وقوله في حديث أبي موسى٣: " حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه٤ /ما انتهى إليه بصره من خلقه /٥ ٦،
_________________
(١) ١ وردت هذه المسألة في الدرر السنية ٣/٣٤٣-٣٤٥. ٢ تقدم تخريجه في هامش رقم (٦) من ص ٣٣٣. ٣ تقدم ترجمته ص ١٦٧. ٤ سبحات وجهه: نوره وجلاله وعظمته وبهاؤه. النهاية لابن الأثير ٢/٣٣٢، شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٧. ٥ ساقط في (ج) و(د) . وفي (ب) سقط كلمة (من خلقه) . ٦ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٦-١٧، الإيمان باب إنّ الله لا ينام، من طريق أبي معاوية، سنن ابن ماجة ١/٣٨، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، مسند الإمام أحمد ٤/٤٠١. وأول الحديث: (إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يحفظ القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقول السائل: هل يفسر بهذا النور /أو/١ لا"؟
فالجواب:
إنّ النور يضاف إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف، ويضاف إليه إضافة المفعول إلى فاعله، كما أشار إليه العلامة ابن القيم –﵀- في نونيته٢. وما في دعائه ﷺ مخرجه من الطائف، من الأول بلا ريب٣، فهو صفة ذات، ولذلك تسمى تعالى وتقدس بهذا الاسم الأنفس.
وأما ما في حديث أبي موسى من ذكر السبحات المضافة إلى وجه الله، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، على ما يأتي تفسيره.
وأما قوله: (حجابه النور)، فقد ذكر السيوطي٤ وغيره في الحجب آثارًا عن السلف، تدل على أن الله سبحانه احتجب بحجب من نور، مخلوقة له.٥
وكلام صاحب الكافية الشافية يشير إلى إليه، لأنه عطفه في الذكر على ما تقدم من
_________________
(١) ١ في (د): أم. ٢ انظر الكافية الشافية ٢/٢٣٧. ٣ أي قوله ﷺ (نور وجهك) من إضافة الصفة لموصوفها. ٤ هو عبد الرحمن ابن بكر ابن محمد، جلال الدين أبو الفضل السيوطي الشافعي، مشارك في أنواع من العلوم، من مؤلفاته: الدر المنثور (في التفسير) المزهر (في اللغة) حسن المحاضرة وغيرها. (ت ٩١١هـ) . البدر الطالع ١/٣٢٨؛ شذرات الذهب ٨/٥١؛ معجم المؤلفين ٥/١٢٨. ٥ انظر: الهيئة السَّنيَّة في الهيئة السُّنيّة، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت٩١١هـ) مخطوط بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، برقم (١١٩٦) خطي ص ٥-٦، ومن بين ما ذكره السيوطي في الهيئة قال: أ - أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد عن ابن عمر، ومن طريق آخر عن مجاهد قال: (إنّ بين العرش وبين الملائكة سبعين ألف حجاب، حجاب من نار وحجاب من ظلمة وحجاب من نور وحجاب من ظلمة) . ب - وأخرج أبو الشيخ عن زرارة بن أبي أوفى، (أنّ النبي ﷺ سأل جبريل: هل رأيت ربّك، فانتفض وقال: إنَّ بيني وبينه سبعين ألف حجابًا من نور، لو دنوت من أدناها لأحرقت) الهيئة السنية ص٥.
[ ١ / ٣٣٥ ]
أوصاف الذات١. والأصل في العطف أن يكون في المغايرة٢.
وقال٣ في الجيوش الإسلامية: والله ﷾ سمى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله ﷺ نورًا، ودينه نورًا، واحتجب من خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية٤، وقد فسِّر بكونه مُنَوِّرُ السموات والأرض٥. وهذا إنما هو فعل، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه، قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. فالنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصفها، وإضافة فعل٦ إلى فاعله. فالأول كقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ٧، إذا جاء لفصل القضاء.
ومنه قوله ﷺ في الدعاء المشهور: " أعوذ بنور وجهك الكريم أن /تضلَّني/٨ لا إله إلا أنت" ٩.
