(الرِّسَالَةُ الثَانِيَةُ عَشَرَةَ) (١)
قال جامع الرسائل
وله أيضًا –قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، /وعفا عنه/ (٢) - رسالة تكلم فيها على سبيل الإيجاز والاختصار، جوابًا لمسائل سأله عنها علي بن حمد/ (٣) بن /سلمان/ (٤)، لما تقدم إلى /بلدة/ (٥) فارس وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن علي بن حمد بن سلمان –سلّمه الله تعالى، وزيّنه بزينة الإيمان- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل وما ذكرت صار معلومًا (٦)، فأما رغبتك عن البلدة التي فيها أعلام الكفر والشركيات، وتهدم قواعد الإسلام والتوحيد، ويرجع قول العلماء في الجهمية والرد عليهم، فيها إلى غير أحكام القرآن المجيد، فقد أحسنت فيما فعلت، والهجرة ركن من أركان الدين، نسأل الله أن يكتب لك أجر المخلصين الصادقين.
وأما وصولك إلى بلدة فارس، فالذي (٧) رأيتهم ينتسبون إلى متابعة الشيخ محمد –رحمة الله عليه- فهم كما ذكرت في خطك، لكن فيهم جهال لا يعرفون ما كان
_________________
(١) في (ب): وردت هذه الرسالة في ص١٥٧-١٦٧.
(٢) ساقط في المطبوع.
(٣) زيادة في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع.
(٤) في المطبوع: (سليمان) وهو خطأ، إذ أنه في بداية النص، أثبت سلمان كغيره،
(٥) في (ب) و(د): (بلاد) . قال ناسخ (ب) بالهامش: "وهذه البلدة في الإحساء" وهو خطأ، إذ فارس معروف، وهو إيران حاليًا.
(٦) في (د): (صار معلوم) .
(٧) في (أ) و(ب): (فالذي) وهو خطأ.
[ ١ / ٢٩٧ ]
الشيخ عليه وأمثاله من أئمة الهدى، وفيهم من بدعة المعتزلة (١) والخوارج (٢)، ولا معرفة لهم بالعقائد والنحل واختلاف الناس، والزمام زمان فترة، يشبه زمن الجاهلية، وإن كانت لكتب موجودة، فهي لا تغني ما لم يساعدهم التوفيق، وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام من عالم ربّاني، كما قيل:
الجهل داء قاتل ودواؤه أمران في التركيب متفقان
نص من الرآن أومن سنة وطبيب ذالك العالم الربّاني (٣)
والكتب السماوية بأيدي أهل الكتاب (٤)، وقد صار منهم ما صار (٥)،وأساب الجهل والهلاك قد توافرت جدًا، وقد قال بعض الأفاضل منذ أزمان: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟ ولكن العجب ممن نجا كيف نجا؟ " (٦) . وهؤلاء الذين ذكرتهم من أهل فارس، وذكرت عنهم تلك العقائد الخبيثة، ليسوا بعرب يفهمون الأوضاع العربية، والحقائق الشرعية، والحدود الدينية، ولا يرجعون إلى نص من كتاب ولا سن، وإنما هو تقليد لم يحسنون به الظن، من غير فهم ولا بصيرة.
قال الحسن البصري –في أمثالهم من المعتزلة من العجم-: إنّ عجمتهم قصرت بهم عن إدراك المعاني الشرعية، والحقائق الإيمانية (٧) .
وكذلك لما ناظر أبو عمرو بن العلاء، عمرَو بن عبيد (٨)، من رؤوس المعتزلة، وجده
_________________
(١) تقدم التعريف بهم في ص٢٢٥.
(٢) تقدم التعريف بهم ص١٦٩.
(٣) البيتان للإمام ابن القيم في نونيته. الكافية الشافية ٢/٣٨٣.
(٤) وهي: توراة موسى لليهود، وزبور داود، وإنجيل عيسى للنصارى.
(٥) يشير الشيخ إلى ما صار من اليهود والنصارى حيال تلك الكتب، من تحريف وتغيير وحذف، حسب ما يتناسب مع رغباتهم وأهوائهم.
(٦) لم اعرف قائله.
(٧) تقدّم نحو قوله هذا فيهم في ص١٨١.
(٨) تقدمت ترجمته في ص١٨١.
[ ١ / ٢٩٨ ]
لا يفرق بين الوعد والوعيد، فقال له: من العجمة أوتيت.
وأما عبد الرحمن البهمن (١)،فهو على ما نقلت عنه، في غاية الجهالة والضلالة، وله من طريقة غلاة الجهمية نصيب وافر، وله من الاعتزال ومن نحلة الخوارج نصيب، وكلام أهل الإسلام وأئمة العلم في الجهمية والمعتزلة والخوارج (٢) . فأما جهم بن صفوان (٣) فطريقته في التعطيل، ونفي العلو والاستواء، والكلام،
_________________
(١) لم أعثر على ترجمته.
