(١) النية وإخلاص العمل
وسئل وفقه الله:
* ما الوسيلة لإخلاص العمل أو إصلاح النية؟ أرشدونا وفقكم الله؟
فأجاب:
من المعروف أن الإخلاص من شروط التوحيد، ومعناه أن يعتقد المسلم أن عمله لله، وأن لا يريد به حظًا عاجلًا، ولا مدحًا، ولا ثناءً من أحد، وإنما النية والدافع الذي في قلبه هو إرادة وجه الله.
وقد وردت الأدلة في ذلك كقوله ﷺ في الجهاد: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". يعني أن الذي يقاتل حمية، أو عصبية، لا تكون نيته صحيحة. كذلك نية التوحيد، ففي الحديث: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نَفْسه" بأن تكون نيته الطاعة والقربة إلى الله.
وبين ما يضاد ذلك، ففي الحديث قوله ﷺ: "من سمّع سمّع الله به، ومن يرآئي يرآئي الله به". يعني: من حسّن صوته بالقراءة ونحوها ليمدح، فإن الله لا يمدحه. كذلك من صلّى صلاةً بخشوع وخضوع، أو تصدق بصدقة، أو ما أشبه ذلك، أو أنفق في سبيل الله رئاءَ الناس فإن الله تعالى يفضحه؛ لأن هذا من الرياء الذي يحبط الأعمال.
وبالجملة فالإخلاص هو أن تريد بعملك وجه الله، وأن لا تقصد به مدحًا ولا ثناءً ولا حظًا دنيويًا.
(٢) تقسيم التوحيد ثابت عن علماء الأمة
وسئل يحفظه الله:
* يقول أحد الدعاة - وهو ينتمي لجماعة من الجماعات الإسلامية؛ في معرض حديثه في محاضرة ألقيت في إمارة الشارقة بالإمارات المتحدة، يقول-: "التوحيد من ناحية تقسيمه إلى ثلاثة أنواع لم يثبت عن الرسول ﵊، ولم يثبت عن الصحابة، وعليه فهذا التقسيم بمسماه بدعة" انتهى كلامه. ثم سألت أحد طلبة العلم فقال: يمكن أن يقسم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة وهكذا. نرجو توضيح هذه المسألة؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ١ ]
إن تقسيم التوحيد إلى قسمين أو ثلاثة جاء عن علماء الأمة، وأخذوه استنباطًا من الأدلة؛ حيث إن النصوص الصريحة تفيد وجوب توحيد الرب تعالى، باعتقاد أنه واحد، قال تعالى: «وإلهكم إله واحد» (البقرة:١٦٣) . وقال تعالى: «وما من إله إلا إله واحد» (المائدة:٧٣) . وفي الحديث: "ولا نعبد إلا إياه". وفي الدعاء: "ولا إله غيرك".وغير ذلك من الأدلة.
* فإذا قلنا: إن الله تعالى واحد في إلهيته، وأحقّيته للعبادة؛ فهذا توحيد العبادة؛ دليله الآيات المذكورة.
* وإذا قيل: إن الله تعالى واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، بدليل قوله تعالى: «هل تعلم له سميًا» (مريم:٦٥) . وقوله: «ولم يكن له كفُوًا أحد» (الإخلاص:٤) . وقوله: «ليس كمثله شيء» (الشورى:١١) . كان هذا توحيد الربوبية، والأسماء والصفات، والمعرفة والإثبات، وهو التوحيد الخبري الاعتقادي؛ فهذا صحيح؛ ودليله الآيات المذكورة.
فكيف يقال: إن هذا بدعة؟!
مع أنه مأخوذ من هذه الآيات والأحاديث والنصوص الصريحة، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(٣) الألوهية
الشهادتان من توحيد الألوهية
وسئل فضيلته:
* قول "أشهد أن لا إله إلا الله" من أي أنواع التوحيد؟ وأي توحيد يعصم الدم والمال؟
فأجاب:
الشهادتان من توحيد الألوهية، فشهادة أن لا إله إلا الله هي توحيد الألوهية الذي هو الاعتقاد والعمل، وشهادة أن محمدًا رسول الله هي مكمّلة لها، وفيها الاتباع، فهي من توحيد الألوهية، وهو توحيد العبادة، يعني النطق بالشهادتين بلفظ الألوهية، من تكميل توحيد العبادة.
وهذا التوحيد هو الذي يعصم الدم والمال، لقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". متفق عليه من حديث ابن عمر.
[ ٦٤ / ٢ ]
وذلك أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون ولم يعصم دماءهم وأموالهم حيث عبدوا مع الله غيره، فلذلك أمر الله بقتالهم، بقوله تعالى: «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم» (التوبة:٥) . فإذا تابوا من هذا الشرك وعبدوا الله وحده وجب الكف عنهم. والله أعلم.
دلالة التضمن في توحيد الألوهية
وسئل حفظه الله:
* يقول شارح كتاب "العقيدة الطحاوية": بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية. هلاّ بيّنتهم لنا دلالة التضمن؟
فأجاب:
كون الشيء في ضمن غيره يسمى تضمنًا، نقول: إنه لا يمكن أن يعبد الله بتوحيد الألوهية؛ إلا بعد ما يعترف بأن الرب هو الخالق المتصرف وهذا هو توحيد الربوبية.
فتوحيد الربوبية في ضمن توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية كأنه الدافع إلى توحيد الألوهية؛ فالتضمن معناه: الاشتمال عليه، وكونه في ضمنه.
فالأصل في التكليف، أن الله أمرنا بتوحيد الألوهية، ولكن جعل توحيد الربوبية دليلًا عليه.
كيف نرد على أهل النظر
وسئل يحفظه الله:
* كيف نرد على أهل النظر "أن للعالم صانعين" عن طريق العقل والنقل؟ .
فأجاب:
أما عن طريق العقل: فبدلالة التمانع، وهي أنه لو كان للعالم إلهان خالقان؛ فأراد أحدهما تحريك شيء، وأراد الآخر تسكينه.
* فإما أن يحصل مرادهما وهو ممتنع عقلًا.
* وإما ألا يحصل مراد أحدهما وهو مستحيل، ويستلزم عجزهما.
* وإما أن يحصل مراد واحد منهما!!
فالذي لا يحصل مراده عاجز؛ لا يصلح أن يكون إلهًا، ولا أن يكون خالقًا، فدل ذلك على أن الخالق واحد ليس له من يزاحمه في التصرف، وهذه هي الدلالة العقلية.
وأما الدلالة السمعية (أي الأدلة النقلية وهي الكتاب والسنة): فالآية الكريمة: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» (الأنبياء:٢٢) . ونحوها من الآيات.
الفرق بين التكلم والخبر
وسئل وفقه الله تعالى:
[ ٦٤ / ٣ ]
* يقول شارح كتاب "العقيدة الطحاوية": "فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع.. وذكر منها:
١- مرتبة التكلّم والخبر. ٢- ومرتبة الإعلام والإخبار.
فما الفرق بين مرتبة التكلم والخبر، وبين مرتبة الإعلام والإخبار؟
فأجاب:
التكلم معناه لغة: أن يتكلم حتى يَسْمَعَهُ غيره، بعد ما يعلن بقلبه؛ يتكلم حتى يسمعه من حوله.
وأما الإعلام فمعناه: أن يُعْلِمَ غيره، فيقول مثلًا: اعلموا أن الأمر كذا، وكذا، وهذا أمر زائد على التكلم.
قد يتكلم الإنسان ولا يقول: اعلموا، فهذه مرتبة تكلّم فقط؛ فإذا ما أعْلَمَ غيره فإنه يتعدى بعد ذلك إلى مرتبة أشمل وأوسع وهي مرتبة الإعلام والإخبار.
فهنا تكلّم للتذكر أو للحفظ، وهنا إخبار للناس وإعلام لهم.
معنى "شهد الله"
وسئل حفظه الله:
* يقول شارح كتاب "العقيدة الطحاوية": (وعبارات السلف في: "شهد" تدور على الحكم) فما معنى الحكم؟
فأجاب:
فسّر كثير من الصحابة "شهد الله" في قوله تعالى: «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم» (آل عمران:١٨) . فسّرها الكثير: "بِحَكَمَ الله"، وفسّرها بعضهم: "بِأخْبَرَ الله"، وفسرها بعضهم: "بِأعْلَمَ الله"، كما فسّرها بعضهم "بِأمَرَ الله"
فيكون المعنى: «شهد الله أنه لا إله إلا هو» أي: "أمر الله أنه لا إله إلا هو" و«شهد الله أنه لا إله إلا هو» أي: "حكم الله أنه لا إله إلا هو".. و«شهد الله أنه لا إله إلا هو» أي: "أخبر الله أنه لا إله إلا هو".. والمعنى أن الآية تشهد بذلك كله، والله أعلم.
ما معنى الأبيات التالية؟
وسئل غفر الله له ولوالديه:
* نرجو شرح هذه الأبيات التي ذكرها شارح العقيدة الطحاوية (انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص٩٧) . وهي من شعر أبي إسماعيل الأنصاري يقول:
[ ٦٤ / ٤ ]
١- ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد
٢- توحيد من ينطق عن نعته عارية.. أبطلها الواحد
٣- توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
فأجاب:
فإن ظاهره أن ليس أحد وحد الله وإنما هو وحد نفسه، وننصحك أن لا تتقعر في معنى هذه الأبيات، ولكن على كل حال هي فيها شيء من الدخول في علم التصوف أو الغلو فيه.
فالبيت الأول: الذي ذكر أنه ما وحّد الواحد من واحد؛ ظاهره أن الناس ليس فيهم موحّد.
والبيت الثاني: ظاهره أن كل من ينطق بتوحيده فإنه جاحد أو لا حد كما في بعض النسخ.
والبيت الثالث معناه: أن ليس أحد وحّد الله تعالى إنّما الله هو الذي وحّد نفسه.
لكن يمكن حمله على أن المخلوقين تلقوا ذلك عن الله تعالى؛ فصار توحيدهم مأخوذًا عن توحيده. هذا أحسن ما حمل عليه.
(٤) الربوبية
الرزق تكفل الله به ولكن
وسئل عفا الله عنه:
* لقد سمعت من الذين يتلبسون ويتخفون برداء الإسلام؛ دعوة تنادي بأن الرزق تكفل به الله ﷾، وأن من يتقي ويسير في طريق الإسلام الصحيح يأكل من فوقه، ومن تحته، ويأتيه الرزق من حيث لا يحتسب؛ ولكن لماذا يموت الإنسان من جراء الجوع والجفاف في بعض المناطق؟ أليس هناك تكفل من قبل مشروط بالطاعة؟
فأجاب:
لا شك أن الله تعالى تكفل بالأرزاق لكل المخلوقات، وهيأ لهم أسبابها، لكنه قد يبتلي العباد -ولو كانوا مؤمنين- للاختبار، وإظهار العبر وضده، وهو سبحانه قد سهل أسباب الرزق، وأعطى الإنسان قوة وقدرة على الاحتراف والتكسب، وطلب الرزق، فإذا لم يستعمل تلك القوة والملكة، فقد فرّط، فلا يأمن أن يسلط عليه الجوع والفقر والألم.
وهكذا قد يسلط الله على البلد بما فيها من الدواب وغيرها، فيعذبهم بسبب الذنوب والكفر، وترك الواجبات.
لماذا يعبد الله؟
وسئل فضيلة الشيخ:
* لماذا يعبد الله ﷾؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ٥ ]
ورد في بعض الآثار أن الله تعالى يحضر رجلًا في الآخرة؛ عند الحساب فيقول: لماذا عبدتني؟ فيقول العبد: سمعت بخلق الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، فأسهرت ليلي، وأتعبت نهاري، وأظمأت نفسي طلبًا لدخول الجنة، وشوقًا إليها لأحظى بهذا النعيم، والثواب العظيم، فيقول الله تعالى: هذه الجنة فادخلها فلك ما طلبت، وما تمنيت.
ثم يحضر رجلًا ثانيًا فيسأله: لماذا عبدتني؟ فيقول: سمعت بخلق النار وما فيها من العذاب والنكال والوبال والأغلال والآلام، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وأتعبت نفسي خوفًا من النار، وهربًا من ألمها وعذابها، فيقول الله تعالى: قد أجِرْتَ من النار فادخل الجنة، ولك ما تتمنى نفسك.
ثم يحضر الله رجلًا ثالثًا، فيقول: لماذا عبدتني؟ فيقول: عرفت صفاتك وجلالك وكبرياءك ونعمك وآلاءك فتعبدت شوقًا إليك ومحبة لك، فأنت المستحق للعبادة والتعظيم، لفضلك وإنعامك على الخلق، ولكمال صفاتك، وعظيم جلالك، فيقول الله تعالى: أنا ذا فانظر إليّ، وقد أبحتك ثوابي، وأعطيتك ما تتمناه.
وبالجملة: فالذي يعبد الله لمعرفته بأنه أهل للعبادة، ولأداء حقوقه، ولأنه أهل التقوى، وأهل المغفرة، وخالق العبد والمنعم عليه، وله المن والفضل والثناء الحسن، هو أكثر أجرًا وثوابًا، والله واسع عليم.
(٥) الأسماء والصفات
هل يجوز إطلاق كلمة الصانع على الخالق
وسئل فضيلته:
* نجد أن شارح كتاب "العقيدة الطحاوية": يطلق كلمة الصانع على الخالق فمثلًا يقول: "فليعلم أن دلائله متعددة، كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق الرسول"، فهل يجوز إطلاق كلمة الصانع في حق الله ﷾؟.
فأجاب:
[ ٦٤ / ٦ ]
هذه تجوز على وجه الصفة، فنعتقد أن الله الصانع، بمعنى أنه المبدع للكون، وهو الذي صنع الكون بذاته، وأبدعه، فلذلك يُكْثَرُ من إطلاقها في الكتب؛ كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسير الآية الكريمة: «اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم» (البقرة:٢١) . وأطلق ذلك شيخ الإسلام في عدة مواضع في الجزء الثاني من مجموع الفتاوى، ونحو ذلك. فإطلاق الصانع معناه: بأنه وصف لله أنه مبدع للكون.
النظر دليل اليقين
وسئل الشيخ:
* يقول شارح كتاب "العقيدة الطحاوية": "استدلاله بالآيات الكونية والنفسية، استدلال بأفعاله ومخلوقاته، ومن أسمائه تعالى "المؤمن" وهو على أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم.." نرجو توضيح هذه العبارة؟
وكذلك يقول في موضع آخر: "واستدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته.." نرجو توضيح ذلك؟
فأجاب:
معلوم أن الاستدلال بالآيات مما يثبّت الدليل، والله تعالى قد نصب الآيات ليستدل بها العباد على معرفة ربهم، والآيات هنا يراد بها الآيات الكونية، والآيات النفسية.
أما الآيات الكونية فهي: الآيات التي في الكون، يقول الله تعالى: انظروا في هذه الآيات لتعتبروا، انظروا في خلق السماء وارتفاعها، وانظروا في تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وانظروا في هذه الأرض وما فيها من النبات وما فيها من الحيوانات، وانظروا في هذه البحار وما احتوت عليه، وما أشبه ذلك. فالنظر يعني الاعتبار، وهو يكون دليلًا إلى اليقين، أي يقوي الإيمان.
[ ٦٤ / ٧ ]
كذلك الآيات النفسية: يقول تعالى: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» (الذاريات:٢١) . يعني في أنفسكم آيات، فلو فكر الإنسان في نفسه لزالت عنه الشكوك والتوهمات. ففي نفس الإنسان أعظم عبرة، وأعظم آية، كيف كان في أول أمره نطفة، ثم تقلبت به الأحوال إلى أن أصبح رجلًا سويًا؟! ثم ينظر إلى أن حواسه كاملة، وحاجاته كاملة؛ فإن ذلك بلا شك مما يلفت نظره، ويوضح له أمره أنه مخلوق وأن له خالقًا؛ قال تعالى: «أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون» (الطور:٣٥) .
وأما الاستدلال بأنه ﷾ من أسمائه المؤمن الذي يصدق عباده، فهذا التصديق في يوم القيامة؛ أما في الدنيا فيصدق عباده المرسلين بما يقيم على أيديهم من الآيات والمعجزات، ويصدق عباده المؤمنين في الآخرة بأن يثيبهم، ويظهر بذلك صدقهم ونصحهم لأممهم.
تسمية المخلوق بصفة الخالق
وسئل حفظه الله:
* إذا اتفق اسم أو صفة للخالق مع المخلوق فهل يعني ذلك أنها متفقة في المسمى، ومختلفة في المعنى والمدلول؟
فأجاب:
إذا اتفقا فقد اتفقا في الاسم، واتفقا في المعنى العام، واختلفا في الكيفية، فالمدلول واحد.. فإذا قلنا مثلًا: إن الله يسمع، وأن المخلوق يسمع، فالسمع هو إدراك الأصوات، هذا متفق فيه، وإذا قلنا: إن الله تعالى له سمع، وللمخلوق سمع، فمعلوم أن سمع الله ليس كسمع المخلوق، بل بينهما تفاوت، فهي متفقة في الاسم، ومتفقة في المعنى العام، وأما الكيفية والصفة فبينهما تفاوت.
لفظ التشبيه لفظ مجمل
وسئل الشيخ:
* يقول شارح كتاب "العقيدة الطحاوية" (انظر شرح العقيدة الطحاوية): "ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظًا مجملًا يراد به المعنى الصحيح".. نرجو توضيح هذه العبارة؟
فأجاب:
كلمة التشبيه: أهل السنة يريدون بها المعنى الصحيح، والمعتزلة يريدون بها نفي الصفات.
[ ٦٤ / ٨ ]
فأهل السنة يريدون بكلمة: "ليس لله شبيه" أي نحن ندفع عن الله التشبيه، صحيح أن قصدهم أن يقولوا: إن الله لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، ولا تشبهه المخلوقات، وهذا معنى صحيح.
ولكن تارة يراد به المعنى الباطل، وهو نفي الصفات! فإن المعتزلة يقولون: ليس لله سمع، ومن أثبته فهو مشبه، وليس لله علم، ومن أثبته فهو مشبه، فإثبات السمع عندهم تشبيه، وإثبات القدرة عندهم تشبيه، وإثبات الحياة عندهم تشبيه، وإثبات الكلام عندهم تشبيه، فصار لفظ التشبيه لفظًا مجملًا. تارة يراد به المعنى الصحيح، وتارة يراد به المعنى الباطل.
(٦) احترام كلام الله وأسمائه وصفاته
حكم الأكل على ورق الجرائد
وسئل فضيلته:
* ما حكم استعمال أوراق الجرائد "كفرش" لموائد الطعام؟
فأجاب:
هذه الصحف والأوراق غالبًا لا تخلو من أسماء الله تعالى، أو بعض آيات القرآن أو الأحاديث الشريفة، فلا تجوز الاستهانة بها، ولا الجلوس عليها، أو جعلها خوانًا لموائد الطعام؛ بل تحرق وتتلف بعد الانتهاء من قراءتها.
حكم سماع القرآن ونحن في أماكن الخلاء
وسئل فضيلته:
* استمع في أغلب أوقاتي وأنا في المنزل إلى برنامج "القرآن الكريم" في المذياع، فيصادف أحيانًا أن أدخل بيت الخلاء ويكون المذياع مشتغلًا، فما حكم سماع التلاوة وغيرها وإنا داخل بيت الخلاء؟
فأجاب:
لا مانع أن تسمع تلاوة القرآن الكريم إن كنت في بيت الخلاء، وذلك لأن السماع ليس مثل الإدخال، والممنوع هو إدخالها مكتوبة في المراحيض، وأماكن التخلي، وأما سماعها وأنت داخل بيت الخلاء فلا مانع.
هل يجوز إدخال ما فيه اسم الله إلى بيت الخلاء؟
وسئل فضيلته:
* هل يجوز دخول بيت الخلاء ومعي ورقة مكتوب عليها كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"؟ علمًا بأن الورقة مهمة جدًا ولا يمكن تركها خارج بيت الخلاء؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ٩ ]
ورد ما يدل على النهي عن دخول الأماكن القذرة بشيء فيه ذكر الله، ولكن قد تعم البلوى، وقد يضطر الإنسان إلى استصحاب شيء من ذلك، فحينئذ قد يُرفع عنه إذا كان خفيًّا، مختبئًا غير واضح.
