بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة جامع الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين،/ (١) وعليه نتوكل ونعتمد، ولا حول ولا قوة إلا بالله /.
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فإن هذه الرسائل الساطعة المفيدة، والأجوبة القاطعة السديدة، قد اشتملت على أصول أصيلة، ومباحث جليلة، لا تكاد تجدها في كثير من الكتب المصنفة، والدواوين المشهورة المؤلفة، إذا سرح العالم النحرير إنسان نظره، في غوامض معانيها، وأسام (٢) ثاقب فكره في مطاوح (٣) مروجها ومبانيها، وورد من نمير (٤) معينها الصافي البحور الزاخرة، وارتوى من سلسال لطائف تلك المعارف والعلوم الفاخرة، علم أن هذا الإمام قد حاز قصب السبق في الفروع والأصول (٥)، واحتوى منها على ما سمق (٦) وسبق به الأئمة الفحول، وأنه قد أمّ إلى هام العلى فعلا ذُراها، وسما من العلوم النبوية إلى
_________________
(١) من هنا اختلاف في النسخ، ففي (أ) زيادة هنا: (على أمور الدنيا والدين، إنه هو المعين)، وفي (جـ): (وبه الثقة وعليه التكلان)، والمثبت من (د) .
(٢) أسام: أي أرعاها، يقال: سامت السائمة، وأسمتها، إذا خليتها ترعى. انظر: لسان العرب ١٢/٣١١ مادة (سوم) .
(٣) أصله من "طاح" إذا تاح في الأرض، وطوحه: أي توحه، وذهب به هاهنا وهاهنا، وطوح في البلاد: إذا رمى بنفسه ها هنا وها هنا، "والمطاوح": المقاذف. انظر: الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط/٢، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م، ١/٣٨٩. ولسان العرب، ٢/٥٣٥-٥٣٦ مادة (طوح) .
(٤) النمير: الكثير الناجع، فماء النمير: الكثير والناجع في الري. انظر: لسان العرب ٥/٢٣٦ مادة (نمر) . والمعنى: أي ورد معينًا كثير الماء ناجعًا.
(٥) أي في عصره.
(٦) سمق: أي طال، يقال سمق النبات، إذا طال. لسان العرب ١٠/٢٦٣، مادة (سمق) .
[ ١ / ١٥٥ ]
علالي معالمها وعلاها، فرحمة الله عليه من إمام بلتع (١)، وفاضل فصيح مصقع (٢)؛ فقد تبحر في جميع فنون العلوم، وبلغ شأو (٣) المتنبي (٤) في رصانة المنثور والمنظوم. وهذه رسائله تطلعك على ما هنالك، وثواقب
علومه يهتدي بها السائر عن سلوك معاطب المهالك (٥) .
فيا من هو العالي على كل خلقه وسوى السماوات العلى وبناها
وكان لها -سبحانه جل- ممسكًا بغير عماد في الوجود تراها
وزين أدناها بشهب ثواقب مصابيح في ديجورها (٦) ودجاها (٧)
وأطدّ بالأطواد (٨) أرضًا بسيطة وأحكمها -سبحانه- ودحاها
بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى أذقه من الفردوس طيب جناها
وأول الرضا هذا الإمام الذي له مآثر يزهو في الأنام سناها
وبوئه في الفردوس والخلد منزلًا وألبسه من أثوابها وحُلاها
فقد قام في نصر الشريعة جاهدًا ولم يأل جهدًا (٩) في ارتفاع ذراها
ورد على من ندّ من كل ملحد عن السنة الغرا ورام خفاها
وقد شُيِّدت أركان سنة أحمد رسائله اللاتي أضاء ضياها
_________________
(١) بلتع: تقدم ذكر معناه في ص٧٣.
(٢) مصقع: تقدم ذكر معناه في ص٧٣.
(٣) في جميع النسخ (شاوي)، ومعنى الشأو: الغاية والأمد. لسان العرب، ١٤/٤١٧. مادة (شأو) يريد أن الشيخ قد بلغ غاية المتنبي في نظم الشعر.
(٤) هو ذلك الشاعر المشهور: أحمد بن حسين بن حسن أبو الطيب الكوفي (ت ٣٥٤هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨هـ)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان. ط٧، ١٤١٠هـ-١٩٩٠م، ١٦/١٩٩.
(٥) هذه المقدمة ذكرها الشيخ إبراهيم بن عبيد في تذكرة أولي النهى والعرفان، ١/٢٢٣.
(٦) الديجور: الظلمة. لسان العرب، ٤/٢٧٨، مادة (دجر) .
(٧) الدجى: سواد الليل مع غيم. لسان العرب، ١٤/٢٤٩، مادة (دجا) .
(٨) جمع الطود، وهو الجبل العظيم. لسان العرب، ٣/٢٧٠. مادة (طود) .
(٩) في (د) جهد.
[ ١ / ١٥٦ ]
فأشرف منها الحق للخلق ناصعًا وأعشى عيون الملحدين سناها
وأجدر وأجوبة/ تسمو (١) / وتسمق بالهدى لأسئلة قد أشكلت فجلاها
يضئ لأهل الحق منها نواشر يفوح عبير المسك طيب شذاها
إذا أرسل النحرير ثاقب فكره يفيح معانيها وشأو ذُراها
أقرّ له بالفضل والعلم والحجا وإن قد تسامى للعلى فعلاها (٢)
وهذا نص الموجود من الرسالة (٣):
_________________
(١) في جميع النسخ (تسموا)، وفي المطبوع المثبت.
(٢) القصيدة لجامع الرسائل، الشيخ سليمان بن سحمان، وقد وردت في الدرر السنية، ١٢/٧٢، وأوردها أيضا الشيخ إبراهيم بن عبيد في تذكرة أولي النهى والعرفان، ١/٢٢٣
(٣) كلام جامع الرسائل هنا يوهم أن الرسالة ناقصة، وأنه هنا يذكر الجزء الموجود منها، لكن الرسالة كاملة.
[ ١ / ١٥٧ ]