بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رفع منزلة أهل العلم، فقال: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» (المجادلة:١١) . والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الكرام، حُماة السنة المقتدين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد، فمما لا شك فيه ولا ريب أن أعظم وأفضل وأجل العلوم بعد القرآن الكريم علم السنة النبوية و"شرف العلوم يتفاوت بشرف مدلولها، وقدرها يعظم بعظم محصولها، ولا خلاف عند ذوي البصائر أن أجلها ما كانت الفائدة فيه أعم، والنفع فيه أتم، والسعادة باقتنائه أدوم، والإنسان بتحصيله ألزم، كعلم الشريعة الذي هو طريق السعداء إلى دار البقاء، ما سلكه أحد إلا اهتدى، ولا استمسك به من خاب، ولا تجنبه من رشد، فما أمنع جناب من احتمى بحماه، وأرغد مآب من ازدان بحُلاه" (جامع الأصول لابن الأثير ١/٣٦) .
[ ٦٨ / ١ ]
وإذا علمنا أن علم الحديث من العلوم الشرعية التي أمرنا بتعلمها وتعليمها "وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه، ولذلك يسر الله ﷾ أولئك العلماء الأفاضل، والثقات الأماثل، والأعلام المشاهير، الذين حفظوا قوانينه، واحتاطوا فيه، فتناقلوه كابرًا عن كابر، وأوصله كما سمعه أول إلى آخر، وحببه الله إليهم لحكمة حفظ دينه، وحراسة شريعته، فمازال هذا العلم من عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه والإسلام غض طري، والدين محكم الأساس قوي، أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة ﵃ والتابعين بعدهم وتابعي التابعين، خلفًا بعد سلف لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله ﷿، إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا في طلب حديث واحد ليسمعه من روايه" (جامع الأصول لابن الأثير ١/٣٩-٤٠) .
وقد اعتنى أهل العلم في القديم والحديث بحفظ الأحاديث وروايتها، والعمل بها، وتدوينها في كتب أطلق عليها، سنن، ومسانيد، وصحاح، ومعاجم، وجوامع، ومشيخات، وأجزاء، وأمالي، ونحو ذلك. واهتموا كذلك بالرواة ومروياتهم من حيث القبول والرد، وقعدوا قواعد لنقد الرواة والروايات، وألفوا في علوم الحديث كالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وأسباب ورود الحديث، والتصحيف والتحريف، والمؤتلف والمختلف، والمتفق، والمتفرق إلى غير ذلك من مباحث هذا العلم.
١- ويعتبر الإمام القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خالد الرّامَهُرْمُزي (٣٦٠هـ) أول من ألف في علوم الحديث في كتابه "المُحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ولم يستوعب كل الأنواع.
[ ٦٨ / ٢ ]
٢- ثم تلاه الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع النيسابوري (٤٠٥هـ) فألف "علوم الحديث" لكنه لم يهذب الأبحاث ولم يرتبها.
٣- ثم جاء الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠هـ) فعمل على كتاب الحاكم مستخرجًا، وترك أشياء لم يذكرها فتداركها من جاء بعده من الأئمة.
٤- ثم صنف الحافظ الحجة أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ) كتابًا في قواعد الرواية سمّاه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع". بل وقل فن من فنون الحديث النبوي إلا وألف فيه كتابًا حتى قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه".
٥- وألف القاضي عياض بن موسى اليحصبي (٥٤٤هـ) كتابه: "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" وهو كتاب فريد، مفيد جدًا في بابه، واقتصر فيه على كيفية التحمل والآداء وما يتفرع عنها.
٦- وألف الإمام أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي (٥٨٠هـ) جزءًا مختصرًا بعنوان "ما لا يسع المحدث جهله".
٧- ثم جاء الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (٦٤٣هـ) فألف كتابه المشهور "علوم الحديث" والذي عُرف بـ "مقدمة ابن الصلاح".
وقد اعتنى بكتب من سبقه من الأئمة خصوصًا الخطيب البغدادي، وكان يُملي على طلبته ما جمعه وهذبه، فجاء كتابه حافلًا مفيدًا، لكن لم يرتبه ترتيبًا مناسبًا، ومع ذلك فيعتبر كتابه بحق عمدة لمن جاء بعده من العلماء ولذا اعتنى به الكثير ما بين شارح له أو ناظم أو مختصر أو مستدرك، فمن ذلك:
ألفية الحديث للحافظ العراقي، وقد شرحها بنفسه، وشرحها الحافظ السخاوي بشرح مطول أسماه: "فتح المغيث".
- واختصر المقدمة، الإمام النووي بكتابه: "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير" وشرح التقريب الإمام السيوطي شرحًا وافيًا في كتابه: "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي".
[ ٦٨ / ٣ ]
- وممن اختصر المقدمة الحافظ ابن كثير في كتابه "اختصار علوم الحديث" وقد شرحه العلامة أحمد شاكر في كتابه: "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث".
ومن المختصرين أيضًا القاضي بدر الدين ابن جماعة في كتابه "المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي".
وكذلك البلقيني في كتابه: "محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح"، والعراقي في كتابه "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح". وأيضًا الإمام ابن الملقن في كتابه المقنع، وكذلك ابن حجر في كتابه: النكت، والطيبي في كتابه الخلاصة في أصول الحديث، وغير ذلك من المؤلفات التي تدل على أهمية كتاب ابن الصلاح.
وتوالت بعد ذلك المؤلفات في علم مصطلح الحديث عمومًا إما بالنظم أو النثر، ومن أفضل وأدق كتاب في هذا الباب: كتاب الحافظ ابن حجر: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، وشرحه "نزهة النظر" هذا الكتاب يعتبر من المختصرات المحررة: وإذا كانت مقدمة ابن الصلاح قد اعتنى بها الكثير، فإن النخبة ذاع صيتها وتلقفها طلاب العلم، واهتم بها العلماء أكثر من غيرها وكثرت شروحات الأئمة، وكثر النظم لها (انظر مقدمة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لكتاب قفو الأثر في صفو علوم الأثر لابن الحنبلي ص٢٤ فقد ذكر جملة من شروحات ونظم العلماء للنزهة) .
وممن نظم في علم المصطلح الشيخ طه بن محمد ابن فتوح البيقوني كان حيًا قبل ١٠٨٠هـ وهو نظم مشهور بديع امتاز بسلاسة الألفاظ وسهولة العبارة، إلا أنها مختصرة جدًا اقتصر في نظمه على ذكر بعض مصطلحات الفن، ولو كانت شاملة لكفت الراغب في هذا العلم، وقد انتقد النظم في بعض المواضع، وقام بشرح البيقونية بعض أهل العلم من ذلك:
١- شرح العلامة عبد القادر بن جلال الدين المحلى كان حيًا ١٠٦٥هـ المسمى: "فتح القادر المعين بشرح منظومة البيقوني في علم الحديث" وتوجد نسخة خطية محفوظة في جامعة الملك سعود برقم ٣٤٢.
[ ٦٨ / ٤ ]
٢- "تلقيح الفكر بشرح منظومة الأثر" تصنيف العلامة أحمد بن محمد الحسيني الحمودي الحنفي ١٠٩٨هـ وتوجد نسخة خطية في جامعة الإمام محمد بن سعود برقم ٥٩٨.
٣- "شرح الزرقاني على المنظومة البيقونية في المصطلح" تصنيف العلامة محمد الزرقاني المالكي ١١٢٢هـ وشرحه مطبوع.
٤- "صفوة الملح بشرح منظوم البيقوني في فن المصطلح" تصنيف العلامة شمس الدين محمد بن محمد البديري الدمياطي المشهور -بابن الميت- ١١٤٠هـ. وتوجد نسخة خطية في دار الكتب المصرية برقم ٢٣٢٦٤ب، وأخرى برقم ٢٥٨٨٢ب، ونسخة ثالثة في المكتبات الوقفية بحلب وعنها مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم ٧٦٩٢ب.
٥- "حواشي على المنظومة البيقونية" تصنيف العلامة عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى الأهدل ١٢٥٠هـ. وتوجد نسخة في جامعة الملك سعود برقم ٥٩٨ وأخرى برقم ١٤٠٤م (ص٢٩٣-٣٠٠) . وثالثة برقم ١٣٥١.
٦- "الدرة البهية في شرح المنظومة البيقونية" تصنيف العلامة محمد بدر الدين بن يوسف المدني الدمشقي ١٣٥٤هـ وتوجد نسخة في الخزانة العامة بالرباط، وعنها مصورة في جامعة الإمام محمد بن سعود برقم ٦٤٣٩ف.
٧- "النخبة النبهانية شرح المنظومة البيقونية". تصنيف الشيخ محمد بن خليفة بن حمد النبهاني ١٣٦٩هـ وهي مطبوعة.
٨- "التقريرات السنية شرح المنظومة البيقونية" تصنيف العلامة حسن بن محمد المشاط المكي ١٣٩٩هـ وقد طُبع مرارًا.
٩- "شرح البيقونية في مصطلح الحديث". تصنيف العلامة محمد بن صالح بن عثيمين. وهو شرح لطيف مفيد للغاية، وقد طبع.
[ ٦٨ / ٥ ]
٠١- وهناك شروح كثيرة على البيقونية غير ما ذكرناه، ولعل من أفضل شروحات هذه المنظومة شرح شيخنا العلامة عبد الله بن عبد الرحمن ابن جبرين حفظه الله تعالى -وهو هذا الشرح- ولقد امتاز شرح شيخنا بسهولته ووضوحه، وكثرة الأمثلة، والتعقبات المفيدة، وعدم التقيد بالمباحث التي اقتصر عليها الناظم، فنجد في هذا الشرح الماتع ذكر بعض أنواع مصطلح الحديث التي لم يرد ذكرها في النظم، على أن شيخنا -دعاه الله- لم يرد التوسع ولو فعل لكان هذا الشرح في مجلد كبير.
وهذا الشرح عبارة عن درس ألقاه الشيخ لبعض الطلاب المبتدئين، وسُجل على أشرطة وقام بنقله أحد الإخوة الفضلاء -جزاه الله خيرًا- ومن ثم عُرض على الشيخ وقام بمراجعته وتصحيحه وتعديله، وقد وفقني الله تعالى للعناية بهذا الشرح وخدمته، فلله الحمد والمنة، وقمت بتعليق بعض الفوائد الضرورية المهمة، ووضعت عناوين للرسالة إتمامًا للفائدة، ونسأل الله العلي القدير أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا، ونستغفره ونتوب إليه من جميع الذنوب والحمد لله رب العالمين.
وكتب
أبو أكثم سعد بن عبد الله سعد السعدان
١٣/١٠/١٤١٦هـ
ص ب: ٨٦٦٦٢
الرياض: ١١٦٣٢
متن المنظومة البيقونية
أَبدَأُ بِالْحَمْدِ مُصَلِّيًا عـ - ـَلَى مُحَمَّدٍ خَيرِ نبيٍ أُرْسِلاَ
وذِي مِنْ أَقْسَامِ الحَدِيثِ عِدَّة وكلُّ واحَدٍ أتى وحَدّهْ
أَوَّلُها الصَّحيحُ وهْوَ ما اتَّصلْ إِسْنَادُه وَلَم يُشَذَّ أَوْ يُعَلّ
يرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابطٌ عَنْ مِثلهِ مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ وَنقْلِهِ
والحَسَنُ المعْرُوفُ طُرْقًا وغدتْ رجَالهُ لا كالصّحيح اشتهرتْ
[ ٦٨ / ٦ ]
وكلُّ ما عَن رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصُر فهو الضّعِيفُ وهْوَ أَقْسَامًا كُثرْ
وَمَا أُضِيفَ لِلنَّبيِ المرْفوعُ وَمَا لِتابعٍ هوَ المقطوعُ
وَالمُسْنَدُ المتَّصلُ الإِسنادِ مِن رَاويهِ حَتى المُصْطفى وَلَمْ يَبنْ
وَمَا بِسَمْع كلِّ رَاوٍ يتَّصِل إسنادُه لِلمصطفى فالمتَّصِلْ
مُسَلسلٌ قلْ ما عَلى وَصفٍ أَتى مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أَنبانِي الفَتى
كَذَاكَ قَد حَدَّثنيهِ قَائِمًا أَوْ بَعْدَ أَنْ حدَّثني تبسَّما
عَزيزُ مَروي اثنين أَوْ ثلاثهْ مشهورُ مَرْوي فوقَ ما ثلاثهْ
مُعنَعنٌ كَعنْ سعيدٍ عن كَرَم وَمُبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسم
وكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُه عَلا وَضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قدْ نَزَلا
وَمَأ أَضفتَهُ إلى الأَصْحاَبِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعلٍ فَهْوَ موقوفٌ زُكِن
وَمُرْسلٌ مِنهْ الصّحَابيُّ سَقَطْ وقلْ غريبٌ ما روَى راوٍ فقط
ْوَكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَال إِسْنَادُهُ مُنقطِعُ الأَوْصَالِ
وَالمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثنَانِ وَما أَتى مُدَلَّسًا نوعانِ
الأَوَّلُ الإِسْقَاطُ للشيخِ وأَنْ يَنقُلَ عمَّنْ فوْقَهُ بعَن وأَنْ
والثّانِ لا يُسقطهُ لكن يَصِفْ أوْصَافهُ بِما بِه لا يَنْعَرِف
ومَا يُخالِفُ ثقةٌ فِيهِ الملا فالشْاذُّ والمقلوبُ قِسمانِ تَلا
[ ٦٨ / ٧ ]
إبدالُ رَاوٍ مّا بِرَاوٍ قِسْمُ وقَلْبُ إِسْنَادٍ لِمتنٍ قِسْمُ
وَالفَرْدُ ما قيّدْتَهُ بِثَقَةٍ أَوْ جمْعٍ أَوْ قْصرٍ على رِوَاية
وَما بِعٍلةٍ غُموضٍ أَوْ خفَا مَعَلَّلٌ عِندَهُمُ قَدْ عُرِفَا
وَذُو اخْتِلافِ سندٍ أَوْ مَتنِ مُضطَرِبٌ عِنْدَ أُهيلِ الفَنِّ
وِالمُدرَجاتُ في الحديثِ ما أَتتْ منْ بعضِ أَلفاظِ الرُّواةِ اتصلتْ
وَما رَوى كلُّ قرينٍ عن أَخِهْ مُدبَّجٌ فاعرِفهُ حَقًا وانتَخِهُ
مُتَّفِقٌ لفْظًا وَخَطَّا مُتفِقْ وضدُّهُ مختِلفٌ فاخْشَ الغلَطْ
والمنكرُ الفرْدٌ به راوٍ غدا تعْدِيلُهُ لا يحمِلُ التُّفرُّدَا
متروكُهُ ما واحدٌ به انفرَدْ وأَجمَعُوا لضِعفهِ فهوَ كَرَدْ
والكذِبُ المُخْتَلقُ المصنُوعٌ عَلَى النبيِ فذلِكَ الموْضوعُ
وقدْ أَتتْ كالجَوْهَرِ المكْونِ سمّيتٌها مَنظُومَةَ البَيْقوني
فوقَ الثلاثينَ بأَربَعٍ أَتت أَبياتُها ثمَّ بخَير خُتِمَتْ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، وأَشهدُ أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصبحه والتابعين.
وبعد:
فهذه منظومة في مصطلح الحديث، اقتصرَ فيها الناظم على مجرد التعريف، واختصر كثيرًا من التعاريف، واقتصر على المهم من اصطلاحات المحدِّثين، ولم يتوسَّع في ذكر كل المصطلحات، وإِنَّما ذكرَ البعض دون الكل.
[ ٦٨ / ٨ ]
وقد كنتُ شرحت المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث قبل نحو عشرين عامًا لبعض الطلاَّب المبتدئين، وتوسعت في شرح الأبيات، وأكثرت من ذكر الأمثلة، حيث إنها اصطلاحات عرفية لا تظهر من السياق ولا من الأَصل اللغوي، ثم إن بعض التلاميذ سجلها وأفرغت وعرضت عليَّ فقمت بتصحيحها وإدخال بعض التعديلات عليها وأذنت بطبعها، حيث لم يشتهر شيء من الشروح المبسطة على هذه المنظومة إلاَّ أَن يكون بعيدًا لم أطلع عليه.
فهذا الشرح صدرَ ارتجالًا بناء على المفهوم المعروف من الفن في كتب المصطلح، فللقارئ غُنْمه، وعلى الكاتب غُرْمه، وهو جهد المقل، وقدرة المفلس. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. قاله: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عضو الإفتاء ٥/١٠/١٤١٥.
قال الناظم:
أبدأ بِالْحَمْدِ مُصَلَّيًا عَلَى مُحَمَّدٍ خَيرِ نبي أُرْسِلاَ
معنى الحمد:
بَدأ بالحمد اقتداء بالكتاب العزيز، كتاب الله، حيث بُدِئ بالحمد؛ لأَن الله هو المستحقّ للحمد وحده (والحمد): ذكرُ محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله، هذا تعريفٌ لبعض العلماء، وبعضهم قال: (الحمد) فعلٌ يُنبئ عن تعظيم المُنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد وغيره، والله تعالى هو المستحق للحمد، ويُحْمَدُ على صفاته، فتَحمدُه لأنه الواحد الأحد؛ ولأنه متصف بصفات الكمال ونحوها، وتحمده على تصرفاته، وتحمده لأنه الذي سخَّر الشمس والقمر، وسخر لنا النجوم مسخرات، وخلق وقدر، وأنه الذي يحيي ويميت ويفعل ما يشاء، وتحمده على عطائه وفضله؛ لأنه الذي أعطى وتفضل، وأغنى الإنسان، وأتم عليه نعمته، وآتاه من كل ما سأل، وخلقه في أحسن تقويم، وما أشبه ذلك، فيحمد على كل حال كما يحمد على ما قدره وما قضاه، حتى يحمده على المصائب والآفات والعاهات التي تصيب الإنسان؛ لأن الله ما أوقعها وأحدثها إلا لمصلحة كالتفكر والاختبار والعبرة.