وضربوا مثلًا بالخاتم إذا كان فيه اسم الله، كعبد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك، فإن استطاع أن يخلعه ولا يدخل به فهو أولى، وإن لم يستطع؛ جعل فصه في داخل كفه وقبض عليه حتى يكون خفيًا فذلك مما يُستأنس به.
لذا فعليك أن تخبئ الورقة التي فيها كلمة الشهادة، أو اسم من أسماء الله في جيبك، فإن ذلك أخف، فإن تيسّر إخراجها وعدم الدخول بها فهو أولى.
احترام أسماء الله وصفاته
وسئل حفظه الله:
* ما حكم وضع الأوراق التي فيها أسماء الله أو صفة من صفاته في سلة المهملات أو في برميل الزبالة؟ علمًا بأن أكثر من وقع في هذا العاملين في الإدارات والمؤسسات الحكومية (المكاتب)؟
فأجاب:
يجب احترام أسماء الله تعالى وصفاته، ومن احترامها رفعها عن الامتهان إذا وجدت في الصحف والأوراق العادية والمعاملات، فلا يجوز إلقاؤها على الأرض تحت الأحذية، ولا إلقاؤها مع الزبالات في سلة المهملات، حيث إنها تلقى في القمامات ويستهان بها؛ بل يلزم إتلافها وإحراقها، وعلى الكُتّاب أن يحضروا عندهم آلات الإتلاف التي تمزقها قطعًا صغيرة، كما هو معتاد، والله أعلم.
(٧) الشرك وما يتعلق به
ليس للكواكب طبائع تلائمها
وسئل فضيلته:
* يقول شارح كتاب "العقيدة الطحاوية": ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب، واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها.. ما المقصود: "بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها"؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ١٠ ]
يقولون أن هناك من يعبد الكواكب، والذي يعبدونها يبنون لها الهياكل، والهيكل هو الصورة التي يظنونها على صورة نجم، أو نوء من الأنواء، ثم ينظرون إلى حركة ذلك النجم، فيسندون إليه بعض التأثير، فيقولون: إن من طبيعة هذا النجم الحرارة، أو من طبيعته البرودة، أو من طبيعته الرطوبة، أو من طبيعته الجفاف واليبس، أو ما أشبه ذلك
فإذا مطروا مطرًا قالوا: هذا صدق نجم أو نوء كذا وكذا! فيجعلون المطر من طبيعته!
وإذا أصابتهم رياح قالوا: أثارها النجم الفلاني، أو النوء الفلاني!
وإذا ثارت سحب نسبوها إلى الأنواء.
فالطبائع هي إما شدة البرد، أو شدة الحر، أو الجفاف، أو اليبس، أو قلة الأمطار، أو كثرة الأمطار، أو هبوب الرياح، أو إثارة السحب، أو ما أشبه ذلك، يزعمون أنها هي التي تثيرها، ونسوا أن الله تعالى هو الذي يتصرف في الكون، وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته، وهو الذي سخرها، كما في قوله تعالى: «وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره» (النحل:١٢) .
فإذا كانت كلها مسخرات؛ فكيف يكون لها تأثير؟! وكيف يكون لها طبائع تلاءمها؟
(٨) الرقى والتمائم
الاضطرابات النفسية لا تعالج بالتمائم
وسئل وفقه الله:
* هل يجوز لي أن أعلق تميمة، حيث إنني أعاني من اضطرابات نفسية؟
فأجاب:
لا يجوز تعليق التمائم، لورود النهي عن ذلك وتجوز الرقية بالقرآن، والأدعية، والأوردة المأثورة وكثرة الذكر، والأعمال الصالحة، والاستعاذة من الشيطان، والبعد عن المعاصي وأهلها، فكل ذلك يجلب الراحة والطمأنينة والحياة السعيدة.
حديث السبعين المشهور
وسئل فضيلته:
[ ٦٤ / ١١ ]
* قرأنا في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب في حديث السبعين إنهم (لا يرقون)، وقرأنا في زاد المعاد لابن القيم أن الرسول ﷺ رقى بعض أصحابه، وقال في ذلك بعض الأدعية؛ فهل فِعْلُهُ ﷺ نَسْخٌ لما ورد في الحديث، أم أنها من الأفعال الخَاصة به؟
فأجاب:
أنا قرأت كتاب التوحيد، ولم أجد فيه هذه الكلمة وهي كلمة "لا يرقون"، وهذا السائل إذا كان قد وجدها فيمكن أنها بنسخة غير معتمدة، والرواية التي قرأناها في كتاب التوحيد فيها: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون". فإذا كان في بعض النسخ، "لا يرقون" فيمكن أنها أخذت من رواية ضعيفة، وذلك لأن الحديث موجود في الصحيحين في بعض رواياته: "لا يرقون ولا يسترقون".
ولكن صحح العلماء أن كلمة: "لا يرقون" خطأ من بعض الرواة، وأن الصواب: "لا يسترقون".
فكونك ترقي غيرك وتنفعه مما تثاب عليه، ولا ضرر عليك في ذلك، فقد نفعت غيرك كما في حديث جابر بن عبد الله ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
وأما كونك تطلب غيرك فإن ذلك دليل على ضعف التوحيد،/ ودليل على أنك ما وثقت بالتوكل على الله. فالراقي يجوز أن يرقي غيره، ولكن يكره له أن يطلب من يرقيه.
على الجنب المبادرة بالاغتسال
أما الحائض والنفساء فلا بأس
وسئل وفقه الله:
* ما حكم الشرب أو الاستحمام بالماء المقرئ عليه بالقرآن؟ وما حكم الرقية الشرعية على المرأة إذا كانت حائضًا أو نفساء، وعلى الرجل إذا كان جنبًا؟
فأجاب:
على الجنب أن يبادر بالاغتسال قبل استعمال القراءة ليكون أقرب إلى التأثير، ولو كان ذلك شربًا للماء المقروء فيه، أو غسلًا به.
فأمّا الحائض والنفساء فلها استعمال الماء المقروء فيه زمن العادة، حيث إنها قد تتضرر بتأخير الاستعمال.
الأكمل للمريض أن يكون طاهرًا
[ ٦٤ / ١٢ ]
وسئل حفظه الله:
* هل تجوز القراءة والرقية الشرعية على المرأة المريضة بالمس والعين وغيره، وهي حائض، وعلى الرجل المريض وهو جنب؟
فأجاب:
يشترط لقارئ القرآن الطهارة من الحدث الأكبر، الذي يوجب الغسل، كالجنابة والحيض، وأما المريض فالأكمل أن يكون طاهرًا أيضًا، لكن إذا مرضت الحائض وتضررت جازت القراءة عليها زمن الحيض للحاجة، سواء كان المرض بالمس أو السحر أو العين.
(٩) الاضطرابات النفسية والخواطر الشيطانية والطب الشعبي والرؤى والأحلام
وساوس الشيطان في الأمور الغيبية
وسئل فضيلة الشيخ:
* في بعض الأحيان يأتي الشيطان للإنسان، ويوسوس في نفسه في ذات الله، وفي آياته الكونية، فما الذي ينبغي على الإنسان فعله حيال ذلك؟
فأجاب:
سئل النبي ﷺ عن هذا: ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: "جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به!، قال: وقد وجدتموه؟! قالوا: نعم! قال: ذاك صريح الإيمان".
وفيه أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: "سئل النبي ﷺ عن الوسوسة، قال: تلك محض الإيمان".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟! فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله".
وعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته".
وعنه أيضًا؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الخلق؟ فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلك، فليقل: آمنت بالله ورُسُلِهِ".
[ ٦٤ / ١٣ ]
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء، لأن يكون حممةً أحبَّ إليه من أن يتكلم به، فقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة".
ففي هذه الأحاديث وغيرها بيان أن هذه الأفكار التي قد تطرأ على الإنسان في الأمور الغيبية، أنها وسوسة من الشيطان ليوقعه في الشك والحيرة والعياذ بالله.
ثم إن الإنسان إذا وقع في مثل ذلك فعليه أمور؛ كما أرشدنا إليها النبي ﷺ من ذلك:
١- الاستعاذة بالله.
٢- الانتهاء عن ذلك، والانتهاء معناه قطع هذه الوسوسة.
٣- أن يقول: آمنت بالله وفي رواية: آمنت بالله ورسله.
فإذا خطرت لك وسوسة في ذات الله، أو في قدم العالم، أو في عدم نهايته، أو في أمور البعث، واستحالة ذلك، أو في بيان الثواب والعقاب أو ما أشبه ذلك.. فعليك أن تؤمن أإيمانًا مجملًا، فالنصوص تقول: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله.. آمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله. وعلى مراد رسول الله، وما علمت منه أقول به، وما جهلت أتوقف فيه وأكل علمه إلى الله.
ولا شك أن هذه الوساوس متى تمادى فيها العبد جرّت إلى الحيرة، أو إلى الشك، وهذا مقصد الشيطان.
أما الذي يتمادى مع هذه الوسوسة يقع في الشك، ثم في الحيرة، ثم يتخلى في النهاية عن أمور العبادة، وأما إذا قطعها منذ المرة الأولى، فإنها تنقطع إن شاء الله.. مع كثرة الاستعاذة من الشيطان، وكثرة دحر الشيطان، لأن هذا من كيْده ليوسوس به الإنسان حتى يشككه في إيمانه ودينه.
تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق
وسئل حفظه الله تعالى:
* هل الأحلام والوساوس الشيطانية -في ذات الله ونحو ذلك- التي تأتي للإنسان في النوم أو الصلاة ونحوها تؤثر في الإيمان؟ أم هو دليل على قوة الإيمان؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ١٤ ]
لا شك أن الأحلام تكثر وتقع في النوم في غالب الأحوال، ولكن لا ينبغي الاهتمام بها، فقد ورد في الحديث: "الرؤيا على رِجْلِ طائر حتى تُعْبَر فإذا عُبِرَتْ وقعت". وورد أيضًا: "فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان، وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره".
فإذا كانت أحلامًا غريبة، فهي من الأضغاث، ففي الحديث: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان".
ولا يجعلها المسلم أكبر ما يهمه، بل عليه أن يتغافل عنها ويحدث نفسه بما يهمه من أمر دينه أو دنياه، ويعلم أن الله تعالى قد عفى عن التخيلات وحديث النفس، كما قال النبي ﷺ: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم".
وقد وقعت الأوهام لكثير من الصحابة، حتى قال بعضهم للنبي ﷺ: "إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يَخِرَّ من السماء أحبُّ إليه من أن يتكلم به". وفي رواية: "قالوا إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟! ". قالوا: نعم! قال: "ذاك صريح الإيمان". وفي رواية: أنه سئل عن الوسوسة، قال: "تلك محض الإيمان". ونحو ذلك من الأحاديث، التي في صحيح مسلم وغيره.
وحيث إنها لا تضر الإيمان، فإن على المؤمن أن يجعل فكره وحديثه فيما بين يديه، فقد ورد في الأثر: تفكروا في المخلوق، ولا تفكروا في الخالق. وعلى المسلم أن يكثر من الدعاء بالصلاح والثبات والاستقامة، وأن يكثر من ذكر الله وعبادته وتلاوة كتابه، ويبتعد عن الآثام والسيئات التي يتسلَّط بها الشيطان على المسلم، والله أعلم.
علاج الخواطر الشيطانية
وسئل فضيلته:
* ترد على خاطري أحيانًا هواجس وخواطر، أخاف أن تخرجني عن ديني، فماذا أفعل تجاهها؟ وهل علي إثم في ذلك؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ١٥ ]
هذه الخواطر والأفكار من الشيطان فهو الذي يوسوس في صدور الناس، ليوقع المسلم في الحيرة، فإذا أحسست بشيء من ذلك فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، من نفثه وهمزه ولمزه، وعليك بالانتهاء عن التفكير في الأمور الغيبية، وأمور الصفات والكون، حتى لا يضعف اليقين.
رؤية الرسول ﷺ في المنام
وسئل فضيلته:
* يقول الرسول ﷺ: "من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي". فهل تتحقق رؤية أحد من الأنبياء غير الرسول ﷺ؟
فأجاب:
فيما يظهر لي أن هذا الحديث خاص بالصحابة الذين رأوا شخصه، وعرفوه ورأوا وجهه، وعاشروه وعرفوه، فإذا رأوه في المنام عرفوه، وقالوا: هذا الرسول ﷺ.
أما من بعدهم الذين لم يروه، فإن الشيطان قد يتمثل بصورة إنسان، أي إنسان، ويقول: أنا محمد فما يدريك أن هذا محمد! ﷺ؟
فهل رأيته حتى تحكم أن هذه هي صورته وشخصه؟ فما دامت أنك لم تره فليس هناك يقين بأن هذا محمد ﷺ.
وبهذا تبطل كثير من المرائي التي يحتج بها الخرافيون. يقول أحدهم: رأيت الرسول في المنام، فإذا هو يقول لي: زر القبر الفلاني، وافعل كذا، وكذا فيتمسك هؤلاء بتلك الرؤيا، ويقولون: الرسول لا يتمثل به شيطان!
نقول: ومن أدراكم أن هذا غير شيطان؟ قد تكون هذه صورة شخص عادي يتمثل به الشيطان ويتسمى بأنه محمد، وليس هو.
أما الأنبياء السابقون قبله، فلا أذكر فيهم شيئًا من هذا، ولكن يقرب أنهم مثل النبي ﷺ لأن الشيطان لا يتمثل بصورهم.
أما إذا كان أحد أصحابهم يعرفون شخص ذلك النبي، بأن هذا هو عيسى، وأن هذا هو أيوب، رؤية عين في اليقظة، ثم رأوا في المنام من يشبههم، مثل رؤية النبي ﷺ إذا رأوه في الحياة، فنعم أي قد رآه حقًا.
لم يجد الطب معي..
فهل يعالجني الشيخ؟
[ ٦٤ / ١٦ ]
وسئل فضيلته:
* توجد امرأة أصيبت بمرض لا تعلم ما هو، ولم يجد الطب لها علاجًا، فأتت بشيخ يقرأ عليها، فلما رآها قال: إن الخادمة التي في المنزل وضعت لها إبرة في الفراش، وطلب هذا الشيخ الدخول إلى الغرفة، وتبخيرها وبإذن الله تشفى. فهل قوله هذا صحيح؟ وكيف علم بهذا؟ وهل له اتصال بالعالم الآخر؟ وهل تأذن له بالدخول إلى الغرفة؟
فأجاب:
هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، لكن ينظر في حال هذا الشيخ، فإذا كانت أحواله مستقيمة، يعني محافظًا على العبادات، ومن حملة كتاب الله، ومن العاملين به، ومن أهل العلم الصحيح، وأهل العقيدة السلفية السليمة، فقد يكون من باب خوارق العادات، أو من المكاشفات، أو يمكن أنه رأى لذلك علامات، فلا مانع والحال هذه من تمكينه مما طلب.
أما إذا كان قليل العبادة، ومتهمًا في ديانته، أو في عقيدته، أو مبتدعًا، أو من أهل المعاصي، أو منحرفًا أو ما أشبه ذلك، أو من أهل الشعوذة والكهانة والسحر، وتعاطي الأمور السحرية ونحوها.. فلا يجوز والحال هذه.. لا سؤاله، ولا تمكينه.
ولا مانع من فعل العلاجات ومن جملتها التبخير، فإن التبخير بالبخور العادي قد يكون له تأثير، إما تأثيرًا في الجن ومردة الشياطين ونحوهم، وإما تأثيرًا في الجو، فيحدث بإذن الله شيئًا من الصحوة ومن النشاط.
موقف الإسلام من الأطباء الشعبيين
وسئل فضيلته:
*ما موقف الإسلام من الأطباء الشعبيين؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ١٧ ]
ورد في الحديث: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء عَلِمَه من عَلِمَه، وجهله من جهله". فهؤلاء الأطباء الشعبيون قد عملوا بالتجربة على هذه الأدوية، ورجعوا فيها إلى كتب الطب التي جمعها علماء عارفون بذلك، وهذا فن من فنون العلم الكثيرة، قد تخصص فيه أقوام من عهد النبوة، وقبلها وبعدها، وعرفوا تراكيب الأدوية وخواص كل دواء، وكيفية استعماله، مع اعتقادهم أنها أسباب للشفاء، وأن الله تعالى هو مسبب الأسباب، فعلى هذا لا بأس بتعلم ذلك والعلاج به، وعلى السائل أن يقرأ كتاب: (الطب النبوي) لابن القيم، وللذهبي، و(الآداب الشرعية) لابن مفلح، وكتاب (تسهيل المنافع)، وغيرها.
العلاج هو: ذكر الله والصبر وغيره
وسئل فضيلته:
* عن رجل أصيب بداء، فذهب إلى الأطباء ولم يستفد شيئًا، ثم ذهب إلى المشايخ والقراء فإذا قرأوا عليه هدأت نفسه، وبعد فترة تعود حالته إلى ما كانت عليه، ثم هو يقول: ما العلاج في ذلك؟
فأجاب:
العلاج يكون بأمور:
أولًا: الطمأنينة إلى الخير، ومحبته.
ثانيًا: الصبر على ما تلاقيه نفسك من القلق، واحتساب أن هذا من المصائب التي يبتلي الله بها العباد، ويختبرهم، هل يصبر العبد أم لا؟ فإذا صبر فإن الله تعالى يثبته، قال تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» (الزمر:١٠) . هذا من حيث العموم.
أما من حيث الخصوص: فنوصيه بأمور:
أولًا: كثرة الأعمال الخيرة والصالحة، كالصلوات والعبادات والأذكار وقراءة القرآن ونحوها.
ثانيًا: ونوصيه أيضًا بحضور مجالس الذكر، ومجالس العلم، فإن فيها ما يطمأن نفسه، وبها يشغل نفسه عن تلك الأفكار.
ثالثًا: ثم نوصيه بأن يشغل نفسه بأي شيء مفيد، فمثلًا يشتري الأشرطة والكتب المفيدة والتي فيها المواعظ والإرشادات والعلم النافع والأحكام والقصص والعبر، التي يشغل بها وقته، وتطمئن بها نفسه.
[ ٦٤ / ١٨ ]
فإذا اشتغل بذلك كله، ووطن نفسه على ذلك، وَأكْثَرَ من ذكر الله، ومن قراءة القرآن، وعلاج نفسه بالأدعية الواردة في الكتاب والسنة، بعد ذلك نرجو من الله أن يخفف عنه ما يجده.
الوساوس الشيطانية
وسئل أثابه الله:
* ما الأسباب والوسائل التي تعصم الإنسان وتحصنه من الوساوس والأوهام الشيطانية، وتجعله سليمًا مستقيمًا في عقيدته وسلوكه؟
فأجاب:
عليه أولًا: أن يكثر من الاستعاذة بالله من شر الشياطين وأوهامها ووساوسها، ويعتقد أن ربه هو الذي يعيذه ويعصمه ويحميه، وَيَحُولُ بينه وبين تلك الأوهام والتخيلات.
كما أن عليه ثانيًا: أن يذهب من نفسه تلك التخيلات والواردات، التي تشككه في عقيدته ودينه وطهارته وصلاته سواء في صحتها أو في أصلها، بل يعتقد جازمًا أنها عين الصواب والحق، وأن ما يجول في نفسه من الشك والريب في صحتها أو موافقتها كله من أوهام الشيطان، ليوقعه في الحيرة وليكلفه ما لا يطيق، حتى يملَّ العبادة أو يعتقد بطلانها، وهذا ما يريده إبليس من المسلمين، والله أعلم.
كيفية النفث
عند التعرض لوساوس الشيطان في الصلاة
وسئل حفظه الله تعالى:
* شكا بعض أصحاب رسول الله ﷺ، تَعَرّض الشيطان وإشغاله لهم في الصلاة، فأمرهم ﷺ بالتعوذ منه، والنفث ثلاثًا، نرجو بيان كيفية النفث عند التعرض لمثل هذا الموقف في الصلاة ولو تكرر ذلك كثيرًا؟
فأجاب:
أولًا: على الإنسان أن يستعيذ من الشيطان عند ابتداء الصلاة والقراءة.
