(الرِّسَالَةُ السَابِعَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضًا قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، رسالة إلى عبد الله بن معيذر٢،وقد كان بلغ الشيخ أنه كان يشتغل بكتاب الإحياء للغزالي٣، ويقرأ فيه عند العامة، وكان كتاب الإحياء مشتملًا على ما يمجُّ سماعه من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، وإن كان فيه بعض المباحث المستحسنة، لكن فيه من الداء الدفين والفلسفة في أصل الدين، ما تنفر عنه طباع الموحدين، ويخاف منه على ضعفاء البصائر من العامة والجاهلين، /فأجابه رحمه الله تعالى/٤ بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، المَلِك الحق المبين؛ وأشهد أنّ /محمدًا/٥ عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، صلاة دائمةً مستمرةً، إلى يوم الدين، أما بعد:
_________________
(١) ١ في (ب) جاءت هذه الرسالة في ص ١٩١-٢٠٠. وررد هذه الرسالة في الدرر السنية ٣/٣٤٥-٣٥٣. ٢ تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص ٩٥. ٣ هم محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي، أبو حامد الغزالي، صاحب التصانيف في الأصول والفقه والحكمة، أدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ومزال الأقدام، ونقم عليه آراءه الاعتزالية، لكنه عكف بعد ذلك على البخاري ومسلم، ومات على ذلك سنة (٥٠٥هـ) . انظر طبقات السبكي ٦/١٩١، سير الأعلام ١٩/٣٢٢، والنجوم الزاهرة ٥/٢٠٣. ٤ ساقط في المطبوع، وسقط كلمة (تعالى) في (د) . ٥ في (د): محمد.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فإنِّي رأيت بعض أهل وقتنا، يشتغل بكتاب الإحياء للغزالي، ويقرأ فيه عند العامة، وهو لا يحسن فهم معانيه، ولا يعرف ما تحت جمله ومبانيه، ليست له أهليّة، في تمييز الخبيث من الطيب، ولا دراية بما تحت ذاك البارق، من ريح عاتية، أو صيب.
فكتبت إليه نصيحة، وأرسلت إليه بعض أصحابه، وأرشدته إلى الدواوين الإسلامية، المشتملة على الأحاديث النبوية، والسير السلفية، والرقائق الوعظية، فلم يقبل، واستمرّ على رأيه، واعجب بنفسه، وأظهر ذلك لبعض من يجالسه، وحط من قدر الناهي له.
فكتبت إليه كتابًا، فلم يصغ، ولم يلتفت، وزعم أنه على بصيرة؛ وأبدى من هـ، جهله الأعاجيب الكثيرة؛ فأحببت أن أذكر للطلبة، والمستفيدين، بعض ما قاله أئمة الإسلام /والدين/١، في هذا الكتاب، المسمى بالإحياء ليكون الطالب، على بصيرة من أمره؛ ولئلاّ يلتبس عليه ما تحت عباراته، من زخرف القول.
وصورة ما كتبت أولًا: من٢ عبد اللطيف، بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الله٣؛ سلام عليكم ورحمة الله، وبركاته؛ وبعد:
فقد بلغني عنك، ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينيّة، على الملّة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي؛ وجمعت عليه من لديك من الضعفاء، والعامة، الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة؛ وأسمعتهم ما في الإحياء، من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقائق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين.
وقد أمر الله تعالى، وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله، وأن يلتزموا سبيل المؤمنين؛
_________________
(١) ١ في (أ): والذين. ٢ هذه الرسالة نقلها من هنا، العلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي (ت١٣٤٢هـ) في كتابه: غاية الأماني في الرد على النبهاني ٢/٣٦٩-٣٧٣. ٣ هو عبد الله بن معيذر، وقد تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص ٩٥.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وحرم اتخاذ الولائج، من دون الله ورسوله، ومن دون المؤمنين١؛ وهذا الأصل المحكم، لا قِوَام للإسلام إلا به؛ وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة، والمتكلمين، في كثير من مباحث الإلهيات، وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة، حتى ظنّها الأغمار، والجهال، بالحقائق، من دين الله، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخل به الناس في الإسلام؛ وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة، يعرفها أولوا الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كآفة، في القرى والأمصار.
