ففي تأليفه أشياء /لم يرتضها/٨ أهل مذهبه، من الشذوذ؛ منها قوله في المنطق: (هو مقدّمة العلوم كلِّها، ومن لا يحيط به فلا ثقة له بمعلوم أصلًا) ٩.
قال١٠: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن، منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسًا.
_________________
(١) ٨ في جميع النسخ: (لم يرتضيها)، عدا المطبوع. ٩ قال ذلك في المستصفى من علم الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، ومعه كتاب فواتح الرحموت، لمحمد بن نظام الدين، ط/١١، المطبعة الأميرية ببولاق مصر، ١٣٢٢هـ، ١/١٠. ١٠ أي ابن الصلاح.
[ ١ / ٤٠٢ ]
فأما كتاب (المضنون به على غير أهله) ١ فمعاذ الله أن يكون له، شاهدت على نسخة منه، بخط القاضي كمال الدين، محمد بن عبد الله الشهرزوري٢، أنه موضوعٌ على الغزالي، وأنه مخترعٌ من كتاب (مقاصد الفلاسفة) ٣ وقد نقضه الرجل، بكتاب (التهافت) ٤.
وقال أحمد بن صالح الجيلي٥ في "تاريخه": (وقد رأيت كتاب "الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء" للمازَرِي٦، /أوّله/٧: الحمد لله الذي أنار الحق، وأداله، وأباد الباطل وأزاله؛ ثم أورد المازري أشياء مما /نقده/٨ على أبي حامد، يقول: ولقد أَعْجَبُ من قول مالكية، يرون /مالكًا/٩ الإمام، يهرب من التحديد، و/يجانب/١٠ أن يَرْسُم رسمًا، وإن كان /فيه/١١ أثرٌ مَّا، أو قياسٌ مَّا، تورُّعًا،
_________________
(١) ١ كتاب ينسب إلى الغزالي، وهنا ينفي أبو عمرو هذه النسبة. ٢ هو محمد بن عبد الله بن القاسم بن مظفر بن علي الشهرزوري، كمال الدين أبو الفضل الموصلي الشافعي، (ت٥٧٢هـ) . سير الأعلام ٢١/٥٧؛ طبقات السبكي ٦/١١٧، النجوم الزاهرة ٦/٨٠. ٣ مطبوعٌ، ويوجد عدة نسخ منه في مكتبة الجامعة الإسلامية المركزية. ٤ انظر سير الأعلام ١٩/٣٢٩. وسيرة الغزالي وأقوال المتقدمين فيه، لعبد الكريم العثمان، دار الفكر بدمشق ص٧٢. ٥ أحمد بن صالح بن شافع بن صالح، أبو الفضل الجيلي ثم البغدادي، محدث بغداد، ذيّل على تاريخ الخطيب فذكر الحوادث والوفيات. (ت٥٦٥هـ) . سير الأعلام ٢٠/٥٧٢؛ شذرات الذهب ٤/٢١٥. ٦ محمد بن علي بن عمر بن محمد، أبو عبد الله التميمي المازري المالكي، مصنف كتاب "المعلِم بفوائد شرح مسلم" و"إيضاح المحصول" و"كشف الإنباء عن كتاب الإحياء" وغيرها، (٥٣٦هـ) . سير الأعلام ٢٠/١٠٤، النجوم الزاهرة ٥/٢٦٩. ٧ ساقط في جميع النسخ، وهو موجود في أصل النص. سير الأعلام ١٩/٣٣٠. ٨ كذا في سير الأعلام، وفي جميع النسخ: تنقده ٩ في (أ) و(د): مالك، وفي المطبوع: (يرون الإمام مالك) . ١٠ كذا في سير الأعلام ١٩/٣٣٠، وفي جميع النسخ: وإيجاب. ١١ في (ب) والمطبوع: فيها.
[ ١ / ٤٠٣ ]
و/تحفظًا/١ من الفتوى، فيما يحمِل الناسَ عليه، ثم يستحسنون من الرجل٢ فتاوى، مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثيرٌ عن النبي ﷺ لفّق /فيه/٣ الثابت، بغير الثابت٤.
وكذا ما /أورد/٥ عن السلف، لا يمكن ثبوتُه كلُّه، وأورد من نزعات الأولياء، ونفثات الأصفياء، ما يجلُّ موقعه، ولكن مزج فيه النافع بالضار؛ كإطلاقات يحكيها عن بعضهم، لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أُخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز لقدح٦ الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق، إلاّ بتعسُّفٍ، على أن اللفظ مما لا يتكلّف العلماء مثله، إلاّ في كلام صاحب الشرع، الذي اضطرّت المعجزاتُ -الدالة على صدقه، المانعة من جهله وكذبه- إلى طلب التأويل٧، كقوله:
_________________
(١) ١ في (د): تحفيظ. ٢ أي الغزالي. ٣ في (أ) والمطبوع: منه، وفي السير وبقية النسخ ما أثبتّه. ٤ وقد جمع السبكي في طبقاته ٦/٢٨٧-٣٨٩، جميع الأحاديث الواقعة في كتاب الإحياء، التي لم يجد لها إسنادًا وعدّتها (٩٤٣) حديثًا. كما قام الحافظ الالعراقي بتخريج أحاديث كتاب الإحياء في مؤلّفه: "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار"، وهو مطبوع بحاشة الإحياء، عزا فيه كل حديث إلى مصدره، وأبان عن درجة كلٍّ منها، وحكم على كثير منها بالضعف أو الوضع أو أنه لا أصل له. وعليه فليحذر كلُّ مطلّع على كتاب الإحياء، بالاستشهاد بما فيه من الأحاديث، قبل التبُّت من صحتها. ٥ في (د): ما ورد. ٦ في أصل النص: (إلى قدح) . سير الأعلام ١٩/٣٣٠. ٧ قال الشيخ سليمان بن سحمان –جامع الرسائل- معلِّقًا على هذا الكلام، قال: (قوله: إلى طلب التأويل إلخ، كلام باطل مستدرك مردود على قائله. فالذي درج عليه السلف الصالح، وأهل التحقيق من أهل العلم، أن هذه الأحاديث تجرى على ظواهرها، ولا يعترض لها بتأويل. فمن تأوَّلها فقد سلك غير سبيل المؤمنين، ونحا طريقة المتكلمين المتكلفين، الحيارى المفتونين، فعليك بما كان عليه السلف الصالح، والصدر الأول، والله أعلم) . انتهى، من حاشية (د) . وهو كما قال.
