الجواب: استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية أخشى أن يكون من المشاقة لرسول الله ﷺ، حيث صح عنه كما في صحيح البخاري أنه قال في مرض موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١) وفي صحيح مسلم أنه قال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا» (٢) .
لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلمًا يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يمنحوا إقامة مطلقة.
وحيث قلنا جائز فإنه إن ترتب على استقدامهم مفاسد دينية في العقيدة أو الأخلاق صار حرامًا، لأن الجائز إذا ترتب عليه مفسدة صار محرمًا تحريم الوسائل كما هو معلوم. ومن المفاسد المترتبة على ذلك ما يخشى من محبتهم والرضا بما هم عليه من الكفر، وذهاب الغيرة الدينية بمخالطتهم. وفي المسلمين -ولله الحمد- خير وكفاية، نسأل الله الهداية والتوفيق.
***
س٩٩: فضيلة الشيخ: يدعي بعض الناس، أن سبب تخلف المسلمين هو تمسكهم بدينهم. وشبهتهم في ذلك، أن الغرب لما تخلوا عن جميع الديانات وتحرروا منها، وصولا إلى وصلوا إليه من التقدم الحضاري، وربما أيدوا شبهتهم بما عند
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة (٣٠٥٣) .
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (١٧٦٧) .
[ ١٨٧ ]
الغرب من الأمطار الكثيرة والزروع فما رأي فضيلتكم؟
الجواب: هذا الكلام لا يصدر إلا من ضعيف الإيمان، أو مفقود الإيمان، جاهل بالتاريخ، غير عالم بأسباب النصر، فالأمة الإسلامية لكما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كان لها العزة والتمكين، والقوة، والسيطرة في جميع نواحي الحياة، بل إن بعض الناس يقول: إن الغرب لم يستفيدوا ما استفادوه من العلوم إلا ما نقوله عن المسلمين في صدر الإسلام، ولكن الأمة الإسلامية تخلفت كثيرًا عن دينها، وابتدعت في دين الله ما ليس منه، عقيدة، وقولًا، وفعلًا، وحصل بذلك التأخر الكبير، والتخلف الكبير، ونحن نعلم علم اليقين ونشهد الله -﷿- إننا لو رجعنا إلى ما كان عليه أسلافنا في ديننا، لكانت لنا العزة، والكرامة، والظهور على جميع الناس. ولهذا لما حدث «أبو سفيان» «هرقل» ملك الروم -والروم في ذلك الوقت تعتبر دولة عظمى- بما عليه الرسول -﵊- وأصحابه. قال: «إن كان ما تقول حقًا فسيملك ما تحت قدمي هاتين» . ولما اخرج أبو سفيان وأصحابه من عند «هرقل»، قال: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر» .
وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه، لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم، بل قال الله -تعالى-: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ
[ ١٨٨ ]
اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (لأنفال: من الآية٦٠) وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (الملك: من الآية١٥) وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: من الآية٢٩) إلى غير ذلك من الآيات التي تعلم إعلانًا ظاهرًا للإنسان أن يكتسب ويعمل وينتفع، لكن لا على حساب الدين، فهذه الأمم الكافرة هي كافرة من الأصل، دينها الذي كانت تدعيه دينٌ باطلٌ، فهو وإلحادها على حد سواء، لا فرق. فالله -﷾- يقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: من الآية٨٥) . وإن كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم بعض المزايا التي يخالفون غيرهم فيها، لكن بالنسبة للآخرة هم وغيرهم سواء، ولهذا أقسم النبي ﷺ، أنه لا يسمع به من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يتبع ما جاء به إلا كان من أصحاب النار، فهم في الأصل كافرون، سواء انتسبوا إلى اليهودية، أو النصرانية، أم لم ينتسبوا إليها.
وأما ما يحصل لهم من الأمطار وغيرها فهم يصابون بهذا ابتلاء من الله -تعالى- وامتحانًا، وتعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، كما قال النبي -﵊- لعمر بن الخطاب، وقد رآه قد أثر في جنبه حصير، فبكى عمر. فقال: يا رسول الله فارس والروم يعيشون فيما يعيشون فيه من النعيم، وأنت على هذه الحال. فقال: «يا عمر هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة» (١) . ثم إنهم
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، بالغرفة والعلية المشرفة (٢٤٢٨)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء (١٤٧٩) .
[ ١٨٩ ]
يأتيهم من القحط، والبلايا، والزلازل، والعواصف المدمرة ما هو معلوم، وينشر دائمًا في الإذاعات، وفي الصحف، وفي غيرها، ولكن من وقع السؤال عنه أعمى، أعمى الله بصيرته فلم يعرف الواقع، ولم يعرف حقيقة الأمر، ونصيحتي له أن يتوب إلى الله -﷿- عن هذه التصورات قبل أن يفاجئه الموت، وأن يرجع إلى ربه، وأن يعلم أنه لا عزة لنا، ولا كرامة، ولا ظهور، ولا سيادة إلا إذا رجعنا إلى دين الإسلام، رجوعًا حقيقيًا يصدقه القول والفعل، وأن يعلم أن ما عليه هؤلاء الكفار باطل ليس بحق، وأن مأواهم النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وأن هذا الإمداد الذي أمدهم الله به من النعم ما هو إلا ابتلاء وامتحان وتعجيل طيبات، حتى إذا هلكوا وفارقوا هذا النعيم إلى الجحيم ازدادت عليهم الحسرة والألم والحزن، وهذا من حكمة الله -﷿- بتنعيم هؤلاء، على أنهم كما قلت لم يسلموا من الكوارث التي تصيبهم من الزلازل، والقحط، والعواصف، والفيضانات وغيرها، فأسأل الله لمن وقع عنه السؤال الهداية والتوفيق، وأن يرده إلى الحق وأن يبصرنا جميعًا في ديننا إنه جواد كريم.
***