وقد حذر أهل العلم، والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعة خافيها، وباديها؛ بل أفتى بتحريقها علماء المغرب٢، ممن عُرِف بالسنة، وسمّاها كثيرٌ منهم إماتة علوم الدين٣ وقام ابن عقيل٤ أعظم قيام في الذم والتشنيع؛ وزيَّف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأنّ كثيرًا من مباحثه زندقة خالصة، لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل٥.
_________________
(١) ١ قال تعالى في تحريم الولائج من المشركين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٦] قال ابن كثير –﵀-: (يقول تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيها المؤمنين أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ أي بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله) تفسير ابن كثير ٢/٣٥٣. (السبعينية) مطبوع تحت اسم (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية وأهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد) لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق موسى سليمان الدويش، مكتبة العلوم والحكم، ط/١، ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م ص٢٨٠. ومطبوع أيضًا ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر سير الأعلام ١٩/٣٢٧. ٣ وممن سماه بذلك: محمد بن الوليد الطرطوشي، انظر سير الأعلام ١٩/٤٩٥. ٤ هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي الظفري المقرئ، أبو الوفاء، شيخ الحنابلة، صاحب التصانيف منها كتاب: "الفنون"، الذي يزيد على أربعمائة مجلد، كان كثير العلوم خارق الذكاء، ولد علم ٤٣١ و(ت٥١٣هـ) . لسان الميزان ٤/٢٤٣؛ الأعلام للزركلي ٥/١٢٩؛ ذيل طبقات الحنابلة ١/١٤٢؛ سير الأعلام ١٩/٤٤٣؛ النجوم الزاهرة ٥/٢١٩؛ وشذرات الذهب ٤/٣٥. ٥ لم أجد مصدر كلام ابن عقيل هذا.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قال شيخ الإسلام ﵀: (ولكن أبو حامد، دخل في أشياء من الفلسفة، وهي عند ابن عقيل زندقة؛ وقد ردّ عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة) .
وردّ عليه شيخ الإسلام في السبعينيّة ١، وذكر قوله، في العقول والنفوس، وأنه مذهب الفلاسفة، فأفاد وأجاد؛ وردّ عليه غيره من علماء الدين٢، وقال فيه تلميذه ابن العربي المالكي٣: شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة، ثم أراد الخروج فلم يحسن.٤ وكلام أهل العلم معروف في هذا، لا يشكل إلاّ على من هو مزجى البضاعة، أجنبي من تلك الصناعة.
ومشائخنا تغمدهم الله برحمته مضوا على هذا السبيل والسنن، وقطعوا الوسائل إلى الزندقة والفلسفة والفتن، وأدَّبوا على ما هو دون ذلك، وأرشدوا الطالب إلى أوضح المناهج والمسالك، وشكرهم على ذلك كل صاحب سُنَّة، وممارسة للعلم النبوي.