[ ١ / ٤٠٤ ]
(إن القلوب بين أُصْبُعَيْنِ من أصابع الرَّحمن) ١ و(إنّ السَّموات على إِصَبع) ٢، وكقوله: (لأحرقت سبحات وجهه) ٣ وكقوله: (يضحك الله ) ٤ إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة، ظاهرها بما أحاله العقل٥، إلى أن قال: فإذا كانت العصمة
_________________
(١) ١ وتمامه: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت يا رسول الله، آمنّا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال نعم، إنَّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء ". صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٤٤٦، القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء، سنن الترمذي ٤/٣٩٠-٣٩١، القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن؛ سنن ابن ماجة ٢/٣٤٢، الدعاء باب دعاء الرسول ﷺ؛ مسند الإمام أحمد ٣/١١٢. ٢ وتمامه: عن عبد الله ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . صحيح البخاري مع الفتح ٨/٤١٢-٤١٣، التفسير، باب (وما قدرو الله حق قدره)؛ صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/١٣٥-١٣٦، صفات المنافقين، باب صفة القيامة؛ سنن الترمذي ٥/٣٤٥-٣٤٦، التفسير، باب سورة الزمر. *هذه الأحاديث ونخحوها من الأحاديث المثبِتَة لهذه الصفة الخبرية (صفة الأصبع) لله ﷾. ٣ تقد تخريجه ص٣٣٤. ٤ وتمام الحديث: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتَل ثم يتوب الله على القاتل فيُستَشَهد". صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٧، الجهاد، باب الكافر يقتل المسلم، ثم يسلم يعد فيقتل؛ صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/٣٩-٤٠، الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة؛ سنن النسائي ٦/٣٩، الجهاد، باب اجتماع القاتل والمقتول في سبيل الله في الجنة. ٥ قال الشيخ ابن سحمان –جامع الرسائل-: (هذه الأحاديث وأشباهها، لا تحيلها العقول السليمة، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، وهو على كل شيء قدير، بل نقطع على أنها حق على حقيقتها، ولا نتعرض لها بكيف ولا تأويل؛ بل
[ ١ / ٤٠٥ ]
غير مقطوع بها في حق الولي، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه، إلاّ أن يَثبُت، وتدعو ضرورةٌ إلى نقله، فيتأول؛ إلى أن قال: ألا ترى لو أنّ منصفًا، أخذ يحكي عن بعض الحشويّة١، مذهبه في قدم الصوت والحرف٢، وقدم الورق، لما حسن به أن يقول: قال بعض المحققين، إنّ القارىء، إذا قرأ كتاب الله، عاد القارىء في نفسه قديمًا، بعد أن كان محدثًا؛ /أو قال/٣ بعض الحذاق: إنّ الله محلّ للحوادث، إذا أَخَذَ في حكاية مذاهب الكرَّامية ٤.
_________________
(١) =نصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ، لا نتجاوز القرآن والسنة. والله أعلم) . انتهى كلامه من هامش المطبوع، ٣/١٣٥. *وهذا الذي قاله السيخ ابن سليمان، هو خلاصة معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته. ١ الحشويّة (السكسكي) في البرهان الحشويّة: هم المجسمة الذين قالوا بأن الله –تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا- على صورة شاب أمرد، له شعر قطط، في رجله نعل من ذهب ينزل يوم عرفة على جمل أحمر إلى غير ذلك من أقوالهم الشنيعة التي لا يصدقها عاقل. [البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (ت٦٨٣هـ) تحقيق د. بسام علي سلامة العموشي، مكتبة المنار، الأردن، ط/١،١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م، ص٣٨] . ويلاحظ أن هذه التسمية تطلقها المبتدعة على أهل السنة وكل من يقول بمقالات السلف في الاعتقاد، زعمًا أنهم يجرون النصوص على ظواهرها بدون فهم لمعانيها. وهذا قول باطل مفترى على أهل السنة؛ والواقع أنهم يحملون النصوص على ما جاءت عليه من المعاني المعروفة والثابتة لها، من غير لجوء إلى تأويلات المشبهة والمعطلة المذمومة؛ ويكلون معرفة كيفية معانيها وحقيقتها إلى الله تعالى، لا أ، ّهم لا يفهمون معناها، فإنّها معلومة لديهم؛ كما ثبت عن الإمام مالك وغيره –﵏- قولهم في معنى الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. انظر مجموع الفتاوى ٥/١٤٤ وما بعدها. ٢ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/٩٦. ٣ في جميع النسخ: (وقال) . وفي أص النص ما أثبتُّه والمعنى: (لا يحسن أيقول: قال أو قال ) . سير الأعلام ١٩/٣٣٢. ٤ تقدّم التعريف بهم، وذكر مذهبهم في ص ٣٦٤. وإلى هنا نهاية ما نقل من كلام أحمد بن صالح الجيلي في تاريخه، نقلًا عن كتاب: "الكشف الإنباء عن كتاب الإحياء" للمازَري. كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في ص٤٠٣.. وقد نقله الذهبي في سير الأعلام ١٩/٣٣٠-٣٣٢.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله بن /أحمد/١ القرطبي٢: إنّ بعض من يَعِظُ، ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثمّ تبرّأ منه شغفًا بالشريعة الغزاليَّة، والنِّحلة الصُّوفَّية، أنشأ كُراسة تشتمل على معنى التعصب، لكتاب أبي حامد، إمام بدعتهم؛ فأين هو من تشنيع مناكيره، وتضليل أساطيره المباينة للدين؟ وزعم أنّ هذا من علم المعاملة، المفضي إلى علم المكاشفة٣، الواقع بهم على سرِّ الرُّبوبيّة، الذي لا يُسفر عن قناعه، ولا يفوز بإطلاعه، إلاّ من تمطَّى /إلى/٤ شيخ ضلالته، التي رفع لهم أعلامَها، وشَرَعَ أحكامَها ٥.