[ ٦٨ / ٩ ]
معنى الصلاة على النبي ﷺ:
قوله: (مصليًا يعني: حالَ كوني مصلِّيًا على النبي، والصلاة من الله ثناؤه علىعبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة، والصلاة من الملائكة الاستغفار، والصلاة من الآدميين الدعاء. وأصل الصلاة لغة: الدعاء قال تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (التوبة:١٠٣)، يعني: دعاءك، والمعنى في قوله: (صلوا عليه وسلموا) (الأحزاب:٥٦)، يعني: ادعوا الله له على ما بذل لكم من النصح والتوجيه، والإرشاد.
الفرق بين النبي والرسول:
ووصَفَه بقوله: (خير نبيٍ أُرسلا) ليجمع بين كونه نبيًا ومرسلًا، فإنه ليس كل نبي رسولًا.
والنبي مشتق من النبأ وهو الخبر؛ لأنه جاء بخبر من الله، أو من النبوة وهي الارتفاع؛ لأن الله رفع قدره، قال تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) (الانشراح:٤) . والرسول هو: الذي يحمل الرسالة من قومٍ إلى قوم. والفرق بين النبي والرسول: أن النبي من كلف ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول من كلف وأمر بالتبليغ، يعني كٌلف بالتبليغت وألزم به، ودعا قومه ونجا من أطاعه، وهلك من عصاه، هذا هو الرسول.
قوله: (وذي من أقسام الحديث عِدَّه) يعني بأقسام الحديث مصطلحات المحدِّثين، وإلا فالحديث قسمان: صحيح، وضعيف، ولكن البقية مصطلحات (وكلُّ واحدٍ أتى وحده) يعني: كل قسم، أو كل نوع أتى، وأتى بعده حده، يعني تعريفه.
فذكر الصحيح وتعريفه، وذكر الحسن وتعريفه إلى آخره، وبدأ بالصحيح.
أوَّلٌها الصحٍحٌ وَهُوَ ما اتَّصَلَ إِسْنَادُه وَلَم يُشَذَّ أَوْ يُعلّ
الحديث الصحيح:
قوله: (أولها الصحيحُ وهو ما اتّصل إسناده) .
الصحيح: مشتق من الصحة، وهي ضد البطلان، والصحيح بمعنى الثابت، صح الشيء يعني: ثبت وتحقق، وصح الحديث، يعني: ثبت نقله واعتمد ووثق به.
تعريفه:
[ ٦٨ / ١٠ ]
والحديث الصحيح هو: ما رواه عدلٌ ضابطٌ مُعتَمدٌ في ضَبْطِه ونَقْلِه، واتّصلَ إسناده دون أن يكون فيه انقطاع، وسلم من العلة والشذوذ.
شروط الحديث الصحيح:
فشروطه:
أولًا: اتصال السند.
ثانيًا: عدالة الراوي.
ثالثًا: تمام ضبط الراوي.
رابعًا: السلامة من العلة.
خامسًا: السلامة من الشذوذ.
أي لابد للحديث الصحيح من هذه الضوابط.
تعريف السند:
والسند هو: رجال الحديث، أي: سلسلة الرجال الموصلة للمتن، ومعنى اتصال السند: كون هذا يرويه عن هذا وقد لقيه، وهذا يرويه عن هذا وقد لقيه، وهذا يرويه عن هذا وقد لقيه، إلى أن يأتي إلى الصحابي الذي سمعه من الرسول ﷺ.
محترزات الحديث الصحيح:
قوله: (ما اتصل إسناده)
يَخرج ماذا؟ يخرج الانقطاع، وسيأتينا أمثلة للانقطاع. والمنقطع:
(منه) ما سقط من أوله واحد أو أكثر، ويسمى معلقًا.
(ومنه) ما سقط من آخر الإسناد، ويسمى مرسلًا.
(ومنه) ما سقط من وسطه اثنان متواليان، ويسمى معضلًا.
(ومنه) ما سقط من وسطه واحد ويسمى منقطعًا، أو سقط من وسطه اثنان غير متواليين، ويسمى أيضًا منقطعًا.
[ ٦٨ / ١١ ]
يعني: مثلًا الراوي الأول سمعه من شيخ أسقطه، ورواه عن شيخ شيخه، وهو لم يلقه أو لم يسمعه منه فأصبح بينه وبينه فجوة، فيقال هذا الإسناد منقطع، أي: كيف يرويه هذا عن هذا وهو ما لقيه، فلابد أن يرويه واحد عن واحد قد لقيه، والثاني عن ثالث قد لقيه، والثالث عن رابع قد لقيه، إلى أن يتصل بالصحابي. فمثلًا إذا قال الإمام مسلم: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، حدّثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. تحققنا أن مسلمًا قد روى عن قتيبة، وهو أحد مشايخه الذين أدركهم، وتحققنا أن قتيبة روى عن إسماعيل، وأن إسماعيل أدرك ابن دينار، وأخذ عنه، وأن ابن دينار أدرك ابن عمر وروى عنه، فالإسناد هنا متصل لذلك نقول: قد اتصل الإسناد، وهكذا إذا قال: حدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي شعيب قال حدثني جدي الليث بن سعد (الإمام المشهور، قال: حدثنا بكير بن الأشج، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، تحققنا أن عبد الملك قد روى عن أبيه شعيب، وأن شعيبًا أدرك أباه الليث، وأن الليث روى عن بكير، وأن بكيرًا روى عن سهيل، إلى آخر ذلك، فنقول: هذا إسناد متصل.
لكن لو رواه عبد الملك بن شعيب عن جده الليث وهو ما أدركه أصبح منقطعا ولو رواه عبد الملك عن بكير بن الأشج وأسقط أباه وجَده فهذا نسميه معضلًا، حيث سقط فيه اثنان متواليان، وهكذا، ومثل هذا يكون ضعيفًا لا يُعمل به حتى يأتي من طريق أخرى متصلًا.
الحديث الشاذ:
ثم قال: (ولم يشذَ أو يعل) .
[ ٦٨ / ١٢ ]
(الشذوذ) مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أكثر منه عددًا، فإنّ هذا يُعدُّ حديثًا شاذًا فلا يقبل، فإذا اتفق الرواة على رواية حديث، ثم رأينا واحدًا منهم وكان ثقة قد خالف هذا الجمع الكثير، وأتى بزيادة كلمة انفراد بها، عرفنا أن هذا شاذ، ونقول: إنَّ هذه الزيادة شاذة، فلا تقبل لِعلة احتمال الخطأ، أو لانفراد واحد عن جمع، ومُثّل لذلك بحديث المغيرة في مسح النبي ﷺ على الخفين. حيث رواه عن المغيرة نحو عشرين روايا كلهم قالوا: مسح على الخفين:
وأنفرد واحد يُقال له: أبو قيس، عن هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة فقال: مسح على الجوربين والنعلين.
فنقول: هذه الرواية راويها عدل وإن كان أبو قيس فيه مقال، كما قال مسلم في التمييز صـ٢٠٣. وإسنادها متصل، لكنها شاذة، والشذوذ ضعف، فلا يسمى هذا حديثًا صحيحًا، بل يسمى إسناده صحيحًا ولكنه شاذ، قد خالف فيه الثقة من هو أكثر منه وأوثق وأضبط، وأكثر ملازمة وما أشبه ذلك.
الحديث المعلول:
[ ٦٨ / ١٣ ]
وكذلك السلامة من العلة، والمعلول هو: ما فيه علة خفية قادحة، فقد يطلع أحد العلماء على خطأ من أحد الرواة، كأن يقلب الحديث، أو يرويه بالمعنى، أو يرفعه وهو موقوف، أو يصله وهو منقطع أو ما أشبه ذلك فيطلع النقاد من أهل الحديث على أن فيه علة، وأنها قد خفيت على أكثر المحدثين، لكون ظاهر الإسناد الصحة، ولكن بالتتبع وبمقابلته بالأحاديث الأخرى وجد أن فيه علة خفية قادحة، ويسمى هذا بالمعلول، وقد ألف فيه تآليف كثيرة، مثل كتاب (العلل) لابن أبي حاتم في مجلدين بلغت أحاديثه التي فيها علل ألفين وثمانمائة وأربعين حديثًا، رتبها على ترتيب أحاديث الأحكام من الطهارة إلى آخره، مقتصرًا على الأحاديث التي فيها علل، ويعتمد غالبًا في أخذ العلة على أبيه؛ لأنه كان من فرسان المحدثين، وعلى ابن عم أبيه وهو أبو زرعة الرازي، وكان من أهل العلم بالرجال، ومن أهل العلم بالعلل، وقد أكثر فيه من الأمثلة، وتوسع حتى أدخل أحاديث صحيحة علتها تكون بنسبة يسيرة.
ومثله وأوسع منه (العلل) للدارقطني فإنه قد توسع حتى علل أحاديث موجودة في الصحيحين، أو في أحدهما! وكتابه أوسع من غيره، وقد طُبع منه عشرة أجزاء وفيها ٢٠٨٣ حديثًا.
وبالجملة قلَّ أن يكون الإنسان راويًا للكثير إلا ويقع في شيء من الخطأ، فيعتبره بعض الناس حديثًا صحيحًا. وهو خطأ.
يرْوِيهِ عَدْلُ ضَابطٌ عَنْ مِثلهِ مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ ونقْلِهِ
تعريف العدالة:
قوله: (يرويه عدل ضابط عن مثله) العدل الضابط المراد به الراوي، ولابد في الراوي من وصفين: العدالة، والضبط.
والعدالة ما هي؟ معلوم أنها تشترط العدالة في الشاهد مثلًا في المحاكم لقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم) (الطلاق:٢) . فكذلك العدالة في رواي الحديث، أي: لابد فيه من اعتبار العدالة.
[ ٦٨ / ١٤ ]
وقد تكلم الفقهاء في العدالة في الشهود، وذكروا ما يقدح في عدالة الشاهد، وما يخرجه من سمة العدالة، وقالوا: العدالة هي:
أولًا: فعل الواجبات وترك المحرمات.
ثانيًا: المحافظة على الشِّيم والأَخلاق.
ثالثًا: فعل المُروءات. والمروءة هي: أن يفعل كل ما يُجَمِّل ويُزين، ويترك ما يُدنس ويشين، فهذا هو العدل، وتفصيل ذلك طويل، وقد توسعوا فيه في كتب الفقه في كتاب الشهادات، وذكروا أمثلة مما يقدح في عدالة الشاهد، حتى أوصلها بعضهم إلى مائة قادح أو أكثر، حتى قدحوا في شهادة من يأكل في الأسواق، أو يمشي كاشفًا لبعض عورته كفخذيه، أو يمد رجليه في المجالس، أو يضطجع أمام الناس ولا يبالي؛ لأن ذلك يدل على سخافته ودناءته، وعلى نذالة خلقه، وكذلك قدحوا في شهادة من يجاهر بالمعصية ويعلن بها ونحو ذلك، فكذلك يقدح في روايته.
تعريف: الضبط
(أما الضبط) فهو الحفظ، وذكروا أنه قسمان: (ضبط صدر) و(ضبط كتاب) .
* تعريف ضبط الصدر:
[ ٦٨ / ١٥ ]
فضبط الصدر: أن يحفظ ما رواه: أي: إذا سَمِعَهُ حَفِظَه، أو ردده حتى يحفظه، وعلامة الحفظ: أن يأتي به كما سمعه وأن يستحضره كلما أراد الاستشهاد به فيسرده كما هو. وكان في الصحابة حفاظ، منهم: أبو هريرة ﵁ حافظ الصحابة، ومع ذلك كان يكرر الأحاديث، يبيت أول الليل يدرسها ويكررها ويرددها حتى لا ينساها؛ لأنه يُحدث من الذاكرة، ولم يكن يكتب، وهناك من يكتبها كعبد الله ابن عمرو بن العاص ﵁، فقد كتب صحيفة وسماها الصحيفة الصادقة، وتوارثها ولده بعده، إلى أن وصلت إلى عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك في التابعين حفاظ، منهم من يحفظ الحديث أو القصة، أو القصيدة عندما يسمعها، وقد روي عن الشعبي عامر بن شراحيل التابعي المشهور أنه قال: (ما كتبت سوداء في بيضاء) مع كثرة أحاديثه، وكثرة ما يحفظه من القصص والأخبار، والقصائد والأشعار، ونحو ذلك، ومع ذلك لم يكن يكتب، بل كان يعتمد على الحفظ، وأن بعضهم لم يكن يطلب من المحدث أن يعيد شيئًا بل متى سمع الشيء حفظه لأول مرة ولو لم يتكرر، حتى أن بعضهم كان إذا مر باللهو أو بالكلام الباطل، والقصص الخرافية ونحوها يسد أذنيه، مخافة أن يدخل فيها شيء باطل فيبقى في ذهنه، فهو يحب أن تكون محفوظاته خالية من الأشياء التي لا فائدة فيها، وهذا هو: ضبط الصدر.
* تعريف ضبط الكتاب:
وأما ضبط الكتاب: فكونه إذا سمع الشيء دونه وكتبه، وحفظ كتابه في صندوقه أو في يده، مخافة أن يطلع عليه سفيه فيزيد فيه أو ينقص منه، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا ونحوه قدح في الضبط، بخلاف ما إذا حفظ كتابه فإنه يؤدي منه متى أراد، بدون أن يحصل فيه تغيير أو نقص، ولهذا قال الناظم في ذلك الراوي: (معتمد في ضبطه ونقله) يعني معتمد عليه، ضابط لما يسمعه ولما ينقله، وسبب الاعتماد الحفظ والأهلية.
أقسام الحديث الصحيح:
[ ٦٨ / ١٦ ]
أقسام الحديث الصحيح كثيرة، أرفعها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم بعده ما كان في صحيح البخاري، ثم بعده ما كان في صحيح مسلم دون البخاري، ثم بعده ما كان على شرطهما وإن لم يروياه، ثم بعد ذلك ما كان على شرط البخاري وحده، ثم بعده ما كان على شرط مسلم وحده، ثم ما صح عند البقية من المحدثين وإن لم يكن على شرط أحد منهما.
الحديث الحسن:
قوله: (والحسن المعروف طرقًا) هنا عرَّف الحسن.
يقول في تعريف الحديث الحسن: أنه ما غدت رجاله اشتهرت، لكنه نزل عن درجة الصحيح، وعرَّفه بأنه معروفة طرقه يعني أن أسانيده معروفة، وأن رجاله موثوقون، وأنه متصل، إلا أن رجاله وجملته ليسوا في الشهرة كرجال الصحيح، بل أقل منهم شهرة، فهو يُقبل ويُعمل به، ولكن منزلته دون منزلة الصحيح، لنزول درجة رجاله، فمن المعلوم أن رجال الحديث يتفاوتون في الثقة والحفظ، فمنهم: حفَّاظ نقَّاد، ومنهم: حفَّاظ يقعون في شيء من الوهم.
[ ٦٨ / ١٧ ]
وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه أمثلة من هؤلاء وهؤلاء، فمثل للثقات العدول: بإسماعيل بن أبي خالد، ومنصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش ومثلهم كثير كما للابن أمر وابن أبي ذئب وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وأبي إسحاق السبيعي، وأمثالهم، فهؤلاء أئمة وحفاظ وعلماء، يحفظ أحدهم ما سمع غالبًا، وقد اشتهروا بالنقل، وصار الناس يرجعون إليهم، وتتلمذ عليهم الخلق الكثير، فمثلًا تلامذة الزهري لا يكادون أن يحصوا كثرة لاشتهاره بالحفظ، ومثل تلامذة الأعمش سليمان بن مِهران أحد الحفاظ المشهورين كثيرون لاشتهاره فيما بينهم بالحفظ، وكذلك الذين اشتهروا بقوة الحفظ، كما ذكرنا أن الشعبي عامر بن شراحيل يقول: (ما كتبت سوداء في بيضاء)، لقوة حفظه مع كثرة ما روى، فهو من الحفَّاظ المشهورين، فإذا جاءنا في رجال الحديث من هؤلاء الأئمة اعتبرناه من الصحيح! سواء كانوا من أهل العراق كشعبة، والثوري، والسبيعي، ونحوهم، أو من أهل الشام كالأوزاعي، أو من أهل مصر كالليث، أو من أهل مكة كابن عيينة، وعطاء بن أبي رباح، أو من أهل المدينة كالزهري ومالك وابن أبي ذئب ونحوهم، فنقول: هؤلاء رجال الصحيح، فمن نزل عن مرتبتهم وإن كان يشمله اسم الصدق والحفظ وكثرة الرواية، لكن يقع منه خطأ، وينسى أحيانًا فهو الذي روايته في مرتبة الحسن. فمثلًا أبو صالح السمان أحد الحفاظ من تلاميذ أبي هريرة، نقله يعتبر في درجة الصحيح، وتلميذه ابنه سهيل كثير الرواية عن أبيه، لكنه يقع في أخطاء، ولأجل هذا احتج به مسلم دون البخاري، فروايته وحده تعتبر في مرتبة الحسن، وكذلك يمثل بسعيد بن أبي عروبة، وعطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي زياد، وأشباههم، هؤلاء يروون أحاديث، ولكن ليسوا في الترتيب في منزلة رجال الصحيح، فيعد تفردهم أو كون الحديث من رواية أحدهم هو الحسن، هذا معنى قوله: (وغدت رجاله لا كالصحيح) يعني اشتهرت لا كرجال الحديث الصحيح،
[ ٦٨ / ١٨ ]
بل دون رجال الصحيح في الشهرة.
وقد عرفنا أن رجال الحسن يشملهم العدالة والضبط، إلا أن ضبطهم أقل من ضبط رجال الصحيح، وهذا هو الفرق بين الحديث الحسن والحديث الصحيح.
