أولًا: الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والاتباع وما ينافيها من الشرك والابتداع
الرسالة الأولى (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى عبد العزيز الخطيب (٢)، سلام على عباد الله الصالحين، وبعد:
فقرأت رسالتك وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار، ولكن أسأت الإنكار على من يكفر المسلمين في قولك: إن ما أنكره شيخنا الوالد (٣) من تكفيركم أهل الحق (٤) واعتقاد إصابتكم، إنه لم يصدر منكم، وتذكر أن إخوانك
_________________
(١) وردت هذه الرسالة في الدرر السنية، ١/٢٣٢-٢٤٢.
(٢) لم أقف له على ترجمة فيما اطلعت.
(٣) يريد والده عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.
(٤) تعليق حول مسألة التكفير: تعد مسألة التكفير من المسائل ذات الخطورة البالغة في أمتنا الإسلامية. فقد عمدت بعض
[ ١ / ١٥٧ ]
_________________
(١) الفرق -قديمًا وحديثًا- إلى تكفير مخالفيهم من الفرق الأخرى التي تخالفهم الرأي كما كان شأن الخوارج مع الصحابة؛ إذ كفروهم تبعًا لمذهبهم في تكفير مرتكب الذنب، وقد تبعهم المعتزلة في ذلك؛ فأخرجوا مرتكب الكبيرة من الإسلام، وإن لم يحكموا عليه بالكفر، بل ساووا بينه وبين الكافر في الخلود في النار، وكذلك غلاة الشيعة، كفروا الصحابة رضوان الله عليهم، إلا ثلاثة منهم فقط: المقداد بن الأسود، وأبا ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. (الشيعة وأهل البيت، للأستاذ إحسان إلهي ظهير، مطبعة جاويد رياض، باكستان، ط/٧، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م، نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، ص٤٥-٤٦) . ويكون التكفير أحيانًا على شكل أفراد، يكفر بعضهم بعضًا. وهذا داء عضال، امتد عبر الأجيال إلى وقتنا الحاضر، الذي نشاهد فيه كثرة التهاون بأمره، والتهور في إطلاقه. فلم يعد من العجب أن نجد جماعتين تدعي كل منهما القيام بالدعوة إلى الله، بينما ترمي بالكفر، الجماعة الأخرى، المخالفة لها في المبادئ، أو أسلوب عمل، أو لمجرد مصالح شخصية محضة. وهذا منتشر في بلاد العالم الإسلامي. ويجدر بي أن أتناول هنا بعض المسائل المتعلقة بهذا الموضوع الهام، باختصار على النحو الآتي: أولًا: بيان أنواع الكفر: إن مذهب أهل السنة في التكفير عمومًا مبني على أصلين هما: الأصل الأول: أن تدل نصوص الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر. فعلى هذا الأصل نجد العلماء يقسمون الكفر إلى قسمين: أحدهما:كفر اعتقادي، وثانيهما: كفر غير اعتقادي، وعليه يكون التكفير تابعًا لهذين القسمين اعتقادي، وغير اعتقادي. القسم الأول: الكفر الاعتقادي: ويعلم بـ (الكفر الأكبر)، وهذا النوع يتبعه التكفير الاعتقادي، وهو الحكم بالكفر على من اعتقده بقلبه، أو أظهر أمرًا يبعد عند الناس أن يطلق على فاعله أو قائله أنه مسلم. وهو ضربان: الضرب الأول: أن يصرح المرء بما يعتقده من الكفر، ويدلل على ذلك بما يظهره من أعمال الكفر. فهذا كافر كفرًا اعتقاديًا عند الله وعند الناس. الضرب الثاني: أن يعتقد الكفر بقلبه، ولا يصرح به، لكنه يظهر أعمالًا تدل عليه، مع عدم وجود موانع شرعية تصرف عنه الحكم بالكفر الاعتقادي. فهذا أيضًا كافر عند الله، أما عند الناس فنسبة الكفر إليه، تكون باعتبار أن عمله ذلك، لا يصدر إلا ممن كان كافرًا، معلوم الكفر. أما حقيقة ما في قلبه، فلا يعلمها إلا الله، أو من أخبره الله بالوحي، من أنبيائه ورسله.
