الفهرس
تقديم فضيلة الشيخ ابن جبرين.
المقدمة.
الفصل الأول: وقفات وفوائد وآداب.
أولًا: استقبال شهر رمضان.
ثانيًا: من فوائد الصيام:
حصول التقوى.
حفظ الجوارح عن المعاصي.
حمية للبدن.
تذكر الفقراء والذين يموتون جوعًا.
تخفيف حدة الشهوة.
ثالثًا: خصوصية الصيام.
الفصل الثاني: أحكام الصيام:
أولًا: الصيام الواجب وصيام التطوع.
ثانيًا: مفطرات الصيام:
المفطرات الحسية:
١- الأكل والشرب.
٢- النكاح.
٣- القيء.
٤- خروج الدم من جرح أو رعاف.
٥- الحجامة.
٦- نقل الدم بالإبرة.
٧- الضرب بالإبرة.
(ب) المفطرات المعنوية.
ثالثا: صيام أهل الأعذار:
١- صيام المسافر.
٢- صيام المريض.
٣- صيام الكبير.
٤- صيام المرأة الحامل أو المرضع والحائض والنفساء.
الفصل الثالث: قيام الليل.
قيام النبي ﷺ.
قيام السلف ﵃.
الفصل الرابع: الاعتكاف.
حقيقة الاعتكاف.
الحكمة من الاعتكاف.
فضل الزمان وفضل المكان.
مدة الاعتكاف.
محظورات الاعتكاف.
الفصل الخامس: إحياء العشر الأواخر من رمضان.
إحياء الرسول ﷺ العشر الأواخر.
أقسام الناس في إحياء العشر الأواخر.
القسم الأول: يحيونها بالعبادات.
القسم الثاني: يحيونها في التكسب وفي التجارات.
القسم الثالث: يحيونها في اللهو واللغو.
القسم الرابع: يحيونها في المعاصي كبيرها وصغيرها.
استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر.
إيقاظ الأهل في العشر الأواخر.
إظهار النشاط والقوة في العشر الأواخر.
تحري ليلة القدر في العشر الأواخر.
فضل ليلة القدر.
قيام ليلة القدر.
الفصل السادس: القرآن والذكر في رمضان.
القرآن في رمضان.
الذكر والدعاء في رمضان.
الاستغفار في رمضان.
في ختام الشهر.
الفصل السابع: زكاة الفطر وما يتعلق بها من أحكام.
معنى زكاة الفطر وسبب تسميتها بذلك.
[ ٥٩ / ١ ]
تاريخ تشريع زكاة الفطر.
حكم زكاة الفطر.
الحكمة من تشريع زكاة الفطر.
أصناف زكاة الفطر.
مقدار زكاة الفطر.
إخراج قيمة زكاة الفطر نقدًا.
على من تجب زكاة الفطر.
جهة إخراج زكاة الفطر.
نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر.
وقت إخراج زكاة الفطر.
الفصل الثامن: أحكام العيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى)
أعياد المسلمين وحكم الاحتفال والتهنئة بأعياد الكفار.
من أحكام العيد:
أولًا: حكم صلاة العيد.
ثانيًا: من سنن ومستحبات صلاة العيد.
ثالثا: من آداب العيد.
رابعًا: صفة صلاة العيد.
خامسًا: الفرق بين صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى.
سادسًا: حكم خروج النساء لصلاة العيد.
منكرات تقع يوم العيد:
١- إحياء ليلة العيد.
٢- اختلاط الرجال بالنساء في مصلى العيد.
٣- الاجتماع على الغناء والرقص وبعض المعاصي لإظهار الفرح.
٤- الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان.
الخاتمة: وداعًا يا شهر التوبة.
تقديم فضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على بقية الشهور، وجعله موسمًا لصالح الأعمال ومضاعفة الأجور، وأنزل فيه القرآن بما أوضح من الهدى والنور.
وأحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الذي بين للأمة الأعمال، وسن لهم من نوافل العبادات ما يحصلون به على المغفرة وجزيل الثواب، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
[ ٥٩ / ٢ ]
فهذه مجموعة من محاضرات تتعلق بالصيام والقيام والاعتكاف والأعمال الصالحة التي تسن في شهر رمضان، كنت ألقيتها في مناسبات وأوقات مختلفة فجمعها بعض الإخوان الصالحين، وطلب الإذن في نشرها فوافقت على ذلك لما فيها من المصلحة والمنفعة العامة والخاصة. وحيث إنها ألقيت ارتجالًا بدون تحضير وإعداد فلا يستغرب ضعف التعبير ووجود الاختلال في سبك الكلام وعدم التناسب والتنسيق، ولكن المعنى ظاهر مفهوم، والله المسؤول أن ينفع بها المسلمين وأن يجزل لنا الثواب ولمن سعى في إخراجها، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
أما بعد:
قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» (البقرة:١٨٣)
يقول ابن كثير ﵀ (تفسير القرآن العظيم ١/٢١٣): "يقول الله تعالى مخاطبًا المؤمنين من هذه الأمة وآمرًا لهم بالصيام؛ وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الردئية والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيهم أسوة حسنة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك.. ثم قال: والصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان" اهـ.
لقد جاءكم شهر كريم، أوجب الله صيامه وقيامه، فمن قصر فيه فهو من الخاسرين، ومن اجتهد في صيامه وقيامه كان من الرابحين.
[ ٥٩ / ٣ ]
شهر رمضان شهر البركات؛ أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فيا له من شهر عظيم يجب علينا أن نستغل أيامه ولياليه، فالخاسر من يذهب عنه الشهر ولم يغفر له.
ولأهمية الصيام وعظم شأنه فقد قمت بجمع هذه الرسالة من محاضرات وفتاوى شيخنا العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، ثم قمت بترتيبها والتنسيق بين موضوعاتها، ثم أضفت إليها بعض المسائل المهمة والتي أجاب عليها فضيلة الشيخ بخط يده. فجاءت رسالة شاملة مبينة لآداب الصيام وأحكامه، إضافة إلى بيان شيء من أحكام الاعتكاف وفضل العشر الأواخر من رمضان، وأحكام زكاة الفطر، وأحكام العيد ثم خاتمة في وداع الشهر الكريم.
نسأل الله أن يعيده علينا وعليكم والمسلمون في عز ونصر وتمكين، ونسأله تعالى أن يبلغنا رمضان، وأن يتقبل منّا الصيام والقيام، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه أبو أنس علي بن حسين أبو لوز
في: ٣٠/٥/١٤١٧هـ
الموافق: ١٢/١٠/١٩٩٦م
الرياض - حي الخالدية
الرمز: ١١٤٩٧ - ص. ب:٣١٢٧١
الفصل الأول
وقفات وفوائد وآداب
أولًا: استقبال شهر رمضان:
[ ٥٩ / ٤ ]
كان رسول الله ﷺ يهنئ أصحابه بقدوم شهر رمضان، كما في الحديث الذي رواه سلمان ﵁ أنه ﷺ خطب في آخر يوم من شعبان، فقال: "قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وعتقًا لرقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال: "يعطي الله هذا الأجر لمن فطر صائمًا على مذقة لبن، أو شربة ماء، أو تمرة، ومن أشبع فيه صائمًا، أو من سقى فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما. أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألونه الجنة، وتستعيذون به من النار" (أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم ١٨٨٧) .
وروي أيضًا أنه ﵊ كان يفرح بقدوم رمضان، فكان إذا دخل رجب يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلَّغنا رمضان"
وهكذا كان السلف -﵏- يفرحون به، ويدعون الله به، فكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم، فتكون سنتهم كلها اهتمامًا برمضان.
وفي حديث مرفوع رواه ابن أبي الدنيا أن النبي ﷺ قال: "لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان".
[ ٥٩ / ٥ ]
ونشاهد الناس عامة، مطيعهم وعاصيهم، أفرادهم وجماعاتهم، يفرحون بحلول الشهر الكريم، ويظهرون جدًا ونشاطًا عندما يأتي أول الشهر؛ فنجدهم يسارعون الخُطا إلى المساجد، ويكثرون من القراءة ومن الأذكار، وكذلك نجدهم يتعبدون بالكثير من العبادات في أوقات متعددة، ولكن يظهر في كثير منهم السأم والتعب بعد مدة وجيزة! فيقصِّرون، أو يخلّون في كثير من الأعمال! نسأل الله العافية.
ثانيًا: من فوائد الصيام:
إن الله ﷾ ما شرع هذا الصيام لأجل مس الجوع والظمأ، وما شرع هذا الصيام لأجل أن نعذب أنفسنا، بل لابد من فوائد لهذا الصيام قد تظهر وقد تخفى على الكثير، ومن هذه الفوائد:
١- حصول التقوى:
فإن الله لما أمر بالصيام قرنه بالتقوى، كما في قول الله تعالى: «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» (البقرة:١٨٣)، فجعل التقوى مترتبة على الصيام.
ولكن متى تحصل التقوى للصائم؟
التقوى هي: توقِّي عذاب الله، وتوقي سخطه، وأن يجعل العبد بينه وبين معصية الله حاجزًا، ووقاية، وسترًا منيعًا.
ولا شك أن الصيام من أسباب حصول التقوى، ذلك أن الإنسان ما دام ممسكًا في نهاره عن هذه المفطرات -التي هي الطعام والشراب والنساء- فإنه متى دعته نفسه في نهاره إلى معصية من المعاصي رجع إلى نفسه فقال:
كيف أفعل معصية وأنا متلبس بطاعة الله؟!
بل كيف أترك المباحات وأفعل المحرمات؟!!
ولهذا ذكر العلماء أنه لا يتم الصيام بترك المباحات إلا بعد أن يتقرب العبد بترك المحرمات في كل زمان؛ والمحرمات مثل: المعاملات الربوية، والغش، والخداع، وكسب المال الحرام، وأخذ المال بغير حق، ونحو ذلك كالسرقة، والنهب، وهذه محرمة في كل وقت، وتزداد حرمتها مع أفضلية الزمان كشهر رمضان.
[ ٥٩ / ٦ ]
ومن المحرمات كذلك: محرمات اللسان؛ كالغيبة، والنميمة، والسباب، والشتم، واللعن، والقذف، وما إلى ذلك. فإن هذه كلها محرمات في كل حال، ولا يتم الصيام حقيقة، ويثاب عليه إلا مع تركها.
روى الإمام أحمد في مسنده (٥/٤٣١) عن عبيد مولى رسول الله ﷺ: "أن امرأتين صامتا فكادتا أن تموتا من العطش، فذكرتا للنبي ﷺ، فأعرض عنهما، ثم ذكرتا له، فأعرض عنهما، ثم دعاهما فأمرهما أن يتقيئا فتقيئتا ملء قدح قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا عبيطًا! فقال: "إن هاتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله ﷿ عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس".
ولأجل ذلك ورد في الحديث الشريف قول النبي ﷺ: "ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث" (أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٤/٢٧٠) . وقال ﷺ: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر".
ويقول بعضهم شعرًا:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض، وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ وإن قلت: إني صمت يومي، فما صمت!
فلا بد أن يحفظ الصائم جوارحه.
روي عن جابر ﵁ أنه قال: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الغيبة والنميمة، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء" (ذكره ابن رجب في لطائف المعارف وغيره) .
فالذي يفعل الحرام وهو صائم لا شك أنه لم يتأثر بالصوم، فمن يصوم ثم يرتكب الآثام فليس من أهل التقوى، فقد ورد في الحديث قوله ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
٢- حفظ الجوارح عن المعاصي:
[ ٥٩ / ٧ ]
ومن حِكَمِ الصيام وفوائده أن الإنسان يحفظ وجدانه، ويحفظ جوارحه عن المعاصي، فلا يقربها، حتى يتم بذلك صيامه، وحتى يتعود بعد ذلك على البعد عن هذه المحرمات دائمًا.
فالإنسان إذا دعته نفسه إلى أن يتكلم بالزور، أو بالفجور، أو يعمل منكرًا: من سب، أو شتم، أو غير ذلك، تذكر أنه في عبادة، فقال: كيف أتقرب بهذه العبادة، وأضيف إليها معصية؟!
ليس من الإنصاف أن يكون في وقت واحد وفي حالة واحدة جامعًا بين الأمرين: الطاعة والمعصية! إن معصيته قد تفسد طاعته، وتمحو ثوابها. فالإنسان مأمور أن يكون محافظًا على الطاعة في كل أوقاته، ولكن في وقت الصيام أشد.
وكثير من الناس وقوا أنفسهم في شهر رمضان ثلاثين يومًا، أو تسعة عشرين يومًا عن المحرمات، فوقاهم الله بقية أعمارهم منها.
وكثير من الناس كانوا يشربون الخمر، أو الدخان، وما أشبه ذلك، ثم قهروا أنفسهم في هذا الشهر، وغلبوها، وفطموها عن شهواتها، وحمتهم معرفتهم لعظم هذه العبادة ألا يجمعوا معها معصية، واستمروا على ذلك الحال، محافظين على أنفسهم، إلى أن انقضت أيام الشهر وكان ذلك سببًا لتوبتهم وإقلاعهم واستمرارهم على ذلك الترك لهذه المحرمات، فكان لهم في هذا الصيام فائدة عظيمة.
وهكذا أيضًا إذا حافظ العبد على قيامه، واستمر عليه، حمله ذلك على الإكثار من تلك العبادة فإذا تعبد الإنسان بترك المفطرات، والصيام لله تعالى، دعاه إيمانه، ودعاه يقينه، وقلبه السليم إلى أن يتقرب بغيرهما من العبادات.