(٢) تقدم كلام العلماء في الخوارج ص١٦٧، وفي المعتزلة ص ٢٢٥-٢٢٦.. أما الجهمية: فهي فرقة تنتسب إلى جهم بن صفوان، تقول: الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة باللسان، ولا إقرار بالنبوة، والكفر عندهم هو: الجهل بالله فقط، وأن الجنة والنار تفنيان، وأنه لا يجوز وصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلق، وأنه تعالى لا يعلم بشيء قبل خلقه، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، والإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، ونسبة الفعل إليه على المجاز، وأن القرآن مخلوق، فذلك هو مجمل معتقدهم، وقد نص على تكفيرهم كثير من أئمة السلف:
(٣) فأخرج اللآلكائي وغيره في "شرح أصول الاعتقاد" ٢/٣٢١، عن سلام بن أبي مطيع قوله: "الجهمية كفار، لا يصلى خلفهم".
(٤) وقال الإمام أحمد: من قال القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر". أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ١/١٠٧.
(٥) وقال بتكفيرهم أيضًا: عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، حتى أن الإمام الدارمي أورد في كتابه "الرد على الجهمية" بابًا خاصًا بتكفيرهم، ترجم له بقوله: باب (الاحتجاج في إكفار الجهمية)، ص٩، ٩٣ وما بعدها، مجموع الفتاوى، لسيخ الإسلام ابن تيمية ١٢/٤٨٥. شرح القصيدة النونية، ١/١١٥. والإبانة عن شريعة الفرقة، ومجانبة الفرق المذمومة، لعبد الله بن محمد بن بطة (ت٣٨٧هـ)، تحقيق رضا بن نعسان معطى، دار الراية، الرياض، "/١، ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م، ١/٣٧٩-٣٨٠. كتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد (ت٢٩٠هـ)، تحقيق محمد ابن سعيد بن سالم القحطاني، دار ابن القيم، ط/١، ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م، ١/١٠٥-١٠٦. مقالات الإسلاميين، ١/٣٣٨. الفرق بين الفرق، ص٢١١. الحجة في بيان المحجة، ٢/٤٧٩. الملل والنحل، ١/٨٦.
(٦) هو جهم بن صفوان، أبو محرز الراسبي، الضال المبتدع، رأس الجهمية، كان ينكر الصفات، ويزعم أنه ينزه الباري عنها، قتله سلم بن أحوز المازني، بمرو سنة ١٢٨هـ. انظر ميزان الاعتدال ١/٤٢٦؛ وسير الأعلام ٦/٢٦.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وسائر الصفات، وقد أخذها عن الجعد بن درهم١،والجعد أخذها بالواسطة عن لبيد بن الأعصم٢ اليهودي، الذي صنع السحر لرسول الله صلى الله عليه وسلم٣ وكانوا يخفون مقالتهم، ومن أظهر شيئًا من ذلك قتل، كما صنع خالد بن عبد الله القسري٤ أمير واسط، بالجعد بن درهم، فإنه ضحى به يوم العيد، وقال على المنبر: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم -فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم الله تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه٥.
والجهم قتل أيضًا لما ظهرت مقالته٦، ثم في زمن الخليفة المأمون العباسي٧،
_________________
(١) ١هو الجعد بن درهم، مؤدب مروان الحمار، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وقتل على ذلك بالعراق، يوم النحر عام (١١٨هـ)، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته وقصته: البداية والنهاية، ٩/٣٦٤؛ وسير الأعلام، ٥/٣٦٤؛ وميزان الاعتدال، ١/٣٩٩. ٢ لبيد بن الأعصم اليهودي، من يهود بني زريق، وهو الذي سحر النبي ﷺ انظر: البداية والنهاية، ٩/٣٦٤. ٣ انظر: قصته في البداية النهاية، ٩/ ٣٦٤. ٤ هو خالد بن عبد الله بن يزيد أبو الهيثم القسري، أمير العراقيين، لهشام، وجده يزيد له صحبة، كان جوادًا ممدوحًا معظمًا، قتل المغيرة بن سعيد وأصحابه، كان يريهم أنه يحيي الموتى، وكان ساحرًا. كما قتل الجعد بن درهم. وهذه من حسناته. (ت١٢٦هـ) . انظر: سير الأعلام، ٥/٤٢٥؛ وتهذيب التهذيب، ٣/١٠١. ٥ كان ذلك نحو سنة (١١٨هـ) . انظر: البداية والنهاية، ٩/ ٣٦٤- ٣٦٥؛ وسير الأعلام، ٥/٤٣٢؛ والأعلام، ٢/١٢٠. ٦ قتله سلم بن أحوز المازني سنة (١٢٨هـ)؛ لإنكاره أن الله كلم موسى. انظر: سير الأعلام، ٦/٢٧. ٧ هو المأمون بن عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي العباسي، ولد سنة (١٧٠هـ)، دعا إلى القول بخلق القرآن، وبالغ، وحمل الناس على هذا الرأي الباطل، بالقوة والإكراه، وامتحن عليه علماء الأمصار، بينهم الإمام أحمد بن حنبل -﵀- (ت٢١٨هـ) . انظر: تاريخ بغداد، ١٠/١٨٣؛ وسير الأعلام، ١٠/٢٧٢.