قال أبو حامد: وأدنى [النصيب] ٦ من هذا العلم التصديق به، وأقلّ عقوبته أن لا يرزق المنكرُ منه شيئًا، فأعرض /من/٧ قوله، على قوله، ولا تشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، لأنّ ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كمِّ جيبه، والتدثُّر بكسائه، فيسمع نداء الحق؛ فهو يقول: ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا إلى ما آمركم به٨، ثم إنّ القاضي أقذع٩، وسبَّ، وكفَّر١٠.
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: (حمد) والتصحيح من هامش (أ) . ٢ هو محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، قاضي الجماعة، أبو الوليد القرطبي المالكي، كان فقيهًا عالمًا، من كتبه: المقدمات والممهدات، والبيان والتحصيل وغيرهما (ت٥٢٠هـ) . سير الأعلام ١٩/٥٠١، شذرات الذهب ٤/٦٢. ٣ ذكر الغزالي ما يشير على ذلك في الإحياء، طبعة دار القلم بيروت، تصيح عبد العزيز عز الدين السيردان ومعه بالهمش: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار للعراقي (ت٨٠٦هـ) ط،٣، ١/١١، ٢٠، و٤/٢٢٩-٢٣٠. ٤ في (أ): إليه. ٥ انظر سير الأعلام ١٩/٣٣٢، وسيرة الغزالي ص٧٣. ٦ ما بين المعقوفتين بياض في جميع النسخ، والتكملة من سير الأعلام ١٩/٣٣٢. ٧ حرف الجر لا يوجد في أصل النص. ٨ الإحياء ٣/١٩/٢٠. ٩ أقذع: من القذع: وهو الفحش من الكلام الذي يقبح ذكره. يقال: قذعه يقذعه قذعًا، وأقذع له إقذاعًا: أي رماه بالفحش، وأساء القول فيه. لسان العرب ٨/١٢٦٢ مادة (قذع) . ١٠ سير الأعلام ١٩/٣٣٢.
[ ١ / ٤٠٧ ]
قال أبو حامد: (وصدور الأحرار، قبور الأسرار، ومن أفشى سرَّ الربوبية كفر) ١.
ورأى مثل قتل الحلاج٢ /خيرًا/٣ من إحياء عشرة، لإطلاقه ألفاظًا.
ونقل عن بعضهم،٤ قال: (للرُّبوبيّة سرٌّ٥ لو ظهر، لبطلت النبوَّة؛ وللنبُّوّة سرّ لو كُشِفَ، لبطل العلم؛ وللعلم سرٌّ لو كُشِفَ لبطلت الأحكام) ٦.
قلت٧: سرُّ العلم قد كُشف /لصوفة/٨ أشقياء، فانحلَّ النظام، وبطل لديهم الحلال والحرام.
قال ابن أحمد٩: ثم قال الغزالي، القائل بهذا إن لم يرد إبطال النبوّة في حقّ الضعفاء، فما قال ليس بحقٍّ؛ فإنَّ الصحيح لا يتناقض؛ وإنَّ الكامل لا يطفىء نورُ معرفته نورَ ورعه١٠.
وقال الغزالي: (العارف يتجلّى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرموزة، المحجوبة
_________________
(١) ١ إحياء علوم الدين ١/٩٤. الإملاء على إشكالات الإحياء (ملحق بالإحياء ٥/٣٤. وانظر كلامه في الرسالة القشيرية، لعبد الكريم القشيري، تحقيق: د. عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف، دار الكتب الحديثية، مصر ١/٢٧٤. ٢ هو الحسين بن منصور بن محمي، أبو عبد الله، ويقال أبو مغيث، الحلاّج الفارسي البيضاوي الصوفي، نسب إلى الحلول والزندقة وغير ذلك، (ت٣٩٠هـ) . وفيات الأعيان ٣/٤٥. سير الأعلام ١٤/٣١٣. ٣ في (أ) و(د): خير. ٤ نسبه الغزالي –في الإملاء عن إشكالات الإحياء ٥/٤٢- إلى سهل؛ ولعله سهل بن عبد الله ابن يونس ابن عيسى، أبو محمد التستري الصوفي، أحد أئمتهم وعلمائهم. (ت٢٨٣هـ) . طبقات الصوفية، لأبي عبد الله السلمي، مطبعة الكتاب العربي مصر، ص٢٠٦. ٥ في (أ) و(د): سرًا. ٦ الإحياء ١/٩٤، والإملاء عن إشكالات الإحياء (بذيل الإحياء) ٥/٤٢. ٧ القائل هنا: الذهبي. ٨ في جميع النسخ: بصوفة، والتصحيح من سير الأعلام. ١٩/٣٣٣. ٩ هو محمد بن أحمد القرطبي أبو عبد الله (قاضي الجماعة) تقدمت ترجمته في ص٤٠٧. ١٠ الإحياء ١/٩٤، والإملاء عن إشكالات الإحياء ٥/٤٢.
[ ١ / ٤٠٨ ]
عن الخلق؛ فيعرف معنى النبوَّة، وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة، التي نحن منها على ظاهرها) ١.