_________________
(١) ١ السبعينية (بغية المرتاد) انظر رد شيخ الإسلام على قول الغزالي في العقول من صفحة ١٨٥ فما بعدها. ردَّ فيه على كلامه في كتبه: "معيار العلم" و"التفرقة بين الإيمان والزندقة" و"مشكاة الأنوار" و"جواهر القرآن. ٢ وممن ردّ عليه من العلماء: أبو عبد الله محمد بن علي المازري (ت٥٣٦هـ) ومحمد بن الوليد الطرطوشي (٥٢٠هـ)، والإمام ابن الجوزي (٥٩٧هـ)، في تلبيس إبليس، وأغلب نقده على إيراد الغزالي للأحاديث الضعيفة، ومحمد بن خلفبن موسى الأرس، من أهل البيره بالأندلس (ت٥٣٧هـ)، في: النكت والأمالي في الرد على الغزالي، ومحمد بن محمد بن عبد الستار العمادي الكردي، في: الرد على الغزالي والجويني؛ كُتِبَ سنة ٨٨٤هـ، وعماد الدين مسعود بن شيبة بن الحسين السندي الحنفي، في: الرد على الغزالي والتصوف، انظر كتاب: الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل، د. محمد إبراهيم الفيومي، ط/١، ١٩٧٦م، مكتبة أنجلو المصرية، الملحق: من خصوم الغزالي. ٣ هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو بكر بن العربي الأندلسي المالكي، صاحب التصانيف تفقه بأبي حامد الغزالي وغيره، من كتبه: عارضة الأحوذي لشرح صحيح الترمذي، والمحصول والإنصاف في الفقه وغيرها. (ت٥٤٣هـ) . سير الأعلام ٢٠/١٩٧، النجوم الزاهرة ٥/٣٠٢، وشذرات الذهب ٤/١٤١. ٤ لم أجد محل ذكره لهذا الكلام.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وأنت قد خالفت سبيلهم، وخرجت عن منهاجهم، وضللت المحجّة؛ وخالفت مقتضى البرهان والحجة، واستغنيت برأيك، وانفردت بنفسك، عن المتوسمين بطلب العلم، المنتسبين إلى السنة؛ ما أقبح الحور بعد الكور، وما أوحش زوال النعم، وحلول النقم!
إذا سمعت بعض عباراته المزخرفة، قلت: كيف ينهانا عن هذا فلانٌ، أو يأمر بالإعراض عن هذا الشأن؟ كأنك سقطت على الدرّة المفقودة، والضالة المنشودة، وقد يكون ما أطربك، وهزّ أعطافك، وحرّكك فلسفة منتنة، وزندقة مبهمة، أُخرجت في قالب الأحاديث النبوية، والعبارات السلفيّة، فرحم الله عبدًا عرف نفسه، ولم يغتر بجاهه، وأناب إلى الله، وخاف الطرد عن بابه، والإبعاد عن جنابه.
وينبغي للإمام -أيده الله- أن ينزع هذا الكتاب، من أيديكم؛ ويلزمكم بكتب السنة، من الأمهات الست، وغيرها، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ١ انتهى٢.
ثم جمعت أقوال أهل العلم، وما أفتوا به في هذا الكتاب، وتحذيرهم للطالب، والمسترشد. فمن ذلك: قول الذهبي٣ في ترجمته للغزالي: (وأخذ في تأليف الأصول، والفقه، والكلام، والحكمة، وأدخل سيلان ذهنه، في مضايق الكلام، ومزال الأقدام؛ ولله سرٌّ في خلقه. وساق الكلام إلى أن قال: ذكر هذا عبد الغافر٤، إلى أن قال: ثمّ حكي أنّه أنه راجع العلوم، وخاض في الفنون الدقيقة، والتقى بأربابها، حتى تفتحت له أبوابها، وبقي مدّة، وفتح عليه بابٌ من الخوف، بحيث شغله
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية (٤) . ٢ هنا انتهت رسالة الشيخ الأولى التي أرسلها إلى عبد الله بن معيذر. ٣ هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز، شمس الدين، أبو عبد الله التركماني، الذهبي، محدث عصره، صاحب التصانيف، منها: تذكرة الحفاظ، وسير الأعلام، والتاريخ الكبير، وغيره، (ت٧٤٨هـ) . طبقات السبكي ٩/١٠٠-١٢٣، البدر الطالع ٢/١١٠-١١٢، والدرر الكامنة ٣/٤٢٦. ٤ هو عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد، أبو الحسن الفارسي ثم النيسابوري، مصنف كتاب مجمع الغرائب، والمفهم لشرح مسلم، (ت٥٢٩هـ) . وفيات الأعيان ٣/٢٢٥، سير الأعلام ٢٠/١٦.