_________________
(١) ١ الكافية الشافية ٢/٢٣٧-٢٣٨، ٢٤٠. ٢ وهذا ما يعبر عنه النحاة بقولهم: العطف يقتضي المغايرة. ٣ أي الإمام ابن القيم. ٤ سورة النور الآية (٣٥) . ٥ قد فسّره بذلك الإمام الشوكاني في فتح القدير ٤/٣٢، قال: ويدل على هذا المعنى قراءة زيد ابن علي، وأبي جعفر وعبد العزيز المكي (الله نوّر السموات والأرض) على صيغة الفعل الماضي، أي صيّرهما منيرتين باستقامة أحوالها أهلها وكمال تدبيره ﷿ لمن فيهما. ٦ هكذا في جميع النسخ، وفي أصل النص –في اجتماع الجيوش-: (إضافة مفعول ) والأول أولى. ٧ سورة الزمر الآية (٦٩) . ٨ في (د): تظلني، وهو خطأ. ٩ لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ، وإنما وجدت عند البخاري ومسلم والإمام أحمد لفظ: " أعوذ بعزتك أن تضلّني لا إله إلا أنت" فلعل الإمام ابن القيم –﵀- أراد هذه الرواية. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٣٨١، التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ وصحيح مسلم بشرح النووي ١٧/٤٣، الذكر باب التعوّذ من شر ما عمل ؛ وجامع الأصول في أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير (ت٦٠٦هـ)، تحقيق عبد القادر أرنؤوط، مكتبة الحلبوني وغيره، طبعة عام ١٣٩٠هـ-١٩٧٠م ٤/٣٦٢. مسند الإمام أحمد ١/٣٠٢.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وفي الأثر الآخر: " أعوذ بوجهك أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات "١ فأخبر ﷺ أن الظلمات أشرقت بنور وجه الله؛ كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره٢.
وفي معجم الطبراني٣ والسنة له، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي٤ /وغيرها/٥ عن ابن مسعود٦ ﵁: ليس عند ربكم ليلٌ ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه) ٧.
وهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أقرب إلى تفسير الآية، من قول من
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٣٤. ٢ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩] . ٣ الطبراني هو: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، أبو القاسم الطبراني، له مصنفات، منها: المعاجم الثلاثة (الكبير والأوسط والصغير) (ت٣٦٠هـ) . النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ليوسف بن تغر الأتابكي (ت٨٧٤هـ)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصر، طبعة دار الكتب المصرية ٤/٥٩؛ تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢-٩١٧. ٤ هو عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني (أبو سعيد) محدث هراة، له تصانيف في الرد على الجهمية، ومسند كبير، (ت٢٨٠هـ) . انظر ترجمته: تذكرة الحفاظ ٢/٦٢١؛ كتاب الثقات، للحافظ محمد بن حبان بن أحمد بن حاتم (ت٩٦٥هـ) نشر مؤسسة الكتب الثقافية، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر أباد، الدكن، الهند، ط/١، ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م، ٨/٤٥٥. ٥ في جميع النسخ: (وغيرهما) . وفي اجتماع الجيوش الإسلامية –أصلهذا الكلام- (وغيرها) وهو الصواب. ٦ هو عبد الله بن مسعود، صحابي (ت٣٢هـ) بالمدينة ودفن بالبقيع. أسد الغابة ٣/٣٨٤. سير الأعلام ١/٤٦١. ٧ رواه الطبراني في المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة الوطن العربي، ط/١،١٤٠٠ هـ-١٩٨٠م، ٩/٢٠٠ رقم (٨٨٨٦) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٨٥ (وفيه عبد السلام، قال أبو حاتم: مجهول. وقد ذكره ابن حبان في الثقاة، وعبد الله بن مكرز أو عبيد الله –على الشك لم أره) . والحديث ورد في مجموع الفتاوى ٢/١٨٩، و٦/٣٩١، بلفظ: (إن ربكم ليس عنده ) .
[ ١ / ٣٣٧ ]
فسرها أنه هادي أهل السموات والأرض١. وأما من فسّرها بأنه منوِّر السموات والأرض، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلِّها. وفي صحيح مسلم٢ وغيره من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" ٣ فذكرها. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر٤ ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك قال: " /نورٌ/٥ أنّى أراه" ٦.
قال شيخ الإسلام: معناه: كان ثَمَّ /نورٌ/٧، وحال دون رؤيته نورٌ، /و/٨ أنّى أراه. قال: ويدل عليه أن في بعض الألفاظ الصحيحة: هل رأيت ربك ﷿ قال: (رأيت نورًا) ٩.