قال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية قلت: صديقًا؛ فإذا رأيته في النهاية قلت: زنديقًا. ثم فسَّر الغزالي، فقال: إذا اسم الزنديق لا يُلصق إلاّ بمعطِّل الفرائض، لا بمعطِّل النوافل. وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية، دون التعليمية؛ فيجلس فارغَ القلب، مجموع الهم، فيقول: الله، الله، الله،٢ على الدوام؛ فيتفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة، ولا كتب حديث؛ فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة ببيت مظلم، ويتدثَّر بكسائه، فحينئذٍ: يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ٣، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٤.٥
قلتُ٦: إنما سمع شيطانًا، أو سمع شيئًا لا حقيقة له، من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال أبو بكر الطرطوشي٧: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ، وما على بسط الأرض أكثر كذبًا منه، شبكه بمذاهب
_________________
(١) ١ هكذا في جميع النسخ، وفي السير ١٩/٣٣٣: (على ظاهرٍ لا على حقيقة) . ٢ إنّ الذكر بالاسم المفرد لم يرد به السنة المطهرة، وإنما وردتا بما هو أفضل من ذلك، هو ذكر كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فقد جاء في حديث أن رسول الله ﷺ قال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) . الموطأ للإمام مالك بن أنس ص٢١٤-٢١٥، كتاب القرآن باب ما جاء في الدعاء؛ سنن الترمذي ٥/٥٣٤، الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة. ٣ سورة المدّثر الآية (١) . ٤ سورة المزمل الآية (١) . ٥ الإحياء ٣/٢١، سيرة الغزالي ص٧٤-٧٥، وذكره الذهبي في السير ١٩/٣٣٣-٣٣٤. ٦ القائل هنا هو: الذهبي. ٧ هو محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان، أبو بكر الأندلسي الطرطوشي، الفقيه، له كتاب: سراج الملوك، والبدع والحوادث وغيرهما. (ت٥٢٠هـ) . سير الأعلام ١٩/٤٩٠؛ شذرات الذهب ٤/٦٢.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الفلاسفة؛ ومعاني رسائل إخوان الصفا١؛ وهم قوم يرون النبوّة مكتسبة؛ وزعموا أنَّ المعجزات، حيل ومخاريق٢؛ قال ابن عساكر٣: (حجَّ أبو حامد، وأقام بالشام نحوًا من عشرين سنة، وصنّف، وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه بدمشق، في المنارة الغربية من الجامع، سمع (صحيح البخاري)، من أبي سهل /الحمصي/٤، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين) ٥.
وقال ابن /خَلِّكَان/٦: (بعثه النِّظَام٧ على مدرسته ببغداد، في سنة أربع وثمانين، وتركها في سنة ثمان وثمانين، وزهد، وحجَّ، وأقام بدمشق مدة بالزاوية الغربية، ثم انتقل إلى بيت المقدس يتعبّد، ثم قصد مصر، وأقام مدّة بالإسكندرية، فقيل: عزم على المضيّ إلى يوسف بن تاشفين٨، سلطان مراكش، فبلغه نعيه ثم عاد إلى
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بهم في ص٤٠١. ٢ ذكره الذهبي في السير ١٩/٤٩٥، بتمامه، ونقله السيخ (المصنف) هنا بتصرف واختار شديدين. ٣ هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم الدمشقي الشافعي، الحافظ الكبير، محدث الشام، صاحب "تاريخ دمشق" (ت٥٧١هـ) . تذكرة الحفاظ ٤/١٣٢٨، سير الأعلام ٢٠/٥٥٤، النجوم الزاهرة ٦/٧٧. ٤ في (ب): (الحمصي) . وفي سير الأعلام١٩/٣٣٤: (الحفصي) . ٥ لم أجد كلام ابن عساكر هذا في تاريخه، وقد نقل الذهبي كلامه في سير الأعلام ١٩/٣٣٤؛ والسبكي في طبقاته ٦/١٩٧، وعزاه إلى الذهبي، وقال: "كذا نقل شيخنا الذهبي، ولم أجد ذلك في كلام ابن عساكر، لا في (تاريخ دمشق) ولا في (التبيين) . ٦ في (د): حذكان، وهو خطأ. والصواب المثبت، وهو: أحمد بن محمد بن أبي بكر إبراهيم بن خلّكان، شمس الدين أبو العباس البرمكي الشافعي، صاحب وفيات الأعيان، (ت٦٨١هـ)، وفيات الأعيان ١/٥، طبقات السبكي ٥/١٤؛ والنجوم الزاهرة ٧/٣٥٣. ٧ هو الحسين بن علي بن إسحاق، أبو علي الطوسي، نظام الملك، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، (ت٤٨٠هـ)؛ سير الأعلام ١٩/٩٤، طبقات السبكي ٤/٣٠٩. ٨ هو يوسف بن تاشفين اللَّيموني البدري الملثَّم، أمير المرابطين، صاحب الغرب، (ت٥٠٠هـ) . سير الأعلام ١٩/٢٥٢؛ شذرات الذهب ٣/٤١٢.
[ ١ / ٤١٠ ]
الطوس، وصنَّف (البسيط)، و(الوسيط)، و(الوجيز)، و(الخلاصة)، و(الإحياء)، وألف (المستصفى)، في أصول الفقه، و(المنخول)، و(اللباب)، و(المنتحل في الجدل)، و(تهافت الفلاسفة)، و(محك النظر)، و(معيار العلم)، و(شرح الأسماء الحسنى)، و(مشكاة الأنوار)، و(المنقذ١ من الضلال)، و(حقيقة القولين)، وأشياء٢، انتهى.