ثانيًا: عليه أن يحرص على إحضار قلبه لما يقوله في صلاته، فإذا قرأ تأمل ما يقرأ، وإذا دعا تأمل ما يدعو به، وإذا ذكر الله تأمل معاني الأذكار التي يدعو بها، حتى ينشغل بتأمل ذلك عن وساوس الشيطان.
ثالثًا: إذا ابتلي ووقعت منه هذه الوسوسة، فإن عليه أن يجدد الاستعاذة ولو بقلبه، وينفث عن يساره ثلاثًا.
[ ٦٤ / ١٩ ]
والنفث هو: النفخ مع قليل من الريق، أي: نفخ مختلط بشيء أو قليل من الريق، هذا هو النفث، وهو الذي يستعمل في القراءة على المريض، بأن ينفث عليه، لعل ذلك يكون مانعًا من الشيطان.
الوساوس الشيطانية في الصلاة
وسئل حفظه الله:
* عن الوساوس الشيطانية في الصلاة والتفكير في أمور الدنيا، حتى إن بعضهم يَشْرُد ذهنه في الصلاة فما يدري ما يقول الإمام، فما علاج مثل هذا الأمر؟ وهل ينقص هذا من أجر الصلاة؟
فأجاب:
لا شك أن هذه الوساوس وأحاديث النفس من الشيطان، لينقص على المسلم صلاته، ولكنها شيء غالب على أكثر الناس، حتى قال النبي ﷺ: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني". ولأجلها شرع سجود السهو؛ فإن سببه: أن المصلي يشرد ذهنه، فلا يدري ما صلى، فيزيد أو ينقص.
وقد أخبر النبي ﷺ بأن الشيطان يأتي المصلي فيقول: له اذكر كذا واذكر كذا، -لما لم يكن يذكر من قبل- حتى يَظَّل الرجل، ما يدري كم صلى.. الخ. وقال عمر ﵁: "إني لأجهر بصوتي وأنا في الصلاة"، وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص لأبيه في قوله: «الذين هم عن صلاتهم ساهون» (الماعون:٥): أيُّنا لا يسهو؟ أيُّنا لا يحدث نفسه؟ فأخبره أن السهو عنها تأخيرها عن وقتها.
ولكن على المسلم أن يحرص على الإقبال على صلاته.
* فإن كان في قراءتها؛ تدبرها وتأمل معانيها، حتى لا يتحدث بغيرها.
* وإن كان في دعاء أو ذكر؛ تعقله واستحضر ما يدل عليه.
* وإن كان في ركن كقيام وركوع وسجود؛ تفكر في سببه وحكمة مشروعيته، واحضر قلبه فيه، وبذلك ينشغل بصلاته ويقبل عليها بكليته.
ثم إن غلبه حديث النفس، فليحذر من الحديث بأمر الدنيا وشهواتها وأعمالها، والله يعفو ويغفر ما شذ عن ذلك، والله أعلم.
(١٠) ادعاء علم الغيب
من ادعى علم الغيب فهو كاهن أو ساحر أو طاغوت
وسئل فضيلته:
[ ٦٤ / ٢٠ ]
* ما حكم من ادعى الغيب؟ وما هي أنواع الغيب التي يتشوق الإنسان إلى معرفتها؟
فأجاب:
من ادعى علم الغيب فهو كاهن أو ساحر أو طاغوت، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله، لقوله تعالى: «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو» (الأنعام:٥٩) .
والمراد بالغيب: علم ما يكون في الأزمنة القادمة، وعلم الآجال والأعمار، ونحو ذلك.
(١١) السحر والكهانة والتنجيم
حقيقة السحر
وسئل عفا الله عنه:
* هل للسحر حقيقة؟
فأجاب:
نعم! له حقيقة، وحقيقته أن السحرة يعبدون الشياطين، ويطيعونهم، وهم يساعدونهم على ما يريدون، والله تعالى قد أعطى الشياطين من القدرة ما يزاولون به أعمالًا غريبة.
السحر عمل شيطاني والساحر مشرك كافر
وسئل حفظه الله:
* عن امرأة ساحرة تعمل السحر، وقد تضرر منها أناس كثير، فما الواجب نحو هذه المرأة الساحرة؟ وعن كيفية التخلص من هذا السحر؟
فأجاب:
فإن السحر هو عمل شيطاني، حيث يتقرب الساحر إلى الجن بالذبح لهم، أو دعائهم من دون الله، أو ترك الصلاة، أو أكل النجاسات ونحو ذلك، حتى تخدمه الشياطين ومردة الجن، فيلابسون من يريده، ويقتلون ويعوقون ويعقدون الرجل عن امرأته، ويصرفون أحدهما عن الآخر ونحو ذلك.
وعلى هذا فالساحر مشرك كافر، لأجل تقربه إلى غير الله بهذه الأعمال الكفرية، فلذلك ورد الأمر بقتله، وثبت ذلك عن عمر بن الخطاب، وبنته حفصة، وجندب ﵃.
وعلى ما ذكرنا فلا يجوز ترك هذه المرأة التي اشتهرت بعمل السحر، فإن كان لديكم بينات وقرائن، فارفعوا أمرها وبما حصل منها من الأضرار، حتى تقتل ويستريح الناس من شرّها، وعلى رب الأسرة السعي في إزالة ضرر هذه المرأة، ولو كانت والدته؛ حيث إن هذا العمل كفر بالله، وضرر على عباد الله، ومتى قتلت انزجر غيرها، وامتنعوا عن مثل هذا العمل الشيطاني.
[ ٦٤ / ٢١ ]
فإن امتنعوا كلهم من تغيير الحال، ورضوا عن هذه العجوز، وتركوها على هذا الأمر، فإنك أنت مسؤول عن ما تعرف عنها، فاحرص على إثبات الوقائع التي حَصَلَتْ منها، وأثبت ما تقدر عليه من القرائن والبيّنات، وما يعرفه عنها الجيران والأهلون، ومتى حَصَلْت على المعلومات الكافية فارفعها إلى المحكمة الشرعية، ليجرى فيها حكم الله تعالى، وهو العمل بحديث: "حد الساحر ضربة بالسيف".
ولا يحق لك أن تقيم على هذه الحال التي تعاني فيها من هذه الأضرار، وبعد ذلك نوصيك:
أولًا: بالتحصن بكثرة ذكر الله وقراءة القرآن، واستعمال الأوراد في الصباح والمساء، وذلك مما يحفظك الله من الجن والسحرة.
ثم نوصيك ثانيًا: بعلاج ما أصابك بالرقية الشرعية، عند القراء المعروفين، باستعمال كلام الله وكلام رسوله ﷺ، والأدوية الشرعية، وهم كثيرون في البلاد، وقد نفع الله بهم من أراد الله به خيرًا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(١٢) الحسد والعين والتكبر
إنَّ الله جميل يحب الجمال
وسئل فضيلة الشيخ:
* عن امرأة تحب أن تكون متميزة عن غيرها في لباسها، ولا تريد أحدًا مثلها؛ بل ولا تريد أحدًا أفضل منها، ولكنها لا تتمنى زوال نعمة أحد من الناس، فهل هذا حسد أم كبر؟ علمًا بأنها تكره هاتين الصفتين، الحسد والكبر؟
فأجاب:
لا ندري ماذا يقوم بقلب هذه المرأة مما يجعلها على هذه الصفات
* فإن كان ذلك حسدًا فهو محرم.
* وإن كان تكبرًا أو استنكافًا عن مشاركة الغير في ذلك الوصف؛ فهو محرم أيضًا، ولكن الكبر المذموم هو بطر الحق وغمط الناس، أي: احتقارهم، وليس من الكبر من يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، فإن الله جميل يحب الجمال.
[ ٦٤ / ٢٢ ]
* وإن كان فعلها هذا حبًّا للتميز والشهرة، بسمة خاصة، فينظر إلى سبب ذلك، ويمكن أن يكون هذا من الأخلاق التي تتمكن من قلوب بعض الناس دون أن يكون لها دوافع ممنوعة، والله أعلم.
كيف تتقي العين؟
وسئل فضيلته:
* هل للمسلم أن يحتاط من العين، مع ثبوتها في السنة؟ وهل يخالف ذلك التوكل على الله؟
فأجاب:
ورد في الحديث: "إن العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا".
والعين، هي: عين الإنسان التي تصيب الأشياء فتتلفها، ولا تفسد إلا بإذن الله، وَبِقَدرِهِ.
أما كيفيتها: فالله أعلم بها؛ إلا أن بعض الناس تكون نفسه شريرة، وتنبعث منها عند تسممها مواد سامة ضارة، تصل إلى ذلك المعين، فتحدث فيه أحداثًا بإذن الله كأن يتألم ونحو ذلك.
ولك أن تحتاط، ولك أن تبذل الأسباب التي تقيك من شره، ومن هذه الأسباب:
الاستعاذة؛ فقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، وكان الرسول ﷺ يتعوذ من الجان، وعين الإنسان. وكان جبريل ﵇ يرقي النبي ﷺ من العين فكان يقول: "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك".
فعلى الإنسان أن يأتي بهذه الأدعية، والأسباب التي تقيه، مع معالجة ذلك إذا وقع، فإنه إذا اتهم إنسان بأنه أصابه بالعين، فيطلب منه أن يغسل له ثوبه أو نحو ذلك، لقوله في الحديث: "وإذا استغسلتم فاغسلوا".
الكافر كغيره يصيب بالعين
وسئل حفظه الله:
* هل صحيح أن الكافر لا يصيب المسلم بالعين -أي بالحسد-؟ وما هو الدليل؟
فأجاب:
ليس بصحيح؛ بل الكافر كغيره قد يصيب بالعين.
(١٣) الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة والتوسل والشفاعة
الاستغاثة بغير الله
وسئل حفظه الله:
[ ٦٤ / ٢٣ ]
* عن إنسان يستغيث بغير الله، إما بالشيوخ، أو بالأولياء، أو بالأنبياء. علمًا بأنه مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلي، ويصوم، هل تنقص هذه الاستغاثة التوحيد؟ أم توقعه في الشرك الأكبر؟
فأجاب:
الاستغاثة بغير الله معلوم أنها من الشرك الأكبر، وذلك أن الاستغاثة دعاء يكون من الإنسان إذا وقع في كرب وفي شدّة. فهذا يسمى استغاثة. والكفار في الجاهلية كان أحدهم عندما يصيبه الكرب في البحر لجأ إلى الله، فيستغيث بربه ويطلب منه أن ينقذه مما هو فيه من الكرب، قال تعالى: «وإذا مسّكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه» (الإسراء:٦٧) .
أما الذي يذكر غير الله، ويستغيث بغير الله، في حالة الشدائد، أكبر شركًا من المشركين الأولين الذين نزل فيهم القرآن، والذين كفّرهم الله تعالى، وقاتلهم النبي ﷺ.
وعلينا أن نسأل هذا المستغيث:
هل هو مثلًا يقول: يا ولي الله أغثني! فأنا في حسبك! ولا حول لي إلا أنت! ولا أحد ينجيني إلا أنت! أنا معتمد عليك، يا ولي الله خذ بيدي! نجني مما أنا فيه؟!! وإذا كان مثلًا في البحر، وتلاطمت به الأمواج، أخذ يقول مثلًا كقول الرافضة: يا علي! أو يا حسين! نجني من الكرب! أو ما أشبه ذلك؟!! أو يقول: يا عبد القادر الجيلاني! أو يا بدوي!
أو ما أشبه ذلك
فإن هذا شرك أكبر!! فهذا معنى الاستغاثة: أن يشهد أن لا إله إلا الله، ويصلي، ويصوم، ولكنه يحلف ويستغيث بغير الله تعالى، فهذا شرك أكبر، ولا ينفعه هذا التوحيد مع هذه الاستغاثة، وهو على خطر عظيم.
(١٤) القبور وما يتعلق بها
تحريم زيارة النساء للقبور
وسئُل فضيلة الشيخ:
* ما السبب أو العلة في تحريم زيارة النساء للقبور؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ٢٤ ]
أولًا: ورد النهي الشديد عن زيارة النساء للقبور، بقوله ﷺ: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". وعن أبي هريرة ﵁ قال: "إنَّ رسول الله ﷺ لعن زوَّارات القبور". وقوله لفاطمة -لما زارت أناسًا للتعزية-: "لو بلغت معهم الكداء -يعني أدنى المقابر- ما رأيت الجنة".
ثانيًا: ورد تعليل ذلك، بقوله ﷺللنساء اللاتي تبعن الجنازة-: "فارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت". فعلَّل نهيهن بعلتين:
الأولى: كونهن فتنة للأحياء، فإن المرأة عورة، وخروجها وبروزها للرجال الأجانب يوقع في الفتنة، ويجر إلى الجرائم.
الثاني: كونهن يؤذين الميت، فإن المرأة قليلة الصبر ضعيفة القلب، لا تتحمل المصائب، وذلك محرم شرعًا.
هل يرش الماء على قبر الميت وجيرانه؟
وسئل فضيلته:
* يقوم بعض الناس بعد الفراغ من دفن الميت برش الماء على القبور المجاورة، ويقولون: اسقوا جيرانه، أو نحو هذا الكلام، هل لهذا العمل أصل في الشرع، أو أنه بدعة؟
فأجاب:
ذلك لا أصل له؛ إنما يرش قبر الميت بعد أن يدفن، حتى ييبس ظاهر القبر الذي هو من تراب، فيجعل عليه الحصى ثم يرش بالماء حتى ييبس، وحتى لا تذروه الرياح، فإن الرياح قد تثير ذلك التراب، وتحمله عن القبر، ولربما يظهر بعض القبر، فلأجل ذلك يرش الماء.
أما الجيران الآخرون فقد تيبست قبورهم، وقد تصلبت فلماذا يسقى هؤلاء؟! إن هذا العمل لا أصل له في الشرع، وليس هذا من السقي كما يقولون!
لا إثم في زيارة المقابر يوم الجمعة
وسئل حفظه الله:
* يوم الجمعة يكون بالنسبة لنا إجازة، فلو خصصنا هذا اليوم أو بعض ساعات منه لزيارة المقابر، فهل يدخل هذا في البدع؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ٢٥ ]
لا يدخل؛ لأنه وردت بعض الأدلة في زيارة المقابر يوم الجمعة، وأن أهل المقابر يسمعون من يزورونهم يوم الجمعة، أو يوم السبت أو نحو ذلك، وما دام أنكم لم تقصدوا تخصيص هذا اليوم، وأن هذا هو وقت فراغكم، فلا إثم عليكم إن شاء الله، وقد ورد في تخصيصه وفضله بعض الأدلة، ولكنها لم تثبت.
هدم القبر المرتفع
وسئل حفظه الله:
* توفي أخي، فقام أحد أقاربنا ببناء قبر مرتفع عن سطح المدفون بها، وَكَتَبَ عليه آيات من القرآن، فهل يجوز مثل هذا البناء؟
فأجاب:
ثبت أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر، وأن يجصص. وأن يكتب عليه. وأمر عليًّا ﵁ بقوله: "لا تدعن قبرًا مشرفًا إلا سوِّيته". أي جعلته كغيره، ولعل السبب أن ذلك مما يلفت الأنظار، ويسبب الفتنة بصاحب القبر، فيعتقد الجهلة أنه قبر ولي، أو سيد صالح، فيحملهم على التعلق به، واتخاذه مسجدًا يصلى عنده، وقد ورد النهي عن ذلك، وإنما ورد رفع القبر عن الأرض بنحو شبر. ليُعرف أنه قبر، فلا يُجلس عليه، ولا يوطأ بالأقدام، أو نحو ذلك.
حكم البناء فوق المقابر القديمة
وسئل فضيلته:
* هناك مقبرة قديمة جدًِّا؛ والدليل على أقدميتها أن بعض قبورها موجهة إلى بيت المقدس، فهل يجوز بناء البيوت فوقها لكونها قديمة؟
فأجاب:
لا يجوز البناء على القبور ما دامت واضحة المعالم، ومتحقق أنها قبور، ولو كانت قديمة، وليس كونها موجهة إلى بيت المقدس دليلًا على قدمها، ولا يدل على أن أهلها غير مسلمين، ما دامت البلاد بلادًا إسلامية.
فعليك أن تحوِّط عليها حاطًا منيعًا، وتتصرف في بقية أرضك بالحرث والبناء ونحوه.
زيارة قبور المشركين وآثارهم
وسئل حفظه الله:
* هل يجوز للمسلم أن يزور مقابر الكفار، وآثارهم للتذكر؟ مثال ذلك: الأهرامات بمصر، حيث يوجد بها مقابر الفراعنة، وآثارهم؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ٢٦ ]
لا يجوز شد الرحال إليها، ولو كان ذلك للاعتبار والتذكر، ولكن إذا كان هناك في مصر، أي: أتاها من غير شد رحل، للاعتبار والنظر في آثار من قبلنا، وكيف أن قوتهم ما دفعت عنهم؟! وكيف أن ما فعلوه كان عاقبة لهم؟! وما بقي إلا آثارهم، وأخبارهم، ويأخذ من ذلك العبرة والموعظة، ويستعد للآخرة، ويعمل عملًا صالحًا، ويعرف أن العمل الصالح هو الذي يبقى، وهو سبب النجاة، فلا مانع من ذلك إن شاء الله، ولو كان فيها قبور المشركين، لأنه لم يقصد بزيارته تعظيم القبور، أو الطواف بها، والتمسح بها، كما يفعل بعض من يزور تلك القبور.
حول تمييز القبر وزيارته
وسئل:
* هل يجوز أن يزار قبر شخص بعينه، مع زيارة القبور الأخرى؟ وما حكم تعيين قبر بعلامة، أو بإشارة من أجل معرفة صاحب هذا القبر؟
فأجاب:
زيارة القبور مشروعة لسببين:
الأول: تذكر الآخرة.
الثاني: الدعاء للموتى.
وتجوز مثلًا كل أسبوع، أو كل أسبوعين، أو كل شهر، أو نحو ذلك، أو إذا أحس الإنسان بقسوة قلبه، فإنه يزورهم حتى يتعظ، وحتى يلين قلبه أو نحو ذلك.
ويجوز أن يخص الإنسان بزيارة قبر أبيه، أو قبر أخيه، أو قريبه، أو نسيبه، فيجوز له أن يزور قبرًا معينًا، ثم يسلم على القبور جميعًا.
ويجوز أن يعلِّم القبر بعلامات يُعْرَفُ بها، فقد ثبت أنه ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون جعل عند قبره حجرًا، وقال: "أعرف به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي".
فيجوز أن يجعل علامة كحجر، أو لبنة، أو خشبة، أو حديدة أو نحو ذلك، ليميز بها هذا القبر عن غيره، حتى يزوره، ويعرفه.
أما أن يكتب عليه، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد نُهي أن يكتب على القبور، حتى ولو اسمه، وكذلك نهي أن يرفع رفعًا زائدًا عن غيره.
أفضل الأوقات لزيارة المقابر
وسئل فضيلته:
* هل هناك وقت لزيارة المقابر، فقد سمعنا أن زيارتها في الليل سنة؟
فأجاب:
[ ٦٤ / ٢٧ ]
ليس هناك وقت محدد لزيارة المقابر، إلا أن بعض العلماء يستحب زيارتها يوم الجمعة، وبعضهم يوم السبت. ولكن متى تيسر لك أن تزورها في أي وقت فافعل، ولا عليك أن تحدد وقتًا من الأوقات.
وزيارة القبر مشروعة لتذكر الآخرة، والدعاء للأموات، وقد نهى النبي ﷺ عن زيارة القبور في أول الأمر، لما كان الصحابة حديثو عهد بالجاهلية مخافة الغلو، ولما اطمأنوا وعرفوا التوحيد، رخص لهم، وقال: "زوروا القبور فإنها تذكّر الموت".
فمتى أحس الإنسان في قلبه قسوة، فإن عليه أن يزورها ليعتبر ويتذكر، ويدعو للأموات متى تيسر له في صباح الجمعة، وهو الأفضل أو غيرها من الأوقات.