وذكر الكلام في الرؤية ثم قال: ويدل على صحة١٠ ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر:
_________________
(١) ١ فسّرها بذلك ابن عباس، انظر جامع البيان للطبري ١٨/١٣٥، وتفسير ابن كثير ٣/٣٠٠. ٢ هو مسلم بن الحجاج الحافظ، صاحب الصحيح. تاريخ بغداد ١٣/١٠٠، تذكرة الحفاظ ٢/٥٨٨. ٣ تقدم تخريجه ص ٣٣٤. ٤ هو جندب بن جنادة، أبو ذر الغفاري، وقيل في اسمه غير ذلك، أحد السابقين الأولين، من نجباء الصحابة، (ت٣٢هـ) بالربذة. الاستيعاب ١/١٦٩؛ أسد الغابة ١/٣٥٧. ٥ في (أ) و(ج): نورًا. ٦ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٥، الإيمان باب قوله ﷺ " نورٌ أنى أراه"؛ سنن الترمذي ٥/٣٦٩، التفسير، باب من سورة النجم. قال الترمذي: هذا حديث حسن، مسند الإمام أحمد ٥/١٧١. ٧ في جميع النسخ نورًا، عدا المطبوع. ٨ في (د): أو. وفي أصل النص –في اجتماع الجيوش -: (فأنى) بدل (وأنى) . ٩ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٥، الإيمان، باب قوله ﷺ " نور أنى أراه". ١٠ في (أ) و(د): (صحته) .
[ ١ / ٣٣٨ ]
" حجابه نور" ١. فهذا النور هو -والله أعلم- النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه٢ رأيت نورًا" ٣.٤
أمّا السبحات: فهو نور الذات المقدسة العليّة، وهو النور الذي استعاذ به ﷺ وكلامه فيه إيماء إلى أنه تعالى احتجب بهذا النور المذكور، وهو الذي حجبه ﷺ عن رؤية الباري تعالى وتقدس، وهو النور الذي رآه ﷺ كما تقدم في حديث أبي ذر " رأيت نورًا "٥. وقد احتجب سبحانه
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في ص٣٣٨، أوله (إنّ الله ﷿ لا ينام ) . ٢ الترضي ساقط في (ب) و(ج) و(د) والمطبوع. ٣ تقدم تخريجه هامش (٩) من الصفحة السابقة. ٤ إلى هنا انتهى كلام الإمام ابن القيم –﵀- في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١١-١٣، بتصرف. ٥ تقدم تخريجه في الصفحة السابقة (٣٣٨) . *مسألة: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج: ذهب أهل السنة في هذه المسألة مذهبان: أولهما: مذهب جمهور أهل السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ذهبوا إلى أنه ﷺ لم ير ربّه ليلة المعراج. ونقل عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه "الرد على الجهمية" صفحة ٥٤، إجماع الصحابة على ذلك. ومن أدلتهم على ذلك: أ - حديث مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهنّ، فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هنّ، قالت: من زعم أنّ محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجلي، ألم يقل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: إنّما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: أولم تسمع أنّ الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، أولم تسمع أنّ الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ الحديث. [صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٠-١١، الإيمان باب معنى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، البخاري مع الفتح ٨/٤٧٢، التفسير، باب حدثنا يحيى] . والحديث يدل على عدم رؤيته ﷺ ربه ليلة المعراج. وثانيهما: وهو لجماعة من السلف منهم ابن عباس وعروة بن الزبير، والزهري وغيرهم، ذهبوا إلى أنّ النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج. وعمدة هذا القول: رواية ابن عباس قال: " أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد" [ذكره النووي في شرح مسلم ٣/٨، وورد في فتح الباري ٨/٤٧٢-٤٧٣] وهذه الرواية مطلقة في الرؤية، وتدل على رؤيته ﷺ ربه. ولكن يعارضها النافون للرؤية برواية أخرى عن ابن عباس، وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال رآه بفؤاده مرتين) [صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٨] . فهذه رواية مقيدة للرؤية التي كانت من النبي ﷺ لربِّه جل وعلا، فهنا يجب حمل المطلق على المقيد بالفؤاد، وعلى هذا فرأي ابن عباس في الرؤية، إنما هي بالقلب لا بالبصر، وبه يكون قوله مشابهًا بقول الجمهور، وهو الراجح، والله أعلم. انظر المسألة في: فتح الباري ٨/٤٧٤، شرح صحيح مسلم للنووي ٣/٧، تفسير ابن كثير ٤/٢٦٧، زاد المعاد لابن القيم ٢/٤٨، والإسراء والمعراج، لمحمد ابن أبي شهبة، مكتبة دار الثقافة للنشر، ط/٢، ١٤٠٨هـ القاهرة، ص ٦٥-٦٨، والحجة في بيان المحجة ١/٥٠٦-٥١٠.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وتعالى بحجب عن خلقه من نور ومن غيره، كما ذَكَرَ في آثار مرويّة عن السلف جمعٌ كثيرٌ، منهم السيوطي في كتاب الهيئة السنيّة١. وإذا فُسِّرَت السبحات بأنوار وجهه الكريم، جازت الاستعاذة بها لأنها وصف ذات٢. ويؤيد ما أومأ إليه ابن القيم –﵀- قول ابن الأثير٣
_________________
(١) ١ هو كتاب مخطوط، وقد تقدم ذكره، وذكر بعض ما ورد فيه في هامش ص ٣٣٥. ٢ ولذلك استعاذ بها الرسول ﷺ في دعائه " أعوذ بنور وجهك " المتقدم ص (٣٣٤) عند عودته من الطائف. ٣ هو المبارك بن محمد بن عبد الكريم، أبو السعادات الجزري، المعروف بابن الأثير، هو مع والده من أهل جزيرة ابن عمر، وهناك ولد عام ٥٤٤هـ، له تصانيف منها: جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث والأثر، وغيرها. (ت٦٠٦هـ) . معجم الأدباء ١٧/٧١؛ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/٣٦٦؛ سير الأعلام ٢١/٢٨٩.
