[السُّؤَالُ]
ـ[كيف أطلب الشهادة في سبيل الله بصدق؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد قال رسول الله ﷺ: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه. رواه مسلم.
فالدعاء الصادق هو أقرب الطرق للوصول لهذه الغاية الشريفة والمنزلة المنيفة، وقد فعل ذلك الفاروق عمر ﵁ فكان يدعو ويقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ. رواه البخاري. فجمع الله له بين هاتين الفضيلتين.
والصدق هنا وصف للقلب، فهذا الدعاء مقترن بنية حازمة وعزيمة جازمة، قال الشيخ عبد المحسن العباد في شرح سنن أبي داود: يعني أن من سأل الله ﷿ الشهادة في سبيل الله ﷿، وكان ذلك بصدق من قلبه وبنية خالصة ليس مجرد كلام يقال باللسان دون أن يكون القلب عاقدًا عليه. اهـ.
ثم هذه النية الصادقة إن وجد صاحبها سبيلا شرعيا لتحقيقها كان ذلك هو محك امتحان صدقه، كما قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴿محمد:٢٠، ٢١﴾ فمن صدق الله في عزيمته، عزم الله له على الرشد ووفقه للخير، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، روى النسائي عن شداد بن الهاد ﵁: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك. فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزاته غنم النبي ﷺ فقسم وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ﷺ. فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلا ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتي به إلى النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ: أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه. ثم كفنه النبي ﷺ في جبته التي عليه ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك. وصححه الألباني.
ومن أمارات الصدق إعداد العدة المناسبة والمتاحة أيًا كانت، كما قال تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴿التوبة: ٤٦﴾ وقال سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴿الأنفال: ٦٠﴾ .
وهذه العدة أنواع، فمنها العدة الإيمانية، ومنها العدة العلمية، ومنها العدة العملية، ومنها العدة البدنية، والصادق لا يقصر في تحصيل ما تيسر له من هذه الأنواع بقدر طاقته ووسعه.
ثم ننبه السائل الكريم إلى أنه قد وردت آثار تدل على أن المؤمن بفعله للصالحات وتركه للمحرمات يكون شهيدا كما سبق بيانه في الفتوى رقم: ١٧١٦٨.
كما أن تحصيل أجر الشهادة له أسباب متعددة بيناها في الفتوى رقم: ١٠٢٦١٨، والفتوى رقم: ٣٤٥٨٨.
وراجع للفائدة الفتوى رقم: ٩٧٥١.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١٧ ربيع الأول ١٤٣٠
[ ٩ / ٤٠٦٨ ]