س إن الله ﷾ قد خلق لنا كراما كاتبين، يكتبون كل ما نقول ونسمع. فما الحكمة من خلقهم، مع العلم أن الله ﷾ يعلم ولا يخفى عليه ما نُسر وما نعلن؟
ج أولا مثل هذه الأمور قد ندرك حكمتها وقد لا ندرك، فإن كثيرًا من الأشياء لا نعلم حكمتها كما قال الله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا﴾ . فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه، وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه، وما أشبه ذلك. ولو سألنا عن الحكمة في أن الله ﷿ جعل صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، وصلاة العشاء أربعًا. وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعرف الحكمة في ذلك، إذ قد يقول قائل لماذا لم تجعل ثمانية أو ستة؟ وبهذا علمنا أن كثيرًا من الأمور الكونية، وكثيرًا من الأمور الشرعية تخفى علينا حكمتها. وإذا كان كذلك فإنا نقول إن التماسنا للحكمة
[ ١ / ٩٠ ]
في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة، إنْ منَّ الله علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وعلم وخير، وإن لم نصل إليها فإن ذلك لا ينقصنا شيء.
ثم نعود إلى السؤال وهو ما الحكمة في أن الله ﷿ وكل بنا كرامًا كاتبين يعلمون ما نفعل؟
فالحكمة من ذلك بيان أن الله ﷾ نظم الأشياء، وأحكمها إحكامًا متقنًا، حتى إنه ﷾ جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كرامًا كاتبين موكلين بهم يكتبون ما يفعلون، مع أنه ﷾ عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوا. ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله ﷿ بالإنسان وكمال حكمه ﵎ لهذا الكون. والله أعلم.
الشيخ ابن عثيمين
* * *