[ ١ / ٣٠٠ ]
ظهرت في الناس تلك المقالات بواسطة بعض الوزراء والأمراء، وكثر الخوض، فصاح بهم أهل الإسلام من كل ناحية، وبدعوهم وفسقوهم وكفروهم.١
قال ابن المبارك٢ الإمام الجليل من أكابر أهل السنة: "من لم يعرف أن الله فوق عرشه، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا مقابر أهل الذمة؛ لئلا يتأذى به أهل الذمة من اليهود والنصارى" ٣.
_________________
(١) ١ كان من بين العلماء الذين تصدوا لمحاربة تلك المقالات: الإمام أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد بن معين، وأبو حسان الزيادي، والقواريري، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن إسرائيل، وعلي بن أبي مقاتل، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن سعد، وأبو خيثمة، وإسماعيل بن داود، وابن نوح، وغيرهم انظر: سير الأعلام، ١٠/٢٨٨. ٢ هو عبد الله بن المبارك بن واضح، الإمام، شيخ الإسلام، علام زمانه، أبو عبد الرحمن الحنظلي، الحافظ أحد الأعلام، ولد (١١٨هـ)، وتوفي (١٨١هـ) . انظر: تاريخ بغداد، ١٠/ ١٥٢؛ وسير الأعلام، ٨/٣٧٨- ٤٢١؛ وتهذيب التهذيب، ٥/ ٣٨٢. ٣ لم أجد كلام ابن المبارك هذا، بل قد روي ما هو قريب منه عن أبي بكر محمد بن إٍسحاق بن خزيمة -﵀- أنه قال: "من لم يقر بأن الله على عرشه، قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر به، يستتاب، فإن تاب وإلا ضرب عنقه، وألقي على بعض المزابل؛ حيث لا يتأذى المسلمون، ولا المعاهدون بنتن ريح جيفته؛ وكان ماله فيئًا، ولا يرثه أحد من المسلمين؛ إذا المسلم لا يرث الكافر، كما قال النبي ﷺ انظر: إثبات صفة العلو، لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت٦٢٠هـ)، تحقيق د. أحمد بن عطية الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة ط/١، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٨م، ص١٨٥. أما ما نقل عن عبد الله بن المبارك، فهو أن الحسن بن شقيق سأله: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا؟ قال: "على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ههنا في الأرض". وقال الحسن أيضًا: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية". ونقل البخاري في "خلق أفعال العباد" قول ابن المبارك: "كل قوم يعرفون ما يعبدون إلا الجهمية". انظر سير الأعلام، ١٨/٤٠١- ٤٠٣؛ إثبات صفة العلو، ص ١٧١؛ وخلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، للإمام البخاري (ت٢٥٦هـ)، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط/١، ١٣٨٩هـ، ص١٢.
[ ١ / ٣٠١ ]
وقال الفضيل بن عياض١ ويوسف بن أسباط٢: الجهمية ليست من الثلاث والسبعين فرقة، التي افترقت إليها هذه الأمة٣. يعني أنهم لا يدخلون في أهل القبلة.
وقد صنفت التصانيف، وجمعت النصوص والآثار في الرد عليهم٤ وتكفيرهم، وأنهم خالفوا المعقول والمنقول، وأن قولهم يؤول إلى أنهم لا يثبتون ربًا يعبد، ولا إلهًا يصلى له ويسجد، إنما هو تعطيل محض، وكذلك كفرهم٥.