فتجده طوال نهاره يحاسب نفسه ماذا عملت؟ وماذا تزودت؟
تجده طوال يومه محافظًا على وقته لئلا يضيع بلا فائدة؛ فإذا كان جالسًا وحده انشغل بقراءة، أو بذكر، أو بدعاء، أو يتذكر آلاء الله وآياته.
[ ٥٩ / ٨ ]
وإذا كان في وقت صلاة، صلى ما كتب له من ليل أو نهار، وإن دخلت الصلاة أقبل عليها بقلبه وقالبه، وأخذ يتأمل ويتفكر ما يقول فيها؛ فيكون الصيام بذلك سببًا في كثرة الأعمال والقربات كما يكون سببًا للمنع من المحرمات.
٣- حمية للبدن:
ومن حكمة الله تعالى في هذا الصيام أيضًا أن فيه حمية للبدن عن الفضلات.
ولا شك أن الحمية من أقوى أنواع الأدوية والعلاجات، فالصيام يُكسب البدن المناعة والقوة، كما يكسبه أيضًا تدرُّبًا على الصبر واحتمال الجوع والعطش، حتى إذا ما تعرض له بعد ذلك فإذا هو قد اعتاد عليه، فكان في ذلك منفعة عظيمة.
٤- تذكر الفقراء والذين يموتون جوعًا:
ومن الحكم الجليلة التي شرع لها الصيام أن يشعر الإنسان بالجوع فترة الصيام فيتذكَّر أهل الجوع دائمًا من المساكين والفقراء، ليرأف بهم، ويرحمهم، ويتصدق عليهم.
فشُرع الصيام لأجل أن يتضرع الإنسان -إذا ما أحسَّ بالجوع- فيدعو ربه، كما ورد في الحديث: "إن النبي ﷺ عرضت عليه جبال مكة ذهبًا، فقال: لا يا رب بل أرضى بأن أجوع يومًا، وأشبع يومًا، فإذا جُعْتُ تضرعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (أخرجه الترمذي برقم ٢٣٤٧ وقال حديث حسن) . فذكر أن الجوع سببٌ للتضرع والذكر. فالإنسان إذا أحس بالجوع تضرع إلى الله.
ومن الحكم في الصيام أن الإنسان يقلل من الطعام حتى يحس بأثر الجوع، فيتضرع ويدعو الله، ويتواضع له، ويكون ذاكرًا له، مقبلًا إليه، متواضعًا بين يديه.
[ ٥٩ / ٩ ]
ونلاحظ كثيرًا من الناس أنهم لا يحسون بأثر هذا الجوع في هذه الأزمنة، وذلك أنهم عند الإفطار يجمعون من المأكولات والمشتهيات ما يملؤون به بطونهم، ويستمرون في الأكل طوال ليلهم، متلذذين بأنواع المأكولات حتى إذا ما أتى النهار وقد مُلئت بطونهم مكثوا طوال نهارهم في راحة، أو في نوم أو ما أشبه ذلك إلى أن يأتي الليل فلا يحس أحدهم بأنه صائم، ولا يظهر عليه أثر الصوم.
ومن المعلوم أن هذا الحال لم يكن من الصحابة والسلف الأولين، فإنهم كانوا يقللون من المأكل في إفطارهم وفي سحورهم، ولا يأكلون إلا ما يقتاتون به ويقيم أصلابهم، كما أنهم كانوا طوال نهارهم منشغلين في أعمالهم الدينية والدنيوية، ولذلك لا بد وأن يظهر عليهم أثر الجوع والتعب، ولكنهم يحتسبون ذلك عند الله. فينبغي للمسلم ألا يكون همه المأكل، وأن يعمل حتى يكون للصوم آثاره وفوائده.
٥- تخفيف حدة الشهوة:
وقد جعل النبي ﷺ الصوم للشباب وجَاءً أي: مخففًا من حدة الشهوة كما في قوله ﷺ: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". (متفق عليه) . ذلك أن الصوم يكسر حدة شهوة النكاح.
وكثير من الناس الآن يصومون، لكنهم لا يجدون لهذا الصيام أثرًا لتخفيف حدة الشهوة، وذلك أنهم لم يذوقوا ألم الجوع والعطش والتعب، بل ظلت نفوسهم متعبة بالشهوات، وأنّى لهم أن يتركوها وقد أضافوا إلى صومهم كل ما تعف النفس عن رؤيته من أفلام خليعة ومسلسلات ماجنة.
ثالثًا: خصوصية الصيام:
[ ٥٩ / ١٠ ]
إن الصيام عبادة بدنية قوامُها ترك المفطرات المعروفة، ولما كان ترك هذه المفطرات سرًا بين العبد وبين ربه، فإنه مما لا شك فيه أنه متى تم هذا العمل فيما بين الإنسان وبين الله كان ذلك أعظم لأجره، وأجزل لثوابه. وقد ذكر ذلك كثير من العلماء، فقالوا: إن الصيام سر بين العبد وبين الله. وقالوا: إن ملائكة الحفظة لا تكتبه، لأن الإنسان إذا صام لا يطّلع عليه إلا الله.
فإذا صمت فمن الذي يراك في كل حركاتك، وفي كل أوقاتك؟!
إن من يغفل عن مراقبة الله له يمكنه أن يفعل ما يريد فيتناول طعامه وشرابه دون ما خوف من الله ﷿. ولكن العبد المؤمن يعلم أن معه من يراقبه، وأن عليه رقيب عتيد؛ يعلم أن ربه يراه قال تعالى: «الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين» (الشعراء:٢١٨-٢١٩) .
فإذا كان العبد يؤمن بأن الله تعالى هو المطّلع عليه وحده، كان ذلك مما يحمله على أن يخلص في عمله، كما يحمله على الإخلاص في كل الحالات، ويبقى معه في كل شهور السنة.
فإذا راقبت الله تعالى، وحفظت صيامك، في سرّك وجهرك، في الأسواق وفي البيوت، ولم تتناول ما يفسد صومك، وعرفت أن الله يراقبك فلماذا تعود إلى هذه المعاصي بعد رمضان، وقد حرّمها الله عليك؟!
إذا كان الله تعالى قد حرم علينا الكذب، والقذف، وسائر المحرمات من محرمات اللسان، ومحرمات الفرج، ومحرمات اليد، وما سواها. فلماذا نقدم عليها في غير رمضان؟!
أليس الذي يراقبنا في رمضان هو الذي يراقبنا في سائر الأوقات؟
فيجب على المسلم أن يستحضر ربه دائمًا، فإنه عليه رقيب يعلم ما تكنه نفسه، يقول تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» (ق:١٦) .
الفصل الثاني
أحكام الصيام
[ ٥٩ / ١١ ]
إن أحكام الصيام بحمد الله واضحة جلية ذلك لأن الصيام يتردد على المسلم كل عام ويصوم الاتقياء -إضافة إلى هذا- في أثناء السنة تطوعًا طمعًا أن يثيبهم الله تعالى عليه، ولكن لا بد أن نذكر شيئًا يسيرًا من أحكام الصيام.
أولًا: الصيام الواجب وصيام التطوع:
إن الصيام الواجب الذي هو فرض من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، هو شهر رمضان، وما سواه فإنه تطوع: «فمن تطوع خيرًا فهو خير له» (البقرة:١٨٤) .
والدليل على وجوبه وفرضه قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» (البقرة:١٨٣) . أي: فرض عليكم. وقوله ﷺ: "بني الإسلام على خمس: وذكر منها: وصوم رمضان".
والصيام فريضة كان أو نافلة: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. والذي يَلْزَمُهُ هذا الإمساك هو المكلف، أما غير المكلف كالمجنون أو الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف فهذا لا صيام عليه، وكذلك الكافر الذي طلب منه شرطه وهو الإسلام.
فالصيام إذًا يجب على المسلم المكلف، يعني البالغ العاقل القادر؛ فالمسلم يخرج الكافر، والمكلف يخرج الصغير والمجنون، والقادر يخرج المريض ونحوه من المعذورين، وإن كان يجب عليه القضاء أو الفدية.
ثانيًا: مفطرات الصيام:
(أ) المفطرات الحسية:
إن المفطرات الحسية التي تنافي هذا الصيام معروفة وأهمها: الأكل، والشرب، والنكاح، ولكن يعفى في الأكل والشرب عن الناسي، فإذا فعل شيئًا منها ناسيًا عُفي عنه لقول النبي ﷺ كما في الصحيح: "إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
ونأتي على شيء من التفصيل في هذه المفطرات:
١- الأكل والشرب:
[ ٥٩ / ١٢ ]
إذا أفطر بهما فليس عليه إلا القضاء إذا أفطر لعذر، أما إذا أفطر لغير عذر فقد وقع في ذنب كبير كما ورد عنه ﷺ: "من أفطر يومًا في رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر، وإن صامه".
فالذي يفطر في شهر رمضان متعمدًا دون أن يكون له عذر من مرض أو سفر، أو نحو ذلك، يعتبر قد تهاون بهذا الركن، وأقدم على ما يفسده فهو كمن يترك الصلاة عمدًا.
ويذهب بعض العلماء إلى كفر من أفطر من غير عذر، ولا حاجة به إلى الإفطار، وإنما هو تهاون، وكذلك من ترك الصلاة بدون عذر فيذهب أيضًا بعض العلماء إلى أنه كافر لكونه تهاون بما فرضه الله دون أن يكون له عذر، ولكن مع ذلك عليه التوبة، وعليه الإنابة، وعدم العودة إلى هذا الفعل، وعليه إكمال شهره، والمحافظة عليه في بقية عمره.
٢- النكاح:
إذا جامع الرجل أهله في نهار رمضان فإن عليه القضاء مع الكفارة التي هي كفارة الظهار، التي ذكرها الله تعالى في أول سورة المجادلة فقال تعالى: «والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم» (المجادلة:٣-٤) . فكذلك كفارة المُواقع أهله في نهار رمضان.
ويقع هذا من كثير من الشباب الذين ينامون مع أزواجهم بعد صلاة الفجر فلا يملك أحدهم نفسه وخاصة إذا كان لا ينام مع أهله في الليل، فإذا نام في النهار لم يأمن أن تثور منه الشهوة. فلذلك يرشد الشاب المسلم أن ينام مع أهله في الليل، حتى يعطي نفسه شهوته المباحة، ويسلم من تناول هذه الشهوة المحرمة في النهار، والتي توقعه في كفارة كبيرة.
وهناك مفطرات أخرى غير الأكل والشرب والجماع، ومن هذه المفطرات:
٣- القيء:
[ ٥٩ / ١٣ ]
ثبت أنه ﷺ قال: "من استقاء عمدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه".
فمن تعمد إخراج القيء فإن عليه القضاء لكونه تعمد إخراج ما يفطر صومه، ومن غلبه وخرج قهرًا، فلا قضاء عليه، لكونه لم يتسبب في ذلك.
٤- خروج الدم من جرح أو رعاف:
إذا خرج الدم عن غلبة فإنه لا قضاء عليه، وإذا تعمد إخراجه، فالقياس أنه يفطر كالقيء، ولكن إذا خرج بدون اختيار منه، أو كان بحاجة إلى ذلك كخلع ضرس ونحوه، فله أن يتحّفظ عن دخوله مع ريقه، أو ابتلاع شيء، فإن تحفظ فالصحيح أيضًا أنه لا يؤثر على صومه.
٥- الحجامة:
ذهب الإمام أحمد إلى أن الحجامة تفطر، واستدل بحديث الرسول ﷺ: "أفطر الحاجم والمحجوم". وهو حديث متواتر، رواه عدد من الصحابة كما في شرح الزركشي، ولو لم يكن منه شيء في الصحيحين، ولكن منه أحاديث ثابتة عن شداد وثوبان وغيرهما لا طعن فيها على الصحيح.
وفطر الحاجم؛ في ذلك الوقت لأنه يمتص الدم ويكرر امتصاصه، فيختلط بريقه فلا يؤمن أن يبتلع منه شيئًا، ولكن في هذه الأزمنة وجدت محاجم ليس فيها امتصاص، إنما هي آلات يضغط عليها فتمسكه، وتمتص الدم، ففي هذه الحال قد يقال لا يفطر الحاجم إلا أن يكون لتسببه في إفطار غيره.
وأما المحجوم فإنه يفطر لخروج هذا الدم الكثير منه فيقاس على خروج دم الحائض.
٦- نقل الدم بالإبرة:
لو أخذ الدم فيما يسمى بالتحليل، أو التبرع لمنحه للمريض، فإذا كان هذا الدم كثيرًا فإنه يلحق بالحجامة، وأما الدم القليل بالإبرة، وما يؤخذ للتحليل فالصحيح أنه لا يفطر لكونه ليس حجامة ولا يلحق بها.
٧- الضرب بالإبرة:
وفيه تفصيل:
[ ٥٩ / ١٤ ]
فإذا كانت الحقنة مغذية ومقوية فإنها تفطر، وذلك لقيامها مقام الطعام، والشراب. فالمغذي هو الذي يدخل مع العروق ويقوم مقام الطعام والشراب، وعلى هذا فالإبر المغذية والمقوية التي تكسب البدن قوة تفطر؛ لأنها قامت مقام الأكل ونابت عنه.
أما الإبر الأخرى التي هي إبر يسيرة للتهدئة أو لتصفية الجسم، أو ما أشبه ذلك، فالأولى والصحيح أنها لا بأس بها للحاجة، ولا تفطر الصائم.