[ ١ / ١٥٨ ]
_________________
(١) القسم الثاني: الكفر غير الاعتقادي: ويتبع هذا النوع الكفر غير الاعتقادي، الذي يطلق عليه بعض العلماء أنه: كفر النعمة، أو كفر دون كفر، أو الكفر الأصغر، أي الذي لا يخرج صاحبه عن الملة، وهو: الحكم بالكفر على من أظهر عملًا أو قولًا مكفرًا، دون اعتقاده، مع وجود موانع شرعية تصرفه عن الكفر الاعتقادي. وهذا القسم ينقسم إلى نوعين: أولهما: التكفير العملي: وهو الحكم بالكفر على من ظهرت منه أعمال كفرية، مع وجود موانع شرعية تصرفه عن الكفر الاعتقادي. ثانيهما: التكفير القولي: وهو الحكم بالكفر على من تلفظ بأقوال كفرية، مع وجود الموانع الشرعية التي تصرفه عن الكفر الاعتقادي. انظر هذا التقسيم في: - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨ هـ)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ١١/١٣٧-١٣٨. والمنهاج في شعب الإيمان، لأبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (ت ٤٠٣هـ)، تحقيق: حلمي محمد فودة، دار الفكرة، ط/١، ١٣٩٩هـ ١٩٩.. - كتاب الصلاة وحكم تاركها، للإمام ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)، ضبط وتخريج محمد نظام الدين الفتيح، مكتبة دار التراث للنشر والتوزيع، المدينة المنورة ط/٢، ١٤١٢هـ/١٩٩٢م. ص٥١-٥٣. أما الأصل الثاني (المتعلق بتكفير المعين) وهو أن ينطبق هذا الحكم على القائل أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي موانعه. وعليه، فلا يحكم على أحد من أهل القبلة بالكفر حتى يتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وتلك الشروط هي: ١. أن يظهر الكفر بقول أو فعل وإن كان مدعيًا الإسلام. ٢. أن تبلغه الحجة الموجبة لبيان الحق وزوال الشبهة. ٣. أن تكون الحجة ثابتة لديه إن كان من أهل النظر. ٤. أن يكون بالغًا، عاقلًا، يفهم. ٥. أن لا يكون معذورًا بقرب العهد بالإسلام. ٦. أن لا يكون مكرهًا على الكفر. ٧. أن لا يكون جاهلًا بأن ينشأ ببادية بعيدة عن العلم. أما موانع التكفير فهي على عكس تلك الشروط السابقة:
(٢) إخفاؤه لكفره. ٢- عدم بلوغ الحجة. ٣- الجهل. ٤- الإكراه (الملجئ) على الكفر.
[ ١ / ١٥٩ ]
_________________
(١) ٥. أو لم ير تلك الحجة بالتأويل أو عدم الثبوت عنده. ٦- التقليد، حيث إنه يترجح القول بجواز التقليد في العقائد للعامي الذي لا يستطيع النظر والاستدلال.
(٢) أن يكون صغيرًا أو مجنونًا. انظر تفاصيل هذه الموانع: كتاب: نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، للدكتور محمد بن عبد الله بن علي الوهيبى. دار المسلم للنشر والتوزيع الرياض، ط/١، ١٤١٦هـ/١٩٩٦، ج١، ٢٢٥-٣٠٩؛ ٢٥-٤٩. وكتاب ضوابط التكفير مستقاة من المصادر السلفية، جمع وتأليف: حسن بن علي بن حسين العواجي، نشر دار البخاري، المدينة المنورة، ط/١، ١٤١٥هـ، ص٣٤- ٣٥، ٣٦. ثانيًا: التحذير من تكفير المسلم: بعد ما علمنا من أقسام التكفير، يجب أن نعلم أن الإسلام قد حذر منها، ونهى عن إطلاقه على المسلمين؛ فامتنع عنه السلف الصالح أهل السنة، إلا فيمن تحقق فيه الشروط كما تقدم، أما من لم يتوفر فيه الأصلان، فالإسلام يحذر من تكفيره. وقد ورد في ذلك نصوص عدة، من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ نذكر منها ما يلي: أ- ما ورد من ذلك في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٤] . في الآية يأمر الله ﷾ بالتثبت والتأكد قبل إطلاق نفي الإيمان عن أحد. قال القاسمي: "في الآية دليل على فساد قول المعتزلة، لأنه نهاهم أن يقولوا لمن قال: إني مسلم: لست مؤمنًا؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة ليس بمؤمن" تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ)، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، الحلبي، ط/١، ١٣٧٧هـ/١٩٥٧م، ٥/١٤٨٠. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] . وفي هذه الآية، يأمر ﷾ بالتبين في الحكم على الناس. ب- أما ما ورد من السنة في التحذير من التكفير، فمنها: - ما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا كفر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدهما " وفي رواية أخرى: " أيما رجل قال لأخيه ياكافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه "صحيح مسلم بشرح النووي (ت ٦٧٦هـ)، ط/١، ١٤٠٧هـ، دار القلم، بيروت، تحقيق لجنة من العلماء، نشر مكتبة المعارف بالرياض، ٢/٤٠٨-٤١١. الإيمان، باب إيمان من قال لأخيه يا كافر. صحيح البخاري، لأبي عبد الله
[ ١ / ١٦٠ ]