أما زيارتها في الليل، فلا أذكر دليلًا عليه، ولا أذكر أن أحدًا استحبه، بل قد ورد كراهة الدفن ليلًا عند كثير من العلماء، والآخرون قالوا: "لا بأس بالدفن ليلًا إن شاء الله".
عذاب القبر
وسئل فضيلة الشيخ:
هل يعذب أهل الكبائر في القبر؟
فأجاب:
لا شك أن عذاب القبر -الذي هو البرزخ بين الدنيا والآخرة- قد أعد تمحيصًا، أو أُعد عاجلًا، يعني عذابًا معجلًا، فإذا مات الإنسان وهو مصر على كبائر وذنوب كثيرة، كترك الصلاة، أو ترك الجماعة، أو شرب الخمر، أو قتل النفس، أو ما أشبه ذلك.
فإن هذه من الذنوب الكبيرة، فلا يأمن أن يعذب.
وقد رويت أحاديث كثيرة فيها وعيد شديد لمن اقترف ذنبًا من تلك الذنوب، وعيد في البرزخ، ووعيد في الآخرة.
وبكل حال فإن عذاب القبر يناله العصاة المصرون على الكبائر، كما يناله الكفار والمنافقون ونحوهم.
وما روي في بعض الأحاديث من أنه للمنافق، والكافر، وللمرتاب، ونحو ذلك. فهذا هو العذاب الغليظ، والعذاب المستمر لهؤلاء، ويكون للذين ماتوا وهم مصرون على الكبائر، ويلزمون بقدرها، كما أنهم يدخلون النار بقدر سيئاتهم وكبائرهم حتى تمحص، ثم يخرجون من النار بعد ما تمحص.
[ ٦٤ / ٢٨ ]
فكذلك يكون هذا العذاب في البرزخ تمحيصًا وتكفيرًا لما اقترفوه من سيئات.
(١٥) رسالة الجواب الفائق في الرد على مبدل الحقائق
رسالة الجواب الفائق في الرد على مبدِّل الحقائق
المقدمة
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فلقد قرأت النصيحة الصادرة من أحد علماء مصر، والتي بعث بها المرسل المسترشد محمود عبد الله راشد، من الجمهورية العربية المصرية، إلى مفتي مكة المكرمة، وبعد أن قرأت فيها عنوانها تفاءلت به، ولكن اتضح أنه قد أخطأ الحق في بعض المواضيع فيما يتعلق بالصفات، وفيما يتعلق بالأعمال، فأحببت أن أعلق عليها ببعض التنبيهات على ما ظهر لي أنه خطأ، وأوضِّح الصواب في ذلك حسب ما وصل إليه علمي، وأستشهد على ذلك ببعض أقوال العلماء الصالحين المخلصين، وأقدم ما يتعلق بالصفات، مرتبًا ذلك حسب أسطر الصفحات.
في صفات الله
أولًا: طريقة السلف إثبات الصفات حسب ورودها:
في السطر الحادي عشر من الصفحة الأولى قال في إثبات بعض الصفات:
[يسمع بغير أصمخة وآذان، ويرى بغير حدقة وأجفان، ويتكلم بغير شفة ولسان.. الخ] .
فأقول:
إن طريقة سلف الأمة إثبات الصفات حسب ورودها، واعتقادها صفات حقيقية لها معان مفهومة، ونفي التشبيه عنها، وإبعاد كل ما يتوهم فيه التشبيه وما هو من خصائص المخلوقين، مع الاقتصار في النفي والإثبات على ما وردت به النصوص، فنحن نثبت صفة السمع والبصر والكلام، مع إثبات الحقيقة ونفي التشبيه، فأما ذكر الأصمخة والآذان، والأحداق والأجفان، والشفة واللسان، فلا نتعرض لها بنفي ولا إثبات، وننكر على من أثبتها، وعلى من نفاها، مع وصف الله تعالى بأنه الأحد الصمد، وقد فسر الصمد بأنه المصمت، الذي لا جوف له، أو بالسيد الذي كمل في سؤدده، وكلاهما معروف في اللغة.
ثانيًا: الوهابية متبعون للسلف في إثبات الصفات:
[ ٦٤ / ٢٩ ]
قال في السطر الحادي والعشرين من الصفحة الأولى ما نصه:
[كتهمة الوهابية للذات العلية يعتقدون بأن لله جسمًا محدودًا، مُؤَلَّفًا من أعضاء، يد محسوسة يبطش بها، ورجل يمشي بها، يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع، فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت، لعب إبليس بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم من دائرة الإسلام؛ لأن المجسمة ليسوا من الإسلام في شيء الخ] .
والجواب أن يقال:
مراده بالوهابية: أتباع أئمة الدعوة السلفية، التي قام بها في نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر، وهو وأتباعه ﵏ ليس لهم مذهب خاص؛ بل هم في العقيدة على معتقد السلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة والحديث، مع أنهم لا يعيبون من تبع مذهب إمام من الأئمة المعتبرين، وإذا تبين لهم الحق والصواب في غير مذهب إمامهم، تبعوه مع من كان، وقد ذكرنا آنفًا أننا متبعون للنص والدليل ندور معه حيث دار، ففيما ذكره هذا القائل عدة أخطاء:
الأول: تسميته لهم بالوهابية:
بعد أن عرفت أنهم لم يختصوا بشيء ولم يبتدعوا جديدًا، وأن كل ما قالوه: إنهم متبعون للنصوص وللسلف الصالح، ولأن القائم بالدعوة ليس هو عبد الوهاب، وإنما هو ابنه الشيخ محمد، فهم المحمديون أصلًا وفرعًا، ولأن الوهَّاب اسم من أسماء الله تعالى، فهو الذي وهبهم الهداية والعلم والعمل.
الثاني: رميه لهم بالتجسيم:
[ ٦٤ / ٣٠ ]
فهم لم يقولوا بذلك أبدًا، ولم يستعملوا هذه اللفظة إثباتًا ولا نفيًا، فمن قال: إن الله جسم فهو مبتدع، وكذا من نفى الجسم فهو مبتدع أيضًا، حيث إن هذه اللفظة لم ترد في النصوص، ولم يستعملها السلف والأئمة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، مع أنا نثبت الصفات الواردة ونعتقد حقيقتها، وننفي عنها التشبيه والتمثيل، ولا يلزم أن يكون مجسمة إذا قلنا: بأن الله فوق عباده على عرشه بائن من خلقه، أو قلنا: إن له يدًا ووجهًا وعينًا كما يشاء، أو قلنا: إنه ينزل ويجيء لفصل القضاء كما يشاء، فإن هذه الصفات ونحوها قد وردت بها النصوص، فنحن نعتقد حقيقتها ولا نمثلها بخصائص المخلوق، ولا نثبت لها كيفية أو مثالًا، فكما لم ندرك كُنْهَ الذات وماهيتها، فكذا نقول في هذه الصفات، فإنّا نثبتها إثبات وجود لا إثبات تكييف وتحديد، كما قال ذلك أكابر الأئمة. فكيف يلزم من ذلك أن نكون مجسمة؟!.
وهكذا قوله: [محدود] . نفضل ترك الخوض في الحد، مع أنه من المسائل التي أثبتها بعض السلف ونفاها البعض، ولكن الأفضل التوقف؛ حيث إن البحث في ذلك مُبْتَدَع، وإن اللفظ لم يرد في الأدلة، ومع ذلك فعذر من أثبت الحد ومن نفاه أن لكل منهما مقصدًا ظاهره الصحة.
وبالجملة: فلا اختصاص لنا بهذا دون غيرنا، ولكن هذا الكاتب مزجى البضاعة في عقيدة السلف وأقوالهم، وكان الأولى أن يوجه طعنه ولومه على علماء السلف وأئمتهم، فإن هذه الأقوال والمذاهب المأثورة عنهم مدونة في مؤلفاتهم الموجودة المشهورة!!
الثالث: قوله عن الوهابية:
إنهم يصفون الرب تعالى بأنه:
[مؤلف من أعضاء: يد محسوسة يبطش بها، ورجل يمشي بها.. الخ] .
والجواب:
[ ٦٤ / ٣١ ]
إن هذا من جنس ما قبله قول عليهم بلا علم، فإن التأليف جمع المتفرق، أو تركيبه من أدوات مختلفة، وهذه اللفظة محدثة في العقيدة، لا نقول بها ولا نستعملها في عقائدنا ولم ترد في النصوص؛ حيث إن لازمها قول باطل كما ذكرنا.
فأما إثبات اليد والرجل حيث وردت فإنا نقتصر على ذلك، فقد تكاثرت الأدلة على إثبات اليد بما لا يدع مجالًا في أنها يد حقيقية، لكنا نقول: إنها لا تشبه خصائص المخلوق، وإن الله يقبض بها السماوات والأرض كما أخبر عن ذلك (وذلك كما في قوله تعالى: «وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون» (الزمر:٦٧) .
وأما الرِّجل: فقد ورد في السنة أن الله يضع رجله أو قدمه على النار، وورد في القرآن ذكر السّاق ووُضِّح في الحديث، فإذا أثبتنا ذلك لم يلزم أن نكون مجسمة، ولم يلزم أنّا نقول: إن الله تعالى مؤلف من أعضاء؛ بل نقول: إن ذاته حقيقية، وصفاته حقيقية؛ كما يليق به، كما أنا لا نقول بالبطش والمشي الذي رمانا به؛ بل نقتصر على الوارد في الكتاب والسنة.
الرابع: زعمه أنهم يصفون الله بأنه:
[يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع.. الخ] .
الجواب:
[ ٦٤ / ٣٢ ]
إن هذا قول لا حقيقة له، ولا عمدة له في هذا النقل، فهذه مؤلفاتهم وعقائدهم مطبوعة شهيرة، ولا يوجد فيها هذه الألفاظ، فإنهم ينفون الصفات التي لم ترد في الوحيين ويتقيَّدون بالأدلة، ولكن أعداءهم يلزمونهم بلوازم باطلة، فإذا أثبتوا الاستواء كما يليق بالله أو فسروه بالعلو والارتفاع -كما قاله السلف وأهل اللغة- لم يلزم أنهم قائلون بالجلوس والقيام، فقد تكاثرت الأدلة على إثبات العلو الحقيقي بكل معانيه، وعلى إثبات العرش. وأن الله تعالى مستو عليه كما يشاء، فليس لنا إنكار ذلك أو تسليط التأويلات التي هي تحريف للكلم عن مواضعه على تلك الأدلة واضحة الدلالة، فمتى ألزمنا أعداؤنا بلوازم باطلة زاعمين أنها تلزم من قال بموجب تلك النصوص، لم نلتفت إلى تلك الإلزامات وأوضحنا خطأهم في هذا الإلزام.
فأما إثبات النزول والمجيء فليس لنا إنكاره، وقد صرحت به النصوص وتواردت على إثباته الأدلة التي لا تحتمل التأويل، ومع ذلك نتوقف عن الكيفية ونكلها إلى الله، ولا نقول: إنه إذا نزل يخلو منه العرش، أو تحصره السماوات الخ؛ بل نقول: إن الرسول الناصح لأمته ﷺ قد أخبر بهذا النزول. وأن الله تعالى قد أخبر بالمجيء يوم القيامة، فنحن نثبت ذلك كما ورد ولا نضيف إليه شيئًا من عند أنفسنا، فما ألزمونا به غير لازم.
الخامس: قوله:
[فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت.. الخ] .
فنقول:
[ ٦٤ / ٣٣ ]
هذا تشبيه باطل وبعيد عن الصواب فما وجه الشبه؟!، فإن النصارى زعموا أن اللاهوت وهو: (الإله) اتحد بالناسوت وهو: (الإنسان) أو: (عيسى)، وقالوا: «إن الله هو المسيح ابن مريم» (المائدة:٧٢) . «وقالت النصارى المسيح ابن الله» (التوبة:٣٠)، وذلك هو عين الكفر والضلال، فأما أتباع السلف والأئمة فما قالوا شيئًا من قبل أنفسهم، وإنما وصفوا الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به أعلم الخلق بربه، وهو محمد ﷺ، فإذا أثبتوا لله الصفات الواردة، واعتقدوها حقيقة لتواتر النصوص بها، ثم نفوا عنها كل أنواع التشبيه وخصائص المخلوقين، واعتقدوا أنها تليق بالله كما يشاء، لم يلزم أن يكونوا كالنصارى في قولهم باللاهوت والناسوت.
وبكل حال فإن هذا الكاتب عليه أن يوجه عيبه ولومه إلى الأئمة المتبعين!! كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ونحوهم، فهل يتجرأ أن يقول عليهم: إنهم وهابية، وإنهم إخوان النصارى؟!!
هذا ما لا يستطيعه لما لهم عند جمهور الأمة من المكانة الراقية، فلو رماهم بذلك لأنكر عليه الخاص والعام، وسددت إليه سهام الملام.
السادس: قوله:
[لعب إبليس بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم من دائرة الإسلام.. الخ] .
فنقول:
هذا تهور وجرأة على الله وعلى المسلمين وأهل الدين، واستهزاء وتمسخر بشعائر الإسلام، وتكفير لأهل العقيدة السليمة، وإخراج لهم عن دائرة الإسلام، وتلك مصيبة عظمى لو يعلم أثرها هذا الكاتب لم يتجرأ على ذلك. فإنه:
أولًا: زعم أنهم قد أطاعوا الشيطان مطلقًا، وأنه هو الذي أوقعهم في هذا الاعتقاد السلفي، الذي قد سار عليه جمهور سلف الأمة وأهل القرون المفضلة، فإذا كان إبليس قد لعب بهم، فقد لعب أيضًا بأولئك الأئمة والقادة الأجلاء.
[ ٦٤ / ٣٤ ]
ثانيًا: إخراجه لهم من الإسلام، وهي إحدى الكِبَرْ. فبأي خصلة أخرجهم من الدين؟! أما كانوا يدينون لله بالتوحيد؟! ويعملون بمعنى الشهادتين؟! ويحافظون على إقامة أركان الإسلام؟! ويبتعدون عن كل المحرمات؟! ويحذرون منها؟! ويحرصون على إخلاص دينهم لربهم وحده؛ فلا يجعلون منه شيئًا لغيره كائنًا من كان؟! فمن كفَّرهم فقد أنكر حقيقة التوحيد، وأباح الكفر والشرك، فهو أولى بما قال، وقد قال النبي ﷺ: "ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه". أي: رجع إليه تكفيره.
وفي حديث آخر: "أن رجلًا ممن قبلنا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له، وأحبطت عملك". فهل ينتبه هذا الكاتب، ويرتدع عن مثل هذا التهور والتسرع في التكفير!!
السابع: قوله:
[لأن المجسمة ليسوا من الإسلام في شيء.. إلخ] .
فنقول:
ونحن نبرأ إلى الله أن نصفه بالتشبيه، أو التمثيل بشيء من المخلوقات، ولقد أوضحنا أن أئمة الدعوة بريئون من وصمة التشبيه، أو التمثيل الذي يرميهم به أعداؤهم قديمًا وحديثًا، وأنه لا يلزم من إثباتهم صفة الاستواء والنزول والمجيء وسائر الصفات الذاتية والفعلية، أن يكونوا مشبهة، فإنهم تابعون للنصوص الصريحة في الإثبات، ومصرحون بنفي مشابهة المخلوقات، كما يثبت غيرهم الصفات العقلية، وينفون عنها التشبيه، وكما يثبت الباقون الذات الحقيقية، ويتوقفون عن معرفة ماهيتها وكنه حقيقتها، وقد يكون النافون أولى بالتشبيه؛ لأنه لم يبادر إلى أذهانهم سوى دلالة النصوص على التشبيه، ولم يفهموا منها إلا هذا المعنى الباطل، فاعتقدوا أن ظاهر النصوص غير مراد؛ لأنه بزعمهم يدل على مماثلة الله للمخلوقات، تعالى الله وتقدس.
ثالثًا: آيات الصفات محكمة جليّة ظاهرة المعاني مفهومة الدلالة:
[ ٦٤ / ٣٥ ]
قال في السطر الثاني من الصفحة الثانية:
[أما الآيات المتشابهات فلابد فيها من التأويل، خوف التجسيم والتشبيه.. الخ] .
والجواب:
إن هذا قول خاطئ مخالف لقول الراسخين في العلم، الذين يقولون في المتشابه: «آمنا به كل من عند ربنا» . فقد ذم الله الزائغين الذين: «يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» (آل عمران:٧) .
إن هذا الكاتب اعتقد أن آيات الصفات فقط هي القسم المتشابه وحده، وهو خاطئ من حيث العموم؛ فإنها محكمة جلية، ظاهرة المعاني، مفهومة الدلالة، فسرها السلف والأئمة، وأوضحوا معاني ما اشتملت عليه، ولم يفوِّضوا لفظها كما يزعم أهل الكلام، ولم يحرفوا معانيها كما يدعي هذا الكاتب ونحوه: أن تأويلها لازم خوف التجسيم.. الخ.
* فأما قوله: [لأن القرينة تصرف اللفظ عن ظاهره.. إلخ] .
نقول: ليس ثمَّ قرينة يحتاج معها إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فمتى قلنا: «آمنا به كل من عند ربنا» واعتقدنا أن الألفاظ دالة على معاني صحيحة مفهومة للمخاطبين، وأنها دالة على صفات تناسب الموصوف، وتباين صفات المحدثات ونحو ذلك، لم نحتج إلى صرف اللفظ عن ظاهره، حيث يتكلف في هذا الصرف، وحيث يكون المعنى المصروف إليه بعيدًا عن السياق وعن المفهوم المتبادر للسامعين، فإن المخاطبين به عند نزوله لم يحرفوا معانيه ولم يفهموا منه شيئًا من خصائص المخلوق؛ بل أثبتوا كل الصفات الواردة واعتقدوها لائقة بالموصوف، فلما جاء من بعدهم وفشت فيهم المذاهب الكلامية توسعوا في البحث، فاعتقدوا أن ظاهر النصوص يقتضي التجسيم والتشبيه، فسلطوا عليها أنواع التأويل كأضراب هذا الكاتب هداهم الله.
رابعًا: لا يلزم من إثبات الصفات القول بأنه جسم محدود:
فأما قوله:
[فمن كان هذا شأنه لا بداية ولا نهاية، كيف تعتقد أنه جسم محدود مؤلف من أعضاء، يتحرك، وينتقل من مكان إلى مكان آخر، ويترك وراءه فراغًا؟]
هذا عليه فيه ملاحظات:
[ ٦٤ / ٣٦ ]
منها قوله: [لا بداية ولا نهاية]:
قال ذلك بعد الآية الكريمة: «هو الأول والآخر» (الحديد:٣) . وهو تفسير مبتدَع، فإن هذه الأسماء قد بيَّن معانيها النبي ﷺ ووضحها بقوله في دعاء الاستفتاح: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء".
ومنها قوله: [كيف نعتقد أنه جسم محدود]:
والجواب:
إنه لا يلزم من إثبات الصفات على ما يليق بها القول: بأنه جسم محدود، ثم قد سبق الرد على قوله: جسم محدود مؤلف من أعضاء، وبيَّنا أن هذه ألفاظ بدعية، لا يجوز الخوض فيها إثباتًا ولا نفيًا.. إلخ.
ومنها قوله: [يتحرك وينتقل من مكان الخ]:
فنقول:
اتهم بالقول بذلك أئمة الدعوة السلفية وهو كقوله آنفًا: يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع، وقد ذكرنا الجواب عنه آنفًا، وأوضحنا أنه لا يلزم من إثبات المجيء والنزول الذي وردت به الأدلة أن نقول بالحركة والانتقال المحسوس، الذي هو من خواص المحدثات والمركبات، بل مجيء الله ونزوله هو كما يليق به، وهو حق حقيقي ليس بمجاز، ولا يصح نفيه بعد ثبوته في النصوص التي دلالتها قطعية.
ذكر الكاتب أمثلة على تأويل بعض الآيات المتشابهة:
المثال الأول: تأويل قول الله تعالى: «وجاء ربك»:
ثم إن هذا الكاتب ذكر مثالًا لتأويل بعض الآيات المتشابهة، كما زعم وهي قوله: «وجاء ربك» (الفجر:٢٢) . فأقحم فيها لفظ: (أمر)، فقال: [وجاء أمر ربك والملك.. إلخ] .