[ ١ / ٣٤٠ ]
/سُبُحات١ الله: جلاله وعظمته/٢، وهي في الأصل جمع سُبحة؛ وقيل: /أضواء/٣ وجهه. وقيل سُبحات الوجه: محاسنه، وقيل معناه: تنزيه له، أي /سبحان/٤ وجهه، وقيل إنَّ سبحات /وجهه/٥ كلام معترض بين الفعل والمفعول، أي لو كشفها لأحرقت كل شيء /أبصرت٦/.٧
قلت: يريد أن السبحات هي النور الذي احتجب به، ولذلك قال: لو كشفها.
قال: وأقرب من هذا، أنّ المعنى: لو انكشف من أنوار الله تعالى التي تحجب العباد شيءٌ، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خرّ موسى ﵇ صعقًا، وتقطّع الجبل دكًا٨ لمّا تجلّى الله تعالى٩.
ففي كلام ابن الأثير ما يدل على أنّ الحجاب نفس أنوار الذات، فتأمّله١٠، وذكر ابن الأثير وغيره أن جبريل ﵇ قال: لله دون العرش سبعون حجابًا، لو دنونا من /أحدها/١١ لأحرقت سبحات وجهه١٢. انتهى.
_________________
(١) ١ في (د): السبحات. ٢ في جميع النسخ: (سبحات الله ﷻ: عظمته) . بزيادة لفظ (جلَّ) وحذف الواو العاطفة العظمة على الجلال. وما أثبتُّه هو الذي في الأصل عند ابن الأثير في النهاية، ٢/٣٣٢. ٣ هكذا في الأصل عند ابن الأثير. وفي جميع النسخ: (ضوء) . ٤ هكذا في النهاية والمطبوع (سبحان وجهه) وهو الصواب، إذ المراد بيان التنزيه، وفي جميع النسخ (سبحات وجهه) . ٥ في (ب) و(ج) والمطبوع: الوجه. ٦ في الأصل عند ابن الأثير في النهاية: (أدركه بصره) . ٧ النهاية لابن الأثير ٢/٣٣٢. ٨ أخبر ﷾ بذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [لأعراف:١٤٣. ٩ النهاية لابن الأثير ٢/٣٣٢. ١٠ وهذا ما تفيده الآثار المروية عن السلف، كما تقدم ذكر بعضها فيما نقلناه عن السيوطي في الهيئة السَّنيّة، وذلك في ص ٣٣٥. ١١ في (د): أحدهما. وهو خطأ والصواب ما أثبته، كما هو عند ابن الثير في النهاية. ١٢ النهاية لابن الأثير ٢/٣٣٢، واللفظ عنده: ( لو دنونا من أحدها لأحرقنا سبحات وجه ربنا ".وورد هذا الأثر في الهيئة السَّنيَّة للسيوطي ص٥. وقد تقدم ذكره في ص٣٣٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
ومقتضى ما قال القرطبي في حديث أبي موسى (حجابه النور أو النار) ١: وأن هذا حجاب منفصل عن نور الذات، لكنه يجري في هذه المباحث على طريقة المتكلمين فيما جاء في هذا الباب من صفات الكمال ونعوت الجلال٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص٣٣٤. ٢ انظر مقتضى كلام القرطبي هذا في التذكرة بأحوال الموتى والآخرة ص٥٩٠، حيث قال: (فيكشف الحجاب) فمعناه: فيرفع الموانع من الإدراك عن أبصارهم حتى يروه على ما هو عليه) . التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن أبي بكر بن فرج الأنصاري القرطبي (٦٧١هـ) تحقيق د. أحمد حجازي السقا، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، طبعة مصر ١٤٠٠هـ، ١٩٨٠م، ج٢/٥٩٠.
[ ١ / ٣٤٢ ]