_________________
(١) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت ٢٥٦هـ)، تحقيق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي، دار القلم، بيروت، ط/١، ١٤٠٧هـ، ١٩٨٧م، ٨/٣٥٣، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال. سنن أبي داود، ٥/٦٤، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. سنن الترمذي، ٥/٢٣، كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر. - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» . صحيح البخاري ٨/٣٣٦، الأدب، باب ما ينهى عنه من السباب واللعن. - وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: « ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه» . صحيح مسلم بشرح النووي، ٢/٤١٢، الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. ومعنى «حار عليه» أي رجع عليه ما نَسَب إليه. النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (ت ٦٠٦هـ)، تحقيق محمود محمد الطناحي، نشر المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، ١/٤٥٨. - وعن ثابت بن الضحاك ﵁ عن النبي ﷺ قال: « لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر، فهو كقتله» . صحيح البخاري ٨/٣٥٤، الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كقاتله.، سنن الترمذي ٥/٢٣، الإيمان، باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". والآثار الواردة في التحذير من ترامي المسلمين بعضهم بعضًا بالكفر كثيرة، اكتفينا بما تقدم، وكلها تحذر من إطلاق التكفير لأحد من المسلمين، ما لم يظهر دليلًا قاطعًا على كفر. ثالثًا: منهج السلف في الحكم بالكفر: إن السلف -﵏- قد ساروا في هذه المسألة، على الطريقة النبوية، واسترشدوا بهدي النبي ﷺ في ذلك؛ فهم لم يكونوا يقدمون على إطلاق لفظ الكفر على أحد من أهل القبلة، بمجرد ما يصدر منه من فجور أو فسوق أو معصية. وفي ذلك قال الطحاوي -﵀- عند كلامه عن عقيدة السلف، تجاه القبلة: "ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا نفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى". شرح العقيدة الطحاوية (أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (للإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي (ت ٧٩٢هـ) تحقيق وتعليق وتخريج وتقديم د. عبد الله
[ ١ / ١٦١ ]
_________________
(١) بن عبد المحسن التركي، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/٢، ١٤١٣هـ، ١٩٩٣م، ص٥٣٩. وانظر في ذلك أيضًا مجموع فتاوى ابن تيمية، ٣/١٥١. فهم لا يحكمون بالكفر على أحد، حتى يثبت حكمه بالحجة والبرهان الواضح، فمتى رأوا منه كفرًا بواحًا، فإنهم يحكمون عليه بالكفر مع الاحتياط والتحرز في اللفظ، لا يتعدون الإطلاق الذي أطلقه الكتاب والسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "التكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما حرمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر به ورسوله". مجموع الفتاوى، ٥/٥٥٤-٥٥٥. وقال -رحمه الله تعالى-: " (والكفر) هو من الأحكام الشرعية، وليس كل من خالف شيئًا علم بنظر العقل يكون كافرًا، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقول، لم يحكم بكفره حتى يكون قوله كفرًا في الشريعة" مجموع الفتاوى، ١٢/٢٢٥.، فمتى أظهر العبد قولًا أو فعلًا مكفرًا، سموا قوله أو فعله كفرًا، وقد يطلقون القول بتكفير صاحب هذا العمل غير المعين، فيقولون: من قال أو فعل أو ترك كذا، فهو كافر. قال شيخ الإسلام -﵀-: في المجموع ٣٥/١٦٥-١٦٦: "وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر قولًا، يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية؛ فإن (الإيمان) من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، وليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك، بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه وتقوم عليه الحجة بالرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] . وقال -﵀- في المجموع أيضًا ٢٣/٤٥٣: "إن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، لكن الشخص المعيّن الذي قاله، لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها". وانظر أيضًا المجموع، ٧/٦١٩. فكلام شيخ الإسلام هذا، يعطي مزيدًا من الوضوح لمنهج السلف، في الحكم بالكفر، وإقامة الحجة على المرء، يكون إما بتعليمه -إن كان جاهلًا- أو بإزالة شبهته وإظهار الحق له بالدليل -إن كان من أهل النظر والاستدلال- وهكذا، فهو بعد ذلك إما أن يرجع، أو يستكبر ويصر على ما هو كفر من قول أو فعل، فهنا الحكم عليه بالارتداد، ويجرى عليه عقوبة الحد، ويلزمه أحكام المرتدين. رابعًا: حكم من كفّر مسلمًا: علمنا فيما تقدم من الأحاديث، أن من رمى أخاه بالكفر، فإن أحدهما ييوء به، فإن كان
[ ١ / ١٦٢ ]
من أهل النقيع يجادلونك وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور، وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبًا على سبيل القدح في العقيدة، والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير، فقد حاموا حول الحمى، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن سبيل الرشاد والعمى.