[ ٦٤ / ٣٧ ]
وهذا تفسير الجهمية ومن تبعهم، ولا عبرة بكثرة من قاله من المتقدمين والمتأخرين، فإننا متبعون للأدلة، فقد ذكر الله الإتيان وأضافه إلى ذاته، وفرق بين إتيانه وإتيان بعض آياته، فقال ﷿: «هل ينظرون إلى أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك» (الأنعام:١٥٨) . وقال تعالى: «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام» (البقرة:٢١٠) الخ.
ومتى قلنا: إن الله يجيء كما يشاء إتيانًا يليق به؛ لم يلزم القول بالحركة الموهومة، مع أن تأويله بالأمر لم ينقل عن أحد من السلف وهم الأسوة وبهم القدوة.
المثال الثاني: تأويل حديث النزول:
ثم ذكر مثالًا ثانيًا للتأويل الذي التزم سلوكه خوفًا من التشبيه، فقال في السطر الثامن من الصفحة الثانية:
[(النزول) معناه: الهبوط من أعلى إلى أسفل، ثم الرجوع ثانيًا إلى مكانه وهذا أيضًا مستحيل، إذًا لا بد من التأويل، نزول مَنّ وإفضال، وقبول توبة، بمعنى التنزل، لا كنزول الأجسام والصور.. الخ] .
والجواب: أن يقال: وردت أحاديث كثيرة صحيحة، عن النبي ﷺ في أن الله تعالى ينزل كل ليلة، وذكرت بلفظ النزول وبلفظ الهبوط، والذين نقلوها هم نقلة أحكام الشريعة ولم ينكرها أحد من السلف، ولم يقولوا: إن المراد نزول فضله أو منِّه أو قبوله التوبة.. الخ. كما أنهم لم يكيفوا ذلك ولم يشبِّهوه بنزول الأجسام، واعتبروه مثل المجيء والإتيان الذي أثبته الله لنفسه، ولم يلزم من إثباته ما هو مستحيل؛ بل الجميع نصّ على حقيقته، وهو من خصائص المتصف به لأنه تعالى: «ليس كمثله شيء» (الشورى:١١) في ذاته ولا في صفاته.
٢- ثم قال في نفس السطر:
[«ويبقى وجه ربك» (الرحمن:٢٧) أي: ذاته. «ولتصنع على عيني» (طه:٣٩) أي: عنايتي ورعايتي لك] .
فنقول:
[ ٦٤ / ٣٨ ]
هذا تأويل خاطئ، حيث أنكر ما أثبته الله لنفسه من صفة الوجه والعين، وقد وردت أدلة متنوعة في الكتاب والسنة بذلك (ومن الأدلة على إثبات صفة الوجه، قول الله تعالى: (٠ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» (الرحمن:٢٧) . وفي الحديث الذي رواه مسلم برقم١٧٩ في الإيمان، باب "في قوله ﵇: بإن الله لا ينام.. الخ". من حديث أبي موسى ﵁ قال: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
أما الأدلة في إثبات صفة العين فمنها: قوله تعالى: «فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا» (الطور:٤٨) . وفي الحديث الذي رواه البخاري كما في الفتح، ٦/١٩٩ برقم ٣٠٥٧ في الجهاد، باب "كيف يعرض الإسلام على الصبي". من حديث ابن عمر ﵁، في وصف الدجال)، ومن طلبها وجدها في كتب الحديث والعقائد، ولم يزل السلف يأثرونها من غير تكبر، ولم يقولوا: إنّها تشبه خصائص المخلوق؛ بل إنها صفة للرب تعالى كسائر صفاته، نؤمن بها ولا نكيِّفها حيث لم يخالفها عقل سليم، ولا نقل صحيح؛ بل النقول المتكاثرة المتواردة على حكم واحد يتعذر تأويلها.
٣- ثم قال في السطر الذي يليه:
[«والسموات مطويات بيمينه» (الزمر:٦٧) أي بقدرته. «يد الله فوق أيديهم» (الفتح:١٠) "ويد الله مع الجماعة". أي: يؤيدهم بنصره الخ] .
[ ٦٤ / ٣٩ ]
وهذا تأويل باطل من جنس ما قبله، فقد تكرر ذكر اليد واليدين للرب تعالى في العديد من الآيات والأحاديث والتصريح بذكر اليمين، ونحو ذلك من العبارات الصريحة، فإن تأويلها بالقدرة بعيد عن الصواب، وقد ذكرها الله في قوله لإبليس: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدَيَّ» (ص:٧٥) بلفظ المثنى، ولو كان المراد القدرة لما حسن ذكر التثنية، ولقال إبليس: وأنا خلقتني يا رب بقدرتك. ثم إنه ادعى الإجماع على تأويل اليد بالقدرة والتأييد، والنصر والرعاية، والحماية والعناية، وليس كذلك؛ فإجماع الصحابة والتابعين سابق لهؤلاء، على أن يد الله صفة من صفاته، وتبعهم على ذلك سلف الأمة والأئمة الأربعة، وَنَصَرَهُ ابن جرير في تفسير قول الله تعالى: «بل يداه مبسوطتان» (المائدة:٦٤) فأين الإجماع على ما قال؟! ومن الذي حكاه كما قال هذا الكاتب؟! ثم إنه أورد بيت شعر اعتمده فيما قال، ونص البيت:
وكل نص أوهم التشبيها أوّله أو فوض ورم تنزيها
وهذا البيت مذكور في منظومة لبعض الأشاعرة.
ونحن نقول:
أولًا: إن صاحب النظم لا ينبغي اتخاذه عمدة؛ فإنه إنما بنى كلامه على معتقده الذي اعتنقه عن مشائخه، الذين تلقى عنهم هذه العقيدة السيئة.
ثانيًا: لا يُظَنّ أن نصوص الشرع من الكتاب والسنة توهم التشبيه أبدًا، فإن السلف والأئمة لم يكونوا يفهمون أو يتوهمون أن النصوص توهم التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فالله تعالى أعلى وأجل من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه، لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال.
[ ٦٤ / ٤٠ ]
ثالثًا: إلزامه بالتأويل والتفويض، ويعتقد أن السلف يفوِّضون النصوص، أي: يسكتون عن المراد بها مع الاعتقاد أنها لا تدل على صفات حقيقية في نفس الأمر، فألزم إما بالتأويل وهو في الحقيقة تحريف للكلم عن مواضعه، لكن ينفي دلالته على الصفات في نفس الأمر، وإما بالتفويض الذي هو السكوت المراد مع روح التنزيه وهو اعتقاد أنها لا تفيد صفات لله في نفس الأمر. وكلا الأمرين خطأ، وإنما الصواب: ترك التأويل وإثبات حقيقة الصفات التي أفادتها تلك النصوص، مع تفويض العلم بالكيفيات والماهيَّات، ومع اعتقاد أنها لا يُفهم منها تشبيه الرب أو شيء من صفاته بالمخلوقين، فلا تشبيه ولا تعطيل.
خامسًا: نسبة الجلوس إلى أهل السنة كذب عليهم:
ثم قال في السطر الخامس عشر من الصفحة الثانية:
[فمن هذا شأنه لا بداية ولا نهاية، كيف يجلس ويستقر على مخلوق ضعيف تحمله الملائكة؟! وتحفه من كل جانب ملائكة؟! هذا مستحيل الخ] .
فيقال:
* تكرر قوله: (لا بداية ولا نهاية)، وذكرنا أن الصواب التفسير النبوي الأول والآخر.
* فأما قوله: [كيف يجلس الخ]:
[ ٦٤ / ٤١ ]
فالجواب: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه على العرش استوى في سبعة مواضع من القرآن، وفسر العلماء الاستواء بما يدل على العلو والارتفاع والاستقرار، والتزموا نفي العلم بالكيفية وتفويضها إلى الله، ولا أذكر في كتب السلف التفسير بالجلوس، فنسبته إلى أهل السنة أو أئمة الدعوة كذب عليهم؛ بل منهم من فوض وقال (استوى): استواء يليق بالله تعالى، ومنهم من قال: علا وارتفع كما يشاء مع عدم العلم بالكيفية، وليس في ذلك محذور والحمد لله، وقد أنكروا على من توسع في الخوض في ذلك بذكر أنه أكبر من العرش، أو مثله أو دونه، وكذا بذكر المماسة وكون الرب محمولًا على العرش كحمل الراكب على المركوب ونحو ذلك، فلا نقول بهذه التقديرات، ولا نخوض في هذا الأبحاث لعدم النقل فيها، ولما فيها من التدخل فيما لا يعني.
سادسًا: تفسير السلف الاستواء: بالاستقرار والعلو الخ:
ثم قال بعد سطرين:
[و(استوى) لغة معناها: استقر. فالاستقرار هنا بصفة الرحمة على العرش وما قواه.. أما من اعتقد بأنه جلس واستقر على العرش فقد أشرك، لأنه توهمه جسمًا محدودًا محمولًا على عرشه.. إلخ] .
والجواب:
قد تقدم أن السلف فسروا الاستواء بالاستقرار والعلو والارتفاع والصعود، ولم يقولوا ما قاله هذا الكاتب؛ من أنه الاستقرار بصفة الرحمة على العرش فإنه بعيد. بل قالوا: استقر كما يشاء لا كاستواء المخلوق، ولم يعتقدوا: أنه جلس أو استقر على العرش كاستقرار المخلوق، ولم يقولوا: إنه محتاج إلى العرش أو غيره، ولا توهموا ربهم: جسمًا محدودًا محتاجًا إلى خلقه، فكل هذا تقوُّل عليهم بلا علم، فإن كان يقصد أئمة الدعوة فليوقفنا على موضع من كتبهم فيه ما ذكر، وإلاّ فليسند القول إلى قائله، والذي يقول بتلك الأقاويل الكفرية يصدق عليه أنه حمار كما وصفه به الكاتب.
(١٦) في دعاء المخلوقين والتوسل بالأشخاص
[ ٦٤ / ٤٢ ]
أولًا: تفسير معنى دعاء العبادة ودعاء المسألة:
قال الكتاب في الصفحة الثالثة في السطر السابع:
[(النداء) لغة معناه الدعاء، وهو لا يتقيد بالعبادة إلا إذا كان لله ﷿، أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه أنه يضر وينفع ويعطي ويمنع من غير إذن الله فقد أشرك..الخ] .
والجواب:
لقد خبّط هذا الكاتب، وخلط، وأخطأ في الكثير مما قاله أو تعمده، فأنبِّه على أهم أخطائه فيما يأتي:
أولًا: ذكر أن الدعاء لا يتقيد بالعبادة إلا إذا كان لله ﷿، أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي.. الخ.
وهذا قول باطل بعيد عن الصواب، صدر عن جهل بحقيقة الدعاء وبحقيقة العبادة، وبالأدلة الواردة على ذلك، وأنا أشير إلى شيء من ذلك:
فأقول: أما الدعاء: فهو لغة: النداء، ويطلق شرعًا على: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وهما متلازمان:
* فدعاء العبادة هو: فعل كل الطاعات، وأداء جميع القربات امتثالًا لأمر الله، وتقربًا إليه، وهو متضمن دعاء المسألة، فإن المصلي داع بلسان الحال، فكأنه يقول: إنما أصلي طلبًا لرضى الله، وجزيل ثوابه، وهكذا في جميع الأعمال الصالحة لسان حال من يفعلها يقول: أريد من فعلها مغفرة الله وجنته، فهو سائل في نفس الأمر.
* أما دعاء المسألة فهو: السؤال والطلب، كسؤال الجنة والتعوذ من سخط الله، ومن النار ونحو ذلك، وهو ولابد مستلزم لدعاء العبادة، فإن حقيقة العبادة الذل والخضوع، والتواضع والإذعان، فالذي يدعو ربه يسأله حال تذلل وخشوع وإنابة وإخبات، فالسؤال: دعاء، والذل: عبادة، وهكذا المصلى، والصائم، والمتصدق، والذاكر، والقارئ، والطائف، والعاكف، والراكع، والساجد. فإن كلًا من هؤلاء حال فعله يكون راغبًا في فضل الله طالبًا لمنه وعطائه، ويكون مع ذلك متذللًا ومذعنًا، منقادًا لأمر الله، خاضعًا مخبتًا له، وذلك هو حقيقة العبادة.
[ ٦٤ / ٤٣ ]
ومتى كان كذلك ورأينا من يسأل ربه من فضله ويمد إليه يد الافتقار ويلهج بالدعاء مستمطرًا من فضل ربه، فإنّا نسميه داعيًا سائلًا لله، فإذا كان مع ذلك قد أهطع وأقنع وخشع وتذلل، وتواضع حال سؤاله، فهو لذلك عابد لربه ظاهرًا، نحكم بذلك حسب ما رأينا، وقد قال النبي ﷺ: "الدعاء هو العبادة". ثم قرأ قوله تعالى: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي.. الآية» (غافر:٦٠) . ووجه الدلالة من الآية أنه تعالى أمر بدعائه، وذم المستكبرين عن عبادته، والقرينة تدل على أن المراد يستكبرون عن دعائي وقال تعالى: «قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون» (غافر:٦٦) . فجعل دعاءهم عبادة، وقال عن الخليل ﵇: «وأعتزلكم وما تدعون من دون الله» (مريم:٤٨) . ثم قال: «فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله» (مريم:٤٩) . فعبر بالعبادة عن الدعاء.
وبعد أن عرفت حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة وتلازمهما فإن الأدلة واضحة على أن الدعاء حق الله، لا يُصرف منه شيء لغير الله، قال تعالى: «فلا تدعوا مع الله أحدًا» (الجن:١٨) . وقال «ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك» (يونس:١٠٦) . وقال: «ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة» (الأحقاف:٥) . ونحوها من الآيات.
ثانيًا: أما قول هذا الكاتب: [أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه؛ أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، من غير إذن الله فقد أشرك] .
[ ٦٤ / ٤٤ ]
نقول: إن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك مطلقًا؛ سواء كان المدعو ملكًا، أو نبيًّا، أو وليًا، أو جنِّيًّا، أو صالحًا، أو شريفًا، أو سيدًا، أو شجرًا، أو قبرًا، أو غير ذلك، فأما إن دعى إنسانًا حيًّا حاضرًا قادرًا وطلب منه ما يقدر عليه، كقوله: يا فلان اسقني، أو أطعمني، أو احملني، أو احمل رحلي، ونحو ذلك فهذا جائز، وهو من الأفعال المحسوسة، التي لا يزال الناس يفعلونها ويعين بعضهم بعضًا على فعلها. وكذا إن قال: يا فلان ادع الله لي بالمغفرة والجنة، أو أشركني في صدقاتك، أو وقفك، أو دعواتك ونحوها، فإن دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب مما يثيبه الله عليه، وهذا بخلاف ما إذا قال: اغفر ذنبي وأدخلني الجنة، أو: خذ بيدي عن النار ونحو ذلك، فإن هذا لا يجوز فعله مع الحي فضلًا عن الميت؛ لأنه مما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا منه تعالى.
فنحن نستدل بفعل الإنسان على عقيدته، فمتى رأينا شخصًا وقف عند قبر إنسان معظَّم في نفسه، وخضع برأسه، وتذلل، وأهطع، وأقنع، وخشع، وخفض صوته، وسكنت جوارحه، وأحضر قلبه ولبّه، أعظم مما يفعل في الصلاة بين يدي ربه ﷿، وهتف باسم ذلك المقبور، وناداه نداء من وثق منه بالعطاء، وعلق عليه الرجاء ونحو ذلك، فإننا لا نشك أنه والحالة هذه يعتقد أنه يعطيه سؤله ويدفع عنه السوء، وأنه يستطيع التصرف في أمر الله، ففعله هذا دليل سوء معتقده، فلا حاجة لنا أن نسأله: هل أنت تعتقد أنه يضر وينفع من غير إذن الله؟ فالله تعالى ما كلفنا أن ننقب عن قلوب الناس، وإنما نأخذهم بموجب أفعالهم وأقوالهم الظاهرة، وهذا الشخص قد خالف قول الله تعالى: «ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين» (يونس:١٠٦) .
[ ٦٤ / ٤٥ ]
وقد رأينا خشوعه وتذلله أمام هذا المخلوق الميت، وذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعله وقوله؛ بأنه قد أشرك بالله وتأله سواه، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب وتعظمه، وتحبه وترجوه، وتخافه وتعامله بما لا يصلح إلا لله، ولو لم يسمه الفاعل إلهًا، ولو لم يسم فعله تألهًا وتعبدًا؛ فإن العبرة بالحقائق وما في نفس الأمر بخلاف الأسماء، فأهل هذا الزمان لما جهلوا حقيقة العبادة والتأله والدعاء ونحوه الذي هو من حق الله ولم يعرفوا معانيها وأصل وضعها صرفوها لغير الله، وسموا ذلك توسلًا واستشفاعًا وتبركًا واحترامًا وهو عين عبادة ذلك المخلوق، وعين الشرك الذي توعد الله عليه بالنار وحرمان الجنة.
ثالثًا: ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع: [أما من اعتقد فيمن يناديه بأنه من أهل العطاء، وما ملك إلا بتمليك الله، ولا يتصرف إلا بإذن الله فهو موحدالخ] .
فنقول: لا حاجة لنا في التنقيب عن معتقده، الذي يقوم بقلبه فإنه أمر خفي، وقد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فنحن نأخذه بالظاهر، فإن أفعاله تعبر عن ما في ضميره ولو حاول تغييره لم يستطع.
ثم نقول أيضًا: كيف يصلح اعتقاد أن المخلوق من أهل العطاء، أي أنه يملك أن يعطي من يشاء مغفرة، ورزقًا، ومالًا، وولدًا، وصحة، وغنى،.. الخ؟ فإن الذي يملك ذلك هو الله وحده، كما وصفه نبيه ﷺ بقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت".
وقد أخبر الله عن كل ما يُدْعَى من دونه بأنهم: «ما يملكون من قطمير» (فاطر:١٣) .
[ ٦٤ / ٤٦ ]
وإن أراد الكاتب أنه من أهل العطاء، أي الذين أعطاهم الله نوعًا من التصرف والملكية، فهذا لا دليل عليه، وإنما خصائص الأنبياء نزول الوحي عليهم وتكليفهم بالتبليغ عن الله ما نزل إليهم، ولم يعطهم شيئًا من حقه الذي هو الدعاء والعبادة والتأله، ولا ملكهم رزق العباد، وهبة الأولاد، وشفاء الأسقام البدنية، وغفران الذنوب ونحوها، وعلى هذا فمن اعتقد في نبي، أو ملك، أو ولي، أو مخلوق، أنه مفوّض من الله في إهلاك من شاء، أو إعطاء من أراد، أو إدخال جنة أو نارًا، فقد صادم النصوص، وأشرك المخلوق في حق الخالق؛ فإن الله تعالى قال لرسوله محمد ﷺ، -وهو أشرف الخلق وأفضلهم-: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء» (القصص:٥٦) . فإذا كان سيد الخلق، وخاتم الرسل، لا يقدر على هداية عمه أو أقاربه فكيف يهدي أبعد الخلق وأشفاهم إذا دعوه مع الله وصرفوا له ما لا يستحقه إلا الله؟ ولقد أمره الله تعالى أن يعترف بعدم ملكيته لشيء من ذلك؛ لأنه حق الله وحده، قال الله تعالى: «قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا» (الجن:٢١) . والرشد: الهداية القلبية وإيصال الإيمان إلى القلوب، بخلاف البلاغ والبيان؛ فإنه وظيفته ورسالته كما قال تعالى: «إن عليك إلا البلاغ» (الشورى:٤٨) . وقد أخبر بأنه يهدي إلى الحق، أي: يدل عليه، كما قال ﷿: «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم» (الشورى:٥٢) . والمراد هداية البيان والدلالة والإرشاد، فأثبت هداية البيان ونفى هداية التوفيق والإلهام وقبول الإسلام، فمع هذه النصوص الصريحة كيف يقال: إن المخلوق يملك بتمليك الله الهداية والإضلال، والإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، أو يتصرف بإذن الله في الكون فيرسل الرياح ويثير السحب، وينزل المطر، وينبت النبات، ويخلق، ويرزق؟!