معنى قولهم: حسن صحيح:
واستشكلوا الجمع بين الحسن والصحيح، كما يفعله الترمذي في قوله: هذا (حديث حسن صحيح)، فما الجواب؟ فإن كونه صحيحًا يغني عن كونه حسنًا؛ لأن الحسن أنزل من درجة الصحيح، فكيف يكون حسنًا صحيحًا؟ لماذا لم يكتف بصحيح؟ أو لم يكتفِ بحسن، إن كان أنزل درجة من الصحيح؟ ولم يستعمل هذا غالبًا إلا الترمذي، ولكن يظهر أن الترمذي لم يلتزم هذا الاصطلاح، وهو أن الصحيح رجاله هم الموثقون الحفاظ، والحسن رجاله هم الذين دون أولئك في الضبط، إنما أراد بقول: حسن صحيح. الوصف له بما يقتضي الصحة والعدالة والقبول، فيقول: حديث حسن صحيح، يعني أنه حسن من حيث مخرجه، وصحيح من حيث أصله، كأنه يصفه بما يؤكد قبوله، هذا هو المتبادر من فعل الترمذي.
أما إذا قال: حديث حسن. فإنه كما ذكر أن الحسن هو ما عرف مخرجه واشتهرت رجاله، وروي له طريقان أو أكثر.
أقسام الحديث الحسن:
ثم يقسّمون الحسن أيضًا إلى قسمين: حسنٌ لذاته، وحسنٌ لغيره، كما أن الصحيح ينقسم إلى قسمين: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، والحسن لذاته هو: الذي له طريق واحد، ولكن رجاله موثقون، ثم قد يكون الحسن صحيحًا وذلك إذا تعددت طرق روايته، أي: روي عن طريقين أو أكثر، ولكن كل منهما رجاله كرجال الحسن، فيكون هذا الطريق حسنًا لذاته، وهذا الطريق الثالث حسنًا لذاته، وهذا الطريق حسن لذاته والمدار على الصحابي في الحديث الواحد، فنقول هذا هو الصحيح ولكن لا لذاته بل بالمجموع، ويسمى الصحيح لغيره، يعني أنه صحيح لشواهده ولكثرة طرقه، فإن كثرة الطرق تقويه، وتنقله من قوي إلى أقوى.
[ ٦٨ / ١٩ ]
أما الحسن لغيره فهو: الذي نزل عن درجة الحسن لما كان فردًا، ولكن بمجموع الطرق -وكلها لا تخلو من الضعف- يترقى إلى الحسن لا لذاته بل بالمجموع.
المتابعات والشواهد:
فعندنا مثلًا طريق ضعيف، وطريق آخر فيه ضعف، وطريق ثالث فيه ضعف، تجتمع هذه الطرق وتتقوى، ويكون حسنًا لا لذاته بل بالمجموع، يعني أنه تقوّى بهذا وبهذا فأصبح حسنًا لغيره؛ ولهذا يسمون الطرق متابعات وشواهد وإن لم يذكرها الناظم فقد ذكرها غيره. والمتابعات تكون في السند والشواهد تكون في المتن.
فإذا كان الراوي يوافق غيره كان دليلًا على ثقته، وإذا كان ينفرد عن غيره كان دليلًا على ضعفه، وتسمى موافقته لغيره متابعة، فتجدهم إذا قرأت ترجمة أحد الرواة يقولون مثلًا في الكلام عليه: فلان ضعيف، لا يُتابع على أحاديثه، أو ينفرد عن الثقات بالمنكرات، أو ينفرد بالغرائب عن الثقات.
أما الذي يتابع فإنه يدل على حفظه، فعندك مثلًا: الزهري له تلاميذ كثيرون، فإذا روى عنه ابن أخيه وهو محمد بن عبد الله حديثًا، ولم يروه غيره قلنا: هذا الحديث غريب، تفرد به ابن أخي الزهري عن عمه، ولو كان عند الزهري ما تركه بقية تلامذته، فدل على ضعف هذا الحديث حيث تفرد به ابن أخي الزهري، فإن وجدناه قد رواه يونس بن يزيد الأيلي أحد تلامذة الزهري، أو عقيل بن خالد أحد تلاميذه، أو شعيب بن أبي حمزة أحد تلامذة الزهري أو سفيان ابن عيينة، أو الثوري، أو معمر بن راشد، أو من أشبههم عرفنا أنه قد توبع، فقلنا: ابن أخي الزهري يتابع، تابعه فلان على حديثه، وتابعه معمر وهكذا.
والحاصل أن الحسن لغيره هو: الضعيف الذي تتعدد طرقه.
والصحيح لغيره هو: الحسن الذي تتعد طرقه.
الضعيف الذي لا ينجبر:
[ ٦٨ / ٢٠ ]
ثم إن هناك ضعفًا لا ينجبر، وهو أن يكون الرواةمتهمين بالكذب، مشهورين به، وقد تتعجب من توافق كثير من الروايات التي فيها ضعف، لكن لا غرابة، فإنهم قد يتفقون على الكذب فيجتمع مثلًا في مجلس واحد ثلاثة يختلقون حديثًا، ويقولون: نرويه عن فلان الثقة المعروف، فيتفرقون وكل منهم يحدِّث به، فيقول مثلًا: حدَّثني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، فمثلًا عبد القدوس بن حبيب في الشام يقول: حدّثني شعيب، ثم يأتي أحد الكذابين في العراق كعمرو بن جميع ويقول: حدثني شعيب، ويأتي آخر في خراسان ويقول: حدثني شعيب، فإذا رأينا أن هذا الحديث قد توافقوا وتتابعوا على روايته عن شعيب تعجبنا حتى ليجزم بعضهم أن شعيبًا حدَّث به، وإلا فكيف اتفق عليه راوي العراق، وراوي خراسان، وراوي الشام؟
والجواب: أنه لا عجب، فقد يجمعهم مجلس، ويتفقون فيه على اختلاق حديث، ويتفرقون ويروونه، وقد يسرقه بعضهم، كما تجد في تراجم بعض الرواة ذكر السرقة، يقال: فلان يسرق الأحاديث. أي أنه إذا سمع حديثًا ضعيفًا مرويًا من طريق سرقه، وكتبه، ثم حدّث به من طريق ثانِ، فاختلق له طريقًا آخر، فيتعجب الذي يرى هذا مخرجًا من طريق، ثم يراه مخرجًا من طريق آخر، ويقول: كيف توافقت الرواة؟ يعني هذا: طريق كلهم مصريون، وله إسناد من طريق كلهم عراقيون، فنقول: لا غرابة في ذلك، فقد يكون الذي اختلقه لأول مرة هو المصري، ثم لما سمع به العراقي ركب له إسنادًا، ليدعي أنه قوي.
[ ٦٨ / ٢١ ]
وقد يكتب بعضهم إلى بعض ممن يَروون الكذب، أو يرون جواز الكذب أو نحو ذلك، فإذًا قد يقع في روايات الضعفاء توافق، فلا تكون متابعة الضعيف شديد الضعف رافعة لضعف الحديث، ولا مسببة لنقله إلى مرتبة الحسن لغيره، وإنما الذي يرتقي إلى مرتبة الحسن إذا كان الضعف فيه ينجبر وذلك إذا كان الراوي غير متهم بالكذب. أما الضعف الذي لا ينجبر فلا يعني ما هو ضعيف بسبب رواة متهمين بالكذب، وقد عرف أن الراوي يطعن فيه فيُقال: كذَّاب. أو يُقال: متهم بالكذب، أو ما أشبه ذلك.
فإذا كان الراوي غير متهم بالكذب، فضعفه ينجبر إذا روي عن طريق أُخرى، وأحاديث الكذَّابين تُتَجنَّب.
وقد كُتبت في ذلك مؤلفات كثيرة ككتب الموضوعات، والقصد من كتابتها التحذير منها لكي يعرفها الناس ويحذروها ويتجنبوا روايتها، أو يتجنبوا تصديقها والعمل بها، فمنها: (كتاب الموضوعات) في أربعة مجلدات لابن الجوزي، يرويها بالأسانيد، ويقتصر على الأحاديث الموضوعة، وإن كان قد تساهل وأدخل في ذلك أشياء من الأحاديث التي فيها ضعف لا يصل إلى الوضع ومنها: (تنزيه الشريعة المرفوعة) لابن عراق في مجلدين، وهو من أوفى ما كتب في الموضوعات، وإذا كان رواة المتابعات كلها من المبتدعة، فإن الضعيف لا يترقى إلى الحسن؛ لأن كثيرًا من المبتدعة يتساهلون في رواية الموضوع سيما إن كانت الأحاديث تؤيد بدعتهم، أو يرون وضع الأحاديث حسبة، تقوية لمذاهبهم ومعتقداتهم، وأكثر من يفعل ذلك الرافضة الذين امتلأت مؤلفاتهم بالأكاذيب التي يؤيدون بها مذهبهم.
وكُلُّ ما عَن رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصُر فهو الضّعِيفُ وهْوَ أَقْسَامًا كُثرْ
الحديث الضعيف:
قوله: (وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسامًا كَثُر):
[ ٦٨ / ٢٢ ]
معروفٌ أن الحديث صحيح، وحسن، وضعيف، ومنهم من يقول: صحيح وضعيف، ولكن الصحيح ينقسم إلى قسمين، صحيح قوي، وصحيح دونه في القوة وهو الحسن، فكل ما نزل عن مرتبة الحسن فهو الضعيف، وأقسامه كثيرة.
فمنه: ما يسمى بالمنكر، والمنقطع، والمقلوب، والموضوع، ومنه يُطلق عليه اسم: الضعيف، ومنه ما يكون ضعفه بسبب في إسناده، كالمعضل، والمعلق، والمرسل والمدلس والمعنعن وما أشبه ذلك، كمما سيأتينا أمثلة لذلك.
وَمَا أُضِيفَ لِلنَّبيِ المرْفوعُ وَمَا لِتابعٍ هوَ المقطوعُ
الحديث المرفوع:
قوله: (وما أضيف للنبي المرفوع وما لتابع هو المقطوع)
الحديث المرفوع هو: ما ينتهي إسناده إلى النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره، وينقسم إلى مرفوع صريحًا، ومرفوع حكمًا.
فالمرفوع الصريح هو أن يُقال: قال رسول الله ﷺ، أو فَعَلَ النبي ﷺ كذا، أو فُعِلَ بحضرة النبي ﷺ كذا، فهذا مرفوع صريحًا.
أما المرفوع حكمًا فهو كلام الصحابي الذي يتورع عن الجرأة في الدِّين، ولم يأخذ عن الإسرائيليات ونحوها، وتكلّم بما لا مجال للرأي فيه، فإن له حكم الرفع، حيث إنه لا يُقال مثل هذا بالرأي وعلى هذا تحمل كثير من أحاديث الصحابة الموقوفة فإن يوجد أحاديث موقوفة على الصحابة كعمر وعثمان وعلي، وابن عمر، وأنس وجابر ونحوهم، فهذه الآثار أقوال يقولونها وأفعال يفعلونها لها أحكام ولا يمكن أن يفعلوها من تلقاء أنفسهم، بل لابد أن يكونوا تلقوها عن نبيهم ﷺ سواء كانت في العبادات أو في المعاملات، وسواء كانت أفعالًا أو تروكًا، فإن لها حكم الرفع.
الحديث الموقوف:
[ ٦٨ / ٢٣ ]
وقد ألحق بذلك بعضُ العلماء ما كان عن التابعين، ولكن الصحيح أن التابعي ما وقف عليه، فهو أقل رتبة مما وقف على الصحابي، فالصحابي إذا انتهى إليه الإسناد فإنه يسمى موقوفًا، ولكن إن كان لا مجال للرأي فيه فهو مرفوع حكمًا، وإن كان للرأي مجال فيه فهو موقوف أصلًا وفرعًا، أما إن انتهى إلى التابعي (وهو الذي رأى الصحابة) كسعيد بن المسيب، وقتادة، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، والزهري وأشباههم، فإن ما وقف عليه يسمى مقطوعًا.
الحديث المقطوع:
(وما لنابع هو المقطوع) يعني: ما وقف على التابعي وجعل من كلامه فإنه مقطوع، وقد دونت فتاواهم وأقوالهم، وما تركت تضيع، حتى ولو كانوا من التابعين؛ لأنهم تلامذة الصحابة، فاعتنى كثير من العلماء بأحاديث الرسول ﷺ المرفوعة ودوّنوها، كأهل السنن وأهل الصحيحين ونحوهم.
وبعض العلماء الذين ألفوا في كتب الأحكام لم يقتصروا على المرفوع، بل ألحقوا به أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأفعالهم واجتهاداتهم، ولو كان فيها شيء من الاختلاف، فإنها تدل على أن هذه المسألة فيها مجال للاجتهاد، وقد نجد اختلافًا عن بعض الصحابة فقد اختلفوا في المستحاضة كم تجلس؟ واختلفوا في من أتى حائضًا هل يكفر أم لا؟ واختلفوا في إزالة النجاسة بكم تزول؟ لكن هذا الاختلاف يدل على أن هذه الأمور فيها سعة، وأن فيها مجالًا للاجتهاد، وأنه ليس كل ما قالوه متحققًا عن الرسول ﷺ.
[ ٦٨ / ٢٤ ]
فالحاصل أن ما أضيف إلى النبي ﷺ يسمى مرفوعًا، وما أضيف إلى الصحابي يسمى موقوفًا، وما أضيف إلى التابعي من كلامه أو فعله يسمى مقطوعًا، فإن المسألة إما أن يوجد فيها نص مرفوع، فحينئذ يستدل به وتطرح أقوال غير الرسول ﷺ، وهذه طريقة الإمام أحمد، فإنه إذا وجد في الباب حديثًا لم يلتفت إلى غيره، وإذا لم يجد حديثًا ووجد فيها أثرًا عن الصحابة تمسك به إذا لم يختلفوا، فإذا اختلف الصحابة اختار القول الذي فيه أحد الشيخين أبي بكر وعمر أو أحد الخلفاء، فإذا لم يجد عن الصحابة في المسألة شيئًا فإنه يذهب إلى أقوال التابعين؛ لأنهم تلامذة الصحابة، فإذا لم يجد فيها شيئًا اجتهد بنظره وأفتى بما يوجبه اجتهاده.
وَالمُسْنَدُ المتَّصلُ الإِسنادِ مِن رَاويهِ حَى المُصْطفى وَلَمْ يَبنْ
الحديث المسند:
وقوله: (والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى):
اقتصر الناظم هنا على تعريف المصطلحات تعريفًا موجزًا، دون أن يذكر أكثر من تعريف، ودون أن يذكر شيئًا من الخلاف، أو كثرة الأقوال، وقد تقدم تعريف الحديث الصحيح، والحسن، والضعيف، والموقوف، والمرفوع، وذكر الناظم في هذا البيت تعريف المسند.
فالمسند مشتق من الإسناد والإسناد هو سلسلة الرجال أي رجال الحديث، وسمي إسنادًا لأن بعضهم يسنده عن الآخر وهذا يسنده عن الآخر، كأنه يبرأ من عهدته، إذا حدثك بهذا الحديث فإنه لا يتهم به، حيث إنه نقله عن شيخه فلان، فأسنده إليه وسلم من العهدة، وشيخه فلان أيضًا سلم من العهدة حيث أسنده إلى شيخ له، وهكذا كل واحد منهم يسنده إلى شيخه، إلى أن يصل بالنبي ﷺ فهذا هو المسند أي ما رُوي بالإسناد، بحيث أن كل راوٍ منهم ينقله عن الآخر، ورجال الحديث يسمون إسنادًا.
الإسناد المتصل:
[ ٦٨ / ٢٥ ]
ويُقال: هذا إسناد صحيح، يعني رجاله موثقون، وقد عرفت أن الإسناد معناه إضافة الشيء إلى إنسان، تقول: فلان أسند هذا القول إلى فلان، يعني أضافه إليه، كأنه كان ملتصقًا به، ثم بعد ذلك اعتمد على غيره، واستند على سواه، فالإسناد هو رجال الحديث، بقطع النظر عن كونه فيه فجوات، أو ليس فيه فجوة، فإنه قد يسقط بعض رجاله وهو ما يسمى معلقًا أو معضلًا، أو منقطعًا أو مرسلًا، أو مدلسًا، وذلك من العيوب التي يطعن بها في الحديث، فأما إذا اتصل رجال الإسناد فهو المتصل، إذا كان كل منهم قد روى هذا الحديث عن شيخ له قد سمعه منه، تقول: هذا إسناد متصل، وضده المنقطع، فالمتصل هو المتواصل، فأنت مثلًا إذا خططت خطوطًا في الأرض وتركت بينها فرجًا قيل: هذا خط متقطع، فإذا وصلت بينها أي: وصلت هذا وهذا، قيل: هذا خط متصل. ومثله خطوط الطرق للسيارات فالمتصل الذي يستمر من هذه البلدة إلى هذه البلدة، أي متواصل ليس فيه فجوات، أما إذا كان فيه فجوة ولو قدر ذراع، أو قدر عشرين باعًا أو مائة قيل: هذا خط منقطع، أو خط متقطع أي: فيه قطع، فالإسناد كذلك، كون كل من الرواة سمع من الآخر واتصل السماع واتصلت الرواية.
[ ٦٨ / ٢٦ ]
ومثال ذلك: إن قال مسلم مثلًا: حدَّثنا محمد بن رافع (شيخ له قد لقيه وأخذ عنه كثيرًا)، وابن رافع قال حدثنا عبد الرزاق شيخ له قد لقيه وأخذ عنه كثيرا وعبد الرزاق قال: حّدثنا معمر (أحد مشايخ عبد الرزاق)، ومعمر قال: حدَّثنا الزهري. وهو قد لقي الزهري وأخذ عنه، والزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله، وهو من أشهر مشايخه، وسالم قال: حدثني عبد الله بن عمر، وهو أبوه الذي هو من أشهر تلاميذه من أولاده، نقول: هذا إسناد متصل، حيث إننا تحققنا أن كلاّ منهم قد لقي الآخر وقد حدث عنه، وهكذا سائر الأسانيد المتصلة، فإنها سميت متصلة لتلاقي كل من التلميذ وأستاذه، وكونه قد لقيه ويعرف أنه قد لقيه إما بإخباره، كأن يقول: لقيت فلانًا وأخذت عنه وإما بالإمكان بكونهما في بلد واحد، وقد عاش معه سنين، وهو يجمع الأحاديث، ويحرص على جمعها، لاسيّما كبار السن، فإنه والحالة هذه يكون إذا روى عنه يحمل على السماع، كذلك بالتحديث إذا كان مأمونًا موثوقًا، وقال: حدثني فلان، عرفنا من ذلك أنه حدثه وسمعه منه، كذلك بالتصريح بالسماع، إذا قال: سمعته من فلان، فإنه يحمل على الاتصال فيكون إسناده متصلًا وهكذا يقال في بقية الأسانيد، فالإسناد المتصل هو المتواصل الذي ليس فيه اختلال، وضده المنقطع، والمنقطع هو الذي في إسناده سقوط واحد من الوسط، أو اثنين غير متواليين من الوسط، فإن سقط من وسطه اثنان أو أكثر على التوالي فإنه يسمى معضلًا.