_________________
(١) كما قال، وإلا رجعت إليه. فهل يحكم بالكفر على من كفر أخاه المسلم، ولم يكن كذلك؟ إننا بالنظر إلى هذه الأحاديث، نجد أن للعلماء فيها تأويلات عدة؛ لذا قال النووي -﵀- في شرح صحيح مسلم ٢/٤٠٩، عند شرحه لحديث: «فقد باء به أحدهما» قال: "هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غير مرا، وذلك أن مذهب أهل الحق، أنه لا يكفر مسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه كافر، من غير اعتقاد بطلان الإسلام". وهنا أكتفي بذكر ما تبين من أقوالهم وهو: ألًا: أن هذه الأحاديث وردت للزجر والتحذير للمسلم، من أن يقول ذلك لأخيه المسلم. ثانيًا: أنه لا يقطع بتكفير من أخطأ في التكفير متأولًا؛ كقول عمر بن الخطاب ﵁ لحاطب إنه منافق، فقال النبي ﷺ-: «وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر الحديث» أخرجه البخاري في صحيحه، ٨/٣٥٤، كتاب الأدب. وعليه بوب فقال: بال من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا". أما من كفر مسلمًا بلا تأويل، فإن هذا يحكم عليه بالكفر، وعليه بوّب البخاري -﵀- فقال: "باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال". صحيح البخاري، ٨/٣٥٣، كتاب الأدب. قال النووي -﵀-: "ولو قال لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، كفر، لأنه سمى الإسلام كفرًا". روضة الطالبين وعمدة المتقين، للإمام النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط/٢، ١٤٠٥هـ، ١٠/٦٥. وقال الحليمي في المنهاج، ٣/١٠٩ -بعد ما أورد حديث: «فقد باء به أحدهما» – قال: "يحتمل أن يكون معنى ذلك، أنه إن وصف ما عليه أخوه المسلم بأنه كفر، فقد كفر نفسه، ولو لم يكن على أخيه شيء. وإن كان المقول ذلك يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فقد صدق عليه، وليس على قائله شيء". وانظر الإعلام بقواطع الإسلام، مطبوع مع كتاب "الزواجر على اقتراف الكبائر" كلاهما لأحمد بن حجر المكي الهيتمي (ت ٩٧٤هـ)، ط/٢ الحلبي بمصر، ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م، ٢/٣٤٠-٣٤٤. وأحكام المرتد في الشريعة الإسلامية، لنعمان عبد العزيز السمرائي، دار العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص١١٣.
[ ١ / ١٦٣ ]
وقد رأيت سنة أربع وستين ومائتين وألف (١)، رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء، قد اعتزلوا الجمعة والجماعة، وكفروا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم؛ يقولون: أهل الإحساء يجالسون بن فيروز (٢) ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده (٣)، الذي يرد دعوة الشيخ محمد (٤)، ولم يقبلها وعاداها، قالوا: ومن لم يصرح بكفره، فهو كافر بالله، لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين، ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام (٥)، حتى تركوا رد السلام. فرفع إليّ أمرهم، فأحضرتهم وتهددتهم، وأغلظت لهم القول، فزعموا أولًا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، ودحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر،
_________________
(١) وهذا حين بعثه إلى هناك الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله، في مهمة إصلاح أهل تلك المنطقة، كما تقدم في، ص٧٧-١٠٣.
(٢) لم أعرفه.