قال عبد الله بن علي الأشيري٣: سمعت عبد المؤمن٤ بن علي /القيسي/٥، سمعت /أبا/٦ عبد الله بن تومرت٧، يقول: أبو حامد الغزالي، قرع الباب، وفتح لنا.٨
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: (والمنتقذ) وهو خطأ. وقد أورده السبكي في الطبقات ٦/٢٢٥ بما أثبته عليه. ٢ ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان ٤/٢١٧-٢١٨؛ وذكره الذهبي في السير ١٩/٣٣٤-٣٣٥. *ذكر السبكي في الطبقات ٦/٢٢٤-٢٢٧، معظم مصنفاته، وكذلك ذكرها عبد الكربم عثمان في سيرة الغزالي ص٨٧،٢٠٢-٢٠٥. وذكر آثاره المحفوظة في ص٢١٥. ٣ هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الصِّنهاجي الأشيري، أبو محمد، من كبار المالكية، حدّث عن القاضي عياض وغيره. (ت٥٦١هـ) . سير الأعلام ٢٠/٤٦٦؛ شذرات الذهب ٤/١٩٨. وفي جميع النسخ: (الأثيري) وهو خطأ، والصواب (الأشيري) كما وردت في كتب التراجم. ٤ هو عبد المؤمن بن علي بن علوي، الكوفي القيسي المغربي، سلطان المغرب الذي يلقب بأمير المؤمنين. ولد عام٤٨٧هـ؛ وتوفي (٥٥٨هـ) . وفيات الأعيان ٣/٢٣٧، سير الأعلام ٢٠/٣٦٦. ٥ في (أ) و(ب) و(ج): (الفنسي) . وفي (د): (الفن) والتصحيح من المطبوع وسير الأعلام ٢٠/٣٦٦. ٦ ساقط في جميع النسخ؛ والتكملة من سير الأعلام ١٩/٣٦٦. ٧ هو محمد بن عبد الله بن تومرت البربري، أبو عبد الله المصمودي، المدعي أنه حسني، وأنه الإمام المعصوم المهدي، (ت٥٢٤هـ) . وفيات الأعيان ٥/٤٥-٥٥، سير الأعلام ١٩/٥٣٩. ٨ انظر سير الأعلام ١٩/٣٣٦.
[ ١ / ٤١١ ]
قال: أبو محمد العثماني١، وغيره، سمعنا محمد بن يحيي العذري٢، المؤدِّب يقول: رأيت بالإسكندرية، سنة خمسمائة، كأنّ الشمس طلعت من مغربها، فعبّرها لي عابرٌ، ببدعة تحدث فيهم، فبعد أيام٣ وصل الخبر، بإحراق كتب الغزالي من المّرِيَّة٤.٥
قال أبو بكر بن العربي، (في شرح الأسماء الحسنى): قال شيخنا أبو حامد قولًا عظيمًا، انتقده٦ عليه العلماء، /قال/٧: وليس في قدرة الله تعالى، أبدع من هذا العالم، في الإِتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع، أو أحكم منه، ولم يفعله، لكان ذلك منه قضاءً للجور، وذلك محال٨.
ثم قال٩: والجواب أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة، ونفي النهاية، عن تقدير المقدورات المتعلقة بها، ولكن /في تفصيل هذا العلم/١٠ المخلوق، لا في سواه؛ وهذا رأي فلسفي، قَصَدَت به الفلاسفة قلبَ الحقائق، ونسبة الإِتقان إلى الحياة مثلًا؛ والوجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيلٌ إلى الصواب.
وأجتمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إنّ المقدورات لا نهاية لها بكل مقدور الوجود، لا بكل حاصل الوجود، إذ القدرة صالحة.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل، أبو محمد العثماني، القاضي المحدث الثقة، (ت٥٧٢هـ) . سير الأعلام ٢٣٠/٥٩٧، النجوم الزاهرة ٦/٨٠، شذرات الذهب ٤/٢٤١. ٢ هكذا في جميع النسخ؛ وعند الذهبي في السير: (العبدري) ولم أقف على ترجمته. ٣ في (د): بأيام. ٤ المريّة: قرية بالأندلس. ٥ انظر سير الأعلام ١٩/٣٣٦. ٦ الهاء في انتقده ساقط في (د) . ٧ في جميع النسخ: (وقال) بزيادة واو العطف، وليس ثمّة معطوف عليه. ٨ الإملاء عن إشكالات الإحياء ٥/٣٨. ٩ أي أبو بكر بن العربي. ١٠ في جميع النسخ: (في تفصيل هذا العلم) . وفي نص سير الأعلام ١٩/٣٣٧ –نقلًا عن شرح الأسماء الحسنى- ما أثبتُّه.
[ ١ / ٤١٢ ]
ثم قال: هذه وهلةٌ لا لعًا بها١، و/مزلةٌ/٢ لا /تماسك/٣ فيها، ونحن وإن كنَّا نقطةً من بحره، فإنا لا نردُّ عليه إلا بقوله٤.
ومما أُخذ عليه: قوله: إنَّ للقدر سرًا /نُهينا/٥ عن إفشائه٦.
فأي سرًّ للقدر؟ فإن كان مدركًا بالخبر، فما ثبت فيه شيءٌ، وإن كان يدرك بالحيل والعرفان، فهذه دعوى محضة، فلعله عنى بإفشائه: أن تعمَّق في القدر، وبحث فيه٧.