[ ١ / ٣٩٧ ]
عن كل شيء. إلى أن قال: ومما كان يعترض به عليه، وقوع خلل من جهة النحو، في أثناء كلامه، ورُوجِع فيه، فأنصف واعترف بأنه ما مارسه.
ومما نقم عليه، ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في "كيمياء السعادة والعلوم"، وشرح بعض الصور والمسائل، بحيث لا يوافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الملة؛ وكان الأولى به والحق أحق ما يقال ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له؛ فإنّ العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئًا من ذلك، تخيّلوا منه ما هو أضرّ بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل) ١.
قال الذهبي: (ما /نقمه/٢ عبد الغافر، على أبي حامد في الكيمياء، فله أمثاله في غضون تواليفه، حتى قال أبو بكر بن العربي شيخنا أبو حامد، بلع /الفلاسفة/٣، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع) انتهى٤.
ومن معجم أبي علي الصدفي٥، /في/٦ /تأليف/٧ القاضي عياض٨ له، قال:
_________________
(١) ١ سير الأعلام ١٩/٣٢٥-٣٢٦، نقل كلامه مختصرًا. ٢ في جميع النسخ: نقله، وهو خطأ، وما أثبتُّه هو الموجود في أصل النص عند الذهبي في السير. ٣ في (أ): الفلسفة، وهو خطأ. ٤ سير الأعلام ١٩/٣٢٧. ٥ هو الحسين بن محمد بن فيره بن حيّون بن سكّرة، القاضي أبو علي الصدفي الأندلسي السرقسطي، برع في الحديث متنًا وإسنادًا. (ت٥١٤هـ) . سير الأعلام ١٩/٣٧٦، شذرات الذهب ٤/٤٣. (في) زائدة في المطبوع. ٧ هكذا في جميع النسخ (تأليف)، ولعلّ صوابه (تعريف) . ٨ هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، القاضي أبو الفضل، شيخ الإسلام اليحصبي، الأندلسي ثم البستي المالكي صاحب التصانيف، منها: الشفا في شرف المصطفى، وترتيب المدارك، والعقيدة، وغيرها (ت٥٠٤هـ) . تذكرة الحفاظ ٤/١٣٠٤-١٣٠٧، النجوم الزاهرة ٥/٢٨٥، شذرات الذهب ٤/١٣٨.
[ ١ / ٣٩٨ ]
الشيخ أبو حامد، ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريق التصوّف، وتجرّد لنصر مذهبهم، وصار داهية في ذلك، وألّف فيه تواليفه المشهورة١، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسرِّه، ونُفِّذَ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها، والبعد عنها، فامتثل ذلك.٢ انتهى.
ونقل أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي٣، المتهم بالتشيّع، في كتابه: "رياض الأفهام" قال: "ذكر أبو حامد في كتابه: "سرُّ العالمين، وكشف ما في الدارين"، وقال في حديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" ٤ أن عمر قال لعلي: "بخ بخ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة"٥؛ قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضا. ثم بعد هذا غلب عليه الهوى، حبًّا للرئاسة، /وعقدًا لبنود، أمر الخلافة/٦، ونهيها فحملهم على الخلاف ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ٧،٨ وسرد
_________________
(١) ١ ومن ذلك: رسالة الأقطاب، وإحياء علوم الدين، ومشكاة الأنوار وغيرها. انظر مؤلفاته في: طبقات السبكي الكبرى ٦/٢٢٤-٢٢٧. ٢ انظر: سير الأعلام ١٩/٣٢٧، نقلًا عن معجم أبي علي الصدفي. ٣ هو يوسف بن قزغلي بن عبد الله، أبو المظفر التركي الحنفي، سبط الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، سمع من جده وغيره، صنف تاريخ مرآة الزمان وغيره (ت٦٥٤هـ) . انظر: سير الأعلام ٢٣/٢٩٦-٢٩٧، النجوم الزاهرة ٧/٣٩، شذرات الذهب ٥/٢٦٦. ٤ سنن الترمذي ٥/٥٩١، المناقب، باب مناقب علي بن ابي طالب، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) سنن ابن ماجة ١/٢٤-٢٥، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، مسند الإمام أحمد ١/١٥٢، ٤/٢٨١؛ المستدرك للحاكم ٣/١١٠، وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي والحديث صححه الألباني، وقال بعد ذكره لرواية الترمذي والحاكم: (إسناده صحيح على شرط الشيخين) . سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٤/٣٣١-٣٣٢، ٣٣٦. *وهذا الحديث من أقوى ما يستشهد به الشيعة الإمامية على أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁. ٥ أثر عمر هذا لم أجد مصدره. ٦ كذا في الأصل (أ) . وفي بقية النسخ وسير الأعلام: (وعَقْدِ البنود، وأمرِ الخلافةِ) . ٧ سورة آل عمران الآية (١٨٧) . ٨ إلى هنا نقل الكلام من كتاب "سرّ العالمين" للغزالي. ولم أطلع عليه.