(٣) جده: هو محمد بن عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله بن فيروز الوهيبي، ثم التميمي، نسبًا، النجدي أصلًا، الإحسائي مولدًا، ومنشأ، ثم البصري وفاة ومدفنًا، ولد في الإحساء سنة ١١٤٢هـ وكف بصره وهو ابن ثلاث، كان عالمًا لكثير من الكتب، أنكر عليه معاداته الشديدة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومحاربته لدعوته برسائله وقصائده وأجوبته، حتى صار لهذه الدعوة من ألد الخصوم -ولهذا كان أصحاب ابن فيروز "الحفيد" يطالبونه بتكفير جده، كما جاء في المتن –نزح من الإحساء إلى العراق بعد أن قويت الدعوة السلفية، بمساندة آل سعود، فلما تيقن من أن الجيوش السعودية قد أوشكت أن تستولي على الإحساء -في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود- خاف منهم ورحل إلى البصرة، وفيها توفي عام (١٢١٦هـ) . علماء نجد خلال ستة قرون، ٣/٨٨٢-٨٨٦.
(٤) ابن عبد الوهاب.
(٥) أحكام الردة الصريحة: أ. وجوب قتل المرتد اتفاقًا. ب- زوال ملكه عن أمواله. ج. بينونة زوجته منه. د- لبا يرث ولا يورث. وغيرها. وتفاصيل في كتب الفروع.
[ ١ / ١٦٤ ]
والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر (١) كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية، وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة (٢) يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون فيه حكمها، وما يوجب الردة ويقتضيها، وينصون على الشرك. وقد أفرد ابن حجر (٣) هذه المسألة بكتاب سماه "الإعلام بقواطع الإسلام" (٤) .
وقد أظهر الفارسيان المذكوران، التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل وعادا إلى تلك المقالة، وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين. نعوذ بالله من
_________________
(١) انظر: أحكام المرتد لنعمان السمرائي، الصفحات: ٢١١، ٢٣٠،٢٦٥، ٢٨٢.
(٢) وقد تقدم بيان ذلك عند ذكر منهج السلف في التكفير، ص١٦١.
(٣) المذاهب المقلدة المشهورة في الأمة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
(٤) هو أحمد بن علي بن حجر الهيتمي، أبو العباس المكي، ولد بمصر سنة (٩٠٩هـ)، وأخذ عن علماء الأزهر، من مؤلفاته، الفتاوى الحديثية، وشرح المشكاة، والإعلام بقواطع الإسلام، وغيرها (ت ٩٧٤هـ) . انظر ترجمته: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، ٨/٣٧٠. وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين، لنعمان خير الدين بن الآلوسي البغدادي (١٣١٧هـ)، مطبعة المدني، ١٤٠هـ، ص٤٠. الأعلام، لخير الدين الزركلي، ط/٦، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ١٩٨٤م، ١/٢٣٤.
(٥) هذا الكتاب مُذيَّل لكتاب الزواجر، لابن حجر الهيتمي، وقد قسمه إلى ثلاثة فصول كالآتي: أ- في الألفاظ التي هي كفر. ب- فيما اختلف في التكفير به. ج- فيما يخشى على فاعله أو قائله الكفر.
[ ١ / ١٦٥ ]
الضلال بعد الهدى والحور بعد الكور (١)، وقد بلغنا عنكم / نحو (٢) / من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة (٣)، والمصالحة والمكاتبات وبذل الأموال والهدايات، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات.
والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزقه الله الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب.
والكلام في ذلك يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيرها لمن جهلها، وأعرض عنها وعن تفاصيلها؛ فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة موانع الخطاب وتفاصيله، يحصل به شيء من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن.
_________________
(١) هذا مثل. ومعنى الحور: بفتح الحاء المهملة وإسكان الواو، فراء: النقصان والرجوع، والكور: بفتح الكاف، وإسكان الواو: الزيادة. فمعنى قوله: "والحور بعد الكور" أي: نعوذ بالله من الرجوع بعد الاستقامة، والنقصان بعد الزيادة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ١/٤٥٨. ولسان العرب ٥/١٥-١٥٦. مادة (حور) . وريحانه الألبّا، ٢/٣٣٨.
(٢) في (أ) و(ج): نحوا.