[ ٦٤ / ٤٧ ]
كل هذا جرأة على الله، وإنما جعل الله من معجزات عيسى ابن مريم ﵇ شيئًا من ذلك بإذن الله، ثم انقطع برفعه إلى السماء، ولم يذكر الله تعالى أن أحدًا من الأموات أو الغائبين، يهدي من أحب، أو يرزق من يشاء بإذن الله؛ بل قال تعالى لنبيه ﷺ: «قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مسني السوء» (الأعراف:١٨٨) .
فهل يقال بعد هذا: إنه هو أو من دونه بعد موته يملك بتمليك الله النفع والضر، والإعطاء والمنع؟ وأنه بناء على ذلك يُطْلَبُ منه كما يُطْلَبُ من الله! فَيُدْعَى وَيُرْجَى وتعلّق عليه الآمال ويخشع له العبد ويتواضع! ويقف أمام قبره خاضعًا ذليلًا وخائفًا راجيًا، فإن هذا كله لازم قول هذا الكاتب؛ حيث أباح نداءه وجعله مالكًا متصرفًا فيما هو من خصائص الرب تعالى، وقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال لعشيرته الأقربين: "انقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئًا". وقال لعمه العباس: "لا أغني عنك من الله شيئًا".
وهكذا قال لعمته ولابنته فاطمة الزهراء، وأمرهم بأن يعملوا عملًا صالحًا لوجه الله، ينقذون به أنفسهم من النار، ولا يعتمدون على قرابتهم منه أو شرفه عند الله، بل قال ﷺ في حديث آخر: "ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه".
[ ٦٤ / ٤٨ ]
وكل هذا حث للمسلم أن يعمل لله عملًا خالصًا لوجهه يكون سببًا لنجاته يوم القيامة، فلا يعتمد على نسب، ولا حسب، ولا يرغب إلى أي مخلوق يدعوه أو يرجوه، أو يخافه أو يعظمه كتعظيم الله تعالى، أو يعقد عليه أمله أو يعتقد أنه يملك من أمر الله شيئًا مع قول الله ﷿ لنبيه ﷺ: «ليس لك من الأمر شيء» (آل عمران:١٢٨) . وقوله: «قل إن الأمر كله لله» (آل عمران:١٥٤) . فهل ذكر الله تعالى أنه قد ملك أحدًا من خلقه شيئًا من حقه؟ أو فوَّض إليه التصرف في عباده؟ بأن يغفر لمن يشاء! ويعذب من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ولقد قال تعالى: «ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهدي الله فما له من مضل» (الزمر:٣٦-٣٧) . وقال ﷿: «ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه» (الإسراء:٩٧) . أي لا أحد يتولى أمرهم، ولا أحد يقدر على هدايتهم؛ ولو توسلوا بالأنبياء والأولياء والملائكة والصالحين والأصفياء، والقصد من ذلك أن يُقبل العباد بقلوبهم على ربهم، ويَصْدُقُوا الرغبة إليه، ويدعوه مخلصين له الدين، وينصرفوا بقلوبهم وأعمالهم عن كل مخلوق: تحقيقًا لوصف العبودية التي هي غاية الذل مع غاية الحب، فهو سبحانه قريب مجيب، كما قال تعالى: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون» (البقرة:١٨٦) .
[ ٦٤ / ٤٩ ]
فهو أعلم بعباده، وهو المطلع على الضمائر والنيات، ويعلم ما تكنه الصدور وما توسوس به النفوس، ويعلم السر وأخفى، فكيف مع ذلك يعدل عنه العباد؟ وكيف يحتاج إلى من يُعرِّفه بخلقه؟ وكيف يكون المخلوق أعلم من الرب الخالق تعالى بما في قلب الداعي؟ فالصدود عن الخالق إلى أحد من المخلوقين، فيه غاية التنقص للرب ﷿، وسوء الظن به أنه لا يعلم بعباده حتى ينبهه غيره من المخلوقين، تعالى الله علوًا كبيرًا.
ثانيًا: الرسل جميعًا لم يخرجوا عن طبيعة البشر:
ثم قال الكاتب في السطر الثالث عشر من الصفحة الثالثة:
[ومن أسف أن الوهابية قالوا: تمجيد الرسول بما يخرجه عن طبيعته البشرية باطل وزور الخ] .
جوابه:
[ ٦٤ / ٥٠ ]
أن يقال: مراده بالوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن انتفع بدعوته السلفية ﵏، وقد علم أنه ﵀ لم يأت بجديد، وإنما جدد للناس ما اندرس من معالم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد؛ حيث خرج في مجتمع قد غلب عليه الشرك ووسائله: كعبادة الأموات، وعمارة ما يسمى بالمشاهد برفع قبور الصالحين والأولياء، وبناء القباب عليها، وتحري الصلاة عندها، بالعكوف حولها، وبالذبح لها تعظيمًا واحترامًا، وبإيقاد السرج عليها طوال الليل، وبالنذور، والهدايا إلى تلك الضرائح، وتعليق الرجاء عليها، والهتاف بأسماء الأموات، وندائهم ودعائهم مع الله، كقبر: شمسان، وتاج، ويوسف، وزيد بن الخطاب، ونحوهم، فَبيّن لأهل زمانه أن حقهم علينا محبتهم وأتباعهم، والعمل مثل أعمالهم. فأما الدعاء، والرجاء، والذبح، والنذر، فهو خالص حق الله، وأورد لهم النصوص الصريحة في مصادمة ما فعلوه للتوحيد، كقوله ﷺ: "لعن الله من ذبح لغير الله". مع قوله تعالى: «فصل لربك وانحر» (الكوثر:٢) أي: خصَّه وحده بالصلاة والنحر، فمتى صلى أحد أو نحر لغير الله فقد أشركه في حق الله، وبين لهم أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال قبل أن يموت بخمس: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
وقال وهو في سياق الموت: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا.
وقال ﷺ: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". ودعى ربه فقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". والمعنى: أن الأولين أشركوا حيث تحروا الصلاة عند قبور الأولياء والأنبياء، فكل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجدٌ، لم يُبْنَ مسجد له منبر موجه إلى القبلة، فإن المسجد ما يتخذ للركوع والسجود فيه.
[ ٦٤ / ٥١ ]
فأهل ذلك الزمان قد غلب عليهم قصد قبور الأولياء والصالحين؛ للصلاة عندها، لاعتقاد أن للصلاة هناك مزية، وأنها أفضل من الصلاة في المساجد، ومع جماعة المسلمين، أو أن ذلك الولي يشفع في هذه الصلاة لتُقْبَل أو يضاعفَ ثوابها ونحو ذلك من الاعتقادات الفاسدة، ولا شك أن هذا تعظيم للمخلوق، ورفع لمنزلته إلى درجة لا يستحقها إلا الله.
فأما الرسول محمد ﷺ، فإننا نمجده ونحبه ونقدم محبته على الأنفس والأموال؛ فإنّ ذلك شرط لصحة الإيمان، لقوله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين"، ولكن لا نخرجه بهذه المحبة عن طبيعة البشر فنجعله ربًا، أو إلهًا، أو خالقًا، أو رازقًا، وإنما ميزته الرسالة؛ حيث فضّله الله على جميع البشر، وأنزل عليه الوحي وكلفه بحمل الرسالة وتبلغها إلى جميع الناس، مع أنه لا يزال متصفًا بالبشرية وبالعبودية. قال الله تعالى: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي» (الكهف:١١٠) . بل إن الرسل كلهم لم يخرجوا عن وصف البشرية كما حكى الله عن الرسل قولهم لأممهم: «إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده» (إبراهيم:١١) . ولما تعنَّت بعض المشركين وطلبوا منه بعض الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، قال الله تعالى له: «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا» (الإسراء:٩٣) .
فهل من دليل يفيد أن الرسل خرجوا عن طبيعة البشرية، فصاروا يعلمون الغيب ويملكون التصرف في الكون، ويشاركون الرب في الإعطاء والمنع، والضر والنفع، ونحو ذلك.
أليس قد قال الله تعالى لنبيه ﷺ: «قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ، وما أنا إلا نذير مبين» (الأحقاف:٩) .
[ ٦٤ / ٥٢ ]
بل أمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه هذه الأمور؛ حيث قال تعالى: «قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك» (الأنعام:٥٠) .
بل قد وصفه الله تعالى بالعبودية، التي هي تمام التذلل والخضوع للرب ﷿، فقال تعالى في مقام التحدي، «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله» (البقرة:٢٣) . وقال تعالى في مقام الإسراء: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» (الإسراء:١) . وقال تعالى في مقام الدعوة: «وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَدًا» (الجن:١٩) . وقال تعالى: «الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب» (الكهف:١) . وقال: «تبارك الذي نزل الفرقان على عبده» (الفرقان:١) .
فذكر تعالى أن من خصائصه ﷺ، ومميزاته أن أنزل عليه هذا الكتاب، الذي أعجز الناس أن يعارضوه، ومن خصائصه ﷺ، ومميزاته أن أسرى ببدنه وروحه إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء إلى حيث شاء الله، ومن فضائله أن كلفه ربه بالدعوة إلى الله، وكل هذه المميزات لم تخرجه عن وصف العبودية لله بكل معانيها من كونه مملوكًا للرب، ومن كونه ذليلًا متواضعًا وخاضعًا له مطيعًا، وهذا وصف فضل وشرف اتصف به المصطفَون من عباد الله، ولم يتكبروا عنه، قال تعالى: «لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون» (النساء:١٧٢) .
فنحن نقول: لا يصح في تمجيد الرسول ﷺ اعتقاد أنه خرج عن كل وصف البشرية، إلى وصف الملكية، أو إلى وصف الربوبية، أو الألوهية، ولا واسطة بينهما.
رابعًا: يجب إعطاء المسألة والنصرة لله وحده:
ثم قال الكاتب في السطر السادس عشر:
[فمن اعتقد أن مدد الرسول انقطع لانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فقد أساء الأدب مع الرسول، ويخشى عليه الموت على الكفر والعياذ بالله تعالى] .
جوابه:
[ ٦٤ / ٥٣ ]
أن يناقش عن مدد الرسول ﷺ في حياته وبعد مماته.
* فإن أراد بمدده؛ دلالته على الخير، وإرشاده للأمة، وإيضاحه للحق والهدى، وتبليغه لما أرسل به، وبيانه لعلوم الشريعة أكمل بيان، فهذا لم ينقطع بموته، فإن الأمة لا تزال تستضيء بأنوار هدايته وتسير على النهج الذي رسمه لها، وتستمد من سنته ما يوضح لها طرق الهدى، فمن صد عن سنته وأعرض عنها فهو أضل من حمار أهله.
* أما إن أراد بمدد الرسول ﷺ؛ فوائد اتباعه، وآثار الاقتداء بسنته، وبركات العمل بشريعته،، فهذا أيضًا لم ينقطع بموته، فنحن نعتقد أن من سار على نهجه واقتفى طريقه حصلت له البركات وأمده الله بفضله وعطائه، وانتفع في هذه الحياة بنتائج هذا الاتباع كسائر الأعمال الصالحة، فإن العمل الصالح سبب في كثرة الخير، وحلول البركة، وسعة الرزق، وطيب الحياة، ورغد العيش، والنصر على الأعداء، وحصول العلم والفهم والفتح من الله، والإلهام والتوفيق لعمل الصالحات، والحفظ عن المنكرات، لكن لا يضاف المدد إلى الرسول ﷺ إلا حيث إنه ببركة اتباعه، وإلا فالله هو الذي يمد العاملين، ويعطيهم ويتفضل عليهم، لأنه تعالى مالك الملك وبيده النفع والضر، والعطاء والمنع، والخفض والرفع.
[ ٦٤ / ٥٤ ]
* فإن أراد هذا الكاتب بمدد الرسول ﷺ؛ إعطاءه لمن سأله، ونصره لمن استنصر به، وإجابته لمن دعاه ونحو ذلك، فمثل هذا لا يملكه الرسول ﷺ لا في حياته ولا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هو إلى الله تعالى، كما قدمنا بعض الأدلة على ذلك كقوله تعالى: «قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجدَ من دونه ملتحدا» (الجن:٢١-٢٢) . وقوله: «قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب» (الأنعام:٥) . وقوله ﷺ لأقاربه: "أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئًا". وقوله في حديث الغلول: "لا أغني عنك من الله شيئًا قد أبلغتك".
فإذا كان الرسول ﷺ لا يملك جنس هذا المدد في حياته فهكذا لا يملكه بعد مماته، بل لا يملكه أحد من خلق الله، لا مَلكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهما، فمن اعتقد أنه ﷺ يمد من سأله، ويعطي من طلبه، وينفع من دعاه مع الله، فقد جعله لله ندًا وصرف له خالص حق الله، وهذا النوع من الإمداد هو مراد هذا الكاتب وأضرابه، وغاب عنهم أن الصحابة ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يعتقدوا هذا الاعتقاد، ولم يفعلوا معه ما يدل عليه، فلو كانوا يعتقدون فيه هذا النوع لتهافتوا إلى قبره يطلبون منه المدد والإعطاء، فكم نزلت بهم من مصيبة؟! وكم وقعت من فتنة؛ كوقعة الحرة ونحوها؟! وكم سلط عليهم الأعداء؟! ولم يحفظ أنهم جاؤوا إلى القبر مستنصرين، ولا فزعوا إلى النبي ﷺ قائلين: المدد يا رسول الله!! ولو كان هذا اعتقادهم لتوافدوا إلى قبره أفواجًا، وأقبلوا إليه من كل حدب وصوب زرافات ووحدانًا، فلما لم يفعلوا عُرف أن هذا الاعتقاد إنما هو من بدع المتأخرين؛ حيث أوقعهم الشيطان في ذلك الاعتقاد السيئ، ونتائجه الشركية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
[ ٦٤ / ٥٥ ]
ولقد كان الصحابة ﵃، يطلبون منه الدعاء في حياته بالغيث، وإنزال المطر، ورفع العذاب، وبالمغفرة والجنة، وبسعة الرزق، وطيب الحياة، فيدعو الله لهم ويجيب الله دعوته؛ لكرامته عليه، ولفضله وشرفه، وليكون ذلك من جملة معجزاته، فأما بعد موته فلم يطلبوا منه شيئًا من ذلك أبدًا؛ بل لما قحطوا عام الرمادة توسلوا بعمه العباس ﵁؛ لشرفه وكبر سنه وقرابته من النبي ﷺ، فطلبوا من الله أن يجيب دعوته لهم لأنه حي موجود بينهم، ولم يتوسلوا بالنبي لله؛ لأنهم عرفوا عدم جواز ذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
خامسًا: لا يجوز الإقسام بذات الرسول ﷺ على الله، أو السؤال بحقه أو بجاهه:
ثم قال هذا الكاتب في السطر السابع:
[(التوسل) كلمة التوحيد لا تتم إلا بمحمد ﷺ، فكيف يتهم بالشرك من توسل به إلى الله؟ لك أيها المسلم العاقل أن تتوسل إلى الله بكل ما يحبه اللهالخ] .
والجواب:
نقول: نعم! لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله، ذلك لأنه الذي دل على التوحيد ودعا إليه، ولأن الله تعالى نوَّه برسالته كما في قوله تعالى: «محمد رسول الله» (الفتح:٢٩) . وقوله: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا» (الأعراف:١٥٨) .
وقد فسرت هذه الشهادة بأنها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبَد الله إلا بما شرع.
وفسرت الشهادة له بالعبودية والرسالة: بأنه عبد لا يُعبَد، ورسول لا يُكذَّب؛ بل يطاع ويُتَّبَع، فليس معنى هذه الشهادة أو من مستلزماتها التوسل بذاته وسؤال الله بجاهه ونحو ذلك.
فأما قوله: [فكيف يتهم بالشرك من توسل به إلى الله؟] .
[ ٦٤ / ٥٦ ]
فنقول: إن أراد من توسل بطاعته واتباعه فلا بأس بذلك، كأن يقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بإيماني وتصديقي واتباعي لرسولك وطاعتي له، أن تغفر لي ونحو ذلك، كما يجوز التوسل بسائر الأعمال الصالحة، كقصة أصحاب الغار الذين توسل أحدهم: ببرّه لأبويه، والثاني: بعفته عن الحرام، والثالث: بأمانته وأدائه حق الغير مع غلته.
فيجوز أن نتوسل إلى الله بالصلوات، والأذكار، والصدقة، والجهاد، ونحوها من أعمال العبد التي يرحمه الله بسببها، ويقبل دعاءه.
وهكذا إن أراد التوسل بمحبته، واحترامه وتوقيره، والصلاة والسلام عليه، وتعظيم سنته وشرعه وما جاء به، فهذا من التوسل المشروع، فيقول: يا رب أسألك وأتوسل إليك بمحبتي لك ولنبيك، وباحترامي له ولسنته، أن تهب لي من فضلك، وترزقني حلالًا، وتبارك لي فيما أعطيتني، ونحو ذلك.
* وهكذا إن أراد التوسل بدعائه وشفاعته فلا بأس بذلك، ولكن يطلب ذلك كله من الله ويوجه إليه سؤاله، فيقول: اللهم اجعلني ممن تناله شفاعة نبيك يوم القيامة، أو: اللهم وفقني للعمل الصالح الذي أنال به شفاعة محمد ﷺ، أو: اجعلني من المؤمنين الذين يدخلون في دعائه واستغفاره ﷺ، وكل هذا ونحوه جائز إن شاء الله، ولا يخالف فيه أحد من أئمة الدعوة أو غيرهم من أهل السنة.
وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يستغفر للمؤمنين كما في قوله تعالى: «واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات» (محمد:١٩) . فأنت تدعو الله أن يجعلك من المؤمنين الذي يعمُّهم هذا الاستغفار.
[ ٦٤ / ٥٧ ]
* أما إن أراد هذا الكاتب السؤال بذاته، أو الإقسام بذاته على الله، أو السؤال بحقه أو بجاهه فهذا لا يجوز، فلم يرد عن الصحابة، ولا عن أحد من أئمة الدين أو علماء المسلمين المقتَدى بهم، ولا نُقل أن أحدًا منهم قال: اللهم إني أسألك بحق نبيك، أو أنبيائك، أو بجاه أو حرمة فلان، أو أتوسل إليك بنبيك ونحو هذا، ولم يفعلوه في الاستسقاء ولا في غيره، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا عند قبر غيره، ولم يرد هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقله المتأخرون الذين وقعوا في الغلو والشرك، وينقلون في ذلك أحاديث ضعيفة، أو موضوعة؛ لا تقوم بها حجة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/٢٠٢) عن أبي حنيفة وأصحابه؛ أنهم صرحوا بالنهي عن ذلك، وقالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك.
ثم نقل عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك.
وقال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام.
قال القدوري: المسألة بحقه لا تجوز، لأنه حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا. انتهى.
ومعنى قوله: لا حقَّ للمخلوق على الخالق، أي: لا يحب على الله حق لخلقه؛ بل هو سبحانه المتفضل على عباده وهو الذي وفقهم للهداية والأعمال الصالحة، وامتنَّ على من شاء منهم بالفضيلة والكرامة، والنبوة والولاية، فليس لأحد عليه حق من واجب نظير ما يجب للمخلوق على المخلوق من الحق، الذي يطالب به ويلزم من عليه الحق بأدائه، فأما ما ورد من الأحاديث في حق العباد على الله، كقوله ﷺ: "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا". فهو حق تفضل وتكرم، ووعد وعدهم به وهو لا يخلف الميعاد.
[ ٦٤ / ٥٨ ]
* فأما قول الكاتب: [لك أيها المسلم العاقل أن تتوسل إلى الله بكل ما يحبه الله] .
جوابه: ما تقدم من أن التوسل الجائز هو التقرب إلى الله بكل الأعمال الصالحة التي يحبها، فمتى عمل المسلم الحسنات، وتقرب إلى الله بالقربات التي يحبها، كان ذلك أعظم التوسل، وهو معنى قوله تعالى: «اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة» (المائدة:٣٥) . أي: تقربوا إليه بالأعمال التي يحبها، وتكون موصلة لكم إلى مرضاته.