[ ١ / ٣٩٩ ]
كثيرًا من هذا الكلام /الفسل/١ الذي تزعُمُه الإمامية"٢.
قال الذهبي: (وما أدري ما عذره في هذا؟ /والظاهر/٣ /أنه/٤ رجع عنه، وتبع الحق) ٥.
قلت٦: هذا إن لم يكن هذا [من] ٧ وضع هذا، وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايًا، لا /تستطاب/٨.
قلت٩: ما ذكره الذهبي ممكن١٠، والغرض أنّ ما ينسب إلى هذا الرجل، لا يُغترُّ به، ويجب هجره، واطرحاه، لما في كتبه من الدَّاء العضال، والعثرات التي لا تُقَال.
قال الذهبي: (قد ألّف الرجل، في ذمّ الفلاسفة كتاب "التهافت" وكشف عوراتهم، ووافقهم في مواضع، ظنًا منه أن ذلك حقّ، أو موافق للملّة، ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية، القاضية على العقل، وحُبِّب إليه إدمان النظر في
_________________
(١) ١ كذا في سير الأعلام والمطبوع، وفي بقية النسخ (الفشل)، والأول (الفسل) بالسين هو الصواب، ومعناه: الرَّذْل النَّذْل الرَّديئ الذي لا مروءة فيه. لسان العرب ١١/٥١٩ مادة (فسل) . ٢ انظر سير الأعلام ١٩/٣٢٨. نقلًا عن "رياض الأفهام"، لأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي. ٣ في جميع النسخ: (الظاهر) بإسقاط الواو، وهو موجود في النص، في سير الأعلام. ٤ في (د): إن هو. ٥ سير الأعلام ١٩/٣٢٨. ٦ الكلام هنا مستمر للذهبي، وضعه المصنف تصرفًا منه، إذ لا وجود له في نص الذهبي في السير. ٧ لفظ (من) لا وجود له في سير الأعلام. ٨ كذا في المطبوع، وفي (أ) و(ج) و(د): (تستطب) وفي (ب): (تستطيب)، وفي سير الأعلام (تتطيب) . ٩ الكلام هنا للشيخ عبد اللطيف ﵀. ١٠ أي ما ذكره في رجوع الغزالي عما عليه من فساد في العقيدة، ويرجى له ذلك، ويأتي التعليق عليه قريبًا.
[ ١ / ٤٠٠ ]
كتاب "رسائل إخوان الصفا"١ وهو داء عضالٌ، وجربٌ /مردٍ/٢، وسمٌّ /قتَّال/٣، ولولا أنّ أبا حامد من [كبار] ٤ الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف.