(ب) المفطرات المعنوية:
وكما أن على الصائم أن يمسك عن المفطرات الحسية كالأكل والشرب وغيره، فإن عليه أيضًا أن يمسك عن المفطرات المعنوية التي تنقص الصيام، كما ورد في الحديث الشريف: "ليس الصيام عن الطعام والشراب إنما الصيام عن اللغو والرفث" (سبق تخريجه) .
فعلى الصائم أن يمسك عن الكلام السيئ الذي فيه مضرة على غيره ومشقة، حتى يحوز أجر الصيام كما تقدم.
ثالثًا: صيام أهل الأعذار:
إذا احتاج المرء إلى الأكل أو الشرب لمرض أو لسفر أو نحو ذلك، فإنه معذور فيأكل بقدر حاجته ويقضي كما أباح الله ذلك للمريض وللمسافر لقوله تعالى: «فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر» (البقرة:١٨٤) . ولمزيد من الفائدة فإننا نذكر بعض الأحكام الخاصة بصيام أهل الأعذار فمن ذلك:
١- صيام المسافر.
٢- صيام المريض.
٣- صيام الكبير.
٤- صيام المرأة الحامل أو المرضع والحائض والنفساء.
الفصل الثالث
قيام الليل
لا شك أن الصلاة من أفضل القربات، وأنها عبادة دينية لا تصلح إلا لله تعالى، واختصت بأعمال من القربات، مثل: الركوع والسجود، والقيام والقعود، والرفع والخفض، والدعاء والابتهال، والذكر لله، والقراءة، وغير ذلك مما اختصت به فكانت أشرف العبادات البدنية.
ولما كانت الصلاة كذلك فقد فرضها الله تعالى على عباده فريضة مستمرة طوال العام والعمر، وكررها في اليوم خمس مرات، لما لها من أكبر الأثر في حياة المسلم.
[ ٥٩ / ١٥ ]
ولما كانت من أهم الأعمال والقربات لله تعالى، فقد شرع لعباده أيضًا أن يتقربوا بنوافلها. فمدح الذين يكثرون من الصلاة، وخصوصًا في الليل، فأمر نبيه ﷺ بقوله: «يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلًا * نصفه أو انقص منه قليلًا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا» (المزمل:١-٤) . وقال تعالى: «ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا» (الإسراء:٧٩) .
فأمر نبيه أن يتهجد من الليل بهذا القرآن، والأمر له شريعة لأمته، فإن أمته تبع له، فهو أسوتهم وقدوتهم.
قيام النبي ﷺ:
لقد امتثل النبي ﷺ أمر الله تعالى: «يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلًا» (المزمل:١-٢)، فكان يقوم نصف الليل، أو ثلثه، أو نحو ذلك طوال سنته، وكان يصلي من الليل ما شاء، ويطيل في الصلاة.
وقد ثبت أنه ﷺ كان يخص شهر رمضان بمزيد من الاهتمام، فقد قال ﷺ: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.
وقيام رمضان هو قيامه بالتهجد، بالصلاة ذات الخشوع، وذات الدعاء في هذه الليالي الشريفة.
وقد حث ﵇ أمته على هذه الصلاة، فكانوا يتقربون بها، تارة يصلونها وحدهم، وتارة يصلونها معه ﷺ، فتوفي وهم يصلون أوزاعًا. يصلي في المسجد جماعة، أو ثلاث جماعات، أو أربع، وقد صلّى بهم ﷺ في حياته ثلاث ليال متوالية جماعة، يصلي بهم نصف الليل أو ثلثه، أو نحو ذلك.
لكنه وبعد أن رأى حرص الصحابة على قيام الليل معه ومداومتهم على ذلك وازدحام المسجد بهم خشي أن يُفرض عليهم ذلك القيام والاجتماع، فيعجزون فلا يحافظون ويستمرون عليه، فأمرهم أن يصلوا فرادى في أماكنهم.
[ ٥٩ / ١٦ ]
ثم إن عمر بن الخطاب ﵁ جمعهم على هذه الصلاة التي تسمى صلاة التراويح، فجمعهم عليها لما أمن أنها لن تفرض عليهم؛ لأنه قد انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ.
فأجمع المسلمون أهل السنة على هذا التهجد خلافًا للرافضة، وبقي كذلك إلى هذا الزمان يصلون في مساجدهم جماعة عشرين ركعة، أو ثلاث عشرة، أو ستًا وثلاثين، أو إحدى وأربعين، على حسب اجتهادات العلماء.
فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة كما أثر ذلك عن مالك وغيره من الأئمة.
ورأى آخرون أن يصلي سبعًا وثلاثين في صلاة الوتر، أو تسعًا وثلاثين، وقالوا: إن هذا يخفف على الناس، ويكون فيه قطع لليالي في الصلاة.
ورأى آخرون أن يصلي ثلاثًا وعشرين، واختار ذلك أكثر العلماء كما حكاه الترمذي عن أكثر الأئمة.
ورأى آخرون أن يصلوا إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة.
والكل جائز، ولكن لابد أن تكون الصلاة باطمئنان وخشوع وخضوع وحضور قلب، حتى تحصل الحكمة والفائدة التي لأجلها شرعت الصلاة.
وقد أجاز العلماء الزيادة على إحدى عشرة ركعة، واعتبروا ذلك بالزمان، فقالوا: إن من صلى تسعًا وثلاثين ركعة في ساعتين كمن صلى إحدى عشرة في ساعتين، فيكون الأجر على قدر الزمان، لا على قدر العدد، أو كثرة الركعات.
قيام السلف ﵃:
[ ٥٩ / ١٧ ]
كانت سُنة السلف ﵏ أنهم يصلون هذه الصلاة في نصف الليل، أو في ثلثه؛ أي ثلاث ساعات، كلها في تهجد، فإذا كان الليل طويلًا صلوا أربع ساعات أو أكثر، وإن كان قصيرًا صلوا نحو ثلاث ساعات كلها في التراويح. هكذا كانت صلاتهم، فإما أن يقللوا عدد الركعات ويطيلوا القيام والركوع والسجود، وإما أن يزيدوا في عدد الركعات ويخففوا الأركان، ويقللوا القراءة، حتى تكون بمقدار هذه الساعات الثلاث أو الأربع أو نحوها. وقد روى مالك وغيره أنهم أحيانًا يحيون الليل فلا ينصرفون إلا قرب الفجر بحيث يستحثون الخدم بإحضار السحور.
ولكن في هذه الأزمنة، نشاهد أن الناس قد استولى عليهم الكسل وشغلتهم أمور دنياهم، فصاروا ينظرون لمن يصلي ربع هذه الصلاة أو ثلثها، فيعدونه مكثرًا، بل يعدون القراءة المتوسطة، طويلة! وإذا قرأ إمامهم عليهم سورة فأطالها، يقول قائلهم: أطلتَ فخفِّف!!
ولا شك أن الذين يملُّون من هذه الصلاة هم الكسالى الذين لا يرغبون في هذه العبادة، ذلك أن من فضل هذه الصلاة أن يجعلها المؤمن سرور قلبه، وراحة بدنه، وينبغي أن يجعلها المؤمن قرة عينه كما كانت قرة عين النبي ﷺ.، وينبغي للمسلم أن يجعل جنس الصلاة راحة بدنه، وشفاءه ودواءه، وأن يستعين بها على حاجاته، أليس الله تعالى يقول: «واستعينوا بالصبر والصلاة» (البقرة:٤٥)؟!
وروي أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. فإذا دخل في الصلاة نسي همومه وغمومه، وخلي بربه، وسُرّ قلبه بأنسه بالله تعالى.
[ ٥٩ / ١٨ ]
فهذه هي الحكمة من إطالة الصلاة ومن الركون إليها. فالذين يستثقلون هذه الصلاة إذا صلى أحدهم في ساعة، أو نحوها أو أقل من ذلك عَدُّوا ذلك إطالة وتنفيرًا هم الكسالى مع أن هذا نقص للصلاة وعدم طمأنينة، وإخراج لها عن ماهيتها؛ فإنا مأمورون في الصلاة أن نقرأ ونرتل، ومأمورون أن لا ننقص في رمضان عن ختم القرآن مرة أو مرتين.
ولقد كان السلف ﵏ يقرؤون، ويزيدون في القراءة؛ فكانوا يقرؤون سورة البقرة في ثماني ركعات -وهي جزآن ونصف الجزء تقريبًا- ونحن نرى أن بعض أهل زماننا يصلي سورة البقرة في ثمانين ركعة!!
فأين الفرق بين أولئك، وهؤلاء؟!!
ونرى آخرين يقتصرون على نصف القرآن أو ثلثيه!! ولا شك أن هذا هو الكسل بعينه!
ونقول لمن يرغب أن يقتدي بنبيه ﷺ، وأن يكون حقًا من أتباعه، عليه أن يأتي بهذه الصلاة بطمأنينة -سواء رغب المصلون أم لم يرغبوا- فيبين لهم أن هذه هي الصلاة التي تجزئ في القيام وهي التي حث عليها الرسول ﷺ أن تكون في خشوع واطمئنان، وهي ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة وتابعيهم ﵃ أجمعين.
فالقراءة المعتادة أن يختم القرآن في ليلة سبع وعشرين، أو نحوها. وقد أدركت أئمة يختمون في رمضان ثلاث ختمات، حيث إنهم مع أناس يحبون سماع القرآن، ويحبون الخشوع في الصلاة، وإطالتها بينما هناك أناس لا يقرؤون إلا قدرًا قليلًا من القرآن.
فإذا كنت إمامًا لأناس فعليك أن تصلي بهم الصلاة النبوية، التي تكون بها مدركًا للحكمة من هذه العبادة، محصلًا للثواب والأجر الذي أعده الله ﷿ لمن قام الليل وتهجد، ورتل القرآن ترتيلًا.
تنبيه:
وهنا أنبه على أمر مهم لمن كان من عادته قيام الليل (أي التهجد) طوال السنة فإنه لا ينبغي له أن يقطع عادته السنوية لأن الصلاة آخر الليل مشهودة، كما ذكر ذلك النبي ﷺ.
[ ٥٩ / ١٩ ]
فإذا صليت أول الليل ما تيسر لك من هذه التراويح فحافظ أيضًا على صلاة آخر الليل بما تستطيعه قلّ أو كثر، وبهذا تكون محافظًا على العبادات.
وهكذا أيضًا تحافظ على السنن الرواتب -التي قبل الصلاة وبعدها- فإذا طمعت في الزيادة في هذا الوقت فلا تدخر وسعًا.
روي عن بعض السلف: أن الأعمال تضاعف في شهر رمضان، فركعة في رمضان تعدل ألف ركعة فيما سواه، والحسنة فيه بألف حسنة فيما سواه، والفريضة تعدل سبعين فريضة فيما سواه، ومن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه. كما ذكر ذلك ابن رجب ﵀ في وظائف رمضان.
الفصل الرابع
الاعتكاف
حقيقة الاعتكاف:
الأصل في الاعتكاف أنه الإقامة في المكان طويلًا، ولزومه، والاشتغال فيه، وكان المشركون يعكفون عند الأوثان كما في قوله تعالى: «فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم» (الأعراف:١٣٨) . وقول إبراهيم ﵇: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» (الأنبياء:٥٢) . وقولهم: «نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين» (الشعراء:٧١) .
وجعل الله عكوف المسلم واعتكافه لزوم المسجد، فقال تعالى: «أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود» (البقرة:١٢٥) . وقال تعالى: «ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد» (البقرة:١٨٧) . فجعل العكوف لزوم المساجد.
فالأصل أن المعتكف يفرّغ نفسه وينفرد في مكان ويشغل نفسه بالعبادة، وينقطع عن الدنيا وينقطع عن أهلها.
فالاعتكاف هو لزوم المسجد طاعة لله تعالى، والقصد منه التفرغ للعبادة. وأن لا يخرج من المسجد إلا لضرورة ملحة لا يجد منها بدًا، كأن يحضر طعامه وشرابه إذا لم يجد من يحضره له، وكذلك الخروج للخلاء وللوضوء وغير ذلك.
قال ابن رجب ﵀: معنى الاعتكاف وحقيقته: "قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق".
الحكمة من الاعتكاف:
[ ٥٩ / ٢٠ ]
إن الحكمة من الاعتكاف الانقطاعُ عن الدنيا، وعن الانشغال بها وبأهلها، والتفرغ للعبادة، والاستكثار منها. وإنما كان الاعتكاف في المساجد لأجل ألا يترك صلاة الجماعة مع المسلمين التي هي علامة وشعيرة من شعائر الإسلام.
فضل الزمان وفضل المكان:
فإذا عزم المسلم على الاعتكاف فعليه أن يختار المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، حتى لا يخرج إلا عند انتهاء مدة الاعتكاف، والأفضل أن يكون في زمان فاضل تضاعف فيه العبادات حتى يجمع بين فضل الزمان وفضل المكان.
فالاعتكاف مثلًا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى له ميزته، وذلك لفضل العبادة بتلك المساجد، وأما بقية مساجد الدنيا فإنها متساوية إلا أن المسجد الذي يكون قديمًا تكون العبادة فيه أفضل لقدم العبادة فيه فيختار المسجد الأقدم.