(٣) معنى (الموالاة والمعاداة) جاء في لسان العرب، ١٥/٤٠٩ مادة (ولي): "قال ابن هوى فيواليه أو يحابيه، ووالى فلان فلانًا، إذا أحبه. والموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو. لسان العربي، ١٥٣٦. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، نشر مكتبة البيان، دمشق، توزيع مكتبة المؤيد، الطائف، طبعة عام ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م، ص٩.
[ ١ / ١٦٦ ]
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كافيته:
فعليك بالتفصيل والتبيين (١) فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا (٢) هذا الوجود وخبطا (٣) الأذهان والآراء كل زمان (٤)
وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفِّرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية (٥) المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب ﵁ أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى الأشعري (٦) وعمرو بن العاص، في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام (٧)، فأنكرت الخوارج (٨) عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا حكّمت
_________________
(١) في الكافية الشافية: (والتمييز) بدلًا من (والتبيين) .
(٢) في (د): أفسد.
(٣) في (د): خبط.
(٤) شرح القصيدة النونية، المسماة: الشافية الكافية للفرق الناجية، لابن قيم الجوزية،، شرح د. محمد خليل هراس، دار الفاروق للطباعة والنشر، ١/١٢٣.
(٥) الحرورية: قال ابن الأثير: طائفة من الخوارج، نسبوا إلى حروراء. وهو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيها. وهم إحدى فرق الخوارج الذي قاتلهم عليّ. النهاية لابن الأثير، ١/٣٦٦. وانظر: البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤هـ)، تحقيق د. أحمد أبو ملحم وجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/٥، ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م، م٧/ ٢٨٩،٢٩١. ومعجم البلدان، ٢/٢٤٥، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، بدون تاريخ، ٢/٣٥٠.
(٦) هو عبد الله بن قيس بن سليم، صاحب رسول الله ﷺ، فقيه مقرئ، أسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة، كان أحد الحكمين في الفتنة بين علي ومعاوية -﵄- توفي سنة (٤٤هـ) على الصحيح. انظر: سير الأعلام، ٢/٣٨٠.
(٧) وكانت الفتنة عام ٣٧هـ عُلمت بوقعة صفين. انظر: البداية والنهاية، ٧/٢٦٤،٢٦٨.
(٨) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ﵁ بسبب تحكيمه للرجلين (أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص) في الفتنة بينه وبين معاوية. قال أبو الحسن الأشعري: "والسبب الذي سموا له خوارج على عليّ بن أبي طالب". مقالات الإسلاميين، ١/٢٠٧.
[ ١ / ١٦٧ ]
الرجال في دين الله (١)، وواليت معاوية وعمرًا، وتوليتهما، وقد قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ (٢) وضربت المدة بينكم وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت (٣) (براءة) (٤) . وطال بينهم النزاع والخصام حتى غاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب عليّ (٥)، فحينئذٍ شمر لقتالهم، وقتلهم (٦) دون النهروان (٧) بعد الإعذار والإنذار،
_________________
(١) وهم منقسمون إلى فرق متعددة، عددها المصنفون في الفرق؛ كالأشعري في المقالات ١/١١٢-١٦٦؛ والبغدادي في الفرق بين الفرق، ص٧٢-١٠٩؛ والشهرستاني في الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، (ت ٤٧٩هـ)، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، ١/١٤-١٣٨. ومن أهم آرائهم الاعتقادية: * يجمعهم تكفيرهم عليًا وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبهما أو صوب أحدهما، أو رضي بالتحكيم. المقالات، ١/١٦٧. الفرق بين الفرق، ص٧٤. الحجة في بيان المحجة، ٢/٤٧٩. * تكفيرهم أهل الكبائر وتخليدهم في النار. وخالفهم النجدات منهم في القول بالخلود. المقالات، ١/١٦٨-٢٠٤.
(٢) ولذلك سموا أيضًا محكمة. انظر: المقالات ١/٢٠٧. والفرق بين الفرق، ص٧٤. والملل والنحل، ١/١١٥. والبداية والنهاية، ٧/٢٨٩.
(٣) سورة الأنعام، الآية (٥٧) .
(٤) في (أ)، و(د): نزلت.
(٥) وتسمى بسور التوبة. ولها العد من الأسماء. انظر: الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/١، ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م، ٨/ م،٨/٤٠. فتح القدير، الجامع بين فني الرواية الدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني (١٢٥٠هـ)، مكتبة الحلبي بمصر، ط/٢، ١٣٨٣هـ-١٩٦٤م، ٢/٣٣١.