_________________
(١) ١ إخوان الصفا: جماعة من الشيعة الباطنية عامة، ومن الإسماعيلية خاصة، أحاطت نفسها بسياج متين من الكتمان حتى عام ٣٣٤هـ، لهم رسائل محتوية على مبادئهم، لم يذكروا فيها ما ينمُّ على أسمائهم أو أعمالهم. [إخوان الصفا، لعمر الدسوقي، دار نهضة مصر، القاهرة، ط/٣، ص٥] . قال القفطي: (وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافحت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبًا، زعموا أنهم قرَّبوا الطريق إلى الفوز برضوان الله، وهذ المذهب هو مزج الفلسفة بالدين. [تاريخ الحكماء، من كتاب أخبار العلماء بأخبار الحكماء، لجمال الدين علي بن يوسف القفطي، مكتبة المثنى، بغداد ص ٨٣-٨٤] . أما موضوع هذه الرسائل: فهي موسوعة ضمّت بين دفّتيها مبادئ العلوم التي كانت معروفة في البلاد العربية حتى القرن الرابع الهجري، وقد نقل من بداية رسائلهم قولهم: (هذه فهرست رسائل إخوان الصفا وهي إحدى وخمسون رسالة، في فنون العلم، وغرائب الحكم، وطرائف الآداب، وحقائق المعاني عن كلام خلصاء الصوفية -صان الله قدرهم، وحرسهم حيث كانوا في البلاد- وهي مقسومة على أربع أقسام، فمنها رياضة تعليمية، ومنها جسمانية طبيعية، ومنها نفسانية عقلية، ومنها ناموسية إلهية) . [رسائل إخوان الصفا وخلاصة الوفاء، تصحيح خير الدين الزركلي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، المطبعة العربية بمصر، ١٣٤٧هـ- ١٩٢٨م، ص١، ونقلها عمر الدسوقي في كتابه "إخوان الصفا" ص١٥٢-١٥٣ عن رسائلهم ٤/٩٨-١٠١] . والخلاصة: إنّ رسائلهم قائمة على فلسفة، خلطوها بكثير من الخرافات والأساطير؛ وحاولوا مزج الدين بالفلسفة، واستشهدوا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، على نظريات أفلاطون، وأرسطو وفيثاغورس وغيرهم، إخوان الصفا ص١٥٥. فهؤلاء كانوا أصحاب فلسفة باطنية إسماعيلية. ٢ في جميع النسخ: مردي، عدا المطبوع. ٣ كذا في أصل نص عند الذهبي في سير الأعلام، وفي جميع النسخ (قاتل) . ٤ ما بين المعقوفتين ساقط في جميع النسخ، وهو موجود في أصل النص في السير.
[ ١ / ٤٠١ ]
/فالحذر، الحذر/١، من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شُبَه الأوائل، وإلاّ وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، /فليلتزم/٢ العبودية، /وليكثر/٣ الاستغاثة /بالله/٤، وليبتهل إلى مولاه، في الثبات على الإسلام، وأن يتوفَّ على إيمان الصحابة، /وسادة/٥ التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم، يغفر له، وينجو إن شاء الله تعالى) ٦.
وقال أبو عمر بن الصلاح٧:
_________________
(١) ١ كذا في جميع النسخ، وفي أصل النص (فالحذار الحذار)، وفي (ب): (فالحذر الحذار) . ٢ في أصل النص (فليلزم) . ٣ في أصل النص: (وليدمن) . وقد ذكره الشيخ هنا بالمعنى. ٤ لفظ الجلالة ساقط في (د) . ٥ في (أ): سادات، وفي بقية النسخ المثبت، وكذا في أصل النص. ٦ سير الأعلام ١٩/٣٢٨-٣٢٩. ٧ هو عثمان بن عبد الرحمن (صلاح الدين) عثمان بن موسى، تقي الدين أبو عمرو الكردي الموصلي الشافعي، صاحب "علوم الحديث" (ت٦٤٣هـ) . تذكرة الحفاظ٤/١٤٣٠؛ طبقات السبكي ٨/٣٢٦؛ سير الأعلام ٢٣/١٤٠.
[ ١ / ٤٠٢ ]