_________________
(١) ١ فضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، الإمام القدوة، الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي التميمي الخراساني، ثقة، سكن مكة (ت١٨٧هـ) . انظر: تذكرة الحفاظ، ١/٢٤٥؛ وسير الأعلام ٨/٤٢١؛ وحلية الأولياء، ٨/٨٤. ٢ يوسف بن أسباط الزاهد، من سادات المشايخ، له مواعظ وحكم، روى عن الثوري، وزائدة بن قدامة، وغيرهما، قال أبو حاتم: لا يحتج به. أنظر: حلية الأولياء، ٨/٢٣٧؛ وميزان الاعتدال ٤/٤٦٢؛ وسير الأعلام، ٩/١٦٩. ٣ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"، ٣/٣٥٠. وجاء كلام يوسف بن أسباط في "السنة"، للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك (٢٨٧)، المكتب الإسلامي، ط/١، ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠، ج ٢/٤٦٣، رقم (٩٥٣)؛ والشريعة للآجري، ص١٥. ٤ ومما صنف في الرد على الجهمية: ١. الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، لعبد الله بن قتيبة الدينوري (ت٢٧٦هـ) . ٢. الرد على الجهمية، للإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي، (ت٢٨٠هـ) . ٣. الرد على الجهمية، للحافظ ابن منده (ت٣٩٥هـ) . ٤. كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (٧٥١هـ) . ٥. اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم. ٦. الرد على الجهمية والزنادقة، كتاب ينسب للإمام أحمد، وقد بين محققه صحة نسبته إليه، بالأدلة، يرجع إليها في ص٧٢- ٧٨. تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، طبعة دار اللواء، الرياض، ١٣٩٧هـ. ٥ أي كذلك كفرهم كفر محض أيضًا.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قال ابن القيم في الكافية الشافية:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان١
يعني أن خمسمائة عالم أئمة مشاهير، جزموا بكفرهم، ونصوا عليه. وحججهم وشبهاتهم واهية داحضة، ولا تروج على من شم رائحة الإسلام.
قال بعض العلماء: أهل البدع لهم نصوص يدلون بها، قد اشتبه عليهم معناها، ولم يهتدوا فيها، إلا الجهمية، فليس معهم شيء مما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. انتهى٢. والقرآن والسنة كلها رد عليهم.
قال بعض أصحاب الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: في القرآن ألف دليل على علو الله على خلقه، وأنه فوق العرش٣. وذكر ابن القيم -﵀- طرفًا صالحًا في نونيته من ذلك٤.
وأما نصوص السنة وكلام أهل العلم، فلا يحصيها ويحيط بها إلا الله. ويكفي المؤمن أن يعلم أن كل من عرف الله بصفات جلاله، ونعوت كماله، وتبين له شيء من ربوبيته وأفعاله، يعلم ويتيقن أنه هو العلي الأعلى، الذي على عرشه استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه القاهر فوق عباده، وأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض٥. ولا
_________________
(١) ١ الكافية الشافية، لابن القيم، ١/٢٩٠. ٢ المصدر السابق، نفس الصفحة. وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "مجموع الفتاوى"، ٥/١٢٢، وفي كتاب "النبوات"، ص١٣٠. ٣ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "المجموع"، ٥/١٢١. ونصه: " حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل وأزيد تدل على أن الله عال على خلقه وأنه فوق عباده". ٤ انظر: الكافية الشافية، ١/٣٩٧، ٣٩٩، ٤٠٢، ٤٠٥، ٤٠٨، ٤١٢، ٤١٥، ٤١٧، ٤٢٠، ٤٢٢، ٤٢٤، ٤٢٥، ٤٢٩، ٤٣٢، ٤٣٩، ٤٨٣، ٤٨٦، ٤٩٢، ٥٠٠، ٥١٠، ٥١٤. تحدث الإمام في تلك المواضع وغيرها عن الأدلة على علو الله تعالى على خلقه. ٥ هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، والتي توافرت النصوص من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ على إثباتها؛ من ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
[ ١ / ٣٠٣ ]
يشك في ذلك إلا من اجتاله١ الشيطان عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها٢.والكلام يستدعي بسطًا طويلًا، فعليك بكتب أهل السنة، واحذر كتب المبتدعة؛ فإنهم قد سودوها بالشبهات والجهالات، التي تلقوها عن أسلافهم وشيعهم.
