيص العرش بالاستواء نص، لأنه/لا يستوي/٥ على غيره. والسائل أعجمي، لا خبرة له بموضوع الكلام ودلالته. قال الحسن في مثل هؤلاء: "دهتهم العجمة"٦. ونفي الاستواء عن غير العرش معلوم من السياق، مع دلالة النص
_________________
(١) ١ هذا الحديث ذكره الشيخ بالمعنى، ولفظه عند أبي داود:"أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسقي الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ: ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله، إن عرشه على سماواته لهكذا. وقال بأصبعه مثل القبة عليه: وإنه ليئظ به أطيط الرحل بالراكب". سنن أبي داود ٥/٩٤-٩٥، السنة، باب في الجهمية. ٢ شرح حديث النزول لابن تيمية ص ٧٢، ٣٨٨. ٣ ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه ٧/١٨٧. ٤ سورة المؤمنون الآية "٤١". ٥ كذا في "أ". وفي بقية النسخ: لم يستو. ٦ تقدم قوله في المعتزلة ص ١٨١. ٢٩٨.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
والإجماع والفطرة كذلك، ودلالة الأسماء الحسنى كالعلي والأعلى، والظاهر ونحو ذلك.
ولفظ العلو والارتفاع والصعود يشعر بذلك، ويستحيل أن يستوي على شيء مما دون العرش، لوجوب العلو المطلق، والفوقية المطلقة.
وأما قوله: وهل أتى سبحانه بحرف الحصر والاختصاص:
فدلالة الكلام على الحصر والاختصاص تارة تكون بالحروف١ وتارة تكون بالتقديم والتأخير٢، وتارة تكون من السباق وتارة تكون بالاقتصار على المذكور في الحكم، ولا يختص الاختصاص بالحروف. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣ وهذا الضمير الظاهر ليس من حروف الحصر، وإنما عرف واستفيد من التقديم/ والتأخير/٤. وتارة يستفاد من الحروف كقوله: "إنما الأعمال بالنيات" ٥، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٦، وتارة من الاستثناء بإلا بعد النفي، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٨. ونحو ذلك. والسائل حصرها يظنها مختصرة في الحروف، وهذا من جهله.
ثم يسأل عنا عن أقسام الحصر، كم هي وما الفرق بين حصر الأفراد وحصر القلب
_________________
(١) ١ كحرف "إن" و"ما" مجموعتين في "إنما". ٢ كتقديم المعمول على عامله، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] . ٣ سورة الفاتحة الآية "٥". ٤ زائد في "ب" و"ج" و"د" والمطبوع. ٥ سيأتي تخريجه في ص ٧٨٢. ٦ سورة فصلت الآية "٦" أولها ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ٧ سورة الأنبياء الآية "١٠٧". ٨ سورة آل عمران الآية "١٤٤".
[ ٢ / ٥٤٧ ]
والحصر الإدعائي ومقابله، ويسأل هل دلالة الحصر نصية أو ظاهرية وهل هي لفظية لغوية أو عقلية وما أظنه يحسن شيئا من ذلك، وإذا أخبر تعالى أنه استوى على العرش، فلا يجوز أن يقال: أنه استوى على غيره، لوجوه:-
منها: أنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه؛ والتجاسر على مقام الربوبية بوصفه بما لم يصف به نفسه، وزيادة/نعت/١ لم تعرف عنه ولا عن رسله، قول على الله بغير علم، وهو فوق الشرك في/عظم/٢ الذنب والإثم، وأكذب الخلق من كذب على الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٣ الآية.
الوجه الثاني: أن الله ﷾ يستحق من الصفات أعلاها وأشرفها وأجلها. والعرش أعظم المخلوقات، هو سقفها الأعلى، وقد وصفه الله تعالى بالعظم، فقال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٤.
وقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٥؛ ووصفه بالسعة فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٦ فكيف يوصف بالاستواء على ما دونه، وقد تمدح وأثنى على نفسه بالاستواء عليه ووصفه بما لم يصف به غيره من مخلوقاته.
الوجه الثالث: أن تمثيله بقول القائل: زيد استوى على الدار، وأن ذلك لا يعلم منه أنه لا يستوي على غيرها:
فهذا جهل عظيم، والكلام يختلف باختلاف حال الموصوف، وما يليق له من
_________________
(١) ١ في "أ": لغة. ٢ في "أ": تعظيم. ٣ سورة الأعراف الآية "٣٣". ٤ سورة التوبة الآية "١٢٩"، وتمامها: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٥ سورة البروج الآية "١٥". ٦ سورة البقرة الآية "٢٥٥".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الصفات. وأصل ضلال هذه الطائفة، أنهم فهموا من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة، ما يليق بالمخلوق ويختص به، فلذلك أخذوا في الإلحاد والتعطيل، شبهوا أولا وعطوا ثانيًا.
الوجه الرابع: أن هذا التمثيل الذي أبداه السائل، قد نص القرآن على إبطاله، قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ وأصل الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآية "٧٤".
[ ٢ / ٥٤٩ ]