الجواب: الوسط في الدين أن لا يغلو الإنسان فيه فيتجاوز ما حد الله -﷿- ولا يقصر فيه فينقص عما حد الله -﷾-.
الوسط في الدين أن يتمسك بسيرة النبي ﷺ، والغلو في الدين أن يتجاوزها، والتقصير أن لا يبلغها
مثال ذلك: رجل قال أنا أريد أن أقوم الليل ولا أنام كل الدهر، لأن الصلاة من أفضل العبادات فأحب أن أحيي الليل كله صلاة فنقول: هذا غالٍ في دين الله وليس على حق، وقد وقع في عهد النبي ﷺ مثل هذا، اجتمع نفر فقال بعضهم: أنا أقوم ولا أنام، وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أنا لا أتزوج
[ ٢٦ ]
النساء، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال ﵊: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) . فهؤلاء غلوا في الدين وتبرأ منهم الرسول ﷺ، لأنهم رغبوا عن سنته ﷺ، التي فيها صوم وإفطار وقيام ونوم، وتزوج نساء.
أما المقصر: فهو الذي يقول لا حاجة لي بالتطوع فأنا لا أتطوع وآتي بالفريضة فقط، وربما أيضًا يقصر في الفرائض فهذا مقصر.
والمعتدل: هو الذي يتمشى على ما كان عليه الرسول ﷺ، وخلفاؤه الراشدون.
مثال آخر: ثلاثة رجال أمامهم رجل فاسق، أحدهم قال: أنا لا أسلم على هذا الفاسق وأهجره وأبتعد عنه ولا أكلمه.
والثاني يقول: أنا أمشي مع هذا الفاسق وأسلم عليه وأبش في وجهه وأدعوه عندي وأجيب دعوته وليس عندي إلا كرجل صالح.
والثالث يقول: هذا الفاسق أكرهه لفسقه وأحبه لإيمانه، ولا أهجره إلا حيث يكون الهجر سببًا لإصلاحه، فإن لم يكن الهجر سببًا لإصلاحه بل كان سببًا لازدياده في فسقه فأنا لا أهجره.
فنقول الأول مفرط غالٍ -من الغلو- والثاني مفرط مقصر، والثالث متوسط.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب باب من لم يواجه الناس بالعتاب (٦١٠١)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (١٤٠١) .
[ ٢٧ ]
وهكذا نقول في سائر العبادات ومعاملات الخلق، الناس فيها بين مقصر، وغالٍ، ومتوسط.
ومثال ثالث: رجل كان أسيرًا لامرأته توجهه حيث شاءت لا يردها عن إثم ولا يحثها على فضيلة، قد ملكت عقله وصارت هي القوامة عليه.
ورجل آخر عنده تعسف وتكبر وترفع على امرأته لا يبالي بها وكأنها عنده أقل من الخادم.
ورجل ثالث وسط يعاملها كما أمر الله ورسوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: الآية٢٢٨) «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر» (١) . فهذا الأخير متوسط، والأول غالٍ في معاملة زوجته، والثالث مقصر. وقس على هذه بقية الأعمال والعبادات.
***