(٦) وقد كان ضمن من قتلوهم: عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ، أسروه وامرأته معه، وهي حامل، فذبحوها. انظر: البداي والنهاية ٧/٢٩٨.
(٧) انظر قصة قتال عليّ ﵁ للخوارج في: البداية والنهاية، ٧/٢٩٩-٣٠٠.
(٨) النهروان: قال ياقوت: أكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون، وهي ثلاثة نهراوات، الأعلى، والأوسط والأسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط، من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد، وفيها عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف، وجرجرايا، والصافية، وديرقني، وغير ذلك. وكان بها وقعة أمير المؤمنين علي ﵁ مع الخوارج. معجم البلدان، ٥/٣٢٤-٣٢٥.
[ ١ / ١٦٨ ]
والتمس المخدج (١) المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن (٢) .
_________________
(١) المخدج: هو ناقص الخلق، يقال أخدج الردل صلاته، فهو مخدح وهي مخدجة. والخداج. النقصان، وأصل ذلك من خداج الناقة، إذا ولدت وزلدًا ناقص الخلق، أو لغير تمام. ومخدج اليد: أي ناقص اليد. انظر: النهاية لابن الأثير، ٢/١٣. ولسان العرب، ٢/٢٤٨، مادة (خدج) .
(٢) الحديث الذي ورد فيه التماس علي ﵁ للمخدج: عن سلمة بن كهيل، حدثني زيد بن وهب الجهني، أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي ﵁، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليّ ﵁ ": أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشي، ولا صيامكم إلى صيامكم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم، ما قُضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس، فسيروا على اسم الله» قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلًا حتى قال: "مررنا على قنطرة، فلما التقينا، وعلى الخوارج يومئذٍ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: "ألقوا رماحكم وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء". فرجعوا فوحشوا برماحهم، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم". قال: "وقُتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان. فقال علي ﵁": التمسوا فيهم المخدج"، فالتمسوه، فلم يجدوه. فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم بعضًا، قال: "أخروهم"، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: "صدق الله، وبلغ رسوله". قال: "فقام إليه عبيدة السليمان، فقال: "يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ، فقال: "إي والله الذي لا إله إلا هو"، حتى استحلفه ثلاثًا، وهو يحلف. أخرجه مسلم في صحيحه بشرح النووي، ٧/١٧٧-١٧٨، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، واللفظ له. وأبو داود في سننه، ١/٣٢، المقدمة، باب ذكر الخوارج (مختصرًا) . والإمام أحمد في مسنده، طبعة مؤسسة قرطبة، بها فهرس رواه المسند، لمحمد ناصر الدين الألباني، ١/٨٨، ١٤٠-١٤١. من طرق آخر. كلام علماء أهل السنة في الخوارج: أولًا: في وجوب قتالهم: يجمع العلماء على وجوب قتال الخوارج متى خرجوا على الإمام وخالفوا الجماعة. وقد نقل هذا الإجماع، الإمام النووي في شرح مسلم، ٧/١٧٥، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣/٢٨٢. ثانيًا: في تكفيرهم: ولهم في تكفيرهم قولان مشهوران، وهما روايتان عن الإمام أحمد -كما ذكره شيخ الإسلام في المجموع ٢٨/٥٠٠. وقد ذكر الإمام أحمد بن حجر في الفتح ١٢/٣١٣-٣١٥، أقوالهم وحجتهم في المسألة. والتحقيق هو القول بعدم تكفيرهم؛ لما نقله شيخ الإسلام من إجماع الصحابة على عدم تكفيرهم، وأنه لم يكن في الصحاب من يكفرهم، لا علي ولا غيره من الصحابة، بل حكموا فيهم بحكم المسلمين الظالمين المعتدين. انظر مجموع الفتاوى ٣/٢٨٢، ٥/٢٤٧، ٧/٢١٧.
[ ١ / ١٦٩ ]
فوجده علي، فسُرَّ بذلك وسجد شكرًا لله على توفيقه، وقال: "لو يعلم الذين يقاتلون ماذا (١) لهم على لسان محمد، لنكلوا عن العمل، هذا، وهم/من/ (٢) أكثر الناس عبادة /و/ (٣) صلاة وصومًا.
_________________
(١) من هنا "ماذا لهم " بداية نسخة (ب)، وما قبله ساقط.
(٢) ساقط في (جـ)، و(د)، والمطبوع.
(٣) الواو ساقط في جميع النسخ، مثبت في المطبوع.
[ ١ / ١٧٠ ]