قال الذهبي: أنبأنا محمد بن عبد الكريم٨، أنبأنا أبو الحسن السخاوي٩، أنبأنا حطاب بن قمريّة الصوفي١٠، أنبأنا سعد بن أحمد الاسفرائيني١١ بقراءتي، أنبأنا أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي١٢، قال: اعلم أنّ الدين شطران، أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات، وترك المناهي هو الأشد، والطاعات يقدر عليها
_________________
(١) ١ قال أبو عبيد: من دعائهم: لا لعًا لفلان، أي: لا أقامه الله! والعرب تدعو على العاثر من الدواب إذا كان جوادًا بالتعس، فتقول تعسًا له! وإن كان بليدًا كان دعائهم له إذا عثر، لعًا لك. لسان العرب ١٥/٢٥٠، مادة (لعا) . ٢ في جميع النسخ (منزلة) . والتصحيح من السير ١٩/٣٣٧. ٣ في المطبوع: (تمسك) . ٤ سير الأعلام ١٩/٣٣٧. ٥ في (د): نهيًا. ٦ الإحياء ١/٩٥؛ والإملاء عن إشكالات الإحياء ٥/٣٤. ٧ سير الأعلام ١٩/٣٣٧-٣٣٨. ٨ هو محمد بن عبد الكريم بن علي بن أحمد المقرئ المعمر، نظام الدين، أبو عبد الله التبريزي ثم الدمشقي الشافعي، ولد في حدود سنة ٦١٠هـ، وكان خيِّرًا متواضعًا. (ت٧٠٤هـ) سير الأعلام ١٩/٣٣٨ هامش (أ) . ٩ هو علي بن محمد بن عبد الصمد بن عطاس، أبو الحسن الهمداني، المصري، السخاوي، الشافعي، نزيل دمشق. شرح "الشاطبية" والمفصل" وله "جمال القراء" وغيرها. (ت٦٤٣هـ) . وفيات الأعيان ٣/٣٤٠؛ سير الأعلام ٢٣/١٢٢. ١٠ في سير الأعلام ١٩/٣٣٨: (حطلبا) . ولم أقف على ترجمته. ١١ لم أقف على ترجمته. ١٢ هو الغزالي. وقد تقدمت ترجمته في ص٣٩٣.
[ ١ / ٤١٣ ]
كل أحد، وترك الشَّهوات لا يقدر عليه إلاّ الصدِّيقون١.
وكذلك قال أبو عامر العبدري٢: سمعت أبا نصر، أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي٣، يحلف بالله أنه أبصر في نومه، كأنّه ينظر في كتب الغزالي، فإذا هي كلِّها تصاوير٤.
وقال /محمد بن الوليد/٥ الطرطوشي٦، في رسالته إلى ابن المظفر٧، فأما ما ذكرت من أبي حامد، فقد رأيته وكلمته، فرأيته٨ جليلًا من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريقة العلماء، ودخل في غُمار العُمَّال، ثم تصوَّف، وهجر العلوم، وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة، ورموز الحلاِّج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين، فلما عمل "الإحياء" عمد أن يتكلّم في علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات٩.
_________________
(١) ١ سير الأعلام ١٩/٣٣٩. ٢ هو محمد بن سعدون بن مرجَّى بن سعدون القرشي، أبو عامر العبدري، المغربي الظاهري، نزيل بغداد. قيل: كان مجسِّمًا. (ت٥٢٤هـ) . تذكرة الحفاظ ٤/١٢٧٢، سير الأعلام ١٩/٥٧٩، شذرات الذهب ٤/٧٠. ٣ هو أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي أبو بصير الخطيب (ت٥٢٥هـ) . سير الأعلام ١٩/٥٤٣. ٤ سير الأعلام ١٩/٣٣٩. ٥ في جميع النسخ: (أبو الوليد) وهو خطأ، والصحيح من سير الأعلام ١٩/٣٣٩. ٦ تقدّمت ترجمته في ص٤٠٩. ٧ هو عبد الله بن المظفر بن عبد الله بن محمد الباهلي، المعروف بالمغربي، أبو الحكم، حكيم أديب، أصله من المريّة بالأندلس، سكن دمشق وتوفي بها عام (٥٤٩هـ) . وفيات الأعيان ٣/١٢٣-١٢٥، معجم المؤلفين ٦/١٥٣-١٥٤، وشذرات الذهب ٤/١٥٣. ٨ في جميع النسخ: (ورأيته) . والتصحيح من سير الأعلام ١٩/٣٣٩، وطبقات السبكي ٦/٢٤٣. ٩ أورده الذهبي في السير ٩/٣٣٩. والسبكي في طبقاته ٦/٢٤٣.
[ ١ / ٤١٤ ]
قال الذهبي بعد أن ساق كلام ابن الوليد الطرطوشي: قلت: (أما "الإِحياء" فقيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خيرٌ كثيرٌ، لولا ما فيه من الآداب ورسوم، وزهد من طريق الحكماء، ومنحرفي الصوفيّة؛ نسأل الله علمًا نافعًا؛ تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القران، وفسّره رسول الله ﷺ قولًا، وفعلًا، ولم يأت نهي عنه؛ قال ﵇: (من رغب عن سنتي فليس منِّي) ١ فعليك يا أخي بتدبُّر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي٢، ورياض النووي٣، وأذكاره، تفلح وتنجح، وإيَّاك وآراء عبَّاد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات٤، وجوعَ الرهبان، وطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات؛ فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فوا غوثاه بالله؛ /اللَّهُمَّ اهدنا إلى صراطك المستقيم/٥) ٦، انتهى.
_________________
(١) ١ هذا جزء من حديث طويل، وتمامه: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألونه عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: " أنتم الذين قلتم كذا ةكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي" صحيح البخاري مع الفتح ٩/٥-٦، النكاح، باب الترغيب في النكاح. صحيح مسلم بشرح مسلم ١٠/١٨٥، النكاح، باب استحباب النكاح. ٢ تقدّمت ترجمته في ص ٣١٠. ٣ هو يحيى بن شرف بن مرى بن حسن، أبو زكريا، محي الدين النووي، الحوراني الشافعي؛ صاحب التصانيف، منها: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، والأذكار، وتهذيب الأسماء واللغات وغيرها؛ (ت٦٧٦هـ) . تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧؛ النجوم الزاهرة ٧/٢٧٨؛ الأعلام للزركلي ٨/١٤٩. ٤ يعني الصوفية. ٥ هكذا في سير الأعلام ١٩/٣٤٠-أصل النص-، وفي جميع النسخ: اهدنا الصراط المستقيم. ٦ سير الأعلام ١٩/٣٣٩-٣٤٠.