الحديث المعلق:
فإن كان السقط من أوله وكان واحدًا أو أكثر فيسمى معلقًا.
كأن صاحب الكتاب علقه وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر على الوصول إليه.
[ ٦٨ / ٢٧ ]
فإن كان السقط من آخره بعد التابعي فإنَّه يسمى مرسلًا، فإن كان السقط خفيًّا، وظاهر الإسناد أنه متواصل لكن فيه سقط خفي فإنه يسمى مدلسًا، والمُدَلِّس هو الذي يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل اللقي، فيقول مثلًا: عن فلان. وكان قد لقيه لكنه ما سمع منه هذا الحديث كقوله عن الزهري. أو قال الزهري لما لم يسمعه منه، فإذا قال: حدثني الزهري، دل على أنه سمعه منه، أو قال: سمعته من الزهري، فالمدلس يتوقف في قبوله مخافة أن يكون قد دلسه عن ضعيف فأسقطه.
قوله: (ولم يبن) يعني ينقطع، أي لم يكن فيه بون، والبون الانقطاع، يقال مثلًا بان عنه، يعني انفصل عنه وانقطع، وتقول: أبن هذا عني، يعني أزله، وفي الحديث لما سئل الرسول ﷺ عن الشراب وأن الإنسان لا يروى بنفس واحد قال: (أبن القدح عن فيك) ويعني: أفصله وأخره (لم يبن يعني لم يفصل، ولم ينقطع، ولم يكن فيه بون، والبون والبين هو الانقطاع، كما في قول بعضهم: وأتى دونك البون، وبون بعيد، وبينهم بون شاسع، فالبون هو البعد، فالمسند هو الذي إسناده موجود، بقطع النظر عن الإسناد هل هو متصل أو منقطع، فصورة الإسناد ظاهرة، وقد يكون مُدلسًا، وقد يكون مرسلًا خفيًا، وقد يكون مرسلًا جليًا، وقد يكون معضلًا، وإنما فيه صورة الإسناد ظاهرة، وضده ما لم يسند، فمثلًا كتاب (رياض الصالحين) للنووي أحاديثه ليست مسندة بل مذكورة بدون أسانيد، وصحيح مسلم أحاديثه مسندة من مسلم إلى الصحابي إلى الرسول.
وعلى هذا فالمسند هو الذي فيه الإسناد، وقد يكون في تلك الأسانيد ما هو منفصل منقطع، أو مرسل أو معضل، ولكن مع ذلك تُسمى مسانيد، وأحاديث مسندة، فالمسند هو الذي يوجد فيه الإسناد.
والمتصل هو الذي اتصل إسناده بالسماع أو بالتحديث، بحيث لم يظهر فيه ما يوهم أنه غير متصل، فمن سمعه عرف أنه متصل.
[ ٦٨ / ٢٨ ]
مُسَلسلٌ قلْ ما عَلى وَصفٍ أَتى مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أَنبانِي الفتى
كَذَاكَ قَد حَدَّثنيهِ قَائِمًا أَوْ بَعْدَ أَنْ حدَّثني تبسَّما
الحديث المسلسل:
وأما (المسلسل) فهو ما على وصف أتى، يعني: ما أتى على صفة معينة من أول السند إلى آخره.
وقد يكون مسلسلًا بالقول، أو مسلسلًا بالفعل، فالمسلسل بالقول كالمسلسل بالتحديث، أي أن كل واحد منهم يقول: حدَّثني حدّثني، والمسلسل أيضًا بالقول كالمسلسل بالسماع، كأن يقول: سمعت فلانًا قال: سمعت فلانًا، قال: سمعت فلانًا. إلى أن يقول الصحابي: سمعت النبي ﷺ، وقد يكون مسلسلًا بقول خارج، ومِثلُ ذلك حديث معاذ لما قال له النبي ﷺ: (إني أحبك) فإنه تسلسل، فالرسول ﷺ قال لمعاذ: (إني أحبك) ومعاذ قال لتلميذه: إني أحبك وتلميذه قال للثاني: إني أحبك. وقد قال لي فلان: إني أحبك وقال لي فلان: إني أحبك، إلى أن قال: قال لي معاذ: إني أحبك. قال لي النبي ﷺ: (إني أحبك) فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فهذا مسلسل بهذه المقالة إلى أن وصل إلى الصحابي يعني من أول الإسناد إلى الصحابي، كل واحد منهم يقول لتلميذه: إني أحبك.
وهناك حديث مسلسل بالأولية، وهو أن يقول الراوي: حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه. قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، إلى أن يصل إلى الصحابي، فهذا مسلسل بالأولية.
[ ٦٨ / ٢٩ ]
وقد يكون مسلسلًا بالفعل، كأن يقول: حدثني فلان وهو قائم، قال: حدثني فلان وهو قائم، إلى أن يصل إلى الرسول ﷺ، وقد يكون مسلسلًا بفعل أجنبي، كأن يقول: حدثني فلان متبسمًا، أو حدثني فلان وهو يضحك، قال: حدثني فلان وهو يضحك، قال: حدثني فلان وهو يضحك. أو وهو يبتسم، إلى أن يصل إلى الصحابي، فيكون هذا مسلسلًا بالفعل. فالحاصل أن المسلسل ما اتفق رواته على صيغة أو على كلمة تتصل بالرجال، أو تتصل بكيفية الأداء، فتسلسل كأنه انجر من هذا إلى هذا، والتسلسل أصله التجاذب، تسلسل القوم يعني تجاذبوا، يعني صاروا كذا وكذا، وكذلك تسلسل أي: ترقى من كذا إلى كذا، وتسلسل هذا العمل يعني نزل من هذا إلى هذا، فأخذوا منه هذه الكلمة، وذكروا في الأحاديث المسلسلة أنها غالبًا تكون ضعيفة أو يختل فيها التسلسل كثيرًا، فيحتاجون أن يأتوا به بصورته فينقطع في بعض الأحيان فيقع فيها تساهل، أو يقع فيها شيء من الرواية بالظن أو ما أشبه ذلك.
عزيزُ مَروي أثنينِ أَوْ ثلاثةْ مشهورُ مَرْوي فوق ما ثلاثةْ
وهنا تأتي تعريف العزيز والمشهور، وبعده المعنعن والمبهم، والعالي والنازل.
الحديث العزيز، والمشهور، والمستفيض:
[ ٦٨ / ٣٠ ]
فأما (العزيز) فهو ما رواه اثنان، وقيل: ما رواه ثلاثة، والأشهر أنه ما رواه اثنان فقط، يعني رواه عن الصحابي اثنان، ورواه عن الاثنين اثنان وهكذا، رواه اثنان إلى أن وصل إلى المؤلف، وسمي عزيزًا من العزة وهي القلة، يُقال: هذا (عزيز) في هذا الزمان، يعني قليل، كما يقولون: هذا أعز من الكبريت الأحمر. يعني أقل من العزة، وهي القلة؛ لقلة رجاله، وقيل: مشتق من القوة، فإن أحد الراويين تقوى بالآخر، فقد كان غريبًا كما سيأتي، ولكن بعد أن رواه راوٍ آخر ووجد له إسناد آخر تقوى أي أصبح قويًا، فقيل: عزيز بمعنى قوي، فالتعليل الأول يناسب كونه مروي اثنين، وإذا قيل: إنه مروي ثلاثة -كأن يكون له ثلاثة أسانيد- فإنه مشتق من القوة لا من القلة؛ لأن الثلاثة فأكثر ليست قليلة، بل هي أدنى الكثرة، هذا هو العزيز.
وذهب الحاكم إلى أنه شرط للصحيح، وقال: لا يكون الصحيح إلا ما رواه اثنان أو أكثر، وعلى كلام الحاكم لا يكون الغريب صحيحًا، وقد خالفه في ذلك كثير من العلماء، وصححوا أحاديث غريبة ليس لها إلا إسناد واحد، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات) فليس له إلا إسناد واحد بالنسبة إلى التابعين، ومع ذلك فهو صحيح، وكذا الترمذي فهو في كتابه الجامع يصحح الأحاديث الغريبة، فيحكم بغرابته ومع ذلك يصححه فيقول: هذا حديث صحيح غريب، والغريب ما ليس له إلا إسناد واحد.
فالحاكم يقول: لا يكون صحيحًا إلا إذا كان له إسنادان، وهو العزيز، والراجح إن شاء الله أنه قد يحكم بصحة الحديث الغريب إذا كان إسناده ثقات، ورواته مشهورين، ولو لم يكن له إلا إسناد واحد.
[ ٦٨ / ٣١ ]
فالعزيز ما رواه (إما اثنان)، على قول الحاكم وهو المشهور، أي ليس له إلا إسنادان، (وإما ثلاثة) على قولٍ أشار إليه الناظم البيقوني (عزيز مروي اثنين أو ثلاثة) وهو يدل على أن هناك خلافًا، وأن بعض العلماء قالوا: العزيز ما رواه ثلاثة والمعنى أنه رواه عن الصحابي ثلاثة، ثم استمر يرويه ثلاثة ثلاثة، إلى أن وصل إلى أهل التأليف، فأصبح له ثلاثة أسانيد، كما لو رواه مثلًا عن أنس ثلاثة من تلاميذه كقتادة وأيوب السختياني وثابت البناني ثم يرويه عن كل واحدٍ واحدٌ، فيرويه عن قتادة شعبة، ويرويه عن ثابت سعيد بن أبي عروبة، ويرويه عن أيوب عوف الأعرابي، ثم يرويه عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة، كل واحد يرويه عنه واحد، إلى أن يصل إلى زمن البخاري أو الترمذي، فيرويه الترمذي أو غيره بهذه الأسانيد الثلاثة، فيسمى هذا الحديث عزيزًا على قولٍ، ومشهورًا على قولٍ آخر، يعني أن العزيز فيه قولان (الأول): أنه مروي اثنين. والقول (الثاني) أنه مروي ثلاثة. (والمشهور) فيه قولان: (الأول) أنه مروي ثلاثة أو أكثر (الثاني) أنه مروي أربعة أو أكثر، وهو الذي اختاره البيقوني، ولهذا قال: (مشهور مروي فوق ما ثلاثة) يعني فوق الثلاثة، وأدنى شيء فوق الثلاثة هو الأربعة، فإذا كان له أربعة أسانيد فإنه عنده المشهور، ولعل الراجح قول الجمهور أن العزيز يطلق على ما رواه اثنان، وأن المشهور يطلق على ما رواه أكثر من اثنين، يعني ثلاثة أو أكثر ما لم يبلغ حد التواتر، يعني ولو رواه عشرة، ولكنه لم يبلغ حد التواتر، فيسمى مشهورًا، وقد يسمى مستفيضًا، يعني أن له اسمين، المشهور والمستفيض، واشتقاقه من الشهرة لانتشاره بين الناس وتناقله، وكذلك المستفيض من الفيضان، وهو التفجر، وكأنه فاض في الناس، وتناقلوه أفرادًا وجماعات، فلأجل هذا أطلق عليه: مستفيض.
أقسام الحديث المشهور:
قوله: (مشهور مروي فوق ما ثلاثة)
[ ٦٨ / ٣٢ ]
ويقسمون المشهور أيضًا إلى قسمين عند الخاصة، ومشهور عند العامة، والمراد بالخاصة علماء الحديث، فقد يكون الحديث مشهورًا عندهم، وإن لم يكن منتشرًا وكثيرًا تناوله وتناقله بالنسبة إلى العامة؛ لأن العامة إنما يتناقلون ما يسهل حفظه، أو ما يتكرر، أو ما تكثر الحاجة إليه، أما الأحاديث الخاصة فإنها تكون متناقلة بين العلماء والمحدثين وليست متناقلة بين عموم الناس، فتجد الحديث مثلًا يسمى مشهورًا ومستفيضًا حيث إن له عدة طرق، أكثر من اثنين أو ثلاثة، ومشهورًا لأنه رواه أهل السنن، ورواه أهل الصحاح: البخاري ومسلم، وابن خزيمة وابن حبان، والحاكم وابن الجارود، وابن السكن، وابن القطان، ومن أشبههم من الذين ألفوا في الصحيح، ورواه أهل السنن الأخرى كالدارمي والبيهقي والدارقطني وأشباههم، ورواه أهل المسانيد، ورواه أهل المصنفات، ورواه أهل التفاسير، ومع ذلك وقد يكون منتشر الذكر بين العامة، وقد يكون الأمر بالعكس أي أن الحديث قد يشتهر على ألسن العامة، ومع ذلك ليس بمشتهر عند الخاصة الذين هم العلماء والمحدثون، فالعامة قد يسمعون أثرًا ونحوه فيتناقلونه على أنه حديث، ويشتهر بينهم وينتشر، وإذا نقب عنه لم يكن حديثًا، بل هو إما حديث ضعيف مع شهرته بين العامة وكثرة تناقلهم له، وإما أثر موقوف على بعض الصحابة أو من دونهم.
فالحاصل أن المشهور هو الذي يرويه ثلاثة عند أكثر العلماء أو يرويه أكثر من ثلاثة عند البيقوني والبعض غيره، وأنه يسمى مشتهرًا مستفيضًا، وأنه قسم إلى مشهور عند الخاصة، ومشهور عند العامة، ورواته هي الأسانيد والطرق، والحكم عليه يرجع إلى الرجال.
[ ٦٨ / ٣٣ ]
ونحن إنما نقول: مروي ثلاثة ومروي اثنين بالنسبة إلى الأسانيد ظاهرًا، ولا يحكم بصحته ولا بضعفه إلا بعد النظر في رجاله، فإذا نظرنا في رجال الحديث، نظرنا في ثقتهم وعدالتهم وأهليتهم، أو أن فيهم نوع ضعف، ولكن ذلك الضعف ينجبر بمتابعة هذا لهذا ولهذا، فيحكم بصحته، وقد يكونون من الضعف بمكان قوي، بحيث لا يُقبل حديثهم، ولا يُحكم بصحته إذا كانوا متهمين بالكذب، أو ضعفاء بالمرة، فهذا التعريف إنما هو بالنظر إلى الاسم أي اسم الحديث مشهور أو مستفيض أو عزيز، مع قطع النظر عن ثقة رجاله أو ضعفهم، فإذا أردنا الحكم عليه فلا نحكم عليه إلا بالنظر إلى عدالة رواته وصحة إسناده.
مُعنْعنٌ كَعنْ سعيدٍ عنْ كَرَم وَمبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسم
الحديث المعنعن والمؤنن:
قوله: (معنعن كعن سعيد عن كرم)
[ ٦٨ / ٣٤ ]
(المعنعن) هو الحديث الذي يتسلسل بكلمة عن فلان عن فلان، والعنعنة يستعملونها إما للاختصار وإما لعدم التثبت من سماعه عن ذلك الشيخ، كأن يرويه عنه بواسطة، أو ما أشبه ذلك ويجوز للمتأخر أن يروي الحديث بعن، فيجوز لك أن تقول: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بادروا بالأعمال ستاّ..) مع أن بينك وبين أبي هريرة مئات السنين، فإذا قال الراوي (عن) فليس متحققًا أنه لقيه أو أنه سمعه منه، فقد يقول أبو بكر بن أبي شيبة: عن شعبة. وهو مالقيه، وقد يقول مثلًا سفيان بن عيينة: عن الزهري. وهو قد لقيه فيعنعن، وقد يكون الشيخ روى عن شيخه بالتحديث، وعن شيخ شيخه بالعنعنة، ويفعل ذلك كثير من العلماء، وقد يكون الإسناد كله معنعنًا، فغالب أول مصنف عبد الرزاق رواه تلميذه عند بالعنعنة مع ذكره لاسمه فيكتب: عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن سالم عن أبيه، فيجعله كله معنعنًا، مع أن عبد الرزاق قد روى عن مشايخه بالتحديث أو بالإخبار أو بالسماع، ومع ذلك يذكره بالعنعنة، ولعلّ ذلك من باب الاختصار والعنعنة إذا جاءت في الحديث فإنها تكون دون التحديث بمراتب؛ لأنها ليست دالة على الاتصال، إلا إذا حملنا ذلك الراوي على حسن الظن.
واختار الإمام مسلم -﵀- أن الحديث المعنعن يقبل مطلقا ويحمل على الاتصال بشرط:
أن يكون المعنعن ليس مدلسًا.
وأن يكون معاصرًا لمن روى عنه يمكن أنه لقيه.
فإن كان المعنعن مدلسًا فلا يقبل إلا إذا صرح بالتحديث، فمثلًا من المدلسين ابن إسحاق صاحب السيرة، نجد عنده أحاديث كثيرة تارة يذكرها بصيغة العنعنة، وتارة بالتحديث، فتارة يقول: حدَّثنا عاصم بن عمر، وتارة يقول: عن عاصم بدون حدَّثنا، فيقبل ما صرح فيه بالتحديث، دون ما لم يصرح فيه بالتحديث، مخافة أن يكون قد أسقط شيخه.
[ ٦٨ / ٣٥ ]
والضعيف (المدلس) هو الذي يسقط شيخه، ويروي الحديث بالعنعنة عن شيخ شيخه، الذي قد لقيه لكنه لم يسمع منه ذلك الحديث، (المؤنن) أيضًا ألحقوه بالمعنعن، لكن الغالب أن المؤنن لا يقتصر فيه على كلمة (أن) بل لابد أن يُضاف إليها كلمة أخرى، فإن أضيف إليها ما يدل على السماع فهو متصل وإن أضيف إليها ما لم يدل على السماع فلا، فإذا قال مثلًا: حدثنا عبد الله بن لهيعة أن جابرًا الجعفي قال: حدثني أنس. فمثل هذا أن جابرًا قال. وكلمة (أن) هو المؤنن، ولكن أضاف إليها (قال) وكلمة (قال) لا تدل على الاتصال، فيتوقف فيه؛ لأن ابن لهيعة قيل: إنه مدلس، وأما إذا أضاف إليها كلمة صريحة فيقبل، كأن يقول: حدثنا ابن لهيعة، أن جابرًا الجعفي حدثه، فكلمة (أن) اقترنت بها (حدثه) أو أخبره، أو سمعه يقول: أو ما أشبه ذلك، فيزول بذلك خوف الانقطاع.