مدة الاعتكاف:
إذا أراد المسلم أن يعتكف؛ فأقل الاعتكاف يوم وليلة، يعني أربعًا وعشرين ساعة حتى يصدق عليه أنه معتكف، وما عدا ذلك فيه خلاف؛ فبعضهم يرى أن من اعتكف يومًا أي من طلوع الشمس إلى غروبها، أو ليلة من غروبها إلى طلوعها يكون اعتكافًا، وبعضهم يرى أنه لابد من يوم وليلة حتى يتحقق الحديث.
محظورات الاعتكاف:
يشتغل المعتكف بكل ما يقربه إلى الله ﷿ من صلاة وتلاوة للقرآن الكريم ومدارسته، كما أنه ينقطع عن العلاقات الدنيوية فينقطع عن الزيارات، فلا يفتح باب الزيارة لمن يزوره إلا قليلًا لحاجته. فقد ثبت أن بعض نساء النبي ﷺ كنّ يأتين إليه وهو معتكف ويتحدثن معه قليلًا.
أما فتح باب الزيارة للأهل والأولاد والأصدقاء فإنه يجعل المسجد كالبيت، لا فرق بينهما، كما أنه يفتح الباب أمام الكلام الذي لا فائدة منه.
[ ٥٩ / ٢١ ]
وكذلك على المعتكف ألا ينشغل بالدنيا وبأهلها، فلا يسال من رأى، ولا من سمع عن أمر من أمور الدنيا، ولا عن خبر من أخبارها، ولا يهتم بأمر من أمورها. وبعد ذلك يعكف على العبادة؛ فينتقل من جنس الصلاة سواء التراويح أو غيرها، أو التقرب بالرواتب ونحوها، ينتقل إلى القراءة والذكر، والدعاء والابتهال إلى الله، وما أشبه ذلك مع حضور القلب حتى يجمع بين خشوع القلب وحضوره، وبين التكلم باللسان مع اتصافه أيضًا بالخشوع والخضوع.
ولأجل ذلك ذكر ابن رجب أن بعضهم يقول في تعريف الاعتكاف: (أنه قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق) . والعلائق بمعنى العلاقات فتقطع علاقتك بفلان وفلان، وتنقطع منها عن جميع الخلائق، ويتصل قلبك بربك بحيث يكون ذكر الله على قلبك دائمًا، نائمًا ويقظان، قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.
تذكر الله في كل حالاتك، وتتأمل، وتعقل ما تقول إذا كنت مشتغلًا بذلك. وإن قرأت القرآن قرأته بتدبر.
وقد أدركنا قبل أربعين سنة، أو خمسين سنة آباءنا ومشايخنا كانوا يعتكفون، ولا يُخلُّونَ بالاعتكاف، وكانوا يعكفون على القرآن، حيث رزقهم الله حفظ القرآن وسهولته، فكانوا يختمونه كل يوم غالبًا، أو كل يومين مع التدبر!! ذلك لأنه شغلهم الشاغل في ليلهم ونهارهم، إلا أنه فقط يؤتى بأكله، بفطوره وسحوره، وأحيانًا يقتصر على السحور. فيتناول في الإفطار تمرات قليلة، ولا يتناول عشاءً، ويجعل عشاءه سحورًا.
هكذا أدركنا مشايخنا؛ يخرج الواحد منهم لقضاء الحاجة فقط، وللوضوء، لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يعود أهله، ولا يفتح باب زيارة ولا غير ذلك.
[ ٥٩ / ٢٢ ]
هكذا المعتكف الذي يريد أن يكتب له أجر هذا الاعتكاف، ويقتدي في ذلك بسنة نبيه ﷺ، فإنه ﷺ ما ترك الاعتكاف في سنة من السنوات إلا سنة واحدة في رمضان لما دخل معتكفه اعتكف معه بعض نسائه، وضربت كل واحدة منهن قبة، فلما رأى الأقبية في المسجد أنكر ذلك، وعرف أن هذا منافسة. فعند ذلك ترك الاعتكاف تلك السنة واعتكف في شوال، وكان في الغالب يعتكف في العشر الأواخر من رمضان. واعتكف مرة أو مرتين في العشر الأوسط.
والاعتكاف -كما سبق- كان للاستكثار من الطاعة، ولطلب أن يحظى العبد بالمغفرة، والمغفرة لها أسباب، ومن أسبابها في رمضان: الصيام إيمانًا واحتسابًا. وقيام رمضان إيمانًا واحتسابًا. وكذلك قيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا. فيحرص العبد على أن يحظى بسبب من أسباب مغفرة الذنوب التي اقترفها فيما مضى من عمره.
الفصل الخامس
إحياء العشر الأواخر من رمضان
إذا علمنا أن شهر رمضان هو أفضل الشهور، كانت نتيجة ذلك أن نجتهد فيه اغتنامًا لفضله، وإذا علمنا أن العشر الأواخر هي أفضل أيامه، وأفضل لياليه، كانت نتيجة ذلك أن نكثر الاجتهاد فيها، وألا نضيع منها وقتًا في غير منفعة.
وهذه الأيام العشر يستحب فيها أربعة أشياء:
١- إحياؤها كلها.
٢- زيادة الاجتهاد فيها بالأعمال الأخرى.
٣- إظهار النشاط فيها والقوة.
٤- الاعتكاف واعتزال الشهوات والملذات.
إحياء الرسول ﷺ العشر الأواخر:
ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر". وكذلك روي عنها أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يخلط العشرين من رمضان بصلاة ونوم، فإذا كان في العشر لم يذق غمضًا". أي: في الليالي العشر لا يذوق غمضًا، بل يقوم ليله كله دون نوم.
[ ٥٩ / ٢٣ ]
وفي حديث آخر: "إذا دخل العشر طوى فراشه". يعني: فراش النوم ليلًا في آخر ليالي الشهر. وفي حديث آخر تأكيد الإحياء بقولها: "وأحيا ليله كله".
أقسام الناس في إحياء العشر الأواخر:
ينقسم الناس في إحياء هذه الليالي إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: يحيونها بالعبادات:
هناك من يحيون العشر الأواخر من رمضان بالعبادات، فيحيونها بالصلاة، وطول القيام والركوع والسجود، اقتداءً بفعل نبيهم ﷺ فقد كان يديم الصلاة في هذه الليالي؛ فإنه صلى ليلة ببعض صحابته حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وكذلك صلى مرة ومعه رجل من أصحابه -وهو حذيفة- فقرأ في ركعة واحدة ثلاث سور: سورة البقرة وسورة آل عمران، وسورة النساء، يقرأ بتدبر، ويقف عند آية الرحمة فيسأل، وعند آية العذاب فيتعوذ، يقول: فما صلى ركعتين، أو أربع ركعات حتى جاءه المؤذن للصلاة.
وهذا هو الأصل في إحياء هذه الليالي، فتجد المجتهدين قبل سنوات يهتمون بهذه الليالي، ويولونها زيادة نشاط وعبادة، اقتداءً بفعل نبيهم ﷺ بحيث إنهم يزيدون في قيام هذه الليالي، ويقطعون الليل كله في الصلاة، فيصلون عشر ركعات، ويقرؤون فيها نحو جزء ونصف، ثم يستريحون نحو نصف ساعة ثم يصلون أربع ركعات بسلامين في ساعتين، أو ساعة ونصف على الأقل يقرؤون فيها ثلاثة أجزاء، أو جزئين ونصفًا، ثم يستريحون نحو ساعة أو أقل، ثم يصلون ست ركعات تستغرق ساعتين ونصفًا، أو ثلاث ساعات، يقرؤون فيها أيضًا ثلاثة أجزاء أو ثلاثة ونصفًا، ثم يستريحون قليلًا، ثم يصلون الوتر، فيكون ليلهم كله عامرًا بالصلاة، وإنما يتخللها فترات راحة، وذلك اقتداء بما كان عليه السلف والصحابة ومن بعدهم.
[ ٥٩ / ٢٤ ]
وكان الصحابة يصلون في ليالي رمضان ثلاثًا وعشرين ركعة، وربما صلى بعضهم، أو بعض التابعين كما عند الإمام مالك في رواية ستًا وثلاثين، وعند الإمام الشافعي يصلي في ليالي رمضان إحدى وأربعين ركعة في رواية عنه فيصلون أربع ركعات، وتستغرق نصف ساعة، يستريحون بعدها نحو خمس أو عشر دقائق، ثم يصلون أربعًا وهكذا، ولذلك سموا هذا القيام بالتراويح حيث إنهم يرتاحون بعد كل أربع ركعات. فهذه الأفعال هي حقًا إحياء لهذه الليالي في العبادة.
ويدخل في إحياء تلك الليالي أيضًا إحياؤها بالقراءة؛ فإن هناك من يسهر ليالي العشر يصلون ما قدر لهم، ثم يجتمعون حلقات، ويقرؤون ما تيسر من القرآن في بيت من بيوت الله في المساجد، أو في بيت أحدهم رجاء أن تُحقَّق الفضائل التي رتبت على ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده".
فإذا اجتمع جماعة، عشرة أو عشرون، أو نحو ذلك يقرؤون القرآن؛ يقرأ أحدهم، وبقيتهم يستمعون له، ناظرين في مصاحفهم، ثم يقرأ الثاني، حزبًا أو نصف حزب، أو ربعه، ثم يقرأ الثالث.. وهكذا، فيصدق عليهم أنهم يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، فيُحيون ليلهم بالطاعات والقربات.
كذلك إذا أحيوا الليل بتعلم أو تعليم كان ذلك أيضًا أحياءً لهذه الليالي بطاعة. فإذا أحيينا ليلنا أو جزءًا من ليلنا في تعلُّم علوم دينية، كان ذلك إحياء لهذه الليالي بطاعة تنفعنا إن شاء الله.
فهؤلاء هم الذين ربحوا ليلهم، واستفادوا من وقتهم.
القسم الثاني: يحيونها في التكسب وفي التجارات:
[ ٥٩ / ٢٥ ]
ويندرج في هذا القسم أولئك الذين يحيون ليلهم في التكسب، في تجاراتهم، وفي صناعاتهم وفي دكاكينهم؛ وهؤلاء قد ربحوا نوعًا من الربح، وهو ربح عابر؛ ربح دنيوي، لكنه قد يكون عند بعضهم أنفس وأغلى ثمنًا مما حصل عليه أهل المساجد، وأهل القراءات، وأهل العلم! ولكنهم في الحقيقة قد خسروا أكثر مما ربحوا، فترى أحدهم يبيت ليله كله في مصنعه، أو في متجره أو حرفته، أو نحو ذلك. فهذا قد أسهر نفسه، وأحيى ليله، ولكن في طلب الدنيا الدنيئة!
فإذا كان ممن رغب عن الأعمال الأخروية، وزهد فيها، وأقبل على الدنيا بكليته، وانصرف إليها ولم يعمل لآخرته، خيف عليه أن يكون ممن قال الله تعالى في حقهم: «من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون» (سورة هود:١٥-١٦) .
وهذه الآية فيمن جعل دنياه أكبر همه، ونسي أو تناسى الآخرة، ولم يعمل لها، وكان مقصده وديدنه السعي وراء هذا الحطام؛ بل جعلها هي مقصده، لا يعمل ولا يسعى ولا يكدح إلا لها، حتى كأنها معبوده، فيصدق عليه أنه عابد لدنياه، وأنه عابد لدرهمه وديناره، ويتحقق عليه التعس، ويدعى عليه بقول النبي ﷺ: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة".
ولكن بعضهم قد يحصل على جزء من الصلاة والقراءة ولا يكون غافلًا عن ربه ولا متغافلًا عن الذكر، ولا منشغلًا عن القراءة، فيستصحب معه -مثلًا- كتاب الله يقرأ فيه في أوقات فراغه، ويذكر ربه في أوقات فراغه، ويصلي ما قدر له، ويأتي بورد صغير معه. وهذا قد ربح نوعًا من الربح، وإن لم يكن الربح الأكمل، فهذا على طرف، لكن فاته الخير الكثير.
القسم الثالث: يحيونها في اللهو واللغو:
[ ٥٩ / ٢٦ ]
ويشمل أغلبية الناس؛ فإننا نراهم يحيون ليلهم، ولكن في لهو، وسهو!! فتراهم يجتمعون في بيوتهم ومجالسهم يتبادلون الفكاهات والضحك، والقيل والقال، وربما تجاوز الأمر بهم إلى الغيبة، وإلى النميمة، وإلى الكلام في أعراض الناس، وما أشبه ذلك، ولا يذكرون الله في مجالسهم إلا قليلًا، ولا يستصحبون شيئًا من القرآن، ولا من كتب الدين والعلم!
وينقطع ليل أحدهم، أو ليل جماعتهم ليس لهدف سوى نوم النهار، هكذا قصدوا! فيفوت عليهم الأمران:
الأول: أنهم لا يشاركون المصلين في الصلوات، ولا يشاركون القراء في قراءتهم.
والثاني: أنهم لا يشاركون أهل الأرباح الدنيوية في أرباحهم، فيفوت عليهم هذا وهذا!
ولا يحزنون على خسارتهم، وأي خسارة تلك التي لا يشعرون بها؟! ألا وهي مضي هذه الأيام والليالي الشريفة دون أن يستغلوها، ودون أن يستفيدوا منها.
فما أعظم خسارتهم! وما أعظم حسرتهم حينما يرون أهل الأرباح قد تقاسموا الأرباح! وحينما يرون أهل الحسنات قد ضوعفت لهم حسناتهم. فهؤلاء لا خير دين، ولا خير دنيا، بل ربما يكتسبون مآثم بكلام لا فائدة فيه؛ فإن كلام ابن آدم مكتوب عليه، يقول الله تعالى: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» (ق:١٨) .