[ ١ / ٤١٥ ]
ولمحمد بن علي /المازَرِي/١ /الصّقيلِّي/٢، كلامٌ على (الإِحياء)، قال فيه: قد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا، في الكتاب المترجم بـ (إحياء علوم الدين)، وذكرتم أنّ آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت، وتعصّبت لإِشهاره، وطائفة حذّرت منه، ونفّرت، وطائفة لكُتُبِه أحرقت. و/كاتَبَني/٣ أهل المشرق أيضًا /يسألونني/٤، ولم يتقدّم لي قراءةُ هذا الكتاب، سوى نبذة منه، فإن نفَّس الله في العمر، مددتُ /فيه/٥ الأنفاس، وأزلتُ عن القلوب الالتباس.
اعلموا أنّ هذا٦ [الرَّجل، وإن لم أكن قد قرأت كتابه، فقد] ٧ رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعًا من حاله، ما قام مَقام العِيَانِ، فأنا أقتصر على ذكرِ حاله، وحال كتابه، و/ذكرِ جُمَلٍ/٨ من مذاهب الموحِّدين، والمتصوِّفة، وأصحاب الإِشارات، والفلاسفة، فإن كتابه متردد بين /هذه/٩ الطرائق.
ثم قال١٠: وأما علم الكلام الذي هو أصل الدين١١، فإنه صنّف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فَطِنْتُ لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة، قبل
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: (المازني) وهو خطأ. والتصحيح من سير الأعلام ١٩/٣٤٠، وهو كذلك في طبقات السبكي ٦/٢٤٠؛ وقد تقدّمت ترجمته في ص ٣٩٦. ٢ في جميع النسخ: (الصقيلي) . وقد ضبطه الذهبي في السير ١٩/٣٤٠، بما أثبته عليه. ٣ في المطبوع: وكاتبوني. ٤ في جميع النسخ: يسألوني. بدون نون الوقاية. ٥ كذا في (ب) وفي سير الأعلام ١٩/٣٤١، وفي بقية النسخ: (منه) . ٦ الإشارة إلى الغزالي. ٧ ما بين المعقوفين ساقط في جميع النسخ، حتى في سير الأعلام. والتكملة من الطبقات الكبرى للسبكي ٦/٢٤٠. ٨ في (أ): وذكر جملًا، وهو الخطأ. وفي المطبوع: (وأذكر جملًا) . ٩ في (د): هذا. ١٠ أي المازَري. ١١ قوله: (أما علم الكلام الذي هو أصول الدين): فعلم الكلام ليس هو أصل الدين، ولم يكن كذلك في يوم من الأيام، وإنما المتكلمون أنفسهم هم الذين أدخلوه وجعلوه أصلًا فيه. ومن المعلوم أن علم الكلام والجدل مذموم في فروع الدين، فما بالك بأصوله!
[ ١ / ٤١٦ ]
استبحاره في فنّ الأصول، فأكسبته الفلسفة جراءةً على المعاني، وتسهيلًا للهجوم على الحقائق، لأنّ الفلاسفة تمرُّ مع خواطرها، لا يزعها شرعٌ.
وعرَّفني صاحب له، أنه كان له عكوف على (رسائل إخوان الصفا)؛ وهي إحدى وخمسون رسالة؛ ألَّفها من قد خاض في علم الشرع، والنقل، وفي الحكمة؛ فمزج بين العلمين، وقد كان رجلٌ يُعَرفُ بابن سينا١، ملأ الدنيا تصانيفَ، أدَّته قوَّته في الفلسفة، إلى أن حاول ردّ أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطَّف جُهْدَه، حتى تمَّ له ما لم يتم لغيره٢.
ورأيت هذا آخر /الموجود/٣ من هذه الرسالة، /وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/٤.
_________________
(١) ١ هو الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، أبو علي البلخي، ثم البخاري، العلاّمة الشهير الفيلسوف، صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق، (ت٤٢٨هـ) . عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة (ت٦١٨هـ) . تحقيق د. نزار رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت ١٩٦٥ م، ص٤٣٧-٤٥٩. سير الأعلام ١٧/٥٣١-٥٣٦. ٢ لعل كلام المازري هذا من كتابه "الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء" المشار إليه ص٣٨٦. وقد نقل الذهبي كلامه هذا في سير الأعلام ١٧/٣٤٠-٣٤١؛ والسبكي في طبقاته ٦/٢٤٠-٢٤١. ٣ في (د): ما وُجِدَ. ٤ ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع. *كلمة حول الغزالي وكتابه "الإحياء": ما ذكره المصنِّف هنا، هو بعض ما قاله كثيرٌ من العلماء في الغزالي ومصنفاته، خاصة كتابه (إحياء علوم الدين)؛ فقد تنازعوا فيه ولم يزالوا إلى اليوم، وذلك بين ناقد ومدافع، يخالفون بعضهم بعضًا، ويردُّ هذا على هذا، وهنا يمكن اختصار القول فنقول: إنّ الغزالي يمكن الحكم عليه من خلال ما تركه من تراث علمي هائل؛ فقد كانت بدايته بالفقه وأصوله، ثم بالمعقولات (علم الكلام وما يتعلق به من المنطق والفلسفة)، ثم بالتصوف علمًا عملًا ورياضةً، وفي هذه المرحلة ألّف الإحياء، ويكون النظر في مؤلفاته على النحو
[ ١ / ٤١٧ ]