الحديث المبهم:
قوله (ومبهمٌ ما فيه راوٍ لم يُسم)، أي: لم يصرح باسمه، كأن يقول مثلًا عن ابن لهيعة عن رجل، عن قتادة. فقوله عن (رجل» هذا مبهم لا يُدرى من هو، وقد لا يذكره باسم رجل، كأن يقول عمن أخبره، أو عمن يسمع جابرًا.
[ ٦٨ / ٣٦ ]
فهذا الذي سمع جابرًا مبهم، وقد يكون الإبهام لعدد، كأن يقول: عن عدة من مشايخنا، أو من أصحابنا، فهؤلاء العدة مبهمون، وقد يكون الإبهام مع نوع من التعيين، كأن يقول: عن عمه أو عن أخيه، وله عدة أعمام وله عدة إخوة، أو أخوه مجهول لا يُدرى من هو ولا يُدرى ما اسمه، فيكون هذا مبهمًا، فالمبهم هو الذي فيه رجل لم يسم، وهو يدل على ضعفه، فيُرد الحديث الذي فيه راوٍ مجهول، وقد يسمى ومع ذلك يبقى على جهالته، وقد يسمى ولكن لا يقال فيه كلام، ولا يذكره أحد، ولا يترجم له، ولا يدري ما حاله، وما روايته وما ثقته، وهو مع ذلك مسمى، بأن يقول مثلًا: حدثني زهير أو يزيد، وقد يقول مثلًا: يزيد بن بزيع، ولكن من هو يزيد هل هو ثقة أو ضعيف، لا ندري، لم يتكلم فيه أحد، فيتوقف في رواية هذا المجهول.
المجهول وأقسامه:
ويقسم المجهول إلى قسمين:
مجهول الحال.
ومجهول العين.
فمجهول العين هو: أن لا يُعرف بعينه، ولا يُدرى ما اسمه.
وأما مجهول الحال فهو: الذي يسمى، ويرويه عنه اثنان، ولكن لا يروى شيء من أخباره، ولا ينقل هل هو صدوق أو كذوب، أو ثقة أو ضعيف، روى عنه فلان وفلان ولكن ما وثق، فيسمى مجهول الحال، وقد يسمى مستورًا.
الفرق بين المبهم والمجهول:
والفرق بين المبهم والمجهول أن المجهول أخص؛ لأنه قد يكون مسمى ومجهولًا، قد يُقال: عن أُمه، وأُمه مجهولة، وقد يُقال عن أخيه، وأما إن قيل: عن رجل. أو عن من سمع. فهذا يسمى مبهمًا، فالمبهم هو الذي لا يذكر بما يميزه، وأما إذا قال: عن أخيه أو عن أمه وهي مجهولة، أو أخته أو عمه، أو ما أشبه ذلك فهذا يسمى مجهولًا، وليس بمبهم.
وكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُه عَلا وَضِدُّهُ ذاكَ الذِي قدْ نَزَلا
الحديث العالي، والحديث النازل:
قوله: (وكل ما قلت رجاله علا )
[ ٦٨ / ٣٧ ]
العالي والنازل من أقسام الحديث، وتتعلَّق بالأسانيد، ويُقال: هذا إسناد عال، وهذا إسناد نازل. فالعالي هو الذي قلَّت رجاله، والنازل هو الذي كثرت رجال إسناده، وقلة الرجال مرغوب فيها عند المحدّثين فهم يحبون الحديث العالي دون النازل، وسبب ذلك: أن كثرة الوسائط سبب لكثرة الأوهام؛ لأنه إذا كان مثلًا بين الترمذي وبين الرسول ﷺ أربعة، فاحتمال الخطأ من هؤلاء قليل، يعني محتمل أنهم أخطأوا ولكنه احتمال قليل بخلاف ما إذا كان بينه وبينه عشرة، فإنه قد يوجد أحاديث ينزل فيها الترمذي إلى عشرة، وقد يوجد أربعة، فيسمى القليل عاليًا، فأقل ما بين الترمذي وبين الرسول ﷺ أربعة، ويسمى الآخر نازلًا إذا كان الإسناد سبعة أو أكثر، وسبب ذلك أن بعضهم يروي عن بعض، وهم متقاربون، يروي عن بعض، وهم متقاربون، يروي التابعي عن تابعي عن تابعي إلى أربعة أو خمسة أو ستة بعضهم عن بعض، وكلهم متقاربون، وتكثر الوسائط، فلأجل ذلك قالوا: إن العالي أصح، وأقوى، وأقرب إلى الثقة بهم، وقد كانوا يحرصون على العلو، فكثيرًا ما توجد الأحاديث عند الشيخ في بلاده نازلة، فيسافر مسيرة شهر أو أكثر، لأجل أن يحصل عليه بإسناد أقل لأنه يسقط عنه رجل.
[ ٦٨ / ٣٨ ]
فمثلًا: الإمام أحمد يروي عن عبد الله بن عمر أحاديث ليس بينه وبينه إلا اثنان، يرويها مثلًا عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ لأن ابن عمر طال عمره إلى أن توفي في حدود سنة ٧٤هـ وتتلمذ عليه عبد الله بن دينار في آخر حياته وحفظ منه علمًا، وطالت حياة عبد الله بن دينار فمات سنة ١٢٧هـ، فأدركه بعض مشايخ أحمد كسفيان بن عيينة وإسماعيل بن جعفر ونحوهما، فرووا عنه فتكون أحاديثه ثلاثية حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر، وكذلك أحاديث أنس حيث أدركه الزهري، وإن كان الزهري لم يُعمرْ أي ما طالت حياته، ولكن أنسا عُمر حتى توفي سنة ٩٣، وعاش بعده الزهري ثلاثًا وثلاثين سنة١٢٦وتوفي سنة ٥ والإمام أحمد يروي عن ابن عيينة ويقول: حدثنا ابن عيينة عن الزهري، عن أنس، فأحاديثه عنه ثلاثية.
[ ٦٨ / ٣٩ ]
كذلك البخاري عنده الأحاديث الثلاثيات فليس بينه وبين الصحابي إلا اثنان، وبينه وبين الرسول ﷺ ثلاثة، ومنها أحاديث عن أنس يرويها عنه تلميذه حُميد الطويل الذي عُمِّر فأدركه محمد بن عبد الله الأنصاري فالبخاري يقول: حدَّثنا محمد بن عبد الله عن حميد عن أنس فهذا إسنادٍ عال، وكذلك سلمة بن الأكوع عُمر يعني عمرًا متوسطًا توفي سنة ٧٤هـ، ولكن تلميذه ومولاه يزيد بن أبي عبيد عُمر بعده فأدركه مشايخ البخاري فصار يروي عن سلمة أحاديث ثلاثية، فيقول: حدّثنا مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، فهذا حديث عال، فإذا كثرت الرجال فإنه يسمى نازلًا، فقد تجد بين البخاري وبين الرسول ﷺ سبعة أحيانًا، ويكون ذلك لأن بعضهم يروي عن بعض، وهم متقاربون فيقول مثلًا: حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود فهذا بينه وبين الرسول ﷺ ستة، وقد يحدث عن بُندار عن غندر عن شعبة عن الأعمش فهذا إسناد فيه نوع من النزول بالنسبة إلى الثلاثي، هذه هي الأحاديث العالية والنازلة، ورغبتهم في الأحاديث العالية لقلة الوسائط وقلة الرجال، فقد يسافرون -كما ذكرنا- لأجل سقوط رجل أو رجلين.
[ ٦٨ / ٤٠ ]
فالإمام أحمد توجد عنده أحاديث في بغداد نازلة، ولكنها توجد عند بعض المشايخ عالية مثل عبد الرزاق، فسافر أحمد من بغداد إلى صنعاء لأجل أن يسمع منه أحاديث هي موجودة عنده في بغداد، لكنها نازلة، فأراد أن يأخذها عن عبد الرزاق لتكون عالية، فقد يكون بينه وبين الرسول ﷺ مثلًا ستة فإذا أخذها عن عبد الرزاق ارتفع إلى خسمة أو أربعة فقد يقول: حدّثنا عبد الرزاق: حدَّثنا معمر عن الزهري عن أنس فهؤلاء أربعة أو يقول عبد الرزاق: حدّثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس فهؤلاء خمسة فالرغبة في علو الإسناد لأجل قلة الوسائط التي يحصل بسببها قلة الأوهام.
فأنت مثلًا إذا سمعت حادثًا حدث كمرض أو موت فسمعته من واحد شاهده وقال لك: شاهدت فلانًا مريضًا أو شاهدت فلانًا عندما توفي، أو شاهدت البيت الفلاني وقد احترق أو قد انهدم، جزمت به، لأنه ليس بينك وبين هذا الحادث إلا واحد شاهده، لكن لو أن هذا الواحد الذي شاهده نقله لك عن خمسة قال مثلًا: أنا ما شاهدته، ولكن أخبرني فلان وهو ما شاهده ولكن أخبره فلان وهو أيضا ما شاهده وإنما أخبره فلان ولم يشاهده أيضًا وأخبره فلان الخامس الذي شاهده، فكثرة الوسائط قد تُوقع الشك في هذا الحادث هل هو صحيح واقعي أم لا؟ لأن أحدهم قد يكون قاله مازحًا غير مُجدّ في قوله، وقد يكون مخطئًا على بعضهم، وقد يكون بعضهم قال: نقله لي فلان وهو مخطئ، وقد يكون بعضهم لا يعرف هذا الذي حدَّثه، إنما قال: يمكن أنه فلان، وليس جزمًا، فلأجل ذلك كثرة الوسائط يحصل بها وَهم وخطأ غالبًا، فهذا هو السبب في أن قلة الرجال أقوى.
حكم الإسناد العالي والنازل:
[ ٦٨ / ٤١ ]
ثم إن الحكم على السند بالنظر إلى الرجال، لا نحكم على السند عاليًا أو نازلًا إلاَّ بعد النظر في رجاله، وقد يكون العالي رجاله ضعفاء، ويكون الإسناد النازل رجاله أقوياء، وقد يكون الإسناد العالي أضعف من النازل، رغم أن هذا عال ولكن في رجاله ضعف وهذا عال ورجاله ثقات، فلا تساوى بينهما.
وَمَا أَضَفْتهُ إلى الأَصْحاَبِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ فَهْوَ موقوفٌ زُكِنْ
وَمُرْسلٌ مِنهُ الصّحَابيُّ سَقَطْ وقل غريبُ ما روى راوٍ فقطْ
وَكُلًّ مَاَ لَمْ يَتَّصِلْ بِحَالِ إسنادُهُ مُنْقطِع الأَوصَال
هذا تعريف الموقوف، والمرسل، والغريب، والمنقطع، وهي بعضها من مباحث الإسناد كالمرسل والمنقطع، وبعضها من مباحث المتن كالغريب والموقوف.
الحديث الموقوف:
(والموقوف) هو ما وقف على الصحابي، فإذا وقف الإسناد إلى الصحابي ولم يتجاوزه إلى الرسول ﷺ فهو موقوف أي هو من كلام الصحابة، ويكثر هذا في الكتب التي تعني بكتابة الآثار، كمصنف ابن أبي شيبة، وسنن الدارمي، ومصنف عبد الرزاق، وسنن سعيد بن منصور، يذكرون فيها أشياء كثيرة من الموقوفات على الصحابة، ومن الموقوفات على التابعين، فكل ما أضيف إلى الصحاب يعني الصحابة فهنا عبَّر بالصحاب عن الصحابة يُقال لهم: أصحاب وصحب وصحابة وصحاب، وسواء كان ذلك المروي من قولهم أو من فعلهم، كفعل أحدهم أمرًا من الأمور، يُقال: فعل عثمان كذا فهذا موقوف، أو قال عمر كذا وكذا فهذا موقوف.
(زُكِن) يعني عُرِفَ وحققَ أنّ هذا هو الموقوف حقًا، وكثيرًا ما تكون الموقوفات في كتب المتقدمين كالدارمي وعبد الرزاق ومالك، ثم يخطئ فيها كثير من المتأخرين فيرفعونها، وكثيرًا ما يقول الترمذي وغيره هذا الحديث موقوف، رفعه فلان فأخطأ فيه، أو غلط فرواه مرفوعًا، والصحيح أنه موقوف على عائشة، أو موقوف على ابن عباس أو نحو ذلك.
[ ٦٨ / ٤٢ ]
وقد ذكرنا سابقًا أن الموقوف قد يكون له حكم المرفوع، فيما إذا كان ذلك الصحابي لا يأخذ عن الإسرائيليات، وكان كلامه لا يُقال مثله بالرأي، فإذا تكلم بكلام من أُمور الآخرة حُمِلَ على أنه تلقَّاه عن الرسول ﷺ، أو مثلًا أخبر بثواب، فإنه محمول على أنه مرفوع حكمًا لا لفظًا، هذا هو الموقوف.
الحديث المرسل:
وبعده قال: (ومرسل منه الصحابي سقط)
المرسل: ما رفعه التابعي إلى الرسول ﵊، والتابعي هو الذي لقي الصحابة، فإذا قال سعيد بن المسيب: قال رسول الله ﷺ، أو قال عطاء بن أبي رباح: قال النبي ﷺ فهو المرسل، وقوله: (منه الصحابي سقط) . أي في الظاهر، ولكن لو تحققنا أنه لم يسقط منه إلا الصحابي لقبلناه؛ لأن الصحابة عدول، لكن نخشى أن يكون سقط قبل الصحابي تابعي ضعيف، فلأجل ذلك يكون المرسل ضعيفًا، والتعبير السليم أن يقال: إن المرسل ما رفعه التابعي إلى الرسول ﷺ، وسبب رده الجهل بالساقط؛ لأنا لا ندري هل هو صحابي فنقبله أو هو تابعي، فإن كان تابعيًا فقد يكون ضعيفًا، وإن كان ثقة فلا ندري هل أخذه من صحابي فيقبل، أو أخذه من تابعي آخر، فإذا أخذه من تابعي آخر فقد يكون ضعيفًا فيرد، وإذا كان قويًّا فهل أخذه من صحابي أو من تابعي ثالث، فقد يأخذ بعض التابعين من بعض إلى ثلاثة أو أربعة، فلأجل احتمال أنه أخذه عن تابعي ضعيف يتوقف في قبول المرسل.
ويستثنى من ذلك مراسيل سعيد بن المسيب قالوا: لأنها تُتُبِّعَتْ فوجدت مسانيد، فهو لا يرسل إلا عن ثقة، أو عن صحابي، وكذلك إذا تحقق أن هذا المرسل قد أرسله ذلك التابعي عن جَمْعٍ من الصحابة؛ لأن التابعي قد يسمع الحديث من عشرة من الصحابة، فيجزم به، ويقول: قال النبي ﷺ فهنا إذا يقبل.
الحديث الغريب:
[ ٦٨ / ٤٣ ]
قوله: ( وقل غريب ما روى راوٍ فقط)
هذا تعريف الحديث الغريب، بأنه ما ليس له إلا إسناد واحد، وأكثر من يستعمله الترمذي في جامعه حيث يقول: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو من رواية فلان، فإذا رواه مثلًا عن الصحابي تابعي، وعن التابعي تابعي آخر، وعنه تابعي ثالث، ثم رابع، ثم آخر، وهؤلاء انفردوا به لم يتابعهم أحد فنسمي هذا حديثًا غريبًا، وقد يشتهر بعد ذلك كحديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات) فإنه غريب في أوله ما رواه عن النبي ﷺ إلا عمر، ولا رواه عن عمر إلا علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن التيمي إلا يحيى الأنصاري، فهو غريب في أوله، ثم اشتهر عن يحيى، فأصبح متواترًا في آخره.
ومن أمثلة الغريب حديث أبي هريرة: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) فإنه ما رواه إلا أبو هريرة، ولا رواه عن أبي هريرة إلا الأعرج، ولم يروه عنه إلا أبو الزناد، ولا رواه عن أبي الزناد، إلا محمد بن عبد الله بن الحسن، ولا رواه عن ابن الحسن إلا الدراوردي، فيكون هذا حديثًا غريبًا وإن كان قد رُوي من طرق أخرى بغير هذا اللفظ، والغرابة تدل على ضعف الحديث، فيقولون في تعبيراتهم: لا يأتيك بالغريب إلا الغريب، ويقال: فلان يأتي بالغرائب، فلان أحاديثه غريبة أي يأتي بأحاديث ما رواها غيره، فانفراده يدل على ضعفه وضعف روايته، هذا هو الغريب أي ما ليس له إلا إسناد واحد.
الحديث المنقطع:
وقوله: (وكلُّ ما لَم يتَّصِل بِحَال إسناده منقطعُ الأوصال)
هذا تعريف المنقطع، وقد ذكرنا أن الإسناد إما أن يكون فيه انقطاع في أوله وهو المعلق، أو من آخره وهو المرسل، أو من وسطه فإن كان باثنين متواليين فهو المعضل، وإن كان باثنين غير متواليين فالمنقطع، وكذلك إن كان الساقط واحدًا فهو المنقطع.
[ ٦٨ / ٤٤ ]
كيف يعرف الانقطاع في الإسناد:
وكيفَ تَعرِفُ الانقطاع؟ تعرفه بالرواة عن هذا الشيخ، تقول مثلًا: هذا الشيخ لم يرو عنه إلا فلان وفلان، فإذا وجدت إنسانًا لم يُذكر في تلامذته عرفت أنه لم يرو عنه، فإنك كثيرًا ما تجد في تراجم الرواة إحصاء تلاميذ الشيخ وإحصاء مشايخه كما في كتاب: (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) للمزي.