ويقول النبي ﷺ: "كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله ومن والاه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر".
ويصدق على ذلك قول الله تعالى: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس» (النساء:١١٤) .
وهؤلاء قد يكتب عليهم ما يُسألون عنه، ويحاسبون عليه: لماذا قلتم كذا؟ ولماذا تكلمتم بكذا؟ ولماذا لم تستخدموا ألسنتكم التي سخرها الله لكم في ذكر الله؟ ولماذا أبعدتم آذانكم عن استماع ما فيه طاعة الله تعالى، وفيما يرضيه؟ فلا يجدون لهذا السؤال جوابًا!
القسم الرابع: يحيونها في المعاصي كبيرها وصغيرها:
[ ٥٩ / ٢٧ ]
وهؤلاء كثير أيضًا -والعياذ بالله- وهم الذين يحيون هذه الليالي الشريفة في ضد الطاعة! فتراهم يسهرون على آلات اللهو، والمجون: ينصتون إلى الأغاني الفاتنة، وإلى الأشرطة الماجنة، وإلى رؤية الصور والأفلام الخليعة!
وربما زادوا على ذلك هذه النظرات التي ينظرونها إلى ما يثير الشهوات المحرمة؛ فإن سماع هذه الأغاني الفاتنة يزرع في القلوب محبة الزنا والفساد؛ فيدفعهم ذلك إلى طلب المحرمات. وكذلك فإن مشاهدتهم لتلك الصور الخليعة تزرع في قلوبهم محبة الشرور فتدفعهم اندفاعًا كليًا إلى أن يأتوا ما لا يحل لهم من زنا، أو شرب خمر، أو ما أشبه ذلك. وكثير منهم لا تحلو مجالسهم ولا تلذّ إلا إذا شنَّفوا أسماعهم بالأغاني الخليعة! ومتّعوا أعينهم بالصور الهابطة! وعطَّروا أفواههم بالكلام القبيح! وملأوا شهواتهم وبطونهم بالأشربة المحرمة من خمر ونحوها! فيجمعون بذلك بين ترك الطاعة، وارتكاب المعصية، أو ما يسبب محبة المعصية.
فمثل هؤلاء مع كونهم محرومين، فإنهم آثمون إثمًا كبيرًا، وهؤلاء موجودون بكثرة، ويشكو منهم كثير من الهيئات ممن يأمرون بالمعروف، أو ينهون عن منكر بكثرة، وغالبًا ما يعثرون عليهم حتى في نهار رمضان ويقبض عليهم وهم في سكر!! فلا صيام، ولا ابتعاد عن المحرمات! وسبب ذلك أنهم طوال ليلهم وهم يتفكرون بهذه المحرمات كما زعموا! فيتمادى بهم ذلك إلى محبة هذه المعاصي، والتلذذ بها، فيستعملونها في النهار ويتركون الصيام، الذي هو ركن من أركان الإسلام، ويجمعون بين المعصية وترك الطاعة -والعياذ بالله-.
وكثيرًا ما يختطفون النساء في الأسواق! ويتابعونهن، ويلمزونهن! وذلك كله من أسباب ضعف الإيمان وقلته في القلوب، وحلول المعاصي ومقدمات الكفر بدلًا منه.
فهذه أقسام الذين يحيون هذه الليالي، فليختر المسلم لنفسه ما يناسبه من هذه الأقسام!!
استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر:
[ ٥٩ / ٢٨ ]
ورد في حديث عائشة: "أنه ﷺ كان إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجَدَّ". والجدّ هو: بذل الجهد في طلب الطاعات، أو في فعلها، أي: بذل ما يمكنه من الوسع.
وذلك يستدعي أن يأتي الطاعة بنشاط، ورغبة، وصدق ومحبة. ويستدعي أن يبعد عن نفسه الكسل، والخمول، والتثاقل، وأسباب ذلك، ففي أي شيء يكون هذا الجدّ؟
* الجد في الصلاة؛ فيصلي في الليل والنهار ما استطاع.
* والجد في القراءة؛ أن يقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر وخشوع وقلب حاضر.
* والجد في الذكر؛ أن يذكر الله ولا ينساه، ولا زال لسانه رطبًا بذكر الله.
* والجد في الدعاء؛ أن يدعو ربه تضرعًا وخفية وأن يكثر من الدعاء.
* والجد في الأعمال الخيرية المتعددة من النصائح والعبادات، وما أشبه ذلك.
* والجد في العلم والتعلم وما يتصل بذلك، أي الاجتهاد في الأعمال كلها.
إيقاظ الأهل في العشر الأواخر:
ويدخل في ذلك أمر الأهل -وهم الأولاد والنساء- بالصلاة، فيستحب للمسلم أن يوقظ أهله بهدف الصلاة، وأن يذكرهم بفضلها.
وكان السلف ﵏ يوقظون أهليهم حتى في غير رمضان. وكان عمر ﵁ إذا كان آخر الليل أيقظ أهله كلهم، وأيقظ كل صغير وكبير يطيق الصلاة، وكان يقرأ قول الله تعالى: «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها» (طه:١٣٢) .
يستشهد بهذه الآية على الحرص على صلاة النافلة، وذلك دليل على محبة الصحابة والسلف ﵃ للإكثار من أعمال الخير في الليل والنهار.
لذلك يتأكد على المسلم أن يوقظ أهله وإخوته، وأولاده ونساءه، ومن يتصل به، ومن له ولاية عليه، يوقظهم لأجل أن يقوموا في هذه الليالي الشريفة. فهي ليال محصورة، إنما هي عشر ليال، أو تسع ليال إذا لم تكتمل ليالي الشهر إلى ثلاثين ليلة بأن كان الشهر ناقصًا يومًا، فلا تفوت على الإنسان الباحث عن الخير أن يغتنمها، ويستغل أوقاتها.
[ ٥٩ / ٢٩ ]
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قام الرجل للصلاة وأيقظ أهله فصليا كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات".
وقد وردت أحاديث بفضائل كثيرة في إيقاظ الأهل في مثل هذه الليالي وغيرها.
إظهار النشاط والقوة في العشر الأواخر:
ثبت عنه ﷺ أنه كان في ليالي العشر يغتسل كل ليلة بين العشائين أو بعد العشاء، والقصد من هذا الاغتسال أن يأتي الصلاة بنشاط بدن، ومن نشاط البدن يأتي نشاط القلب.
ومن احترام هذه الليالي وتعظيمها أن النبي ﷺ وصحابته كانوا يتجملون لهذه الليالي فيلبس أحدهم أحسن ثيابه، ليكون ذلك أيضًا أنشط لبدنه، وأنشط لقلبه، حتى إن كثيرًا منهم يتجملون في هذه الليالي بثياب لا يلبسونها لغيرها.
ومما يفعلونه للنشاط والقوة استعمالهم للطيب في البدن، وفي الثوب، وفي المساجد، فكانوا يستعملون النضوح، والنضوح هي: الأطياب السائلة حتى يكون الإنسان طيب الريح، ويكون بعيدًا عن الروائح الكريهة لأن الملائكة تحب الريح الطيب، وتتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، وكذلك يطيبون مساجدهم بالنضوح، وبالدخنة التي هي المجامر.
فمثل هذه مما تكسب النشاط في البدن، والنشاط في القلب، ومتى كان القلب والبدن نشيطين لم يملّ الإنسان ولم يكل، ومتى كان البدن كسولًا ضعف قلبه، وملّ من العبادة، وكسل عنها.
وكثيرًا ما يذم الله تعالى أهل الكسل، كما ذكر الله تعالى ذلك في وصفه المنافقين بقوله تعالى: «وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى» (النساء:١٤٢) .
فالمسلم يأتي بالأعمال التي تحبب إليه العبادة وتجعله منشرح القلب، مقبلًا عليها بكليته، غير غافل ولا ساه، بعيدًا عن كل ما يلهي القلب ويشغله عن طاعة مولاه ﷿.
الفصل السادس
القرآن والذكر في رمضان
القرآن في رمضان:
[ ٥٩ / ٣٠ ]
معلوم أن رمضان شهر له خصوصية بالقرآن. قال الله تعالى: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» (البقرة:١٨٥) .
فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، وفي ليلة منه هي ليلة القدر، لذا كان لهذا الشهر مزية بهذا القرآن.
وكان النبي ﷺ يعرض القرآن في رمضان على جبريل ﵇، فكان يدارسه القرآن.
فعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن".
فكونه يخص ليالي رمضان بمدارسته، دليل على أهمية قراءة القرآن في رمضان.
ومعلوم أن الكثير من الناس يغفلون عن قراءة القرآن في غير رمضان، فنجدهم طوال السنة لا يكاد أحدهم يختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتين، أو ربما نصف ختمة في أحد عشر شهرًا، فإذا جاء رمضان أقبل عليه وأتم تلاوته.
ونحن نقول: إنه على أجر، وله خير كبير، ولكن ينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذين يجهرونه، قال تعالى: «وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا» (الفرقان:١٧) .
* ومن هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتمًا به طوال العام إلا قليلًا.
* ومن هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، ولم يتعقله.
* ومن هجرانه أن القارئ يقرأه لكنه لا يطبقه، ولا يعمل بتعاليمه.
وأما الذين يقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته.
ويجب على المسلم أن يكون مهتمًا بالقرآن، ويكون من الذين يتلونه حق تلاوته، ومن الذين يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عند عجائبه، ويعتبرون بأمثاله، ويعتبرون بقصصه وما فيه، ويطبقون تعاليمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن يعمل به ويطبق، وإن كانت تلاوته تعتبر عملًا وفيها أجر.
[ ٥٩ / ٣١ ]
وفضائل التلاوة كثيرة ومشهورة، ولو لم يكن منها إلا قول النبي ﷺ: "من قرا حرفًا من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". فجعل في قراءة آلم ثلاثين حسنة.
وفضائل التلاوة كثيرة لا تخفى على مسلم، وفي ليالي رمضان وأيامه تشتد الهمة له. كان بعض القراء الذين أدركناهم يقرؤون في كل ليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على وجه الاجتماع؛ يجتمعون في بيت، أو مسجد، أو أي مكان، فيقرؤونه في كل عشرة أيام مرة. وبعضهم يقرأ القرآن ويختمه وحده.
وقد أدركت من يختم القرآن كل يوم مرة أو يختم كل يومين مرة! فقد يسره الله وسهله عليهم، وأشربت به قلوبهم، وصدق الله القائل: «ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر» (القمر:١٧) . وقال: «فإنما يسَّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون» (الدخان:٥٨) .
فمن أحب أن يكون من أهل الذكر فعليه أن يكون من الذين يتلون كتاب الله حق تلاوته، ويقرأه في المسجد، ويقرأه في بيته، ويقرأه في مقر عمله، لا يغفل عن القرآن، ولا يخص شهر رمضان بذلك فقط.
فإذا قرأت القرآن فاجتهد فيه؛ كأن تختمه مثلًا كل خمسة أيام، أو في كل ثلاثة أيام، والأفضل للإنسان أن يجعل له حزبًا يوميًا يقرأه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، وهكذا. لابد أن تبقى معك آثار هذا القرآن بقية السنة ويحبب إليك كلام الله، فتجد له لذة، وحلاوة، وطلاوة، وهنا لن تمل من استماعه، كما لن تمل من تلاوته.
هذه سمات وصفات المؤمن الذي يجب أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله تعالى وخاصته.
أما قراءة القرآن في الصلاة، فقد ذكرنا أن السلف كانوا يقرؤون في الليل فرادى ومجتمعين قراءة كثيرة. فقد ذكروا أن الإمام الشافعي -﵀- كان يختم في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، في غير الصلاة؛ لأنه يقرأ في الصلاة زيادة على ذلك.
[ ٥٩ / ٣٢ ]
وقد يستكثر بعض الناس ذلك ويستبعدونه، وأقول: إن هذا ليس ببعيد، فقد أدركت أناسًا يقرؤون من أول النهار إلى أذان صلاة الجمعة أربعين جزءًا في مجلس واحد. يقرأ، ثم يعود فيقرأ، يختم القرآن ثم يعود فيختم ثلث القرآن، فليس من المستبعد أن يختم الشافعي في النهار ختمة، وفي الليل ختمة.
ولا يستغرب ذلك أيضًا على الذين سهل القرآن في قلوبهم، وعلى ألسنتهم، فلا يستبعده إلا من لم يعرف قدر القرآن، أو لم يذق حلاوته في قلبه.
وعلى الإنسان إذا قرأ القرآن أن يتدبَّره ويعقله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك في آيات كثيرة، كما قال تعالى: «أفلا يتدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا» (النساء:٨٢) .
فنحن مأمورون أن ننظر في هذا القرآن ونتدبره، والكفار كذلك مأمورون بذلك حتى يعترفوا أنه من عند الله، وأنه لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، ولاضطربت أوامره ونواهيه، فلما كان محكمًا متقنًا، لم يقع فيه أي مخالفة، ولا أي اضطرابات كان ذلك آية عظيمة، ومعجزة باهرة.
فهذا هو القصد من هذه الآية، ولكن لا ينافي ذلك بأننا مأمورون أن نتدبر كل ما قرأنا كما أُمرنا.