وأما دعواه أن النبي ﷺ حي في قبره، فإن أراد الحياة الدنيوية، فالنصوص والآثار والإجماع والحس يكذبه٣. قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ [الأنعام:١٨] . وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] . وغير ذلك من الآيات الكريمات، وكلها تثبت علوه تعالى، واستوائه على عرشه. ١ أي استخفه، يقال: جال واجتال، إذا ذهب وجاء، واجتال الشيء إذا ذهب به وساقه. لسان العرب، ١١/١٣١، مادة (جول) . ٢ كما هو الحال لدى الجهمية، الذين يقولون: إنه تعالى ها هنا في الأرض. [إثبات صفة العلو ص١٧١] . وقول بعض الغلاة: "الله لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه". وبعض فلاسفتهم يزيد: "لا متصلًا بالعالم، ولا منفصلًا عنه"!! وحقيقة هذا النفي: أن الله غير موجود. وهو تعطيل مطلق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. مختصر العلو للعلي الغفار، للحافظ الذهبي، اختصره محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط/١، ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص٥٤. ٣ وما أحسن ما قاله الإمام ابن القيم -﵀- حين قال في رده على مدعي ذلك: لو كان حيًا في الضريح حياته قبل الممات بغير ما فرقانِ ما كان تحت الأرض بل من فوقها والله هذه سنة الرحمن أتراه تحت الأرض حيًا ثم لا يفتيهم بشرائع الإيمان ويريح أمته من الآراء والـ ـخلف العظيم وسائر البهتان أم كان حيًا عاجزًا عن نطقه وعن الجواب لسائل لهفان وعن الحراك فما الحياة اللات قد أثبتموها أوضحوا ببيان؟ الكافية الشافية، ٢/١٥٤- ١٥٥. ٤ سورة الزمر: الآية (٣٠) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية١. وقد قام أبو بكر في الناس يوم موت النبي ﷺ وقال: "أما بعد: فمن كان يعبد /محمدًا/٢ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت"٣، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ٤.
أما إن أراد الحياة البرزخية، كحياة الشهداء٥، فللأنبياء منها أفضلها وأكملها، ولنبينا محمد ﷺ منها، الحظ الوافر، والنصيب الأكمل، لكنها لا تنفي الموت، ولا تمنع إطلاقه على النبي والشهيد.
وأمر البرزخ لا يعلمه ولا يحيط به إلا الله تعالى، الذي خلقه وقدره. والواجب علينا الإيمان بما جاءت به الرسل، ولا نتكلف ولا نقول بغير علم، والحياة الأخروية بعد البعث والنشور، أكمل مما قبلها وأتم، للسعداء والأشقياء.
وأما دعواه أن العبادة٦ هي السجود فقط، فهذا الجهل ليس بغريب عن مثل هذا الملحد. والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، قد فصلت أنواع العبادة تفصيلًا،
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: الآية (٣٤) . ٢ في (د): (محمدٌ) . ٣ سيرة ابن هشام، ٤/٣٠٦؛ والبداية والنهاية، ٥/٢١٢. ٤ سورة آل عمران: الآية (١٤٤) . ٥ وهي الحياة التي أفادها قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] . قال ابن كثير -﵀- (يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون) . تفسير ابن كثير، ١/٢٠٣. ٦عرف العلماء العبادة في الاصطلاح الشرعي، بتعريفات عدة، ويدور لفظ "العبادة" فيها حول معنى الذل التام والخشوع والخضوع الكامل لله تعالى، والالتزام بما شرعه، والانتهاء عما نهى عنه تعالى، والتمسك بكل ما يرضى الله تعالى، قولًا وعملًا وتركًا. وقد جاء تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مقدمة تلك التعريفات، فهو أجمعها وأشملها، وهو قوله -﵀-: "العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة"، ثم استرسل الشيخ في بيان بعض أنواع العبادة بقوله: "فالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة". مجموع الفتاوى، ١٠/١٤٩- ١٥٠. وانظر: تعريفات العلماء الأخر للعبادة في: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١/١٠١. تفسير ابن كثير، ١/٢٧. تفسير البغوي "معالم التنزيل"، لحسين بن مسعود البغوي (ت٥١٦هـ)، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، دار المعرفة، بيوت، لبنان، ط/٢، ١٤٠٧هـ، ١/٤١. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لمحمد بن عمر الزمخشري (٥٣٨هـ)، الحلبي، الطبعة الأخيرة، ١٣٨٥هـ، ١/٦٢. مجموعة التوحيد النجدية، لابن تيمية (٧٢٨هـ)، ومحمد بن عبد الوهاب (ت١٢٠٦هـ)، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، ١٣٩١هـ، ص٢١٣.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقسمتها تقسيمًاَ، ونوعتها تنويعًا١، قال تعالى: ﴿الم (البقرة:١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) ١ تنقسم العبادات إلى أنواع؛ هي: الأول: العبادات الاعتقادية: وهي "العبادات القلبية" المشتملة على الاعتقاد بانفراد الله تعالى بالربوبية، والألوهية، والأسماء، والصفات، وكل ما ينطوي عليه القلب من الإيمان، وكذلك الخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، والخضوع لله تعالى، وغير ذلك. الثاني: العبادات اللفظية: وتعرف بالقولية، وهي كل ما يختص باللسان، تعبيرًا عما في القلب من الاعتقاد؛ وذلك كالنطق بالشهادتين، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك الثالث: العبادات العملية: وتعرف بالبدنية، وهي أعمال الجوارح؛ كالصلاة وما يتعلق بها من أعمال، والصيام، والذبح، والجهاد، ونحو ذلك. الرابع: العبادات المالية: وهي ما تختص بالأموال؛ كالزكاة، والصدقات، وجميع الإنفاق في الحج، والجهاد، وعلى الأيتام، والأرامل، ونحو ذلك. انظر هذه الأنواع: مدارج السالكين،١/١١٣، ١١٤، ١٢٤، ١٢٨، ١٢٩. ومجموعة التوحيد النجدية، ص١٢٣. الجامع الفريد لكتب رسائل أئمة الدعوة، ص٤٩٨. كيف السبيل إلى الله، لخير الدين الطلفاح، مطبعة العبابجي، بغداد، ٤/٤٥، ٤٧، ٤٨، ٥١.
