الجواب: أولًا: ليلة مولد الرسول ﷺ ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول، وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية.
ثانيًا: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضًا لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي ﷺ، أو بلغه لأمته، ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظًا لأن الله تعالى يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) فلما لم يكن شيء من ذلك
[ ١٧٢ ]
أن نتعبد به لله -﷿- ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى قد وضع للوصول إليه طريقًا معينًا وهو ما جاء به الرسول ﷺ، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله -﷿- أن نشرع فيدينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله -﷿-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (المائدة: من الآية٣) فنقول هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجودًا قبل موت الرسول ﵊، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: من الآية٣) ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول ﷺ، فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول ﵊ إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول ﵊، وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي ﷺ، وكل هذا من العبادات، محبة الرسول ﵊ عبادة، بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى الإنسان من نفسه
وولده ووالده والناس أجمعين، وتعظيم الرسول ﵊ من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي ﷺ من الدين أيضًا، لما فيه من الميل إلى شريعته، إذن فالاحتفال بمولد النبي ﷺ من أجل التقرب على الله وتعظيم رسوله ﷺ عبادة، وإذا كن عبادة فإنه لا يجوز أبدًا أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا
[ ١٧٣ ]
الاحتفال من المنكرات العظيمة ما لا يقره شرع، ولا حس، ولا عقل، فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول عليه الصلة والسلام، حتى جعلوه أكبر من الله -والعياذ بالله- ومن ذلك أيضًا أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلى التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله «ولد المصطفى» قاموا جميعًا قيام رجل واحد يقولون إن روح الرسول ﷺ حضرت فنقوم إجلالًا لها وهذا سفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول ﷺ كان يكره القيام له، وأصحابه وهم أشد الناس حبًا له وأشد منا تعظيمًا للرسول ﷺ، لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟
وهذه البدعة -أعني بدعة المولد- حصلت بعد مضي القرون الثلاثة المفضلة، وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين، فضلًا عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات.
***