فأما التوسل بالذوات والأشخاص وسؤال الله بحقهم، فإن ذلك لا يجوز، ولم يفعله السلف الصالح، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
سادسًا: يجوز التوسل بحب الصالحين ولا يجوز التوسل بأشخاصهم:
أما قول هذا الكاتب:
[إن الله يحب المتقين ذاتًا وصفات، أحياء وأمواتًا، ويحب من أحبهم، ويحب من اقتدى بهم، ويحب من توسل بهم إليه] .
فالجواب:
صحيح أن الله تعالى يحب المتقين، ويحب من أحبهم واقتدى بهم، ولكن محبتهم تستلزم محبة أعمالهم، فمن أحبهم صادقًا تَتَبَّعَ أفعالهم فطبقها وعمل مثل أعمالهم، فإن كنت تحب المتقين فاتق الله حق تقاته، حتى يحبك الله كما أحبهم، وإذا كنت تحب المتقين فقلدهم في أفعالهم، فإن من أحب الرسول ﷺ استن بسنته وعمل بالشرع الذي بلغه، ومن أحب الصالحين أصلح أعماله واقتفى آثار عباد الله الصالحين، فهذه علامات المحبة، قال الله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» (آل عمران:٣١) . فمن أحب المتقين وانهمك في الذنوب، وأشرك بالله واقترف المعاصي، وخالف سيماء أهل التقوى فدعواه كاذبة خاطئة.
فأما التوسل بحبهم إلى الله فجائز؛ فإن حب أولياء الله وأهل الخير والصلاح من أعمال البر، التي يثيب الله عليها. فإذا قلت: أسألك يا رب وأتوسل إليك بحبك وحب أوليائك، وأهل التقوى والصلاح من عبادك، أن تهب لي من فضلك وجودك، ونحو ذلك، فلا بأس بذلك كالتوسل بسائر الأعمال القلبية.
[ ٦٤ / ٥٩ ]
فأما التوسل بذواتهم وأشخاصهم أو بحقهم وجاههم؛ فقد عرفتَ أنه منكر من القول وزور، وأنه من وسائل تعظيمهم ورفع ذواتهم إلى ما لا يستحقه إلا الله، فيكون شركًا أو من وسائل الشرك، والله: «لا يغفر أن يشرك به» (النساء:١١٦) . بل قد توعد على الشرك بأعظم الوعيد، فكيف يحب أهله أو يثيبهم؟! ولكن أكثرهم يجهلون.
سابعًا: حديث التوسل بجاهه ﷺ كذب وزور:
ثم قال الكاتب في السطر الحادي والعشرين من الصفحة الثالثة: [قال ﷺ: "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم"] .
أقول:
هكذا أهل الجهالة والضلالة يتعلَّقون بما هو أوهى من بيت العنكبوت، فنحن نطالبهم بإثبات هذا المقال كحديث مرفوع، حتى يتم الاستدلال به، فإنه حديث لا أصل له أبدًا.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (١/٣١٩): وروى بعض الجهال عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله فسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم". وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث، مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين.
فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله ﷿، فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود؟! الذي يغبطه به الأولون والآخرون! وصاحب الكوثر والحوض المورود! وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة! وهو صاحب اللواء، آدم ومن دونه تحت لوائه! ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له.. الخ.
[ ٦٤ / ٦٠ ]
وقال أيضًا في الفتاوى (١/٣٤٦): وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله ﷺ: "إذا كان لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي". حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث، وإنما المشروع الصلاة عليه في كل دعاء. ولهذا كما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره، وذكروا الصلاة عليه، ولم يذكروا فيما شرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به، إلى آخر كلامه ﵀.
الصوفية
تعرض هذا الكاتب للمدح والإطراء في حق الصوفية، وكأنه أراد بذلك الرد على أئمة الدعوة في إنكارهم على أهل الطرق والأحوال، أو اعتقد أنهم ينكرون على الصوفية ويمقتونهم، أو أراد بالثناء عليهم أن فيهم الأولياء والأصفياء، الذين وصلوا إلى حضرة القُدُس واتصلوا بالملأ الأعلى؛ فاستحقوا لذلك أن نتوسل بهم وندعوهم من دون الله، كما يفعل المشركون: مع الجيلاني، والبدوي، ونحوهما.
ونحن نقول: إن الصوفية أصلًا هم الزهاد في الدنيا، والمشتغلون بالعبادة، وكانوا في الزمن الأول يرتدون الصوف الخشن من باب التقشف فعرفوا بهذا الاسم، كإبراهيم بن أدهم، وبشر الحافي، وإبراهيم الخواص، والجنيد بن محمد، ونحوهم، وكان أولئك يعبدون الله على علم وبصيرة، فيحافظون على الجماعات، ويبتعدون عن المحرمات، ويسارعون في الخيرات، ولم يكن عندهم شيء من البدع ولا الخرافات، ثم جاء بعدهم من تسمى باسم الصوفية وانتحل مذهبًا خاصًا، وأصبح الصوفية أهل نحلة وطريقة مستقلة، وابتعدوا عن العلم والعلماء، واعتمدوا على الأذواق والمواجيد، فدخلت عليهم بدع وخرافات في المعتقد، وفي العمل: كالسماع، والرقص، والتواجد، وصحبة الأحداث، والزهد في المباحات، وتأليم النفس ونحو ذلك، وقد ناقشها ورد عليهم فيها الشيخ ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس) وغيره.
[ ٦٤ / ٦١ ]
ثم جاء بعدهم من تسمى بالتصوف أيضًا وغلا حتى تدخل في الربوبية، واعتقد أن الوجود واحد بالعين، وأنكر الفرق بين الخلق والخالق، وهم المسمون بالاتحاديين الحلوليين وأهل وحدة الوجود، وقولهم من أشنع الأقوال، وكفرهم أوضح من كفر اليهود والنصارى، فمنهم من أفصح عن ما يكنه، وأعلن معتقده كالحلاج فحكم بكفره أهل زمانه، وأفتوا بقتله فقتل، ومنهم من يتستر ويخفي معتقده ولكنه يظهر للمتمعن والمتفطن في كلامه، أمثال ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض ونحوهم.
وهذا المعتقد الكفري قد تمكن وفشا القول به زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، فرد على أهله ضمن رسائل مطبوعة في المجلد الثاني من مجموع فتاوى شيخ الإسلام، وله رسائل كثيرة في حقيقة التصوف والسلوك في المجلدين العاشر والحادي عشر، ومن هذا التقديم الموجز يعرف أنه لا يجوز إطلاق الذم ولا المدح للصوفية، بل يعطى كل منهم حكمه.
أما الصوفية في هذا الزمان ومنهم من يعرفون بالتيجانية وغيرهم، فإنهم قد انتحلوا طرقًا، وصارت لهم مقامات وخواص تصادم الأدلة؛ حيث يعتقدون في أوليائهم الأقدمية على الرسل الكرام، ويزعمون أن الولي يأخذ عن الله بلا واسطة، ويرجعون إلى أقوال مقدميهم، ويحكَّمونهم في الأنفس والأزواج والأموال، ويعتقدون فيهم العصمة وملكية التصرف، ونحو ذلك، من الاعتقادات السيئة، فما داموا كذلك فهم مجانبون للصواب، ومحادون لله ورسوله، فلا نعرف لهم فضلًا ولا كرامة.
أولًا: إطلاق الصوفية بأنهم صفوة الله من خلقه خطأ:
قال الكاتب:
[الصوفية هم صفوة الله من خلقه، وقدوتهم أهل الصُّفَّة الذين مدحهم الله، وأثنى عليهم في محكم كتابه؛ لأنهم عبدوه محبة فيه وشوقًا لرؤيته، وإمام الجميع المصطفى ﷺ بتوجيه من الله ﷿، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة.. الخ] .
جوابه:
[ ٦٤ / ٦٢ ]
أن يقال: يعتقد هذا الكاتب وأمثاله أن اشتقاق اسم الصوفية من الصفاء، أي: صفاء القلوب، أو من الصفوة، أي: أنهم صفوة خلق الله، أي: خيرتهم وأفضلهم، وهذا خطأ؛ فإن الصوفية إنما وجدوا في أثناء القرن الثاني واشتهروا بالزهد والتقشف، ولبسوا الصوف المنسوج من صوف الضأن لخشونته، قال الشيخ تقي الدين في الفتاوى (١١/٢٨): وكذلك في المائة الثانية صاروا يعبِّرون عن ذلك بلفظ الصوفي؛ لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد، ومن قال: إن الصوفي نسبة إلى الصفة، أو إلى الصفا، فهي أقوال ضعيفة.. الخ. وقال أيضًا (١١/١٩٥): واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح. وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل: إلى أهل الصفة، وقيل: إلى الصفا، وقيل: إلى الصفوة، وقيل: إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى، وهذه أقوال ضعيفة، فإنه لو كان كذلك لقيل: صَفِيّ، أو صفائي، أو صفوي، ولم يقل صوفي اهـ.
وهذا الكاتب جعل الصوفية هم صفوة الله من خلقه، فأما أن يقصد سبب التسمية، أو يقصد الميزة والفضيلة، فقد عرفت أن اشتقاق التسمية من الصوف لا من الصفوة، وعرفت مما قدمناه أن الصوفية الأقدمين كانوا من صفوة عباد الله في ذلك الزمان؛ لكن ليسوا أفضل من أنبياء الله ورسله، ولا من الصحابة والسابقين الأولين، فإطلاق الكاتب بأنهم صفوة الله من خلقه، خطأ؛ فإنه يلزم منه تفضيلهم على ملائكة الله ورسله، وعلى أكابر الصحابة والخلفاء الراشدين، والسابقين إلى الإسلام، وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم، الذين لم يلبسوا الصوف، ولم ينتسبوا إلى الصوفية، ولا شك أن مراد الكاتب بهم صوفية هذا الزمان، ومن سبقهم من أئمتهم كابن عربي، وابن سبعين، والحلاج، ونحوهم ممن انتحلوا مذهب الاتحاد، الذي هو كفر صريح، وخروج عن عقيدة الأبنياء وأتباعهم، فهؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء؛ فضلًا عن أن يكونوا صفوة الله من خلقه.
[ ٦٤ / ٦٣ ]
فأما جعله أهل الصفة هم قدوتهم فهو أيضًا خطأ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١١/٣٨): أما الصُّفَّة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي ﷺ فكانت في مؤخر المسجد النبوي في شمالي المسجد بالمدينة النبوية، كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه؛ حيث يكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء والأغنياء والآهلين والعزاب، فكان من لم يتيسر له مكان يأوى إليه، يأوى إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد، بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له، ويجيء ناس بعد ناس، فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون، فتارة يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر، وتارة يكونون ستين وسبعين الخ.
فعلم من هذا أن أهل الصفة هم فقراء المهاجرين، ولكنْ ليسوا قدوة لأهل التصوف، ولا لغيرهم، وليسوا أفضل من أكابر الصحابة من المهاجرين، الذين لم يأووا إلى تلك الصفة، ومن الأنصار الذين هم أهل المدينة، والله تعالى مدح الصحابة والسابقين الأولين عمومًا، ولم يخص أهل الصفة بمدح ولا ثناء يتميزون به عن غيرهم، ولا شك أن جميع الصحابة عبدوا الله محبة له وشوقًا لرؤيته، وطلبًا لثوابه، وأهل الصفة من جملتهم، فلا مبرر لتخصيص أهل الصفة بأنهم عبدوه محبة فيه وشوقًا لرؤيته، ما دام هذا الوصف يدخل فيه معهم غيرهم.
* فأما قول هذا الكاتب: [وإمام الجميع المعصوم ﷺ بتوجيه من الله ﷿، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة.. الخ] .
[ ٦٤ / ٦٤ ]
فنقول: صحيح أن النبي ﷺ إمام جميع أمة الإجابة الذين صدقوه وشهدوا له بالرسالة؛ ولكنه لم يشرع لأمته هذه الشطحات، ولا نقلت عنه تلك المواجيد والأذواق المزعومة، فأما خلوته في غار حراء فذلك تمهيد من الله لنزول الوحي عليه، ففي تلك الخلوة تصفية لسريرته وتفريغ لقلبه عن الشواغل، وإبعاد عن المجتمع المليء بالشرك والمعاصي والمخالفات؛ لكنه بعد أن نزل عليه الوحي لم يرجع إلى غار حراء، وما حفظ أنه بعد النبوة صعد ذلك الجبل، ولا حاول الخلوة والتفرد ولا انقطع عن الناس؛ بل لم يزل مع الناس ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو إلى توحيد الله، ويخالط الناس ويجالسهم، ويعاشر أهله ويعلم أتباعه ما أوحي إليه، ويبلغ الناس رسالة ربه، وهكذا بعد أن هاجر إلى المدينة استمر في الدعوة والتعليم، وكان يجلس مجالس عامة يقرأ فيها القرآن، ويبين معانيه ويتلقى عنه أصحابه علم الشريعة، وتفاصيلها مع ما يقوم به من غزوات بنفسه، وبعث جيوش أو سرايا ودعاة إلى الله وجُباة، وبعث رسل وكتب لشرح تفاصيل الإسلام، وكل هذه الأعمال ونحوها تنافي أعمال الصوفية التي معظمها يدور على الخلوة والابتعاد عن مجتمع الناس، وعلى ترك الشهوات المباحة من: النكاح، وتناول الطيبات، وإعطاء النفس حظها من المباح، الذي يتقوى به على عبادة الله، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". فأين في سنته فعل الخلوة أو مدح الانقطاع عن الناس، أو التواجد والطرب عند السماع أو نحو ذلك؟! بل إ نه قد نهى عن السماع الذي يستعمله الصوفية وذم أهله، فأما ما يرويه الصوفية من تواجده وطربه في بعض المناسبات فكله كذب لا أصل له والله الموفق.
ثانيًا: إن حلاوة الأنس بالله تكون بذكر الله واتباع شرعه:
ثم قال الكاتب:
[ ٦٤ / ٦٥ ]
[من ذاق حلاوة أنسه رأى من لطفه العجائب، وتمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب، قال تعالى: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا» (الأحزاب:٤٥) . لفظ (أيها) بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، والشاهد لا يكون عن غيبة بل لابد من حضور، قال ﷺ: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"] .
جوابه:
أن نقول: يعتقد الصوفية أن حلاوة الأنس بالله تعالى، لا تحصل إلا بالخلوة الطويلة والانفراد، ويسمون تلك الخلوة جمعية القلب، فإن أحدهم ينفرد في زاوية من مكان مظلم، ويبدأ في التفكير ويطيل النظر، ويتناسى الخلق كلهم، ويجمع همه على ربه، فربما ترك عدة صلوات متوالية تمر به حالة انفراده مخافة تفرق همومه وفساد جمعيته. وفي النهاية يزعم أنه يحصل له في تلك الخلوة مكاشفات واطلاع على الملأ الأعلى، وعلى أمور غيبية وخفية، ويسمى ذلك لذة الأنس، أو حلاوة المناجاة، ويزعم أنه يتمتع بلذيذ الخطاب، ويرفع له الحجاب عن ربه فيطلع بقلبه على ما أخفِي عن غيره، ويسمى الذين لم يصلوا إلى درجته ومنزلته: محجوبين مبعَدين عن القرب الذاتي إلى ربهم، وقد يصل أحدهم إلى غاية قصوى تسمى عندهم بالفناء؛ بحيث يفنى أحدهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده؛ بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وقد تجرهم هذه الأحوال إلى عقيدة سيئة هي اتحاد الخالق بالمخلوق (عقيدة أهل الحلول)، وقد يزعم بعضهم أن مشايخهم وأكابرهم يصلون إلى درجة تسقط عنهم التكاليف، وتباح لهم المحرمات، ونحو ذلك من الخرافات، التي يمدحهم لأجلها هذا الكاتب وأضرابه.
ونحن نقول: إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغال بذكره ودوام عبادته، والبعد عن القواطع والشواغل التي تقسي القلب، وتحول بينه وبين التفكير في آلائه، والتذكر لنعمائه.
[ ٦٤ / ٦٦ ]
وقد أخبر النبي ﷺ بأن للإيمان حلاوة وطعمًا كما في قوله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وقال ﷺ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا نبيًا".
وهكذا أخبر بأن العبادة بها تقر عينه ويرتاح بدنه، وهو معنى قوله ﷺ: "وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وقوله: "أرحنا يا بلال بالصلاة".
فهذا ونحوه يفيد أنه ﵊، يجد في الصلاة لذة قلبه وسروره وابتهاجه وغاية فرحه وراحة بدنه؛ حيث إنه في الصلاة ينقطع عن الغير ويُقْبِلُ بقلبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلب من حال إلى حال يجد في كل منها الأنس بالعبادة، وكذا ينتقل من ذكر إلى دعاء، إلى تلاوة، وفي الجميع قوة للقلب والبدن.
فبهذه الأوصاف تكون الصلاة مفيدة ومؤثرة على العبد وناهية عن الفحشاء والمنكر، فالرسول ﷺ إنما يلتذ بالعبادة بأي وصف كانت، ولم يكن يؤثر الخلوة والإنفراد، وليس في كون الصلاة قرة عينه ما يدل على أحوال الصوفية وأذواقهم ومواجيدهم، ولو من بعيد.
[ ٦٤ / ٦٧ ]
فنحن نقول: ما نوع الأنس الذي يذوقون حلاوته، ثم يرون من لطفه العجائب؟ فإن كان الأنس بالذكر والصلاة والدعاء والتلاوة والتنقل في العبادة، فليس من شرط ذوقه الانفراد والعزلة والبعد عن الناس وترك الجمع والأعياد والجماعات؛ بل إن حلاوة العبادات يحس بها كل من أحضر قلبه حال أدائها، وأعرض عن كل ما يشغل القلب عن الإقبال على التدبر من أوهام ووساوس وحديث نفس، فتفريغ القلب من ذلك سهل ويسير على من يسره الله عليه، فهؤلاء هم الذين يوليهم الله عنايته ويلطف بهم، ويكون من آثار لطفه أن يحميهم ويحفظهم عن القواطع والعوائق، ويعصمهم من كبائر الإثم والفواحش، ويحميهم أيضًا من الشهوات والملذات التي تعوق سيرهم إلى ربهم، ويكون من آثار لطفه توفيقهم وتسديدهم: في الأقوال، والأعمال، والإقبال بقلوبهم على الطاعات، والاستكثار من الصالحات، وهذه سيرة الصحابة ﵃، ومن سار على نهجهم، الذين عمروا أوقاتهم بالتعلم والتفهم، والعمل والتطبيق، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات المباحة أسوة بنبيهم الذي قال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني".
* فأما قول الكاتب: [وتمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب] .
فنقول: إن أراد التمتع والتلذذ بتدبر القرآن وتعلقه؛ بحيث يعده خطابًا من ربه إليه، فهذا حق وصواب، فإن الله تعالى أمر بذلك كما في قوله: «ليدّبروا آياته» (ص:٢٩) . وقوله: «أفلم يدّبروا القول» (المؤمنون:٦٨) . لكن ليس من شرط هذا التمتع خلوة، أو انفراد؛ بل يحصل التلذذ بتدبره في الصلاة، وبين الناس.
[ ٦٤ / ٦٨ ]
فأما إن أراد التمتع بلذيذ خطاب ربه وسماع كلامه منه إليه، وأن أهل الأحوال تتصل قلوبهم بالملأ الأعلى، ويناجون الله ويكلمهم ويكلمونه، ونحو ذلك، فكل ما يقولون في هذا الباب هوس ووحي شيطان، فإن الله تعالى خص أنبياءه بوحيه وخص موسى بالتكليم، كما قال تعالى: «وكلَّم الله موسى تكليمًا» (النساء:١٦٤) . وكذلك نبينا ﷺ ليلة المعراج، وقد قال تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم» (الشورى:٥١) .