[ ١ / ٣٠٦ ]
المُفْلِحُونَ﴾ ١، وهل المهتدون والمفلحون إلا خواص عباد الله؛ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ٢، فخصهم بالصدق والتقوى، وحصرها فيهم؛ لأن ما ذكر، رأس العبادة، والإيمان متضمن لما لم يذكر، مستلزم له، فلهذا حسن الحصر. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣. فبدأ بذكر العبادة المجملة، ثم خص بعض الأفراد تنبيهًا على الاهتمام، وأنها من أصول الدين؛ ولئلا يتوهم السامع أن العبادة تختص بنوع دون ما ذكر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ ٤. ومعلوم أن إقامة الصلاة داخل فيما قبله؛ لأنه آكد الأركان الإسلامية بعد الشهادتين، وكذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥، والاستعانة عبادة بالإجماع، وعطفها على ما قبلها، اهتمامًا بالوسيلة، وتنبيهًا على التوكل٦. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٧.
والعدل تدخل فيه الواجبات كلها، والإحسان تدخل فيه نوافل الطاعات وإيتاء ذي القربى /يدخل/٨ فيه حق الأرحام، ونحوها من العبادات المتعدية، والنهي عن الفحشاء والمنكر يدخل /فيه/٩، ما نهى الله عنه من ظاهر الإثم وباطنه، وتركه من أجل العبادات، والبغي من أكبر السيئات، وتركه من أهم الطاعات، فهذا كله داخل
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية (١-٥) . ٢ سورة البقرة: الآية (١٧٧) . وقوله (وَالْكِتَابِ) ساقط في (د) . ٣ سورة البقرة: الآية (٨٣) . ٤ سورة الأعراف: الآية (١٧٠) . ٥ سورة الفاتحة: الآية (٥) . ٦ انظر: الكشاف، للزمخشري، ١/٦٥. ٧ سورة النحل: الآية (٩٠) . ٨ ساقط في (د) . ٩ كذا في المطبوع. وفي جميع النسخ (فيها) .
[ ١ / ٣٠٧ ]
في العبادة بالإجماع. و/قد/١ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٢.
فابتدأ الآية بالأمر بعبادته وحده لا شريك له، وعطف /بقية/٣ العبادات٤ المذكورة؛ اهتمامًا بها وتنويهًا بشأنها. ولا قائل إن ما ذكر ليس بعبادة، بل أهل اللغة، وأهل الشرع، من المفسرين، وغيرهم، مجمعون على أن ما أمر به في هذه الآيات، من أفضل ما يتقرب /العبد/٥ به من القرب والعبادات.
وما علمت أحدًا من أهل العلم واللغة يتنازع في ذلك، ولكن القوم كما تقدم٦ عجم أو مولدون. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٧، فعطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على ما قبله، وإن كان يدخل فيه عند الإطلاق، تنبيهًا على ما تقدم من الاهتمام، /والحض/٨ على ما ذكر في حديث جبريل، المشهور في الكتب الستة وغيرها، " أن جبريل أتى النبي ﷺ في صورة رجل، وهو جالس في أصحابه فقال له: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتوتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت. قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد
_________________
(١) ١ ساقط في (ب)، و(ج) والمطبوع. ٢ سورة الإسراء: الآية (٢٣، ٣٩) . ٣ في (أ): (باقي) . ٤ في جميع النسخ: (العبادة) . ٥ ساقط في (ب)، و(ج)، و(د) . وبدونه تصح العبارة أيضًا على بناء ما قبله على المجهول. ٦ تقدم ذلك في ص١٨١. ٧ سورة البينة: الآية (٥) . ٨ في جميع النسخ: (والحظ) .
[ ١ / ٣٠٨ ]
الموت، وبالقدر، خيره وشره، قال: صدقت، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم "١، فجعل ذلك كله هو الدين، بمعنى العبادة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢، فجعل عبادة الله هي دين القيمة٣. وثبت عنه ﷺ أنه/٤ قال: " الإيمان بضع وستون، أو بضع وسبعون، شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلى الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "٥، ومن قال: ليست هذه الشعبة عبادة، فهو من شر٦ الدواب، وأجهل الحيوان.
