_________________
(١) ١ وردت هذه المسألة في الدرر السنية ١٠/٩٥. ٢ سورة يونس الآية (٦٦) .
[ ١ / ٣٣٠ ]
فقد أشكل معناها على كثير من المفسرين، فزعموا أن المعنى: نفي أتباعهم شركاء، فجعلوا "ما" نافية، و"شركاء" مفعول يتبع، أي لم يتبعوا في الحقيقة شركاء، بل هم عباد مخلوقون مربوبون، والله هو الإله الحق لا شريك له١.
وأما ابن جرير -﵀- فقرر أن "ما" في هذا المحل استفهامية، لا نافيه. قال -﵀-: (ومعنى الكلام: أي شيء يتبع من يقول: لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبًا والله المتفرد بملك كل شيء في سماء كان أو في أرض، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ٢ يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك [ودعواهم] ٣ (إلا الظن) يقول: إلا الشك، لا اليقين. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾ ٤ انتهى٥.
وقال شيخ الإسلام٦ -﵀- ظن طائفة أن "ما" هاهنا نافية، وقالوا: ما يدعون من دون الله شركاء في الحقيقة، بل هم غير شركاء، وهذا خطأ، ولكن "ما" هاهنا حرف استفهام، والمعنى: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، فشركاء مفعول يدعون، لا مفعول يتبع؛ فإن المشركين يدعون من دون الله شركاء، كما أخبر عنهم بذلك في غير موضع٧
_________________
(١) ١ وممن فسر الآية بذلك: الزمخشري في الكشاف ٢/٢٤٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/٢٣٠ والشوكاني في فتح القدير ٢/٤٦٠، وانظر تفسير القاسمي ٩/٣٣٧٧. ٢ سورة يونس الآية (٦٦) . ٣ ما بين المقوفتين ساقط في جميع النسخ، وهو موجود في أصل النص في تفسير الطبري. ٤ سورة يونس (٦٦) . ٥ جامع البيان للطبري ١١/١٣٩. ٦ هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام أبو العباس تقي الدين، شيخ الإسلام ابن تيمية، ولد عام (٦٦١هـ) وتوفي عام (٧٢٨هـ) . انظر ترجمته: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦، البدر الطالع ١/٦٣، الأعلام للزركلي ١/١٤٤. ٧ من المواضع التي أخبر الله تعالى عنهم بذلك: أ- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر: من الآية٤٠] . ب- وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: من الآية٨٦] .
[ ١ / ٣٣١ ]
فالشركاء موصوفون في القرآن بأنّهم يُدعَون من دون الله، ولم يوصوفوا بأنّهم يُتَّعون، فإنَّما يُتَّبع الأئمة الذين كانوا يدعون هذه الآلهة١، ولهذا قال بعد هذا: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٢. ولو أراد أنهم ما يتبعون في الحقيقة شركاء، لقال: إن يتبعون إلاّ من ليسوا بشركاء، بل هو استفهام، يبيّن أنّ المشركين الذين دَعَوا من دون الله شركاء، ما اتبعوا إلاّ الظنّ، ما اتبعوا علمًا، فإنّ المشرك لا يكون معه علم مطابق، وهو فيه ما يتبع إلاّ الظنّ، وهو الخرص والحرز، وهو كذب وافتراء، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ٣.٤
_________________
(١) ١ وهؤلاء أئمة سوء، الذين يدعون إلى النار، كما أخبر الله تعالى عن فرعون وجنوده، لما طغى وقال لقومه: ما علمت لكم من إله غيري، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] . ٢ سورة يونس الآية (٦٦) . ٣ سورة الذاريات الآية (١٠) . ٤ إلى هنا نهاية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، في المجموع ١٥/٦١، وفي التفسير الكبير، له أيضًا، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨م ٤/٣٩٣ وقد أورده المصنف بألفاظه، يتخللها زيادات من المصنف بقصد الشرح والإيضاح.
[ ١ / ٣٣٢ ]