إذا قال مثلًا: إسرائيل بن أبي إسحاق السبيعي، روى عن فلان وفلان وفلان وفلان، فيحصي مشايخه الذين روى عنهم ثم يقول وروى عنه فلان وفلان وفلان، فيحصي تلاميذه الذين رووا عنه، ولو زادوا على المائة أو على المائتين، فأنت إذا رأيت شخصًا قد روى عن إسرائيل، فانظر هل ذكره صاحب تهذيب الكمال، فإذا لم يذكره، ولم يذكره غيره دلَّ على أنه ليس من تلاميذه، وأنه ما أدركه، أو أنه روى عنه بواسطة فأسقط تلك الواسطة، فيكون الإسناد منقطعًا.
فالإسناد المنقطع هو الذي فيه سقط، وقد يعرف السقط بعدم المعاصرة، وذلك يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات، فإذا رأيت مثلًا وكيع بن الجراح الذي وُلِدَ قبل موت الزهري بسنة أو سنتين عرفت أنه ما روى عنه أي كيف يروي عنه وهو ابن سنة أو سنتين يعني أن هذا ولادته في سنة كذا، وهذا وفاته في سنة كذا وبينهما سنة أو سنتان فلان يمكن أن يروي عنه، وهكذا بعض المحدثين قد يروي عن شخص بواسطة ويسقط من روى عنه، ويقع ذلك كثيرًا في أولاد بعض الصحابة الذين ما أدركوا آباءهم ورووا عنهم كأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود روايته عن أبيه منقطعة؛ لأنه مات وهو صغير فما عقله، ومع ذلك روى عنه كثيرًا، ولكن روايته محمولة على أنه أخذها عن أهل بيته أو عن تلامذة أبيه، فتكون منقطعة، فالمنقطع هو: ما سقط فيه راوٍ أو أكثر مع عدم التوالي، هذا من حيث الاصطلاح، وإلا فهو يعم كل ما لم يتصل، على ظاهر النظم.
وَالمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْه اثنَانِ وَما أَتى مُدَلَّسًا نوعَانِ
[ ٦٨ / ٤٥ ]
الحديث المعضل:
قوله: (والمعضَلُ الساقطُ منه اثنانِ)
الإعضال في اللغة:
والإعضال هو العيب الكبير، هذا في اللغة: أعضله يعني عاقه عن السير، وقطعه قطعًا كليًا، فهناك مثلًا المنقطع عن القوم، إما أن يسير خلفهم سيرًا متوسطًا وهم مسرعون، فهذا يسمى منقطعًا عن القوم، وإما أن يكون سيره بطيئًا وسيرهم سريعًا، فهذا قد أعضل عن القوم، ولحاقه بهم متعذِّر، فالمعضل سمي بذلك لزيادة انقطاعه.
المعضل اصطلاحًا:
والمعضل من مباحث الإسناد وعرَّفه بأنه الساقط منه اثنان، ولابد أن يكونا متواليين، فمتى سقط منه راويان متواليان فهو المعضل، فإن كانا متفرقين فإنه المنقطع.
كيف يعرف الإعضال في الإسناد:
ويُعرف السقط منه بمجيئه من طريق أُخرى، وقد يكون السقط غير ظاهر، حيث يكون بعض الرواة قد لقي بعضًا، فمثلًا الإمام سفيان بن عيينة قد لقي الزهري وحدَّث عنه، ولكنه تارة يحدِّث عنه بواسطة رجل، وتارة يحدث عنه بواسطة اثنين، فإذا روى ابن عيينة عن الزهري حديثًا لم يسمعه منه ولا ممن سمعه منه، لكن بواسطتين فحذف الواسطتين فهو حديث معضل، مع أن ظاهره الاتصال.
كذلك قد يكون المسقط لا يتفطن للانقطاع الظاهر، فيروي عمن لم يسمع منه ما لم يسمع، فمثلًا يروي بكير بن الأشج عن قتادة وهو لم يسمع منه؛ لكونه مات كهلًا، وقد يكون بينه وبينه اثنان فيسمى معضلًا، ومثلا يروي هشيم بن بشير عن ابن إسحاق وهو لم يسمع منه، وكذلك قد يروي عبيد الله بن معاذ العنبري عن هشام بن عروة بن الزبير ما لم يسمع منه؛ بل قد يروي عنه بواسطتين، ويسقط الواسطتين، فيسمى هذا معضلًا، فالمعضل الساقط منه اثنان على التوالي.
الحديث المدلس:
قوله (وما أتى مدلسا نوعان)
التدليس لغة: إخفاء العيب، وقد ذكروه في البيوع، وأنه من أقسام الخيار هو التدليس، الذي هو ستر العيب.
[ ٦٨ / ٤٦ ]
ومثلوا له: بأن يكون في السلعة عيب ويستره البائع، والمشتري لا يدري عنه، كالمُصرَّاة وهي: الناقة أو البقرة أو الشاة التي يُجمع لبنها في ضرعها أيامًا، إذا رآها المشتري اعتقد أنها كثيرة اللبن، وإنما هو مجموع، فهذا تدليس، فالدابة مُدلسة، وكذلك الجارية عندما تُباع إذا كانت قد ابيض شعرها من الكبر فسوده ليوهم أنها شابة، وقد تكون شمطاء، وقد تكون عجوزًا، فيعتقد المشتري أنها شابة؛ لأن شعرها أسود فهذا تدليس.
تعريف التدليس:
والحاصل أن التدليس هو الإخفاء أي إخفاء العيب ونحوه، وهو غش في العين، فالتدليس في الإسناد هو إخفاء السقط، بأن يسقط في الإسناد رجلًا ويخفيه، بحيث إذا سمع أو قرأ المحدث هذا السند لم يتفطن للساقط، ويُعدُّ التدليس عيبًا كبيرًا في الراوي، لكن قد يُتسامح في بعضهم، يعني أن بعض الرواة قد يدلس، ولكن يُعتذر عنه أنه لا يدلس إلا عن ثقة، أو أنه يدلس لعذر عدم التذكر، يعني قد يكون نسي شيخه الذي حدث عنه، فحينئذ يحدث عن شيخه الذي فوقه، وعلى كل حال فالتدليس عيب، وقد ذمه كثير من العلماء، ومنهم شعبة بن الحجاج الذي يُقال له: أمير المؤمنين في الحديث فإنه روي عنه أنه قال: لأن أزني أحب إليَّ من أن أُدلِّس.
الأَولُ الإِسْقَاطُ للشيخ وأَنْ ينقلَ عمَّن فوْقهُ بعَن وأَن ْ
أمثلة للمدلِّسين:
ومن المشتهرين بالتدليس ابن إسحاق صاحب السيرة، فكثيرًا ما يسقط شيخه، ويروي عن شيخ شيخه بعن أو بأن، ومن المشهورين بالتدليس: الكلبي، وعطية العوفي، وهناك مدلسون ولكنهم ثقات، منهم أبو الزبير محمد بن مسلم بن تَدرُس، والأعمش سليمان بن مهران، وقتادة بن دعامة، ولكن في الغالب أنهم لا يدلسون إلا عن ثقات، فلا يحذفون من الإسناد إلا شخصًا موثوقًا ومجزومًا به؛ فلأجل ذلك تقبل رواياتهم عن أكابر مشايخهم وإن اشتهر عنهم التدليس.
تدليس الإسناد:
[ ٦٨ / ٤٧ ]
والتدليس الذي يستعملونه أن يسقط أحدهم شيخه، ويروي عن شيخ شيخه بعن أو بأن، كأن يقول مثلًا: عن الزهري قال: حدثني سالم عن أبيه، أو عن الزهري عن سالم عن أبيه، فلا يقول: حدَّثني الزهري؛ لأنه ما حدَّثه به فلا يتجرأ على الكذب، إنما يقول عن الزهري، أو يسقط مثلًا شيخه، ويقول: إن هشيمًا قال: حدَّثنا فلان. وإن عاصم بن عمر قال.
فالحاصل أن المدلس تارة يأتي بكلمة (أنه قال) وتارة يأتي بكلمة (عن) ويسقط شيخه الذي سمع منه الحديث.
والثّانِ لا يُسقطهُ لكن يَصِفْ أوصافهُ بما بِه لا يَنْعَرِف
تدليس التسوية:
وهناك تدليس شر منه، ويُقال له: (تدليس التسوية) وهو: أنه لا يسقط شيخه؛ ولكن يسقط شيخ شيخه، لأن شيخه ليس بمدلس، فيسقط شيخ شيخه، ويركب الإسناد برجال كلهم ثقات، فهذا تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس، واشتهر به اثنان من الرواة، أحدهما (بقية بن الوليد) وثانيهما (الوليد بن مسلم) اشتهرا بتدليس التسوية، وقد ذكروا أن الوليد بن مسلم قالوا له مرة: إنك تروي الحديث عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بينه وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة وقرة وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء إلخ أي: أكرمه أن يروي عن هؤلاء لكنه سبب تفرد الأوزاعي؟ بهذه الأحاديث الضعاف التي تفرد بها عنه الوليد بن مسلم عن أولئك الثقات مشايخ الأوزاعي يطعن في الأوزاعي.
[ ٦٨ / ٤٨ ]
فقالوا له: إنك إذا جعلت هذا الإسناد مركبًا كذلك حصل الطعن على الأوزاعي؟ كيف أن هذا الإمام يروي هذه الأحاديث الضعيفة فتكون من أفراد الأوزاعي لا من أفراد عبد الله بن عامر أو إبراهيم بن مرة أو شهر بن حوشب الذين هم ضعفاء فيصير الطعن على الأوزاعي فيقال: الأوزاعي أتى بالمنكرات والمعضلات، فتكون أنت السبب حيث إنك أسقطت الضعفاء، ولكنه لم يبالِ بكلام من نصحه، هذا هو الوليد بن مسلم المشهور بتدليس التسوية مع عدالته وثقته وحفظه.
ومثله (بقية بن الوليد) فهو مشهور أيضًا بتدليس التسوية، وفيه يقول بعض العلماء: أحاديث بقية، ليست نقية، فكن منها على تقيّة. أي على حذر، وقد تجده مصرحًا بالتحديث بأن يقول: حدَّثنا بقية بن الوليد، حدَّثنا هشيم، عن الزهري ولكن لا ينفعه تصريحه بالتحديث؛ لأنه يسقط شيخ هشيم الذي بينه وبين الزهري ويسقط شيخ الأعمش فيحدث عن الأعمش عن ثقات، وهكذا.
فالحاصل أن تدليس التسوية هو شر أنواع التدليس والسبب:
(أولا ً): أن الناس ينخدعون به إذا رأوه قد صرَّح بالتحديث، فإذا قالوا: فيه بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث، فيقبلون حديثه وما فهموا أنه لم يسقط شيخه، وإنما أسقط شيخ شيخه.
[ ٦٨ / ٤٩ ]
(ثانيا): أن شيخه الذي حدَّث عنه - حيث قال: حدَّثنا شعبة، أو قال: حدَّثنا سفيان - ليس من أهل التدليس، فإذا رأيناه روى عن قتادة، قلنا: هذا الإسناد ثابت ولو بكلمة (عن) بأن قال: حدَّثنا شعبة عن قتادة، فقد يكون بينهما يزيد بن أبي زياد، أو ليث أبن أبي سليم، أو عوف الأعرابي، أو غيرهم ممن فيه ضعف، فأسقطه بقية بن الوليد مع أن شعبة ليس من أهل التدليس، بل يذمُّ التدليس، فلو رآه الباحث قال: هذا إسناد مقبول، هذا إسناد ثابت، صرح فيه بقية بن الوليد بالتحديث قال: حدَّثنا شبعة، وشعبة ليس من المدلَّسين، وقد رواه عن قتادة، فيصير شر أنواع التدليس؛ لأن شيخه ليس من أهل التدليس، وقد رواه بالعنعنة عن قتادة ولم يتجرأ أن يقول فيه: حدَّثنا قتادة. وشعبة ما قال حدَّثنا قتادة، فإنَّ شعبة كثيرًا ما يقول: عن قتادة ولا يدل أن بينه وبينه واسطة، وإنما للاختصار مثلًا.
تدليس الشيوخ:
وهناك تدليس آخر وهو الذي أشار إليه الناظم، وهو أن يوصف الشيخ بما لا يتميز به بأن يكني المسمى، أو يسمي المكني أو يذكره باسم غير مشهور به، أو ما أشبه ذلك، فغالبًا ما يفعل ذلك المدلسون إذا رووا عن إنسان مشهور بالضعف، لم يصرحوا باسمه ليقبل حديثه، فمثلًا هناك عبد الله بن المسور الهاشمي مشهور بالضعف، بل بوضع الحديث، كان يضع أحاديث كلام حق ليست من قول النبي ﷺ فيركب لها إسنادًا، ويجعلها مرفوعة إلى النبي ﷺ فيروي عنه أناس، ولا يذكرونه باسمه أي لا يصرّحون به فيقول أحدهم: حدَّثنا الهاشمي، أو حدَّثنا عبيد الله الهاشمي، أو يُكَنُّونُه بأن يقولوا: حدَّثنا أبو هاشم، أو ما أشبه ذلك فالذي يرى الحديث قد يقول: هذا حديث رجاله مستورون، وإنَّما يتفطن لهذا أهل المعرفة بالحديث، إذ الرجل لم يكن اسمه واضحًا مشهورًا بالضعف أو بالكذب.
[ ٦٨ / ٥٠ ]
ومثله تلاميذ الكلبي، يدلسون اسمه أيضًا، فالكلبي اسمه محمد بن السائب بن بشر الكلبي، وكنيته أبو سعيد، وليس مشهورًا بالكنية، فيروي عنه بعضهم ويقول: عن أبي سعيد، ويسمعه إنسان فيتبادر إلى فهمه أنه الخدري الصحابي الجليل، مع أنه الكلبي، والكلبي كذاب، كذلك قد يسقط بعضهم أباه فيقول: حدَّثنا محمد بن بشر وهو ليس مشهورًا بذلك بل مشهور باسمه محمد بن السائب بن بشر، ومشهور بالكلبي، فإذا قال محمد بن بشر وأسقط السائب توَهم البعض أنه غيره فقبلوا حديثه.
هذا هو التدليس في الشيوخ بحيث إنه لا يميز شيخه، ولا يذكره بالوصف الذي يعرف به، كذلك لو لم يذكره إلا بالاسم العَلَم، كأن يقول: حدَّثنا إسحاق، وهناك عشرة مشايخ اسم كل منهم إسحاق، وفيهم ضعيف، وفيهم ثقة، وفيهم متوسط، فسكت ولم يميز، فإنَّ هذا تدليس أيضًا.
(فتدليس الإسناد) -وهو الأكثر- يعني: أن يسقط الراوي شيخه ويحدَّث عن شيخ شيخه بعن أو بأن.
(وتدليس التسوية) يعني: أن يسقط الراوي شيخ شيخه، ويجعله عن شيخه، عن الشيخ الثالث.
(وتدليس الشيوخ): بأن يصف شيخه بما لا يتميز به أي بصفة لا يعرف بها حقاَّ أنه فلان.
وكلها تعد طعنًا في الراوي متى عُرِفَ أن هذا الراوي تعمد هذا التدليس.
متى يقبل حديث المدلس؟:
وإذا قيل: متى يقبل حديث المدلس؟ فالجواب: يقبل إذا صرَّح بالتحديث، فإذا قال: (حدَّثنا) فإنه يقبل حديثه؛ لأنه لا يتجرأ على الكذب في مثل هذا، بل يتحاشى أن يكذب بأن يقول: (حدثنا) وهو ما حدَّثه، فكلمة (حدَّثنا) و(أخبرنا) و(سمعت) صريحة بأنه تلقاه عنه، بخلاف كلمة (عن) و(أن) و(قال) فإنَّها محتملة أنه سمعه منه أو لم يسمعه منه، فهذا هو التدليس المشهور.
بواعث التدليس:
[ ٦٨ / ٥١ ]
وقد يكون قصده قصدًا مناسبًا، وقد يكون قصده تكثير مشايخه، كما ذكروا ذلك عن الطبراني صاحب المعاجم التي رتبها على مشايخه، ليعرف بذلك كثرة مشايخه الذين حدَّث عنهم، فهو يروي عن شيخه الذي اسمه أحمد حديثًا أو أكثر ثم عن شيخ له آخر اسمه أحمد بن فلان حديثًا أو أكثر إلى أن يكمل من اسمهم أحمد، وقد يذكر أحدهم باسميه مثلًا، أوله كنية فيذكره مع الأسماء ومع الكنى، حتى يُقال: إنه حدَّث عن ألف شيخ، أو عن خمسة آلاف أو ما أشبه ذلك. فإذا لم يتميز ولم يُعرف يكون هذا الشيخ مجهولًا فيرد حديثه وترد روايته.
فإن قيل: ما حكم القراءة من كتاب بصيغة: روى الترمذي. ويُذكر الحديث بدون إسناد، هل هذا تدليس؟
قلنا: إذا قال: رواه الترمذي، فقد عزاه إلى من أسنده فصاحب (رياض الصالحين) يقول: رواه الترمذي ولا يُقال هذا تدليس.
ضابط التدليس:
إذًا ما ضابط التدليس؟ لو وصل إليك حديث بالإسناد، بينك وبين الرسول ﷺ مثلًا ثلاثون راويًا، يعني سمعت هذا الحديث عن شيخك فلان وسمعه شيخك عن شيخه فلان، إلى أن وصل إلى الصحابي وبينك وبينه ثلاثون راويًا ترويه بالأسانيد، فأنت إذا أسقطت شيخك الذي سمعته منه، ورويته عن شيخ قد لقيته، ولكن ما سمعت منه هذا الحديث فقد صرت مُدّلسًا لهذا الحديث تدلس الإسناد، فإذا لم تسقط شيخك الأول ولكن أسقطت شيخ أحد المشايخ الذين فوقك وقد لقيه ذلك الشيخ لكنه هنا رُوي بواسطة فأسقطت الواسطة فإن هذا تدليس تسوية، فأما روايتك من كتاب قد دُوِّن وطبُع واشتهر فإنه يجوز لك أن تعزو إليه وتسقط الإسناد.