وقد حصر النبي ﷺ العبادة في بعض أفرادها، كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: " الدعاء هو العبادة "٧،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، ١/١٤٠، الإيمان، باب (سؤال جبريل عن الإيمان) . صحيح مسلم بشرح النووي، ١/٢٦٨- ٢٧٤، الإيمان، باب (بيان الإيمان والإسلام والإحسان) . سنن أبي داود، ٥/٧٢، السنة، باب (في القدر) . سنن الترمذي، ٥/٨، الإيمان، باب (ما جاء في وصف جبريل) . سنن النسائي، ٨/٩٧- ١٠١، الإيمان، باب (نعت الإسلام) . سنن ابن ماجه، ١/١٤، المقدمة، باب (الإيمان) . مسند الإمام أحمد، ١/ ٢٧. ٢ سورة البينة: الآية (٥) . ٣ انظر: جامع البيان للطبري، ٣٠/٢٦٤. وبهذه الآية استدل كثير من الأئمة؛ كالزهري، والشافعي على أن الأعمال داخلة في الإيمان. تفسير ابن كثير ٤/٥٧٤. ٤ زيادة في (ب)، والمطبوع. ٥ تقدم تخريجه ص١٨٦. ٦ في جميع النسخ: (أشر) . ولا يقال ذلك عند إرادة التفضيل من (شر) بل يحذف الهمزة انظر: كتاب "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل"، لمحمد محي الدين عبد الحميد، -بحاشية- شرح ابن عقيل (ت ٧٦٩هـ) على ألفية ابن مالك (ت ٦٧٢هـ) ط/١٤، ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م، ٢/١٧٤. ٧ سنن أبي داود، ٢/١٦١، الصلاة، باب الدعاء، سنن الترمذي، ٥/٤٢٦، الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". سنن ابن ماجه، ٢/٣٤١، الدعاء، باب (ما جاء في فضل الدعاء)، مسند الإمام أحمد، ٤/٢٦٧، ٢٧١.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وفي حديث أنس: " الدعاء مخ العبادة "١. وكقوله: " الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين "٢.
وكل ما ورد من فضائل أعمال وأنواع الذكر، دخل في مسمى العبادة. وقد جمع ابن السني٣ والنسائي٤، في "عمل اليوم والليلة"، من ذلك طرفًا، يبين أن العبادة في أصل اللغة، بمعنى الذل والخضوع٥. كما قال بعضهم٦:
_________________
(١) ١ سنن الترمذي، ٥/٤٢٥-٤٢٦، الدعوات، باب (ما جاء في فضل الدعاء)، قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة وذكره ابن حجر في الفتح، ١١/٩٧، وضعفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي"، للألباني، المكتبة الإسلامية، بيروت، ط/١، ١٤١١هـ- ١٩٩١م، ص٤٤١. ٢ المستدرك للحاكم، ١/٤٩٢، وقال: صحيح، فإن محمد بن حسن هذا، هو التل، وهو صدوق في الكوفيين ووافقه الذهبي، وأخرجه الهيثمي في "المجمع"، ١٠/١٤٧، وقال: راوه أبو يعلى، وفيه محمد بن حسن بن أبي يزيد، وهو متروك. وذكره الهندي في "الكنز" (٣١١٧) . وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة"، للألباني، المكتبة الإسلامية، بيروت، ١/٨١. قال الألباني: موضوع، وخطأ الحاكم في تصحيحه، وعلل الحديث بالانقطاع، كما ذكره الذهبي في "الميزان"، وأن محمد بن الحسن هذا ليس هو التل إنما هو: أبو يزيد الهمداني. انظر: السلسة الضعيفة، ١/٨١- ٨٢. ٣ هو أحمد بن محمد بن إسحاق، الإمام الحافظ الثقة، أبو بكر الدينوري، المشهور بابن السني. صنف كتاب "عمل يوم وليلة" وهو مطبوع، واختصر سنن النسائي، وسماه "المجتبى". (ت٣٦٤هـ) . انظر: طبقات الشافعي الكبرى، للسبكي، ٣/٣٩. تذكرة الحافظ ٣/٩٣٩. سير الأعلام، ١٦/٢٥٥. ٤ هو أحمد بن شعيب بن علي النسائي، صاحب "السنن" وكتاب "عمل اليوم والليلة" وهو مطبوع. (ت ٣٠٣هـ) . ٥ انظر هذا المعنى اللغوي للعبادة في: الصحيح للجوهري، ١٣٩٩هـ، ٢/٥٠٣؛ وتهذيب اللغة للأزهري، ٢/٢٣٤؛ ولسان العرب، ٣/٢٧٢، وترتيب القاموس المحيط، لأحمد الزاوي، ٣/١٣٥، مادة (عبد) . ٦ هو طرفة بن العبد بن سفيان البكري، أبو عمرو، شاعر جاهلي، ولد في بادية البحرين، وتنقل في بقاع نجد وكان نديمًا لعمرو بن هند. (ت ٦٠) قبل الهجرة. انظر معجم المؤلفين، ٥/٤٠؛ والأعلام للزركلي، ٣/٣٢٤.