الذكر والدعاء في رمضان:
يجب على المسلم أن يتعلم، وأن يعمل بما تيسر له من الأذكار والأدعية، فالأذكار يضاعف أجرها في هذا الشهر، ويكون الأمل في قبولها أقرب، ويجب على المسلم أن يستصحبها في بقية السنة، ليكون من الذاكرين الله تعالى، وممن يدعون الله تعالى ويرجون ثوابه ورضوانه ورحمته.
[ ٥٩ / ٣٣ ]
وذكر الله بعد الصلوات مشروع، وكذلك عند النوم، وعند الصباح والمساء، وكذلك في سائر الأوقات. وأفضل الذكر التهليل والتسبيح، والتحميد، والاستغفار، والحوقلة، وما أشبه ذلك، ويندب مع ذلك أن يُؤتى بها وقد فَهِمَ معناها حتى يكون لها تأثير، فيتعلم المسلم معاني هذه الكلمات التي هي من الباقيات الصالحات، وقد ورد في الحديث تفسير قول الله تعالى: «والباقيات الصالحات» (الكهف:٤٦) . أنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وورد في حديث آخر: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". أي أفضل الكلام الذي يؤتى به ذكرًا.
فلتتعلم -أخي المسلم- معنى التهليل، ومعنى الاستغفار، ومعنى الحوقلة، ومعنى التسبيح، والتكبير، والحمد لله، وما أشبه ذلك، تعلم معناها حتى إذا أتيت بها، أتيت بها وأنت موقن بمضمونها، طالب لمستفادها.
وشهر رمضان موسم من مواسم الأعمال، ولا شك أن المواسم مظنة إجابة الدعاء، فإذا دعوت الله تعالى بالمغفرة، وبالرحمة، وبسؤال الجنة، وبالنجاة من النار، وبالعصمة من الخطأ، وبتكفير الذنوب، وبرفع الدرجات، وما أشبه ذلك ودعوت دعاءً عامًا بنصر الإسلام، وتمكين المسلمين، وإذلال الشرك والمشركين، وما أشبه ذلك، رُجي بذلك أن تستجاب هذه الدعوة من مسلم مخلص، ناصح في قوله وعمله.
وقد أمر النبي ﷺ بالدعاء وبسؤال الجنة، وبالنجاة من النار؛ وذلك لأنها هي المآل.
الاستغفار في رمضان:
يقول الله تعالى: «كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون» (الذاريات:١٧-١٨) .
وقد تتعجب: من أي شيء يستغفرون؟
أيستغفرون من قيام الليل؟! هل قيام الليل ذنب؟
أيستغفرون من صلاة التهجد؟ هل التهجد ذنب؟
[ ٥٩ / ٣٤ ]
نقول: إنهم عمروا لياليهم بالصلاة، وشعروا بأنهم مقصِّرون فختموها بالاستغفار، كأنهم يقضون ليلهم كله في ذنوب. فهذا حال الخائفين؛ إنهم يستغفرون الله لتقصيرهم.
ويقول بعضهم:
أستغفر الله من صيامي طول زماني ومن صلاتي
صوم يرى كله خروق وصلاة أيما صلاة
فيستغفر أحدهم من الأعمال الصالحة، حيث إنها لابد فيها من خلل، ولذلك يندب ختم الأعمال كلها بالاستغفار، بل بالأخص في مثل هذه الليالي.
وقد جاء قول النبي ﷺ في حديث سلمان: "فأكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فلا إله إلا الله، والاستغفار. وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتستعيذون من النار" رواه ابن خزيمة كما سبق.
فهذا ونحوه دليل على أنك متى وفقت لعمل فغاية أمنيتك العفو، وتختم عملك بالاستغفار. إذا قمت الليل كاملًا، فاستغفر بالأسحار، كما مدح الله المؤمنين بقوله: «وبالأسحار هم يستغفرون» (الذاريات:١٨) . فإذا وُفِّقت لقيام مثل هذه الليالي، فاطلب العفو، أي: اطلب من ربك أن يعفو عنك، فإنه تعالى عفوّ يحب العفو.
والعفُوُّ من أسماء الله تعالى، ومن صفاته، وهو الصفح والتجاوز عن الخطايا وعن المخطئين.
في ختام الشهر:
وعلينا أن نختم أعمالنا كلها بالتوبة والاستغفار، سواء في قيام هذه الليالي أو غيرها من سائر الأعمال، بل نختم عملنا كله بما يدل على تعظيم الله تعالى، وذكره والثناء عليه.
وقد أمر الله عباده بأن يختموا شهرهم بالتكبير في قوله تعالى: «ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون» (الذاريات:١٨) .
ولكن، ما مناسبة ختم رمضان بالتكبير بعد إكمال العدة؟
[ ٥٩ / ٣٥ ]
أقول: إن الإنسان إذا كبّر الله استحضر عظمته وجلاله، وكبرياءه، وقداسته، فاحتقر نفسه واحتقر أعماله مهما عمل، ولم يذكر شيئًا من أعماله ولم يفتخر بها. وبمثل ذلك يكون محلًا للعفو ولقبول الحسنات، فإذا عرفت بأن ربك أهل لأن يعبد، وأهل للثناء والمجد، وأهل لأن يحمد، وأنك لو عبدت الله تعالى بكل ما تستطيعه لما أديت أقل القليل من حقه عليك، كما يقول بعضهم:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له على حمى الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معاشر مِنّته ولا العشير ولا عشرًا من العشر
فنحن إذا أنهينا صيامنا وقيامنا. نعرف أن ربنا هو الكبير الأكبر، وأنه أهل لأن يكبّر، ويعظّم، وأنه أهل للعبادة، ولذلك يُروى أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة وقابلوا ربهم. اعترفوا بالتقصير، وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك".
أي مهما كانت عبادتك فإنك ستحتقرها، ويقول الرسول ﷺ: "لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله، وقمته كله"، قال الراوي: فلا أدري، أكره التزكية، أو قال: لا بد من نومه أو رقده؟ أو تقصيره.
وكلا الأمرين، حق فإن الإنسان منهي أن يزكي نفسه قال تعالى: «فلا تزكوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتقى» (النجم:٣٢) . وقال: «ألم تر إلى الذين يُزكُّون أنفسهم بل الله يزكِّي من يشاء» (النساء:٤٩) .
فتزكية النفس: مدحُها، ورفع مقام الإنسان لنفسه والإعجاب، وقد يكون الإعجاب سببًا لإحباط العمل! فعليك أن تحتقر نفسك، فإذا نظرت إلى الناس، واحتقرت أعمالهم فارجع إلى نفسك واحتقرها، ولُمْهَا حق اللوم، وحقِّر عملك حتى يحملك ذلك على الاستكثار، ولا تعجب بأي عمل فعلته فلا تقل:
أنا الذي صليت!
أنا الذي قمت!
أنا الذي تهجدت!
أنا الذي قرأت.. إلخ، فيكون إعجابك سببًا لرد أعمالك!
[ ٥٩ / ٣٦ ]
فهذا ونحوه من الإرشادات التي ينبغي على المسلمين أن يعملوا بها، وأن يهتدوا إليها، ويحرصوا على استغلالها في مثل هذه الليالي المباركة.
الفصل السابع
زكاة الفطرو ما يتعلق بها من أحكام
معنى زكاة الفطر وسبب تسميتها بذلك:
هي الصدقة التي تخرج في آخر رمضان، وفي ليلة عيد الفطر وصباح عيد الفطر، وسميت بزكاة الفطر لأنها شرعت عند إتمام الشهر، وفي الزمن الذي يفطر فيه الصائمون من رمضان، فهي زكاة الإفطار، أو صدقة عيد الفطر الذي بعد إكمال رمضان.
تاريخ تشريع زكاة الفطر:
الظاهر أنها شرعت وقت فرضية رمضان، أي في السنة الثانية من الهجرة، وذلك لأنها تضاف إلى رمضان وإلى الإفطار منه، فهي تابعة له، ولم يذكر أنهم صاموا الشهر ولم يخرجوا زكاة الفطر.
حكم زكاة الفطر:
لا شك أنها واجبة، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير". الحديث. والفرض في الظاهر هو الإيجاب والإلزام، فدل على أنها من الفرائض.
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية، على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب، وقد ثبت أن قوله تعالى: «قد أفلح من تزكى» (الأعلى:١٤) . نزلت في زكاة الفطر كما روى ذلك ابن خزيمة.
الحكمة من تشريع زكاة الفطر:
روى ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين". رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه. وذلك أن الصائم في الغالب لا يخلو من الخوض واللهو ولغو الكلام، وما لا فائدة فيه من القول والرفث الذي هو الساقط من الكلام، مما يتعلق بالعورات ونحو ذلك، فتكون هذه الصدقة تطهيرًا للصائم مما وقع فيه من هذه الألفاظ المحرمة أو المكروهة، التي تنقص ثواب الأعمال وتخرق الصيام.
[ ٥٩ / ٣٧ ]
ثم هي أيضًا طعمة للمساكين، وهم الفقراء المعوزون، ليشاركوا بقية الناس فرحتهم بالعيد، ولهذا ورد في بعض الأحاديث: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم". يعني أطعموهم وسدُّوا حاجتهم، حتى يستغنوا عن الطواف والتكفف في يوم العيد، الذي هو يوم فرح وسرور.
ثم إن إخراجها عن الأطفال وغير المكلفين والذين لم يصوموا لعذر من مرض أو سفر داخل في الحديث، وتكون طهرة لأولياء غير المكلفين، وطهرة لمن أفطر لعذر، على أنه سوف يصوم إذا زال عذره، فتكون طهرة مقدمة قبل حصول الصوم أو قبل إتمامه.
أصناف زكاة الفطر:
في حديث أبي سعيد المتفق عليه قال: "كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ: صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة، فقال: إني لأرى مدّين من سمراء الشام يعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه".
وللنسائي عنه قال: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط".
وللدار قطني عنه قال: "ما أخرجنا على عهد رسول الله ﷺ إلا صاعًا من دقيق، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من سلت، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط". وغير ذلك من الروايات.
وقد ذهب الأكثرون إلى أنها لا تخرج إلا من الأصناف الخمسة المذكورة، وهي: الطعام، أي: البر كما ورد مفسرًا في بعض الروايات، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط؛ لأنها الأقوات المعتادة لغالب الناس، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز إخراجها من غالب قوت البلد، ومنه الأرز والذرة والدخن إذا غلب أكلها في إحدى الجهات، وهو الأقرب إن شاء الله تعالى.
مقدار زكاة الفطر:
[ ٥٩ / ٣٨ ]
ذكر في حديث أبي سعيد أنها صاع من أحد الأصناف المذكورة، وقد اختلف في مقدارها من البر، فرأى معاوية الاكتفاء بنصف صاع منه، لكونه أفضل من الشعير، وأن الفقراء قد لا يأكلون الشعير أحيانًا؛ بل يطعمونه الدواب والبهائم، وكذا التمر؛ سيما الرديء منه، فنصف الصاع من البر يعدل الصاع من الشعير في القيمة، ثم هو أنفع من الشعير للفقراء، وقد عمل بذلك كثير من الصحابة، ذكرهم الحافظ في شرح البخاري وغيره.
وورد في ذلك حديث حسنه الترمذي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ بعث مناديًا في فجاج مكة "ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، حر أو عبد صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه، صاع من طعام".
ولكن حديث أبي سعيد أصح منه، وفيه صاع من طعام، وقد فسّره الخطابي بالبر وهو الأولى، وقد اختار أبو سعيد البقاء على ما كان عليه وقت النبي ﷺ، وهو إخراج الصاع كاملًا دون موافقة معاوية على رأيه.
ثم إن الصاع معروف، وهو أربعة أمداد، والمد من البر ملء الكفين المتوسطين مجموعتين، وقدر الصاع بأنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي، والصاع معروف في هذه البلاد، وهو مع العلاوة يقارب ثلاث كيلو، وبدون علاوة نحو كيلوين ونصف، والاحتياط إكمال الثلاثة.
إخراج قيمة زكاة الفطر (نقدًا):
ورد في السنة إخراجها من الأطعمة التي ذكرت في الأحاديث، أو من غالب قوت البلد، ليحصل بها الاقتيات والاستغناء عن التكفف والتسول يوم العيد، ويكفى الفقراء عن الشراء والحمل بإيصالها إلى منازلهم غالبًا.
[ ٥٩ / ٣٩ ]
وقد ذهب الحنفية إلى جواز إخراج القيمة، وهو إخراجها نقدًا من الدراهم أو الدنانير، وزعموا أنه أرفق بالفقير، حتى يتمكن من شراء ما يناسبه من الطعام أو غيره، وهو خلاف النصوص الواردة والأحاديث المتكاثرة، فإن القيمة موجودة في العهد النبوي، ولم يأمر بالإخراج منها؛ ولأن في إخراجها طعامًا إشهار لها وإعلان للعمل بها، بخلاف القيمة فإنها تكون خفية، يعطيها المزكي بخفية، وقد يأخذها من لا يستحقها.
على من تجب زكاة الفطر:
تجب على المسلم الحر العاقل إذا فضل بشيء عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، فيخرج عن نفسه وعن كل من يمونه ممن تجب عليه نفقته، فإن عجز عن الجميع، بدأ بنفسه، فامرأته، ثم برقيقه، ثم بولده، ثم بأمه، ثم أبيه، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته، ففي حديث ابن عمر الذي في الصحيحين قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان.. على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين". وفي حديث ثعلبة بن أبي صُعَيرْ مرفوعًا: "صاع من بر، أو قمح، على كل إثنين، صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى" رواه أبو داود وأحمد وغيرهما. ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر: "على كل صغير وكبير، حر وعبد، ممن تمونون"رواه الدارقطني.