والمدلس لا يلزم إطراح كل رواياته، بل إذا تحققنا أن هذا الحديث ثابت من طرق أخرى اعتبرنا روايته له كشاهد ومقوِّ، أما إذا تفرد بالحديث فإنه لا يقبل.
الفرق بين التدليس والمرسل الخفي:
فإن قيل: ما الفرق بين التدليس والمرسل الخفي؟
[ ٦٨ / ٥٢ ]
قلنا: بينهما فرق ظاهر ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث؟ لأن المرسل الخفي هو: أن يروي الراوي حديثًا عن شيخ لم يسمع منه وقد عاصره.
وأما المُدَلِّس فيروي عن شيخه الذي سمع منه أحاديث. حديثًا ما سمعه منه.
المرسل الخفي:
(فالمرسل الخفي) أن يروي عمن في زمانه ومن عاصره شيئًا لم يسمعه منه، والمدلس أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه.
نقول مثلًا: أنت أدركت من المشايخ في هذه البلاد الشيخ عبد الله بن حميد، وعاصرت الشيخ عبد الله بن عدوان، ولكنك لم ترو عنه، فتحديثك وروايتك عن ابن حميد حديثًا ما سمعته منه يسمى تدليسًا لأنك رويت عنه وجلست عنده، أو سمعت كلامه في الحرم أو في الرياض، فرويت عنه شيئًا لم تسمعه منه، فهذا تدليس، أما روايتك عن ابن عدوان فتسمى مرسلًا خفيًا، لأن زملاءك هؤلاء قد يقولون: يمكن أنه سمع منه لأنه عاصره؛ ولأنه في بلاده، ولكنك ما سمعت منه؛ لأنه توفي من زمن قديم سنة (١٣٧٤هـ) فتحقق أنك لم ترو عنه، فنقول: إن هذا مرسل خفي. فالتدليس بأنواعه مذموم؛ لأنه حديث مروي عنهم فعليه أن يبين رجال الحديث الذي نقله عنهم، ليُرجع إلى تراجمهم، ويُبحث في الحديث، ليحكم بعد ذلك بأنه صحيح أو غير صحيح.
إِبدالُ رَاوٍ مّا بِرَاوٍ قِسْمُ وقَلْبْ إِسْنَاد لِمتنٍ قِسْمُ
الحديث المقلوب:
قوله: (إبدال راو ما براو قسم وقلب إسناد لمتن قسم)
[ ٦٨ / ٥٣ ]
(المقلوب) والقلب يكون تارة في الإسناد، وتارة في المتن، وتارة يكون في المتن والإسناد، فالإسناد كأن يُبدل راويًا براو إذا كان بينهما تقارب في اللفظ، كأن يُبدل عاصمًا الأحوال بواصل الأحدب لتقاربهما في اللفظ والسمع، مع اختلافهما، أو يبدل يحيى بن بكير بيحيى بن أبي بُكير وكلاهما من الرُّواة، فالأول هو يحيى بن عبد الله بن بكير يروي عنه البخاري كثيرًا فيقول: حدَّثنا يحيى ابن بكير، وأما الثاني فروى عنه ابن أبي شيبة وغيره وهو من رجال الصحيحين، فإبدال راوٍ براوٍ يُسمى قلبًا، يُقال: انقلب هذا الحديث على فلان، فجعله عن شيخه فلان وقد أخطأ.
أنواع القلب:
وقد يكون قلب الإسناد بإبدال راوٍ ثقة براوٍ ضعيف أو بالعكس، ولا شك أنه إن كان الأصل أنه ضعيف وانقلب براوٍ ثقة، فإنه يعد مردودًا، فكثيرًا ما يروى حديث عن عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، فينقلب على بعضهم بعبيد الله بن عمر هو أخوه الثقة، ويقال: هذا الحديث انقلب على الدراوردي مثلًا، أو انقلب على غيره من عبد الله إلى عبيد الله العمري، وهذا طعن في الحديث.
ومن أنواع الانقلاب: أن يحول متن إلى إسناد حديث آخر أو بالعكس، وقد يكون عمدًا كما وقع لجماعة من أهل بغداد، لما قدِم عليهم البخاري قلبوا له أسانيد مائة حديث، جعلوا إسناد هذا لمتن هذا وإسناد هذا لمتن هذا، وأعطوها عشرة أشخاص، لكل شخص عشرة أحاديث، وقالوا له: إذا اجتمعوا عنده فاسأله عن عشرتك، ففعل الأول وكلما حدَّثه بحديث قال: لا أعرفه. حتى تم عشرته، وجاء الثاني وهكذا حدّثه بالعشرة، وقال: لا أعرفها، فأما عوام الناس فقالوا: إنّه غير حافظ، كيف مر عليه مائة حديث وهو لا يعرفها، وأما أهل العلم الذين عملوا هذه الحيلة فإنهم عرفوا أنه قد فطِن.
[ ٦٨ / ٥٤ ]
ولما أكمل العشرة أحاديثهم رجع إلى أولهم، وقال: حديثك الأول حدَّثناه فلان عن فلان عن فلان، وحديثك الثاني والثالث إلى أن تمم عشرته، وهكذا حتى أتمهم، فردّ الأسانيد إلى متونها والمتون إلى أسانيدها، فاعترفوا له بالفضل، وهذا يسمى قلب إسناد إلى متن للاختبار.
وقد يكون القلب في نفس المتن، بأن تنقلب كلمة بدل كلمةٍ على بعض الرواة، مثاله حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وفيه: (ور جلٌ تصدّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) انقلب على بعض الرواة فقال: حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله. وهذا انقلاب في المتن.
ومثله حديث في الشفاعة، وفيه: (أن النار يبقى فيها فضل، ويبقى في الجنة فضل، قال: فأما النار فينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فيها) وهذا انقلاب، والصواب أنه ينشئ للجنة، وتأبى حكمته أنه ينشئ للنار خلقًا ما عملوا أعمالًا سيئة فيدخلهم النار بلا ذنب، أما الجنة فينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم في ما فيها من الفضل.
والحاصل أن هذا يسمى انقلابًا في المتن وذكر ابن القيم أيضًا له مثالًا وقال: إنه انقلب على بعض الرواة، وهو حديث أبي هريرة الذي يقول فيه: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) وقال: إن آخره يخالف أوله، فإن البعير يقدم يديه في البروك قبل رجليه، وأنكر أن ثفنات اليدين تسمى ركبًا، بل الركبة دائمًا في الرجل وقال: لعله انقلب على بعض الرواة وأن صوابه وليضع ركبتيه قبل يديه، وذكر أنه كذلك وقع عند ابن أبي شيبة في المصنف: (إذا سجد أحدكم فيضع ركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل) ولو كان سنده ضعيفًا لكنه وافق الأصل، فترجح بذلك أن الحديث منقلب على بعض الرواة كالدراوردي أو محمد بن عبد الله بن الحسن وكلاهما فيه مقال، يضرُّ مع التفرد والمخالفة.
[ ٦٨ / ٥٥ ]
وعلى كل حال فإن الانقلاب يُرجع فيه إلى أصل الحديث، فإذا خفت أن يكون هذا الحديث مما انقلب على بعض الرواة فارجع إلى أصل الحديث ثم اطرح الرواية المنقلبة، ويعد الانقلاب قدحًا في الرواية، ونقصًا في الحديث، لأنه خطأ وقع إما في المتن وإما في الإسناد.
وَالفَرْدُ قيّدْتَهُ بِثقَةٍ أَوْ جمْعٍ أَ ْ قْصرٍ على رِوَاية
الحديث الفرد:
قوله: (والفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على رواية)
من مباحث أصول الحديث البحث في (الفرد) والبحث في (المعلول) .
فالفرد هو: ما تفرد به شخص عن عالم من العلماء، ويقسمونه إلى قسمين، فرد نسبي، وفرد مطلق، فإن كان غريبًا من أصل السند فإنه يسمى فردًا مطلقًا وإن تفرد به شخص في أثناء السند فإنَّه يسمى فردًا نسبيًا، مثال الفرد المطلق إذا لم يروه إلا صحابي، ولم يروه عنه إلا واحد، ولم يروه عنه أيضًا إلى واحد، إلا أن انتهى إلى المؤلف، فإنه فرد مطلق، أي فرد مشتق من الواحد.
ومثال الفرد النسبي أن يرويه مثلًا عن الزهري جماعة، ثم يتفرد به عن واحد منهم شخص واحد، فإذا رواه عن الزهري ابن أخيه محمد بن عبد الله، وعُقيل، ومعمر، ويونس، وسفيان، ونحوهم وتفرد به عن عُقيل شخص واحد فإنّه فرد نسبي، والغريب والفرد متقاربان، إلا أن أكثر ما يستعمل الغريب في الاسم، فيُقال: هذا حديث غريب.
والفرد في الفعل يُقال: تفرد به فلان عن فلان، هذا حديث غريب تفرد به العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه مثلًا، لكن لما كان فيه هذا التقسيم خصه باسم، يعني أن التفرد قد يكون في السند كله فالسند كله فرد، يعني ما رواه مثلا عن الرسول ﷺ إلا أبو هريرة ولا رواه عن أبي هريرة إلا القارئ عبد الرحمن، ولا رواه عنه إلا ابنه العلاء، ولا رواه عن العلاء إلا إسماعيل بن جعفر فيقال: هذا حديث غريب، ويقال: حديث حديث فرد تفرد به إسماعيل، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة.
[ ٦٨ / ٥٦ ]
وَما بِعِلةٍ غُموضٍ أَوْ خفَا مُعَلَّلٌ عِندَهُمُ قَدْ عُرِفَا
الحديث المعلَّل:
قوله: (وما بعلة غموض أو خفا معلل عندهم قد عرفا)
(المعلول) عندهم ما فيه علة خفية قادحة، والعلة هي ما يطعن به في الشيء ومنه سمي المرض علة، والعلة اسم للعيب والطعن في الشيء، يطعن في الحديث بطعن، ويكون ذلك الطعن علة، ولابد أن تكون العلة شيئًا خفيًا، بحيث إن الذي لم يمارس الأسانيد ونحوها ينخدع بهذا الحديث فيقول: صحيح لا عيب فيه، فظاهره متصل فيحكم بقبوله لكن أهل الأسانيد والعلم بالأحاديث يعرفون صحته أو ضعفه، فيطلعون على عيب خفي يسمونه علة في هذا الحديث، سواء في إسناده أو في متنه، وقد ألَّفوا في ذلك مؤلفات، ولعلك قرأت (كتاب العلل) لابن المديني، مطبوع في نبذة متوسطة، تكلم فيها على علل الحديث، وكيف تُستنبط، وكيف تُعرف.
وممن ألّف في علل الحديث ورتبها على الأبواب ابن أبي حاتم كما تقدم في أول الكلام، وكتابه مطبوع في مجلدين كبيرين، اسمه (علل الحديث) رتبه على أبواب الفقه، فكتابُ الطهارة ذكر فيه علل الأحاديث التي في الطهارة، وكتاب الصلاة وهكذا، وأوفى من ألف فيه الدارقطني فإنه استوفى جميع العلل التي في الأحاديث، حتى تكلم على الأحاديث التي في الصحيحين، وذكر أن في بعضها علل، وسرد الاختلاف والاضطراب الذي يطعن به، فتارة يذكر أن بعضهم أخطأ في الموقوف فرفعه وقد كان أصله موقوفا على صحابي فأخطأ بعضهم فرفعه، وتارة تكون العلة الوصل، فقد يكون أصله مرسلًا، فأخطأ بعضهم فوصله، وكذا المنقطع قد يصله بعضهم خطأ وهو منقطع، وهكذا، هذه أنواع العلل، وأمثلتها في تلك الكتب.
وَذُو اخْتِلافِ سَندٍ أَوْ مَتنِ مُضطَرِبٌ عِنْدَ أُهيلِ الفَنِ
الحديث المضطرب:
قوله: (وذو اختلاف سند أو متن مضطرب عند أهيل الفن)
[ ٦٨ / ٥٧ ]
(المضطرب) هو الذي يقع فيه اختلاف في أَلفاظه، يقال: اضطرب الرواة في هذا الحديث، فرواه بعضهم كذا ورواه بعضهم كذا، ولم نستطع أن نرجح راويًا على راو، ويعد الاضطراب قادحًا في الحديث، مسبّبًا اطِّرَاحه، ومثّلَ له ابن القيم بحديث أبي هريرة الذي في السنن والمسند في صفة الصلاة "إذا سجد أَحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" وقال: إن هذا حديث مضطرب، رواه بعضهم "وليضع يديه قبل ركبتيه" ورواه بعضهم بالعكس "إذا سجد أَحدكم فليضع ركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل" وبعضهم حذف الجملة كلها واقتصر على فلا يبرك كبروك الفحل ولم يذكر اليدين والرجلين، وبعضهم رواه: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه على ركبتيه" ولم يقل: قبل ركبتيه، وقال بعضهم: كالبعير يضع إلخ ذلك من الروايات، فجعل هذا اضطرابًا يقدح به في الحديث.
فالمضطرب ضعيف، حيث إننا لا ندري نأخذ بهذا أم بهذا أم بهذا، فيطرح الحديث فنقول:
المضطرب هو: الذي يختلف فيه الرواة، فَيروُونه على وجوه مُحتَمِلة، فلا نرجح هذا على هذا، بل يُتَوَقَّفُ في قبوله كله، ويعدل إلى غيره، فإن كان أصل الحديث محفوظًا في الصحيحين مثلًا ثم حصل اضطراب فيما بعد في السند، أو في المتن، فإنه لا يضر، وأكثر ما يكون الاضطراب في السند، حيث يبدل راوٍ براو، ويوصل مرة ويقطع مرة، فيقال: هذا مضطرب السند، ولا يضر الاضطراب في الإسناد إن كان أصله محفوظًا، وحَدَثَ الاضطراب متأخرًا.
ثم قال الناظم ﵀:
و(المُدرَجاتُ) في الحديثِ ما أَتتْ منْ بعضِ أَلفاظِ الرُّواةِ اتصلتْ
وَما رَوى كلُّ قرينٍ عن أَخِهْ (مُدبَّجٌ) فاعرِفهُ حَقا وانتخِه
مُتَّفِقٌ لفْظًا وَخَطًّا (مُتفِقْ) وضِدٌّهُ فيما ذَكرْنا (المفترِقْ)
[ ٦٨ / ٥٨ ]
(مُؤتَلفٌ) مُتّفقُ الخطِّ فقَطْ وضِدُّهُ (مختلِفُ) فَ اخْش الغلَطْ
(والمُنكَرُ) الفرْدُ بهِ راوٍ غدا تعُدِيلُهُ لا يَحْمِلُ التَّفرًّدَا
(مَترُوكُهُ) ما واحِدٌ بهِ انْفَرَدْ وأَجْمَعُوا لِضَعْفهِ فهْوَ كَرَدّ
والكَذِبُ المُخْتَلَقُ المصْنُوعُ عَلَى النَّبيِّ فَذلِك (الموْضوعُ)
وقد أتتْ كالجَوْهَرِ الكْنُونِ سمَّيتُها منظُومَةَ البَيْقُوني
فوقَ الثلاثينَ بأَربَعٍ أَتت أَبياتُها ثُمَّ بخَيرٍ خُتِمَت
في هذه الأبيات تعريفُ أنواع من المصطلح فمنها (المدرج ومنها (المدبج) ومنها (المتفق والمفترق) ومنها (المؤتلف والمختلف) ومنها (المنكر) ومنها (المتروك) ومنها (الموضوع) .
وَالمُدرَجاتُ في الحديثِ ما أَتتْ منْ بعضِ أَلفاظِ الرُّواةِ اتصلتْ
الحديث المدرج:
فقوله (والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت):
[ ٦٨ / ٥٩ ]
(المدرج): هو ما أُضيف إلى الحديث من غيره، من كلام الرواة مما ليس بمرفوع، أُضيف للحديث، وجُعِل منه، وأُوهِم أَنه من الحديث، وليس منه، فيسمى مدرجًا، كأَنه أَدرجه في ضمن الحديث أحد الرواة، وقد يُعرَفُ المدرج بمجيئه من طريق أُخرى مصرَّحًا به، أو مجيء الحديث ناقصًا من طريق أُخرى ليست فيها تلك الزيادة، فيعرف أنه مدرج، أو كونه لا يليق بالنبي ﷺ، ومن ذلك حديث رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (للعبد المملوكِ الصَّالحِ أجران) -والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبرٌّ أُمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك، فآخر الحديث يٌفهم منه أَنه ليس من قول الرسول ﷺ؛ لأنه قال: وبر أُمي. فدلَّ على أَن هذا من كلام أبي هريرة، قال: لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي لأحببت أنني مملوك - فآخر الحديث يسمى مدرجًا، مضافًا إلى الحديث وليس منه.
وكذلك إذا كان أيضًا فيه نقص، مثل حديث ابن مسعود (الطِّيَرَةُ شِرْك، الطِّيرَةُ شرك) - وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكُّل - فآخره مدرج وهو قوله: وما منَّا إِلاَّ.. إلخ فليس هو من الحديث؛ لأنه معلوم أن الرسول ﷺ لا يقع في شيء من الطيرة مع كونها شركًا، فدل على أنه مدرج من كلام الراوي.
[ ٦٨ / ٦٠ ]
وقد يكون الإدراج في آخر الحديث وهو الأغلب، كما في هذين المثالين، يعني: يتكلم الراوي بكلمة، فيفهمها أو يسمعها تلميذه فيعتقد أنها من ضمن الحديث فيرويها، وقد تكون في أول الحديث، مثاله حديث أبي هريرة: (أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار) فقوله: أسبغوا الوضوء. هذا من كلام أبي هريرة: (ويلٌ للأعقاب من النار) هذا هو المرفوع، حيث ذكروا أن أبا هريرة رأى أناسًا يخففون الوضوء فقال: أسبغوا الوضوء (ويل للأعقاب من النار) سمعته من النبي ﷺ فاعتقد أحدهم أن قول: سمعتُه عامٌ لقوله: أسبغوا الوضوء وما بعده فرواه كذلك، والصحيح أن المرفوع إنما هو آخره، وهو قوله: (ويل للأعقاب من النار) . ومثله حديث ابن عمر في سترة المصلي، وهو قوله: لا تُصل إلا إلى سُترة (ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين) قوله: لا تصل إلا إلى سترة، هذا على الصحيح مُدْرَجٌ، وإِنَّما المرفوع قوله: (لا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإِنَّ معه القرين) هذا هو أصل الحديث، الذي اقتصر عليه المخرجون الأُول كمسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، لم يرووا إلا قوله: ( فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين) فقوله: لا تصل إلا إلى سترة، هذا مدرج ولو صححه الحاكم وغيره.