[ ١ / ٣١٠ ]
تباري عتاقًا ناجيات١ وأتبعت وظيفًا وظيفًا٢ فوق مور٣ معبد٤.
أي طريق مذلل، قد ذللته الأقدام٥. والدين مأخوذ من معنى الذل والخضوع، يقال: أدنته فدان، أي ذللته فذل٦.
وفي الاصطلاح الشرعي: يدخل فيه كل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة٧، الخاصة والمتعدية، البدنية والمالية.
وكذلك عرفها الفقهاء بأنها: ما أمر به شرعًا من غير اضطراد عرفي ولا إقتضاء عقلي٨، إذا عرفت هذا، فالتقوى والعبادة والدين، إذا أفردت ولم تقترن بغيرها، دخل فيها مجموع الدين وسائر العبادات، وإذا اقترنت بغيرها فسر كل واحد بما يخصه؛ كالإيمان، والعمل الصالح٩،
_________________
(١) ١ تباري: تعارض. الناجيات: السريعات. انظر: لسان العرب، ٥/١٨٦. ٢ في جميع النسخ: وضيفًا وضيفًا، بالضاد، وهو في المعلقة بالظاء، كما أثبته. والوظيف: عظم الساق. لسان العرب، ٥/١٨٦. ٣ المور: الطريق. المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة. ٤ ديوان طرفة بن العبد، دارصادر، بيوت، لبنان، ص٢٢. وذكره ابن منظور في اللسان ٥/١٨٦. ٥ الصحاح للجوهري، ٢/٥٠٣؛ ولسان العرب، ٣/٢٧٣؛ وترتيب القاموس المحيط، ٣/١٣٧. ٦ من مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ابن تيمية، ١٠/١٥٢. ٧ هذا تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية، للعبادة، وقد تقدم في ص٣٠٦، وانظر: المرجع السابق، ١٠/١٤٩؛ والعبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨)، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهر، ط/٢، ١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م. ٨ ورد هذا التعريف في: الهداية السنية؛ والتحفة الوهابية النجدية، ص٦؛ ومجموعة التوحيد النجدي، ص٢١٢؛ والانتصار لحزب الله الموحدين، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين (ت ١٢٨٢هـ)، مكتبة الصحابة الإسلامية، السالمية، الكويت ط/٣، ص٩؛ ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ٥/٥٠١. ٩ وهو كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] . وقرن بين الأعمال والتقوى والعمل الصالح، في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة:٩٣] .
[ ١ / ٣١١ ]
والإسلام١، والإيمان، وصدق الحديث٢، وكالإيمان، والصبر٣، وكالعبادة /والإستعانة٤/٥، وكالتقوى، وابتغاء الوسيلة٦؛ فيفسر كل بما يناسبه ويخصه، كما في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٧ فسر كل اسم بما يخصه مع الاقتران.
وإذا أطلق اسم العبادة كما في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ ٨، واسم الأبرار واسم الإيمان واسم الإسلام في مقام المدح والثناء دخل فيه الدين كله٩. فمن عرف هذا، تبين له اصطلاح القرآن والسنة، وعرف أن هؤلاء المبتدعة، من أجهل الناس بحدود ما أنزل الله على رسوله.
والصلاة نفسها تشتمل على أقوال وأفعال غير السجود، وكلها عبادة بإجماع المسلمين١٠، والقراءة عبادة، والقيام عبادة، والركوع عبادة، والرفع منه عبادة،
_________________
(١) ١ وقرن الإيمان بالإسلام في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] . ٢ وقرن الإيمان وصدق الحديث في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] . ٣ وقرن الإيمان والصبر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] . ٤ في (أ)، و(ج)، و(د): (وكالاستعانة) . ٥ وقرن بين العبادة والاستعانة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] . ٦ وقرن بين التقوى وابتغاء الوسيلة، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] . ٧ سورة الأحزاب: الآية (٣٥) . ٨ سورة الفرقان: الآية (٦٣) . ٩ تقدم ذلك في ص١٧١. ١٠ لم يزل الشيخ يرد على من حصر العبادة في السجود.
[ ١ / ٣١٢ ]
والسجود عبادة، والجلوس عبادة، والأذكار المشروعة في تلك المواطن عبادة، والتكبير عبادة، والتسليم عبادة.١
_________________
(١) ١ انظر الجامع الفريد، ص٤٩٨.
[ ١ / ٣١٣ ]