ولا تلزمه فطرة زوجته إذا نشزت، ولا عبده المكاتب؛ لأنها لا تلزمه نفقتهما، ومن تبرع بنفقة إنسان شهر رمضان لم تجب عليه فطرته التي هي تابعة لوجوب النفقة.
واستحبها بعض الصحابة عن الجنين في بطن أمه من غير وجوب، ومن وجبت فطرته على غيره فأخرج عن نفسه كالزوجة والابن والأم أجزأت عنه، لأنه المخاطب بها، وإنما تحملها عنه وليه تبعًا للنفقة أو للحاجة.
جهة إخراج زكاة الفطر:
[ ٥٩ / ٤٠ ]
مصرف الفطرة كمصرف الزكاة، فأهلها هم أهل الزكاة المذكورون في قوله تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل» (التوبة:٦) . وحيث إن وصف الفقر والمسكنة هو الغالب، فإن المقدم فيها هم الفقراء والمساكين، الذين تعوزهم النفقة ويحتاجون إلى تحصيل القوت الضروري لهم ولعوائلهم، ولهذا ورد في الحديث: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم".
ثم عليه أن لا يحابي بها، وأن يقدم من علمه أشد حاجة، فإن كان أقاربه من أهلها فهم أولى من الأباعد مع الاستواء في الحاجة؛ ولأنه ورد في الحديث: "صدقتك على الفقير صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة". ولا يجوز لمن تلزمه مؤنته كزكاة المال.
نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر:
لا يجوز ذلك إلا إذا لم يوجد في البلد فقراء، وقد ذكر العلماء أنها تتبع البدن، فيخرجها في البلد الذي تدركه ليلة العيد وهو فيه، ولو كان سكنه وأهله في غيره، كمن يصوم آخر الشهر بمكة، فإنه يخرجها هناك، وأهله يخرجون عن أنفسهم في موضعهم الذي يوجدون فيه ليلة الفطر، فإن لم يوجد في بلده فقراء من أهلها، وعرف فقراء في بلد آخر جاز نقلها إلى أقرب بلدة يعرف فيها من هم من أهل الاستحقاق، وقيل: يجوز إلى أبعد منها إذا كانوا اشد حاجة أولهم رحم وقرابة.
وقت إخراج زكاة الفطر:
لا شك أنها تجب بغروب الشمس ليلة عيد الفطر، فمن أسلم بعده لم تلزمه الفطرة، ومن ولد بعد الغروب لم تجب على وليه، وإذا تزوج بعد الغروب وتسلم زوجته لم تلزمه فطرتها، وكذا لو اشترى عبدًا بعد خروج شهر رمضان ولو بلحظات؛ فإن فطرته على البائع.
[ ٥٩ / ٤١ ]
والأصل أنها تخرج ليلة العيد، والأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة، فإن عرف الفقير فأوصلها إليه فهو الأفضل، وإلا أودعها له حتى يأخذها بعد الصلاة، ليتحقق إغناء الفقراء في يوم العيد، ووقع في حديث ابن عمر عند البخاري: "وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". ولمسلم: "أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة". ولابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: "من السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة".
وقال الخرقي: وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: "وكانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين".
والصحيح أنها لا تجزئ إن قدمها قبل العيد بثلاث ليال فأكثر، لإضافتها إلى الفطر، ولأن تقديمها بكثير لا يحصل به التوسعة على الفقير في يوم العيد، واغتفر التقديم بيوم أو يومين لأن ما قرب من الشيء أعطي حكمه، ولو قيل بجواز التقديم إذا كان الفقراء قليلًا وأهل الزكاة كثير، بحيث يجتمع عند الفقير ما يقوته نصف العام، كما هو الواقع في كثيرًا من البلاد، لجاز ذلك في الظاهر، لحصول الإغناء لهم يوم العيد وزيادة.
الفصل الثامن
أحكام العيدين
(عيد الفطر وعيد الأضحى)
أعياد المسلمين وحكم الاحتفال والتهنئة بأعياد الكفار:
العيد: اسم لما يعود ويتكرر، إما بعود الأسبوع أو الشهر أو السنة، من الاجتماع العام على وجه مخصوص، وأكثر ما يطلق على أيام الفرح والسرور والأنبساط، ولهذا يقول بعض السلف: "كل يوم يمر بك وأنت في طاعة وعباده فهو لك عيد".
وفي ذلك يقول بعضهم شعرًا:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف طول الحنين وعين دمعها يكف
فأعياد المسلمين ثلاثة:
* عيد يتكرر كل أسبوع وهو يوم الجمعة.
* وعيد يحتفلون بعد إكمال صومهم.
* وعيد وقت موسم حجهم ونسكهم.
[ ٥٩ / ٤٢ ]
فشرع الله لهم بعد إكمال صلاتهم المكتوبة سبعة أيام أن يكون السابع يوم الجمعة، وهو عيد لهم، ولكنه يوم عبادة يجتمعون فيه ويؤدون فيه صلاة خاصة، تجمع أهل البلد كلهم، وفيه يستمعون إلى الخطب والنصائح والمواعظ، ويلتقي بعضهم ببعض، ويتبادلون التحية والسلام، ويتفقدون أحوال إخوانهم، ويطمئن بعضهم على صحة إخوته، ويتعرفون أحوال المرضى والمعوزين، ويخفف بعضهم عن بعض، ونحو ذلك من المصالح الكبيرة التي تترتب على هذا الاجتماع والتلاقي.
كما شرع لهم بعد إكمال صومهم وما معه من العبادات التي يتقربون بها إلى ربهم في شهر رمضان، أن يكون اليوم الذي بعده عيدًا لهم، يظهرون فيه الفرح والسرور، ويتبادلون التهنئة والتبريك، بإكمال صومهم، وإدراك يوم عيد الفطر الذي يسمى يوم الجوائز؛ حيث يحصلون على جوائز المغفرة والرحمة والعتق من النار، وليس هو يوم أشر وبطر وسهو ولهو وغناء وزمر وباطل، ولهذا يٌفتتح بصلاة العيد التي فيها المواعظ والنصائح، وفيها إظهار التكبير والتسبيح، امتثالًا لقوله تعالى: «ولتكبروا الله على ما هداكم» (البقرة:١٨٥) .
وشرع العيد الثاني السنوي وقت أداء المناسك الخاصة بالحرم المكي، وبعد إكمال العشر الأول من شهر ذي الحجة التي يشرع فيها التعبد والذكر والدعاء والعمل الصالح، وفي آخرها أيام ذبح الأنساك والقرابين، فناسب أن يكون اليوم العاشر يوم عيد لجميع المسلمين في جميع البلاد، يتقربون فيه بذبح الأضاحي، ويؤدون فيه صلاة العيد وخطبتيه، وينصتون لما فيهما من المواعظ والتعليمات، فهذه أعياد المسلمين.
[ ٥٩ / ٤٣ ]
فأما أعياد الكفار: فهي خاصة بهم، كيوم النيروز، ويوم المهرجان، وعيد المولد، أو رأس السنة الميلاد، ومثلها ما أحدثه بعض المسلمين: كالمولد النبوي ونحوه، فهي أعياد تخصهم، وقد برئ الإسلام منها ومن أهلها، وعلى هذا فلا تجوز مشاركتهم فيها، سواء في عيد الأسبوع كالسبت لليهود والأحد للنصارى، أو أعياد السنة المعروفة عندهم، فيحرم على المسلم الاحتفال بها لكونها مبتدعة أو منسوخة، ولا تجوز تهنئتهم ولا التبريك لهم، ولا إظهار الفرح بتلك الأعياد، ولا الأكل من أطعمتهم أو ما يقدمون لزملائهم من فواكه وحلوى ونحو ذلك، لما فيه من الرضا بتلك الأعياد المبتدعة والإقرار بها.
من أحكام العيد:
أولًا: حكم صلاة العيد:
قد اختلف في حكم صلاة العيد:
فذهب بعض العلماء إلى أنها فرض عين، لأن النبي ﷺ داوم على فعلها وأكدها، وكان يأمر أصحابه بالخروج إليها، ويسقط بفرضها صلاة الجمعة عمن أدركها إذا اجتمع العيد والجمعة. ولأنه أمر أن يخرج لها النساء، حتى العواتق وذوات الخدور، وحتى الحيض من النساء، وذلك مما يدل على فرضيتها على الأفراد المكلفين.
وذهب آخرون إلى أنها سنة مؤكدة؛ لأن الفرض قد اختص بالصلوات الخمس، ولقوله لمن قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" فيدخل في التطوع صلاة العيد؛ لأنها زائدة على الخمس.
وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية، ولعله الأرجح فتجب على أهل كل بلد، ولا تلزم جميع الأفراد؛ لأنها من شعائر الإسلام، وتفعل علانية، ويتبعها خطبة وتعليم وأحكام، فإذا قام بها من يكفي حصل المقصود.
ثانيًا: من سنن ومستحبات صلاة العيد:
لصلاة العيد سنن ومستحبات كثيرة:
منها: التجمل لها ولبس أحسن الثياب، فقد عرض عمر حلة عطارد على النبي ﷺ ليتجمل بها للعيد والوفود، إلا أنه ردها؛ لأنها من الحرير فقد كان له حلة يلبسها في العيد والجمعة.
[ ٥٩ / ٤٤ ]
ومنها: شرعية الأكل تمرات وترًا قبل صلاة عيد الفطر، ليتحقق الإفطار، ولا يأكل في عيد النحر حتى يأكل من أضحيته إن ضحى.
ومنها: شرعية الخروج إلى الصلاة ماشيًا، حتى تكتب له خطواته ذهابًا وإيابًا (عن علي ﵁ قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا، وأن تأكل شيئًا قبل أن تخرج" أخرجه الترمذي برقم ٥٣٠) .
ومنها: مخالفة الطريق بأن يرجع مع غير الطريق الذي ذهب معه، ولعل ذلك لتكثير مواضع العبادة، أو لغير ذلك.
ومنها: صلاة العيد في الجبانة خارج البلد، فلا تُصلى في المسجد الجامع إلا لعذر كمطر ونحوه، أو للعجزة والضعفاء.
ومنها: شرعية الاغتسال قبل الخروج، كما يشرع للجمعة، وكذا الطيب والتنظف لإزالة الروائح الكريهة.
ومنها: شرعية التكبير في موضع الصلاة وفي الطريق إليه، ورفع الصوت به، امتثالًا لقوله تعالى: «ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم» (البقرة:١٨٥) فيسن للمسلمين إظهار التكبير والجهر به، فهو من شعائر ذلك اليوم، وصفته:
(الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) .
وإن شاء قال:
(الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلا. وتعالى الله جبارًا قديرًا، وصلى الله على محمد النبي وسلم تسليمًا كبيرًا)، أو نحو ذلك من التكبير.
ويكبر كل فرد وحده، ولا يجوز التكبير الجماعي الذي هو اجتماع جماعة على التكبير بصوت واحد ووقت واحد، لكن من لا يعرف صيغة التكبير لجهل أو عجمة يجوز له متابعة بعض من يكبر حتى يتعلم.
ومنها: شرعية تقديم الصلاة قبل الخطبة، ولو خرج أو انصرف البعض، فإن المحافظة على السنة أولى من جبس الناس لأجل استماع الخطبة، مع المخالفة لما نقل عن النبي ﷺ وعن خلفائه الراشدين، ففي اتباع السنة خير كثير والله الموفق.
ثالثًا: من آداب العيد:
[ ٥٩ / ٤٥ ]
يوم العيد هو يوم فرح للمسلمين وسرورهم، ففيه يتجملون ويلبسون أحسن الثياب، وفيه يتزاورون ويتبادلون التهاني والتبريك بهذا اليوم المبارك، ويدعون ربهم أن يعيد عليهم من بركاته، وأن يعود عليهم مرات بعد مرات، وهم في غاية النصر والتمكين والهناء، والعيش الرغيد والحياة السعيدة، وفيه يعودون المرضى ويتواصلون الأرحام، ويجتمع الأقارب ويتلاقون بعد طول الغيبة.
ويجوز فيه إظهار شيء من الفرح والمرح واللهو المباح، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ، وذلك في يوم عيد. فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: "دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا". فدل على أنه يباح لمثل عائشة سماع شيء من الشعر الذي فيه ترويح عن النفس وجلب للفرح والانبساط إذا لم يكن فيه شيء من التمطيط والتكسير والتهييج بما يثير الغرائز ويدفع إلى اقتراف الفواحش، ولهذا قالت: "وليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يعرف الغناء الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، كالذي فيه وصف الخدود والقدود والخمر ونحو ذلك.
[ ٥٩ / ٤٦ ]
وفي الصحيح أيضًا عنها قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب فقال ﷺ: "تشتهين تنظرين" فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: "حسبك"، قلت: نعم، قال: "فاذهبي" قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. رواه سالبخاري في عدة مواضع، وهو دليل على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدرب على الحرب والتنشيط عليه، لما فيه من تمرين الأيدي على آلات الحرب، وفيه أن للعيد خصوصية بمثل هذا التدرب والتمرن على آلات الحرب وتعلم كيفية حملها.