_________________
(١) =الآتي: أولًا: مؤلفاته في جانب الإلهيات والعقائد: ونحن بالنظر إلى مؤلفاته في الإلهيات والعقائد، نجده قد أدخل نفسه في مضايق الفلاسفة، فزلّت قدماه كثيرًا، وانحرف عن عقيدة السلف الصالح إلى آراء فلسفيّة، واعتزاليّة وأشعريّة وصوفيّة؛ ويبدو ذلك جليًّا في كتبه كالإحياء، والاقتصاد في الاعتقاد وغيرهما. وفي هذا الجانب، يصح قول النقاد فيه وفي مؤلّفاته. ولا يحتاج ذلك إلى جدل. ثانيًا: ما ألفه في جانب الفنون الأخرى: أما بالنظر إلى ما ألفه في الفنون الأخرى كالفقه والأصول والزهد ونحوها، فإنّ الرجل قد كان له قدم ثابت في تلك المجالات، وقدّم للناس فيها ما يفيد. ثالثًا: مؤلفاته في الردود: ثمّ إنّ له مجهودًا جبارًا في الردِّ على الفلاسفة والباطنية، بما لم يسبق إليه –كما ذكر ذلك العلماء- وله في ذلك عدّة مؤلفات منها: [١-كتاب الرد على الباطنيّة ٢-قواصم الباطنية ٣-المستظهري (في الرد على الباطنية) ٤-كتاب تهافت الفلاسفة ٥-المقاصد في بيان اعتقاد الأوائل؛ ويعرف بـ (مقاصد الفلاسفة) ٦-كتاب بيان فضائح الإمامية ٧-الرد على من طغى. وغير ذلك] . قال الذهبي –﵀ في سير الأعلام ١٩/٣٢٨: (قد ألّف الرجل في ذم الفلاسفة، كتاب (التهافت) وكشف عوراتهم) . وقد تقدّم للمصنّف إيراد هذا القول في صفحة ٤٠٣؛ وقال الشيخ محمد رشيد رضا، في تعليقه على كلام المصنف في مجموع الرسائل والمسائل النجدية ٣/١٤١: (وأما أبو حامد فقد ردّ على الفلاسفة ردًّا لم يسبقه مسلم إلى مثله، ورسائل إخوان الصفا يعزوها شيخ الإسلام إلى الباطنية، وقد أّلف أبو حامد عدّة كتب في الردّ عليهم، لم يسبق إلى مثله مسابق، ولم يلحقه لاحق) . رابعًا: كتب أخرى ألفها في آخر عهده: أمّا بالنظر إلى ما ألّفه في آخر عهده بالتأليف، فإننا نلمس فيها عودة الرجل واعتداله على الطريق السليم –كما حدث لغيره من أئمة السلف الأجلاء-، كأبي الحسن الأشعري، ومما كتبه في ذلك:
(٢) كتاب: (إلجام العوام عن علم الكلام) فنجد الغزالي قد أشاد فيه بمذهب السلف، وتحدّث عن حقيقته، مبيّنًا أنّه من خالف السلف فهو مبتدع، لأنه مذهب الصحابة والتابعين، وقد أُخِذَ من الرسول ﷺ مباشرة، فكل خير في اتباعهم، وكل
[ ١ / ٤١٨ ]
_________________
(١) شرٍّ في الابتداع بعدهم. وقد أشار شيخ الإسلام في المجموع ٤/٧٤، إلى هذا الكتاب في معرض حديثه عن الغزالي، فقال: ( وبعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنّف "إلجام العوام عن علم الكلام") . وكذلك تحدث عنه الشيخ محمد أمان الجامي في الصفات الإلهية في الكتاب والسنة صفحة١٦٦.
(٢) بغية المريد في الرسائل التوحيد: قال عنه الشيخ محمد أمان في الصفات الإلهية ص١٦٦-١٦٧: (هي جملة رسائل مفيدة وجليلة ومشتملة على كثير من المعاني اللطيفة، وما يجب على المخلوق للخالق جلّ شأنه، وعلى ما يجب معرفته على كل إنسان من علم التوحيد، وقد تحدث فيها عن تنزيه الخالق، وأنه لا يشبهه شيءٌ ولا يشبه شيئًا، وكل ما خطر بالبال والوهم والخيال من التكييف والتمثيل فإنه سبحانه منزه عن ذلك) . ونقل الشيخ الجامي –﵀- من تلك الرسائل، قولَ الغزالي: (وليس العرش بحامل له، بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته، وأنّه تقدّس عن الحاجة إلى مكان قبل خلق العرش وبعد خلقه، وأنّه يتصف بالصفات التي كان عليها في الأزل) . فإذا كان هذا هو المسلك الأخير الذي سلكه الشيخ في آخر حياته، فإنه لن يكون أمامنا سوى القول بأن الأعمال بالخواتيم، مع إحسان الظنّ في الرجل، إذ أنه بذلك تكون خاتمته خاتمة السعادة، خاصة أنها كانت –إضافة إلى ذلك- بالرجوع إلى كتب السنة، والعكوف على الصحيحين (البخاري ومسلم) . قال الذهبي –﵀- في سير الأعلام ١٩/٣٢٥-٣٢٦: (وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفنّ) . ونقل ذلك السبكي في طبقاته ٦/٢١٠. ورغم كل ذلك، يجب علينا اتخاذ الحذر والحيطة في تعاملنا مع مصنّفاته، والتنبيه على ما فيها من مغالطات وانحرافات، خاصة ما يكثر تداولها وتواجدها في مكتباتنا الإسلامية "كالإحياء"، وبالأخص ما يتعلق بالجانب العقدي. قال شيخ الإسلام –﵀-: (والإحياء فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام فلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوّة والمعاد، وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفيّة وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفيّة العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه) . مجموع الفتاوى ١٠/٥٥١-٥٥٢.
[ ١ / ٤١٩ ]
_________________
(١) = وقال المازري عند كلامه على الإحياء: (من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب، فإنَّ قراءته لا تجوز له، وإن كان فيه ما ينتفع به) . انظر: شرح العقيدة الأصفهانية، لابن تيمية، دار الكتب الحديثة، مصر ص١٣٤.
[ ١ / ٤٢٠ ]