فأجاب قائلًا: نعم قد يخفف لأن النبي ﷺ، مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ» أو قال: «لا يستتر من البول، وأما الآخر
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (١٣٧٤)، ومسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة (٢٨٧٠) .
[ ١١٠ ]
فكان يمشي بالنميمة» ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة وقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (١) وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟
١- قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم تيبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرعوا على هذا العلة المستنبطة -التي قد تكون مستبعدة- أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبح عنها من أجل أن يخفف عنها.
٢- وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين لقوله -تعالى-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: من الآية٤٤) وقد سمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول ﷺ، مع أن الحصى يابس، إذن ما العلة؟
العلة: أن الرسول ﷺ، ترجى من الله -﷿- أن يخفف عنهما العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني أن المدة ليست طويلة، وذلك من أجل التحذير عن فعلهما، لأن فعلهما كبير كما جاء في الرواية «بلى إنه كبير» أحدهما لا يستبرئ من البول، وإذا لم يستبرئ من البول صلى بغير طهارة، والآخر يمشي بالنميمة يفسد بين عباد الله -والعياذ بالله- ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة تحذيرًا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز باب عذاب القبر من الغيبة والبول (١٣٧٨)، ومسلم كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (٢٩٢)
[ ١١١ ]
للأمة لا بخلًا من الرسول ﷺ بالشفاعة الدائمة.
ونقول استطرادًا: إن بعض العلماء -عفا الله عنهم- قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدًا ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولًا: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي ﷺ.
ثانيًا: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب، وما يدرينا فلعله ينعم، ولعل هذا الميت ممن من الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العبادة عنه، وحينئذ لا يستحق عذابًا.
ثالثًا: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله فما فعل هذا أحد من الصحابة -﵃- فما بالنا نحن نفعله.
رابعًا: أن الله -تعالى- قد فتح لنا ما هو خير منه فكان النبي -﵊- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل (١)
***