رابعًا: صفة صلاة العيد:
لا خلاف أنها صلاة معتادة، يشترط لها الطهارة وسائر شروط الصلاة، إلا أنها لا يؤذن لها ولا يقام، بل يكتفى بمعرفة وقتها، وهو بعد خروج وقت النهي، أي بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويخرج بزوال الشمس، فإن لم يعلموا بالعيد إلا بعد وقتها صلوها من الغد قضاء.
ولا خلاف أن صلاة العيد ركعتان، إلا أنه يفتتح الأولى بسبع تكبيرات، والثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين من الزوائد:
(الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا) .
وإن أحب قال: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) .
ويقرأ بعد التكبيرات بالفاتحة وسورة، والمستحب أن يقرأ بسبح والغاشية، أو يقرأ بقاف واقتربت الساعة، ويجهر بالقراءة.
وإذا سلم خطب خطبتين يجلس بينهما كما في الجمعة، يحثهم في الفطر على صدقة الفطر وعلى العمل في ذلك، ويبين لهم في الأضحى أحكام الأضحية وسنتها.
[ ٥٩ / ٤٧ ]
وفي الصحيح عن البراء أن النبي ﷺ خطب فقال: "إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا" وفي حديث أنس: "من ذبح قبل الصلاة فليعد". وفي حديث البراء: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له". والنسك هو: ذبح الأضحية.
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: "كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف".
ولم يكن يصلي قبل صلاة العيد في موضعها لا قبلها ولا بعدها، لكن إن صليت في المسجد الجامع جاز أن يصلي قبلها ركعتين كتحية للمسجد، لكن السنة الصلاة خارج البلد. ولم يتخذ النبي ﷺ منبرًا في مصلى العيد، وإنما كان يخرج بالحربة فتركز قدامه كسترة.
ويشرع لمن فاتته أن يقضيها، فقد ذكر البخاري عن أنس أنه أمر مولاه فجمع أهله وبنيه وصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين.
خامسًا: الفرق بين صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى:
ليس هنا فرق في نفس الصلاة، فكل منهما تُصلى ركعتين، وفيهما التكبيرات الزوائد وما يقال بينها.
لكن يُسن في الفطر أن يأكل قبلها تمرات وترًا، ولا يأكل في الأضحى إن ضحى، حتى يأكل من أضحيته.
ويُسن التبكير بصلاة الأضحى لأجل الاشتغال بالأضاحي، وعكسه الفطر فيؤخرها قليلًا ليتمكنوا من الأكل، ومن التأهب للصلاة بالنظافة والتجمل.
وأما في الخطبة: فإنه في الفطر يذكرهم بفضل ذلك اليوم، وأنه يوم الجوائز، وفيه ينصرف المقبولون قد غفر لهم، يرشدهم إلى الطاعات ويحثهم على الاستكثار من صالح الأعمال، ويحذرهم من المعاصي ويبين لهم آثارها.
[ ٥٩ / ٤٨ ]
أما في الأضحى: فإنه يذكر لهم حكم الأضحى وأصلها وفضلها، وما يجزئ فيها وما لا يجزئ، ووقت الذبح وكيفية التوزيع للحم، ويرشدهم أيضًا إرشادات عامة بهذه المناسبة.
سادسًا: حكم خروج النساء لصلاة العيد:
في الصحيح عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور، ويعتزل الحيض المصلى. وعن جابر ﵁ قال: قام النبي ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يُلقي فيه النساء الصدقة.. صدقة يتصدقن حينئذ: تُلقي فتخها ويلقين، قلت: أترى حقًا على الإمام ذلك ويذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه؟.
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّسَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النساء معه بلال، فقال: «يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك» (الممتحنة:١٢) . ثم قال حين فرع منها: "آنتن على ذلك؟ " قالت امرأة منهن: نعم. قال: "فتصدقن" فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلم لكن فداء أبي وأمي، فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال. وفي رواية قال: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، تكثرن اللعن وتكفرن العشير".
وفي حديث أم عطية قالت: يا رسول الله على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المسلمين". وفي رواية: "ليخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، ويعتزل الحيض المصلى، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين".
وهذه الروايات في الصحيحين أو أحدهما، وكلها تفيد استحباب خروج النساء حتى الحيض، ولكن لابد أن تؤمن الفتنة، وأن لا يخرجن بلباس جمال وزينة ظاهرة، فقد قالت عائشة ﵂: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.
[ ٥٩ / ٤٩ ]
ولعل ذلك ما يلبسنه من الثياب وما يبدو منهن من الزينة والجمال، فقد ورد في الإذن للنساء بالصلاة في المساجد قوله: "وليخرجن تفلات".
ولا شك أن الأمر قد تفاقم، وقد تضاعف ما كان في وقت عائشة، وكثر في نساء هذا الوقت المباهاة في الحلي، وإبداء الزينة، وإظهار المحاسن، فالله المستعان.
منكرات تقع في يوم العيد:
١- إحياء ليلة العيد:
لا شك أن إحياء الليل بالصلاة والقراءة والتعبد والدعاء والتضرع عبادة وقربة، قد ندب الله إليه وحث عليه في آيات كثيرة، وأن قيام ليالي رمضان من أسباب المغفرة وكذا قيام ليلة القدر.
فأما ليلة العيد فلم يرد في إحيائها فضل، ولا حث الشرع على تخصيصها بقيام أو قراءة، فمن خصها بالإحياء وحدها دون ما قبلها وما بعدها فقد ابتدع وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، لاعتقاده أنه سبق الصحابة وأهل السنة، وتفوق على سلف الأمة، فيدخل في قول النبي ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". أي مردود عليه.
لكن إذا كان الرجل من عادته قيام الليل طوال السنة أو أكثرها، فإن ليلة العيد تدخل في ذلك.
٢- اختلاط النساء بالرجال في مصلى العيد وغيره:
وهذا من المنكر الذي يجب السعي في إزالته، لما فيه من إثارة الفتنة والدعوة إلى اقتراف الفاحشة، فإنَّ قُرْبَ المرأة من الرجال مما يلفت أنظارهم نحوها، مهما حاولوا التعفف والصدود، فإنه يقع في الغالب من ينظر إلى النساء أو يحاول القرب منهن والاحتكاك بهن، ثم مخاطبتهن ومبادلتهن الكلام إن تمكن من ذلك، كما يحصل من الاختلاط في الأسواق والمستشفيات وغيرها.
[ ٥٩ / ٥٠ ]
فالواجب الفصل بين الرجال والنساء، وأن يجعل لهن مواضع تخصهن، وأبواب يدخلن ويخرجن معها، سيما في الحرمين الشريفين، وقد تقدم قول عائشة ﵂: لو شهد رسول الله ﷺ أو لو رأى ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل أي من الزينة واللباس والطيب والجمال الذي يفتن الرجال إلا من حفظه الله.
٣- الاجتماع على الغناء والرقص وبعض المعاصي لإظهار الفرح:
هناك من يجعل يوم العيد والأيام بعده أيام لهو ولعب وغناء وطرب، ويجتمع الخلق الكثير ويعملون ولائم وينفقون الأموال الطائلة في إصلاح الأطعمة، ويسرفون في ما يصرفونه من الأموال في اللحوم والفواكه وأنواع المآكل التي يعدونها للمغنين وأهل الزمر واللهو، ويستعملون الضرب بالطبول وإنشاد الأغاني الملحنة الفاتنة، وما يصحبها من التمايل والطرب، ويستمر بهم هذا الفعل بضعة أيام، حتى إنهم يسهرون أكثر الليل ويفوتون صلاة الصبح في وقتها وجماعتها.
ولا شك أن هذه الأفعال تدخل في التحريم، وتجر إلى مفاسد ما أنزل الله بها من سلطان، وتدخل في اللهو الذي عاب الله أهله بقوله تعالى: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث» (لقمان:٦) . وفي الوصف الذي ذم الله به أهل النار بقوله: «الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا» (الأعراف:٥١) .
فننصح من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، وأن يحرص على حفظ وقته فيما ينفعه، وأن يبتعد عن المعاصي والمخالفات، وأن لا يقلد أهل اللهو والباطل ولو كثروا أو كبرت مكانتهم.
وقد تقدم إباحة التدرب على السلاح وتعلم الكر والفر وما يعين على الجهاد، كما فعل الحبشة في المسجد في يوم عيد لقصد حسن، وليس معه غناء ولا ضرب طبول ولا قول محرم والله أعلم.
٤- الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان:
[ ٥٩ / ٥١ ]
يعتقد كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه والتخلص منه، لأنه يحول بينهم وبين ملذاتهم ومشتهياتهم، ويفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، واعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر حبس وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون، وقد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: «وحيل بينهم وبين ما يشتهون» (سبأ:٥٤) .
قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، وتسمى تنحيسًا واشتقاقه من الأيام النحسات.. وذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه، ولربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، وهذا هو الخسران المبين، وأنشدهم لبعضهم:
إذ العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار
وقال آخر:
جاء شعبان منذرًا بالصيام فاسقياني راحًا بماء الغمام
ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: «ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها» (الأعراف:١٧٠)، وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعرًا:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.
[ ٥٩ / ٥٢ ]
وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، ولا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام والليالي ليعود إلى المعصية، ومنهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ. هـ. هكذا ذكر ابن رجب ﵀ عن أهل زمانه ومن قبلهم.
ولا شك أن الدين يزداد غربة والأمر في شدة، والكثير من هؤلاء الذين يتوقفون ظاهرًا عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر وانصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى دنياهم وملاهيهم ومكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن يحزنون ويستاؤون لاقضاء الشهر؟!، بل من الذين يجعلون السنة كلها صيام وقيام وعبادات وقربات، ويحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلًا عن المحرمات؟!! فالله يرحمهم فما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل
الخاتمة
وداعًا يا شهر التوبة
ورد في الحديث أن صيام رمضان سبب لمغفرة الذنوب، وكذا قيامه، وقيام ليلة القدر، والصحيح أن المغفرة تختص بالصغائر، لقوله ﷺ: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" رواه مسلم والجمهور على أن الكبائر لا بد لها من توبة.
[ ٥٩ / ٥٣ ]
ثم إن العبد بعد فراق رمضان وقد كُفِّرت عنه سيئاته، يجب عليه أن يحافظ على الصالحات، ويحفظ نفسه عن المحرمات، وتظهر عليه آثار هذه العبادات في بقية حياته، فذلك من علامات قبول صيامه وقيامه وقرباته، فإذا كان بعد رمضان يحب الصلوات ويحافظ على الجمع والجماعات، ويكثر من نوافل الصلاة، ويصلي من الليل ما قدر له، ويُعِّود نفسه على الصيام تطوعًا، ويكثر من ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، وتلاوة القرآن الكريم وتدبره وتعقله، ويتعاهد الصدقة، ويصل أرحامه ويبر أبويه، ويؤدي ما عليه من الحقوق لربه وللعباد، ويحفظ نفسه ويصونها عن الآثام وأنواع الجرائم، وعن جميع المعاصي وتنفر منها نفسه، ويستحضر دائمًا عظمة ربه ومراقبته وهيبته في كل حال، إذا كان كذلك بعد رمضان، فإنه دليل قبول صيامه وقيامه، وتأثره بما عمل في رمضان من الصالحات والحسنات.
ومع ذلك فإن صفة الصالحين وعباد الله المتقين الحزن والأسى على تصرم الأيام الشريفة، والليالي الفاضلة، كليالي رمضان، وهذه صفة السلف الصالح وصدر هذه الأمة رحمهم الله تعالى، فلقد يحزنون لانصراف رمضان، ومع ذلك يدأبون في ذكره، فيدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، ثم يدعونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فتكون سنتهم كلها في ذكر هذا الشهر، فهو دليل على عظم موقعه في نفوسهم، ويقول قائلهم:
سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان
لقد ذهبت أيامه وما أطعتم.
وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم.
وكأنكم بالمشمرين وقد وصلوا وانقطعتم.
أترى ما هذا التوبيخ لكم؟!
أو ما سمعتم قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن؟! ومن ألم فراقه تئن؟
كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع؟! وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع!
[ ٥٩ / ٥٤ ]
شعر:
تذكر أيامًا مضت ولياليًا خلت فجرت من ذكرهن دموع
أين حرق المجتهدين في نهاره؟!
أين قلق المتهجدين في أسحاره؟!
فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه؟!
ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه؟!!
كم نصح المسكين فما قبل النصح؟!
كم دعى إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح؟!
كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد؟!
كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد؟!
حتى إذا ضاع الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم.
وطلب الاستدراك في وقت العدم.
دموع المحبين تدفق.
قلوبهم من ألم الفراق تشقق.
عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق.
عسى توبة ساعة وإقلاع ترفوا من الصيام ما تخرق.
عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق.
عسى أسير الأوزار يطلق.
عسى من استوجب النار يعتق.
لا شك أن شهر رمضان أفضل الشهور، فقد رفع الله قدره وشرفه على غيره، وجعله موسمًا للخيرات، وجعل صيامه وقيامه سببًا لمغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار.
فتح فيه أبوابه للطالبين، ورغب في ثوابه المتقين.
فالظافر من اغتنم أوقاته، واستغل ساعاته، والخاسر من فرط في أيامه حتى فاته.
جعله الله مطهرًا من الذنوب وساترًا للعيوب وعامرًا للقلوب.
فيه تعمر المساجد بالقرآن والذكر والدعاء والتهجد.
وتشرق فيها الأنوار وتستنير القلوب.
[ ٥٩ / ٥٥ ]