وهذا الكاتب قد ذكر أن الصوفية ترفع عنهم الحجب والأستار، ويناجون ربهم ويتلذذون بكلامه، ومعنى هذا: أنهم فاقوا كثيرًا من الأنبياء والرسل، الذين هم الواسطة بين العباد، فإن الرسل إنما يوحي الله إليهم وحيًا، أو يرسل إليهم الله وبين رسولًا ملكيًا أو يكلمهم من وراء حجاب، كما في نص هذه الآية، أما الصوفية في زعم هذا الكاتب فإنها ترفع لهم الحجب، وتخترق قلوبهم الأستار، وتتصل بالملأ الأعلى، وتسمع خطاب الرب تعالى مباشرة، وتتمتع بلذيذ ذلك الخطاب، فهل بعد هذا الغلو والرفع لمقامهم من زيادة، سبحان ربنا الأعلى؟!
* فأما استدلاله بقوله تعالى: [«يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا» . وقوله: لفظ "أيها" بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، والشاهد لا يكون عن غيبة بل لابد من حضور] . فالمتبادر أنه يقصد أحد أمرين:
أحدهما: أن الله خاطبه وهو حاضر شاهد عنده، بأن كشف له الأستار، وقربه من حضرة القدس، وخاطبه كفاحًا بلا واسطة ملك ولا غيره، وهذا ليس على إطلاقه، فإن الآيات التي فيها نداء النبي ﷺ في القرآن كثيرة، ومعلوم أنها نزلت كغيرها بواسطة الملك وحيًا من الله إليه، كما في قوله تعالى: «نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين» (الشعراء:١٩٣-١٩٤) .
[ ٦٤ / ٦٩ ]
الثاني: أن يقصد أننا متى قرأنا هذه الآية فإنا نخاطب الرسول ﷺ، كأنا نراه مواجهة ومقابلة، وأنه شاهد عندنا حاضر ليس بغائب، فيفيد ذلك أنه حي لم يمت، وأنه يسمع كل من خاطبه بهذه الآية أو غيرها، وأنه شاهد مع كل أحد في كل مكان، متى ناداه وخاطبه سمعه وأجابه، وأن هذا الوصف يعم كل ولي وصالح من أكابر الصوفية، ونحوهم. وهذا لا يصح؛ فلفظ "أيها": ليس خاصًا كما قال هذا بالمواجهة؛ بل إن الله خاطب نبيَّه بهذه الآيات الكثيرة آمرًا له بما أرسله به، وما كلفه به من البشارة والنذارة والتبليغ والبيان، وكل ذلك أنزله بواسطة ملك الوحي، فالخطاب بواسطة يناسب فيه لفظ "أيها" فلا تدل على استلزام مواجهة ومقابلة.
أما لفظ الشاهد: فالمراد الشهادة على الأمة بأنهم قد بُلِّغوا ودُعُوا وقامت عليهم الحجة، كما في قوله تعالى: «ويكون الرسولُ عليكم شهيدًا» (البقرة:١٤٣) . وقوله: «ليكون الرسول شهيدًا عليكم» (الحج:٧٨) . قيل: شاهدًا على أنه قد بلّغكم ما أنزل إليه وبينه لكم، وقيل: شاهدًا على أصحابه بحسن أعمالهم وصلاحهم واستقامتهم، فما يوهمه كلام الكاتب لا صحة له.
ثالثًا: الصوفية كغيرهم لا يملكون شيئًا من أمر الكون لأنه لله وحده:
ثم قال الكاتب:
[الصوفي: هو من عرف أن التوجه إلى الله والانقطاع إليه مما ينيل القصد، ويهيئ النفس للملكية.. الخ] .
أقول:
قد ذكرنا أول الكلام تعريف الصوفية في أول الأمر، ثم ما آل إليه أمرهم وما دخل عليهم من البدع، ثم الطرق التي أوقعت الكثير منهم في الخروج عن الإسلام: كالحلول، والاتحاد، فأما التوجه إلى الله والانقطاع إليه فهو صفة شريفة عَليَّة متى قصد منها الإقبال على العبادات، والتفرغ لها والإعراض عن كل ما يشغل عن الطاعة، ويعوق عن مواصلة السير إلى الله.
[ ٦٤ / ٧٠ ]
وهذه طريقة أهل الزهد والعلم والعبادة من الصوفية السلفيين ومن غير الصوفية، ولم يزل في المسلمين قديمًا وحديثًا خلق كثير وجمع غفير يشتغلون جُلّ وقتهم بالعبادة القلبية الروحية، ويتوجهون إلى ربهم بقلوبهم، ويعلقون عليه آمالهم، وينقطعون إليه وحده، ويعرضون عما سواه، ولا ينافي ذلك إعطاء النفوس حظها من راحة ولذة مباحة: من مأكل، ومشرب، ومنكح، وملبس، وكذا الاشتغال بالكسب الحلال، وجمع المال الذي تمس إليه الحاجة من وجوهه الجائزة، كما أمر الله بذلك في قوله: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله» (الجمعة:١٠) . وكما في قوله تعالى: «وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله» (المزمل:٢٠) .
وإذا كان الأنبياء والرسل يلتمسون الرزق ويطلبون المال من وجوهه، كما قال تعالى: «وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق» (الفرقان:٢٠) . فكيف بأتباعهم، ومن هو دونهم؟ فإن أراد الكاتب بالانقطاع إلى الله، ترك الدنيا وما فيها والزهد في المباحات، والرهبنة، وترك كل الملذات ومشتهيات النفس التي تتقوى بها على الطاعات، فهذا الوصف والقصد غير صحيح؛ بل هو خلاف سنة النبي ﷺ، وسائر الرسل وأتباعهم.
* فأما قول الكاتب: و[يهيئ النفس للملكية] .. الخ.
فهو خطأ من القول؛ فإن أراد بالملكية الصعود بالنفس إلى مقام الملائكة واتصافها بالروحية والنوارنية والاتصال بالملأ الأعلى، ونحو ذلك، فلا يصح، فإن نفس الإنسان لا تصل إلى صفات الملائكة، التي من خصائصها: العلو، والخفة، والنور، والمكاشفات، والاستغناء عن الدنيا، والانكفاف عن الشهوات، ونحوها. فإن الله ركَّب في طباع البشر من الشهوة، والالتذاذ بالطعم والمشرب، والميل إلى ذلك، والتألم بفقده ما لم يكن من صفات الملائكة.
[ ٦٤ / ٧١ ]
أما إن أراد بالملكية التملك وأن النفس تتهيأ لأن تملك شيئًا من أمر الكون أو تدبره أو تتصرف فيه تصرف المالك، فهذا أيضًا لا يصح، فالنفس البشرية وسائر النفوس المخلوقة ليس لها من الأمر شيء، ولا تقدر على التصرف المستقبل، ولا الملكية التامة النافذة؛ بل إن المخلوق نفسه مملوك لربه ولو ملك الدنيا بأسرها، فملكه مؤقت وناقص، وهو وما بيده ملك لربه، فكيف يقال: إن انقطاع الصوفي ينيله القصد ويهيئ نفسه للملكية.
رابعًا: ذكر الله يزيد في استمرار العبادة:
ثم قال هذا الكاتب:
[فاتخذ الذكر زادًا لروحه والفكر في آياته القرآنية والكونية شرابًا لروحه.. الخ] .
فأقول:
هذا القول حق، فذكر الله دائمًا هو قوت القلوب، وزاد الأرواح؛ ولكن ليس معناه أنه يغني عن الزاد الحقيقي للبدن، وإنما الذكر والفكر يقوي الروح، ويزيدها نشاطًا وثباتًا واستمرارًا في العبادة، وحبًا ورغبة في مواصلة العمل.
خامسًا: العلماء مهما بلغوا؛ فهم مقيدون بنصوص الشريعة:
ثم قال الكاتب:
[حتى أشرقت على قلبه شمس المعارف الربانية، فأصبح القلب ينبوعًا من ينابع الأنوار والأسرار والحكم الربانية.. الخ] .
نقول:
هذا غير صحيح؛ فإن ذلك يستلزم تفوقه على الرسل والملائكة، واستغناءه عن الشريعة وعلومها، فإن الينبوع هو الماء النابع من الأرض، فمعنى ذلك أن شمس المعارف الربانية والعلوم الدينية قد أشرقت على قلوب الصوفية، وسطعت فيها فاستنارت بها فأصبح ينبوعًا للأنوار والأسرار، يعني: معدنًا تنبع منه الأنوار الإلهية وتنفجر منه عيون الحكمة، وتتوارد عليه الأسرار والحكم الربانية؛ فتغنيه عن العلوم الشرعية.
[ ٦٤ / ٧٢ ]
ونحن لا ننكر أن الله تعالى قد يفتح على بعض العباد إفهامًا وحكمًا وأسرارًا في كتابه أو شرعه، كما في قوله تعالى: «واتقوا الله ويعلمكم الله» (البقرة:٢٨٢)؛ حيث جعل التقوى سببًا للتعليم، فالله تعالى قد يرزق بعض عباده الأتقياء والصالحين علومًا وأفهامًا وأسرارًا في كتابه، أو في شرعه، ولكنها مستنبطة من القرآن والحديث، ومن الحكم العامة التي لأجلها شرعت الشرائع، وتنوعت الأوامر والأحكام، ولا تصل إلى الوصف الذي يذكره الكاتب من إشراق شمس المعارف.. الخ، فإنه مع ما فيه من المبالغة والإطراء غير صحيح؛ فإن القلب البشري لا يتصور أن يصبح ينبوعًا من ينابيع الأسرار والأنوار والحكم الربانية، وذلك لقصر الإنسان عن هذا الوصف مهما فتح عليه من العلوم والمعارف، مع أن هذا الوصف ليس خاصًا بالمتصوفة؛ بل هناك علماء الأمة وعبّادها قاموا بحقوق ربهم، ووقفوا عند حدوده، وعبدوه حق عبادته قد فتح الله على قلوبهم من الفهم والإدراك، والحفظ والاستنباط، الشيء الكثير، كما حصل للأئمة الأربعة، وللمحدثين والفقهاء من صدر هذه الأمة، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات والملذات، ولم يدخلوا في عداد الصوفية، ولا توغلوا في إشاراتهم ورموزهم؛ بل هم متقيدون بنصوص الشريعة وبتعاليم ربهم، ومتبعون لسنة نبيهم ﷺ، وذلك هو الفضل العظيم.
سادسًا: الاتباع إنما يجب للرسول ﷺ لأنه المبلغ عن الله:
ثم قال الكاتب:
[ومن قال كذلك صارت أحواله كلها بالله، ولله، أمرنا باتباعه] .
جوابه:
[ ٦٤ / ٧٣ ]
أن يقال: كيف تكون أحوال الصوفي كلها بالله ولله؟! مع أنه بشر يخطئ ويصيب، ويرتكب الذنوب، وهو محل النقص والتقصير في أداء حقوق ربه، وفي شكر نعمته: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» (إبراهيم:٣٤) . وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق ﵁، ومع ذلك فقد علمه النبي ﷺ أن يقول في صلاته: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت..". الخ.
فإذا كان صدِّيق الأمة ﵁ يعترف بأنه ظلم نفسه ظلمًا كثيرًا، فكيف يكون المتصوف معوصمًا وأحواله كلها بالله ولله؟! ونحن لا ننكر أن الله تعالى قد يوفق بعض أحبابه لتكون حركاته بالله، كما في الحديث القدسي عند البخاري عن أبي هريرة، وفيه: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به". فإن معنى ذلك تسديده في أقواله وأفعاله، ولكنّا لا نستطيع الجزم لشخص بعينه بأن أحواله كلها بالله ولله، كما ذكر هذا الكاتب.
* فأما قوله: [أمرنا باتباعه] .
[ ٦٤ / ٧٤ ]
فغير صحيح؛ فإن أغلب الصوفية؛ سيما المتأخرين لهم شطحات خاطئة لا يجوز شرعًا اتباعهم فيها، فقد ظهر بُعْدُهم فيها عن الصواب، ولهم أيضًا طرق وأحوال مبتدعة: كالسماع، والرقص، والخلوة الطويلة، والبعد عن العلم والعلماء، والاستغناء عن الوحي بالأوهام، وحديث النفس الذي يخيل أنه وحي إلهام، فكيف يسوغ اتباعهم في هذه البدع ونحوها؟ وبأي نص أمرنا بذلك؟ مع العلم بأن الاتباع إنما يجب للرسول ﷺ لأنه المبلغ عن الله، وقد ورد الأمر بذلك، كما في قوله تعالى: «واتبعوه لعلكم تهتدون» (الأعراف:١٥٨) . وقال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم» (آل عمران:٣١) . وأن يطاع ويُتَّبع المخلوق، متى وافق أمر الله ورسوله، فيكون اتباعه خاصًا بما بلغه مما تحمله عن الله ورسوله، فالطواعية والاتباع في الحقيقة لله ورسوله، فمتى خالف المخلوق -مهما كانت مرتبته- صريح الكتاب والسنة، وجب طرح قوله، والرجوع إلى شرع الله، كما في قوله تعالى: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» (النساء:٥٩) .
سابعًا: شطحات شنيعة بعضها من أعظم الكفر وأشنعه:
ثم قال الكاتب:
[قال الإمام الأكبر، محي الدين ابن العربي ﵁: من لم يأخذ الطريق عن الرجال، فهو ينقل من محال إلى محال] .
نقول:
لا عبرة بالقائل ولا بما قال، فإن ابن عربي هذا مشهور بأنه اتحادي، يقول باتحاد، الخالق والمخلوق، وهو أعظم الكفر وأشنعه، وقد صرح بذلك في كتابيه: (فصوص الحكم) و: (الفتوحات المكية) وغيرهما من مخالفة الرسل صريحًا، ومدح الكفار والمشركين، وتصويب ما هم عليه.
[ ٦٤ / ٧٥ ]
وقد نقل عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١١/٢٤٠) تعقبه للجنيد بن محمد ﵀ في قوله: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فأنكر عليه ابن عربي، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية: يا جنيد، وهل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما؟ كذا قال! لأن عقيدته أن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قال في فصوصه: ومن أسمائه الحسنى العلي على من؟ وما ثمَّ إلا هو، وعن ماذا؟ وما هو إلا هو. فعلوُّه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العليّة لذاته وليست إلا هو. إلى أن قال: هو عين ما بطن، وهو عين ما ظهر، وما ثَمَّ من يراه غيره، وما ثمَّ من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات.
ثم ذُكِرَ أن التلمساني لما قُرئ عليه الفصوص فقيل له: القرآن يخالف فصوصكم، فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحدًا، فلم كانت الزوجة حلالًا والأخت حرامًا؟ فقال: الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.
ونقل شيخ الإسلام في المجموع (٢/١٢١) عن صاحب الفصوص، وهو ابن عربي المذكور قوله: إن آدم ﵇ إنما سُمِّي إنسانًا لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين، وهذا يقتضي أن آدم جزء من الحق تعالى وتقدس، وبعضًا منه، وأنه أفضل أجزائه وأبعاضه.
وهكذا قال في الفصوص: إن الحق المنزه هو الحق المشبه، فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا؛ بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة.. الخ.
[ ٦٤ / ٧٦ ]
وفي كلامه من أمثال هذا الكفر الصريح ما لا يحد ولا يوصف، وقد تعقبه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢/٢٠٤-٢٨٤) وغيره. فكيف يوصف، مع ذلك بأنه الإمام الأكبر وبأنه يحي الدين؟ وقد انخدع بكلامه الجم الغفير، واعتقدوا أنه أجر الأولياء، وأرقاهم منزلة، وأرفعهم قدرًا، وإنما تفطن له وعرف ما في كلامه من الكفر والضلال، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تحقق عقيدته، وعرف مواضع أخطائه أو تصريحاته في مؤلفاته، وناقشه في كل ذلك، وبين تناقضه وتهافته في كلامه، وذلك في مواضع كثيرة من مجموع الفتاوى وغيره.
* فأما قوله: [من لم يأخذ الطريق من الرجال إلخ] .
فمراده بالطريق مسلك الصوفية، وهو العبادات القلبية أو الأسرار الرمزية، كنوع من اللباس، أو إشارات بينهم يتناقلونها، ويتلقاها الصغير عن الكبير بأسانيد كأسانيد الأحاديث والمؤلفات.
فيقول أحدهم: أخذت الطريق عن فلان، وأخذها هو عن فلان، حتى تتصل بأكابرهم كالجيلاني، أو الحلاج ونحوهما، ولا يكتفون بما عليه المسلمون من تلقي الشريعة من الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، فالطريق عندهم مسلك مغاير لمسلك الرسول ﷺ، وصحابته وأئمة المسلمين، وقد اشتهروا بتسميتهم أهل الطرق أو الطرقية، ولا أستحضر شيئًا عن تفاصيل طرقهم ورموزهم ولكني أعتقد أنها خيالية لا يصح الركون إليها؛ لكونهم يؤثرونها على الشرع، ويستغنون بالعمل بها عمّا عليه في ذمهم، وبيان شيئ من أحوالهم، ومنها قول ذلك الناظم ﵀:
إن قلت قال الله قال رسولُه همزوك همز المنكر المتغالي
أو قلت قد قال الصحابة والأولى تبعوهم في القول والأفعل
أو قلت قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والإمام العالي
أو قلتَ قال صحابهم من بعدهم فالكلُّ عندهم كشبه خيال
[ ٦٤ / ٧٧ ]
ويقول قلبي قال لي عن سره عن سر سري عن صفاء أحوال
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي عن شاهدي عن واردي عن حالي
عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي عن سر ذاتي عن صفات فعالي
دعوى إذا حققتها ألفيتها ألقاب زور لفقت بمحالي
فهذه حقائق الطرق التي يتبجحون بها هم ومريدوهم، أمثال هذا الكتاب، الذي انتحل هذه المناهج المبتدعة، وتحامل على أهل التوحيد، ورغّب في وسائل الشرك في مذكرته هذه.
ثامنًا: يحرم نشر هذه المذكرة لما فيها من الأكاذيب والأباطيل:
ثم قال:
[فالواجب عليك وعلى أمثالك من كبار العلماء نشر هذه المذكرة؛ لمن أراد النجاة في الآخرة عن طريق: الإذاعة، والمجلات الإسلامية، رحمة المسلمين، وخوفًا من عذاب الله، لأن كاتم العلم ملعون، نسأله الختام بجاه طه ﵇ الخ] .
جوابه:
أن نقول: الواجب والحرام إنما يؤخذ من الأدلة الشرعية، فنحن نقول: إن هذه المذكرة يحرم نشرها، ويجب إتلافها على من رآها، وذلك لما تحتوي عليه من الملاحظات التي ناقشنا بعضها فيما سبق مما يتعلق بالأسماء والصفات، وما يتعلق بالتوسل والاستشفاع، وما فهيا من ذم أهل التوحيد ورميهم بما هم منه براء، وكذا الغلو في مدح الصوفية المنحرفة والغالية، فعلى كبار العلماء التحذير لمن أراد النجاة عن الاغترار بمثل هذه البدع، ونشر السنة والعقيدة السلفية، وأدلة التوحيد والإخلاص، والنهي عن كتمان ذلك وعدم إيضاحه لمن يخاف وقوعه في أسباب الردى، فمن كتم ذلك فهو كاتم للعلم، وقد توعده الله تعالى بقوله: «إن الذي يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويلعنهم اللاعنون» (البقرة:٥٩) .
[ ٦٤ / ٧٨ ]
* فأما توسل هذا الكاتب بجاه طه ﵇، فهو من البدع التي قد توقع في الشرك المحبط للأعمال، وقد تقدم أنه استدل بحديث: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي.. إلخ"، وأنه كذب لا أصل له، وبيان ذلك أن نبينا ﷺ له جاه عند الله، ولكن لم يرد التوسل بجاهه، فليس جاه المخلوق عند الخالق كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.
وبمراجعة ما تقدم يتضح وجه النهي عن السؤال بجاه المخلوق أو التوسل به، وأنه من وسائل تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحقه إلا الله.
وهذا آخر ما أردت تعليقه على هذه المذكرة؛ نصحًا للمسلمين، وبيانًا لما قد يلتبس من كلامه على الجهلة ونحوهم، مع أن أهل العقيدة والتوحيد لا يخفى عليهم ما تحتوي عليه تلك المذكرة من التهافت والتناقض، ونصر الباطل وإنكار حقيقة التوحيد، والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٦٤ / ٧٩ ]