والحاصل أن المدرج هو الذي يُجعلُ من ضمن الحديث وليس منه، بل من كلام الراوي، وأنه يتميز بجمع الطرق، ومعرفة أَنه قد صَّرح فيه بأنه ليس من أصل الحديث.
وَما رَوى كلُّ قرينٍ عن أخِهْ مُدبَّج فاعرِفهُ حَقا وانتَخِهْ
الحديث المدبَّج:
قوله: (وما روى كلُّ قرين عن أخه مدبج فاعرفه حقا وانتخه):
[ ٦٨ / ٦١ ]
وأما (المُدَبَّجُ): فهو أن يروي الراوي عن زميله، وتسمى رواية الأقران، وهم الذين يشتركون في زمن واحد، وفي أًستاذ واحد ويشتركون في الرواية عن شيخ فيسمون أقرانًا، مثل محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، زميلان، فسِنُّهُما متقارب، وهما تلميذان لمحمد ابن جعفر المسمى بغندر، فيُقال فيهما قرينان، فإذا روى محمد ابن بشار، فهذا هو المدبج أي: أن يروي الزميل عن زميله حديثًا، والزميل الثاني يروي عن زميله محمد بن بشار عن محمد بن المثنى ثم روى محمد بن المثنى عنه حديثًا آخر، يعني روى هذا حديثًا وهذا حديثًا، فمثلًا الإمام أحمد زميل ليحيى بن معين، ومع ذلك قد روى يحيى عن أحمد وروى أحمد عن يحيى، حيث وجد أحمد عن يحيى أحاديث ما حصل عليها من مشايخه الذين لقيهم وسافر إليهم ووجد يحيى أحاديث عند أحمد، ولم يدرك مشايخه الذين روى عنهم أو روى عنهم غيرها، فقال يحيى: حدَّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن جعفر مثلًا، وقال أحمد: حدّثنا يحيى ابن معين حدّثنا وكيع بن الجراح، فهذا هو المدَبَّجُ.
رواية الأقران:
أما لو روى واحد عن الثاني، ولم يرو الثاني عن الأول، فإنه يسمى أقرانًا، فالأقران رواية واحد عن قرينه، فإذا روى كل منهما عن زميله أصبح اسمه مدبجًا، أي أن هذا وجد أحاديث عند شيخ له ما وجدها الآخر عند شيخه.
[ ٦٨ / ٦٢ ]
فمثلًا إذا كان عندنا الزميلان (عبد الإله) و(محمد) زميلان في الوقت الواحد، ولكن عبد الإله اتصل بمشايخ حدَّث عنهم وما اتصل بهم محمد، فاحتاج محمد أن يروي تلك الأحاديث عن عبد الإله، فيقول: حدثنا عبد الإله عن شيخه فلان، وعبد الإله وجد أحاديث عند محمد عن مشايخ قد أدركهم، ولكن ما روى عنهم تلك الأحاديث، فاحتاج أن يرويها عنهم بواسطة، فيقول: حدّثني زميلي محمد، عن شيخه فلان، وهو شيخهما، لكن ما استطاع أن يأخذ عنه هذا الحديث، أي أن كليهما قد أخذ عن ذلك الشيخ، ولكن محمد وجد عند ذلك الشيخ أحاديث ما بحث عنها عبد الإله، فلأجل ذلك انفرد بها، ولما سمعها عبد الإله عن زميله قال: فاتتني عن شيخي، فآخذها منك أي آخذها عن شيخي بواسطتك، وكذلك محمد وجد أحاديث عند عبد الإله عن شيخهما أيضًا فقال: فاتتني تلك الأحاديث عن شيخي ما سمعتها منه، لكن آخذها منك وأرويها بواسطة زميلي للحاجة، فينزل درجة، فيقول: حدّثنا عبد الإله عن شيخنا فلان.
مُتَّفقٌ لفْظًا وَخَطًّا مُتفِقْ وَضِدُّهُ فيما ذَكرْنا المفترِقْ
الحديث المتفق والمفترق:
قوله: (متفق لفظًاالمفترق):
(المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف)، هذه مباحث تتعلق بأسماء الرواة، فإذا اتفقت الأسماء واختلف الأشخاص سموه المتفق والمفترق، كما لو اتفق الاسم واسم الأب، واختلف الشخص فمثلًا اثنان في زمن واحد كلاهما اسمه إسحاق بن إبراهيم، متفق في الاسم واسم الأب، مفترق في الشخص، هذا يُقال له ابن نصر وهذا يقال له ابن راهويه، وقد يكون أكثر من اثنين، كثلاثة أو أربعة في زمن واحد، فهنا إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، وإسحاق ابن إبراهيم الصواف، وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ، كلهم في زمن متقارب فيقال لهذا متفق الاسم واسم الأب ومفترق في الجد وفي الشخص.
الحديث المؤتلف والمختلف:
[ ٦٨ / ٦٣ ]
أما (المؤتلف والمختلف) فهذا مما يحتاج إلى العناية به، وهو ما اتفقت حروفه وافترقت حركاته، فكثيرًا ما تتفق الأسماء يعني في الحروف، وتختلف في الحركات، أو تتفق في الحروف وتختلف في النقط والإعجام، وكثيرًا ما يحصل فيه التصحيف والتحريف، وكثيرًا ما يشتبه محمد بن بشار بمحمد بن سنان ومحمد بن بشار مع كون الباء هنا بعدها معجمة، والياء هناك بعدها مهملة، لكن لكتابتهم باليد يحصل أيضًا الاشتباه، وكثيرًا ما يشتبه الاسم بما يقاربه حيث يشتبه شيبان بسنان مع أن بينهما فرقا، ولكن غالبهم لا ينقطون الحروف، فلأجل ذلك يحصل الاشتباه كسليمان بسلمان مع أن بينهما فرقا، ويقع هذا في الأسماء التي يتقارب لفظها وتحتاج إلى ضبط وإلى عناية، وقد ضبطها النووي في مقدمة شرح مسلم، فذكر الأسماء التي تتقارب، وذكر ما يوجد بينهما من الفروق، فأنت إذا قرأت مثلًا هذه الكلمة تعرف أنها كلها تُنطق بكذا إلا هذا الاسم الفلاني، مثلًا غالب الأسماء تتميز إذا كانت أعلامًا وقد يحصل الاشتباه في بعض الأعلام وفي الأنساب فقد يكون الفرق بينهما في النقط كالهمداني، والهمذاني، والدهني والذهبي، فإذا مر بك عمار الذهبي فأصلحه الدهني بالمهملة والنون؛ لأنه خطأ فليس هناك عمار الذهبي في الرواة الأولين، وإنما كتبوه الذهبي لاشتهار نسبة الذهبي، وإلا فالصواب أنه عمار الدهني.
[ ٦٨ / ٦٤ ]
والأولون يكتبون الحروف بدون نقط، فيجيء بعض النسَّاخ، -والنساخ قد يكونون من العامة حتى سماهم كثير من الحذاق مُسَّاخًا فيكتبونة فإذا رأوا الدهني نقطوا الدال وجعلوا الدال ذالا وجعلوا النون باء وقد يحصل أيضًا التصحيف حتى بزيادة أو بإسقاط بعض من الحروف، فمثلا رأيت من صحف (الضبي بالضبعي) وبالعكس، فأسقط العين مع السرعة، وكأنها ما اتضحت العين فكتبها الضبي مع أنه الضبعي، فأما الاختلاف في النقط فحدث ولا حرج، مثل جمرة كثيرا ما يكتبونه حمزة، فأبو جمرة الضبعي تلميذ ابن عباس مشهور يكتبونه أبو حمزة؛ لأن كلمة (جمرة) غريبة غير مشهورة، ولما كتبت نقطت الراء فأصبح حمزة.
فهذا النوع يسمى المؤتلف والمختلف يعني بالمؤتلف المتقارب في الرسم، والمختلف في النطق إما بالشكل وإما بالنقط، فالشكل مثل سَلاَم وَسلاّم بتشديد اللام وتخفيفها هذا اختلافه بالشكل، وأما النقط فمثل سنان وشيبان، ومثل سيار ويسار وبشار وما أشبه ذلك، فهذا كله مما يقع فيه التصحيف، فهو يسمى بالمؤتلف يعني بالمؤتلف في الخط المختلف في النطق.
والمنكرُ الفرْدُ به راوٍ غدا تعْدِيلهُ لا يحمِلُ التَّفردَا
الحديث المنكر:
قوله: (والمنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفردا):
[ ٦٨ / ٦٥ ]
(المنكر): هو ما رواه راوٍ تفرَّد به، وتفرده لا يحتمل، يقال: هذا حديث منكر، تفرَّد به فلان وتفرده ليس بمقبول، أَما لو تفرَّد به إنسان ثقة عدل كالزهري والشعبي والأَعمش فإنَّه لا يكون منكرًا بل يكون مقبولًا، فإذا تفرَّد ليث بن أبي سليم أَو عطاء بن السائب بهذا الحديث مثلًا فإنه يكون منكرًا، وقد ذكرنا أن أبا قيس روى عن هزيل، عن المغيرة المسح على الجوربين، وأنه تفرد به، فسمى منكرًا، يُقال: إن أبا قيس وهزيلًا لا يحتملان هذا التفرد أي لا يقوى على أن يقبل تفرده دون سائر الرواة الكثيرين، فهذا هو المنكر، وكأننا استنكرنا على هذا الراوي تفرده.
الحديث المعروف:
ويقابله (المعروف) فالمنكر ضده المعروف، وهو رواية من لم يخالف غيره، ولم ينفرد، يقال: المعروف رواية فلان وفلان المرسلة مثلًا، والمنكر رواية فلان المتصلة، وهكذا فعندنا مثلًا حديث: (كل أمر ذي بال لا يُبْدأُ فيه بحمد الله فهو أجذم) هذا رواه قرة ابن عبد الرحمن، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، وقرة ضعيف تفرد به، فيُقال: هذا الحديث منكر، تفرد به قرة، وضعفه ظاهر لا يحتمل التفرد، وقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا أبا هريرة ولا أبا سلمة بل قالوا: عن الزهري عن النبي ﷺ مرفوعًا، فروايتهم المعروفُ، ورواية قرة المُنْكَرُ، حيث إن هذا هو المعروف الذي تتابع عليه تلامذة الزهري فأرسلوه، وانفرد قرة بن عبد الرحمن فوصله، فيسمى حديثًا منكرًا من رواية قرة له، ومرسلًا برواية الآخرين.
متروُكهُ ما واحد به انفرَدْ وأجمَعُوا لِضعْفهِ فهوَ كَرَدِّ
الحديث المتروك:
قوله: (متروكه ما واحد به انفرد وأجمعوا لضعفه فهو كرد)
[ ٦٨ / ٦٦ ]
(المتروك): هو الذي انفرد به راوٍ متهم بالكذب، إذا لم يعثر على كذبه، ولكن تلحقه التهمة، فيأتي بغرائب، وينفرد عن الثقات بما يخالف فيه غيره، فقد يأتي بأحاديث طويلة وهو ليس أهلًا لحفظها، فيُقال: فلان متهم بالكذب، فإذا انفرد بحديث فإنَّه منكر، وروايته تلك تسمى منكرة، والمنكر مردود أي متروك، ويسمى (متروكًا) أي: مشتق من التَّرْكِ، والتَّرْكُ هو عدم القبول، والراوي نفسه يُقال له: متروك، وكذا روايته، ويقال فيه: متروك الحديث، فالمروي متروك، والراوي نفسه متروك يعني متروك التحديث عنه، فمثلًا إذا روى عبد الله بن مُحَرّرٍ أو عباد بن كثير فإنَّ كليهما متهم بالكذب شديد الضعف، فيُقال: عبد الله بن محرَر متروك، يعني اتركوه ولا تحدِّثوا عنه، وإذا رُوِىَ لنا حديث في إسناده عباد بن كثير قلنا هذا الحديث متروك، فيكون الحديث متروكًا لأن في إسناده راويًا متهمًا بالكذب ويطلق على مرويه أنه متروك.
الرواية عن المختلط:
وكذا الرواية عن المختلط كعبد الله بن لهيعة فإنَّه ثقة، ولكن عمدته على كتب له كان يحدِّث منها ويحتفظ بها، فلما احترقت صار يحدِّث مما علق بذهنه منها، فلأجل ذلك وقع التخليط في حديثه، فتلامذته الأولون الذين رووا عنه قبل الاختلاط تقبل روايتهم عنه، والتلامذة الآخرون يُرَدُّ حديثهم عنه إذا انفرد به، وكذلك الذين أخذوا عنه قبل الاحتراق وبعده؛ لأنه اختلط حديثهم الأول بالثاني، فهناك أُناس لما رأوا أنه اختلط كفوا عنه، ولم يحدِّثوا عنه فتقبل روايتهم وهناك أناس حدثوا عنه قبل الاختلاط وبعده فاختلط الأول بالآخر فيترك إذا انفرد به، وهناك تلاميذ ما حدَّثوا عنه إلاَّ بعد الاحتراق فيترك إذا انفرد به أيضًا، لكن إذا وجد حديث قد تابعه غيره دلَّ على أن له أصلًا، أما ما انفرد به وكان عن طريق من لم يحدث عنه إلاَّ بعد الاختلاط فلا.
والكذِبُ المختلَقُ المصنُوعُ عَلَى النبي فذلِكَ الموْضوعُ
[ ٦٨ / ٦٧ ]
الحديث الموضوع:
قوله: (والكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع):
(الموضوع): هو الذي تَحَقَّقَ أَنه مكذوب، واشتقاقه من بريء منه، ويسمى المختلق، كأن صاحبه هو الذي اختلقه يعني افتراه، ويسمى: المكذوب، فالمكذوب والمفترى والمختلق والموضوع والمصنوع معناها واحد، والوضع في الحديث قد وجد منذ زمن بعيد.
أسباب وضع الأحاديث:
والواضعون للحديث أصناف فهناك أُناس ضَعافُ الدِّين وضعوا أحاديث انتصارًا للمذاهب، كما روي أن رجلًا حنفيًا أراد أن يرفع من قدر إمامهم أبي حنيفة، ويضع من قدر الشافعي محمد بن إدريس ﵀ فاختلق حديثًا بلفظ: (يكون في أُمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أُمتي من إبليس، ويكون في أُمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أُمتي) فعرف وضعه بظهور آثار الاختلاق عليه. وذكروا أن رجلًا جاءه ولده يشكو المعلم الذي يعلم القرآن أنه ضربه، فقال: لأفضحنَّ المعلمين اليوم، ثم رَكَّبَ إسنادًا له إلى الرسول ﷺ وافترى حديثًا بلفظ: (مُعلِّمُو صبيانكم شرارُكم أقلهم رحمةً لليتيم، وأغلظهم على المسكين) أو نحوه فاعترافه بأنه سيفضح المعلمين دل على أنه اختلق ذلك وكذب.
وقد يكون مما يدل عليه قرائن الحال، ففي مجلس من المجالس اختلفوا مرة فقال بعضهم: سمع الحسن من أبي هريرة، فأنكره بعضهم، فكان بينهم واحد من الوضَّاعين فَرَكَّبَ له إسنادًا وفيه قال رسول الله ﷺ: (سمع الحسن من أبي هريرة) ومعروف أن الحسن ما رأى الرسول ﷺ، ولا تكلم في حقه الرسول ﷺ بشيء، ولكن هذا دليل على الافتراء!
[ ٦٨ / ٦٨ ]
وقد يكون بعض من يضع الأحاديث يريد التَّقَرُّبَ بها إلى الملوك، كما ذكروا أن أحد الوضَّاعين دخل على المهدي وإذا المهدي -وهو خليفة- يلعب الحمام، يُطَيِّرُهُ من هنا، ويقع هنا، فيعجبه طيرانه من هنا ومن هنا، فيقول: إذا سبقت الحمامة الفلانية أو التي لونها كذا فَعَلَيَّ كذا، فأراد الوَضَّاعُ أن يفتري حديثا يقوِّي فعل المهدي، فروى حديثًا فيه أن النبي ﷺ قال: (لا سَبَق إلا في نَصل أو خُفٍ أو حافرٍ أو جناح) فكلمة (جناح) زادها كذبًا من قِبَل نفسه، يريد بذلك الجائزة وقد أعطاه عشرة آلاف درهم، فلما خرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب، ثم قال المهدي: أنا الذي حملته على الكذب، ثم أمر بالحمام فذُبح، فهذا كذب للتقرب إلى الملوك، ومعلوم أن الرسول ﷺ ما قال (أو جناح) .
وهناك من يكذب احتسابًا كما رُوِيَ أن بعض القصاص ونحوهم يضعون على الرسول ﷺ أحاديث في فضل السنة، وفي فضائل الأعمال، وما أشبهها فقيل لهم: كيف والرسول ﷺ يقول: (من كذب عليَّ متعمدًا فيتبوأ مقعده من النار) فقالوا: نحن ما كذبنا عليه، إنَّما كذبنا له، أي ننصر بذلك سنته، ونجلب الناس إلى شرعه، فنكذب في فضائل الأعمال، لأجل أن نرغب الناس فيها بأحاديث في فضل الصلاة وأحاديث في فضل الجهاد، وأحاديث في فضل الأعمال، وفعل الخيرات وما أشبهها، فيُقال لهم: إن الرسول ﷺ قد عمم في قوله: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وهذا آخر الكلام على هذه المنظومة.
والله أعلم وأحكم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٦٨ / ٦٩ ]