[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا الناس يحبون أنفسهم؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمحبة الإنسان لنفسه فطرة جبلية، لا تستنكر ولا تستغرب، بل عليها تقوم مصالح الدنيا، وبها يحافظ الإنسان على حياته، ومن المعلوم أن حفظ النفس من الضروريات الخمس التي اتفق العقلاء من سائر الملل عليها، قال الشاطبي في (الموافقات): اتفقت الأمة، بل سائر الملل، على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل وعلمها عند الأمة كالضروري. انتهى.
ولا يذم ذلك إلا أن تعلو هذه المحبة محبة الله ورسوله ﷺ، فقد قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴿البقرة:١٦٥﴾، وقال رسول الله ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. متفق عليه. وقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر. رواه البخاري.
وعلو محبة الله ورسوله هي التي تضبط سلوك الإنسان وتخلصه من الأثرة والأنانية، وتحرره من تحكم شهوات الأرض في سلوكه، فإنه عندئذ سيعطي لله ويمنع لله، ويؤثر أخراه على دنياه، وأما إن غلبت محبة النفس -والعياذ بالله- فعندئذ يخالف الشرع ويضيع حقوق الخلق، ويؤثر دنياه على أخراه، قال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿التوبة:٢٤﴾، فالعبد متقلب بين هاتين المحبتين لا بد أن يغلب إحداهما على الأخرى، وبالتالي فإنه ينتظره أحد مصيرين، كما قال سبحانه: فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿النازعات﴾ .
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٩ صفر ١٤٣٠
[ ٩ / ٤٠٨٥ ]