المقدمة
تقديم فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله الهداية والتوفيق لأقوم طريق، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره هو أحد أركان الإيمان المشهورة، وبه يطمئن العبد فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومع ذلك فإنه مأمور بفعل الأسباب، ومباشرة الأعمال لدينه ودنياه، حيث منحه ربه قوة في العمل، وقدرة على مزاولته، وبهذه القدرة يتحصل على ما كتب الله له من الرزق في هذه الحياة، وبها يعمل ما يثاب عليه في الآخرة، أو يعاقب من الحسنات أو السيئات.
وحيث إن هناك طائفة الجبرية الذين غلبوا جانب القدر واحتجوا به على ما وقعوا فيه من المعاصي، فقد شابهوا المشركين الذين قالوا: «لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا» . (سورة الأنعام، الآية: ١٤٨) .
فرد الله عليهم بقوله: «قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا» . (سورة الأنعام، الآية:١٤٨) .ولكن هؤلاء الجبرية إنما يحتجون بالقدر على المعاصي، وفيهم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
وعند مراد الله تفنى كميت وعند مراد النفس تسدي وتلحم
وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ظهيرًا على الرحمن للجبر تزعم
[ ٥٤ / ١ ]
وبهذا يعرف تناقض هؤلاء الجبرية، فإن الاحتجاج بالقدر إنما هو بعد المصائب والوقائع لقوله تعالى: «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» . (سورة الحديد، الآية: ٢٣) . فإن الإنسان مأمور بفعل أسباب الخير، والتوقي عن أسباب العطب والضرر، وأخذ الحذر من أسباب الأمراض والعاهات، فلا يتردى من شاهق، ولا يتعرض للسباع والهوام، ولا يسلم نفسه لأعدائه وهو يقدر على الامتناع، وعليه أن يتوقى البرد والحر وأسباب الأمراض والمصائب، ولا يتهور ويلقي بنفسه إلى التهلكة، فإن من أودى بنفسه أو أتلف ماله متعمدًا مع قدرته على الإمساك فهو أقرب إلى وصف الجنون والخبال.
ومن تعاطى أسباب الهلاك كأكل السم وإتلاف المال، فإنه يحجر عليه، ويمنع من التصرف، ولا يقبل احتجاجه بالقدر والكتابة العامة لكل ما يجري في الكون، فإن الله تعالى هو الذي قدر المقادير، ومع ذلك أمر العباد ونهاهم، وكلفهم، وفرض عليهم الفرائض، وحرم عليهم محرمات، ووعدهم على الامتثال بالثواب، وعلى العصيان بالعقاب.
ولا شك أن هذا دليل التمكن والقدرة على مزاولة الأعمال، وقد قال تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» . (سورة التغابن، الآية: ١٦) .فدل على أن التكاليف مشروطة بالاستطاعة، وتسقط عند العجز، كما شرط الله في الحج الاستطاعة، وقال تعالى: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» . (سورة البقرة، الآية: ٢٨٦) .
[ ٥٤ / ٢ ]
وقد كنت كتبت جواب سؤال لبعض من زعم الحيرة، وساء فهمه، وعاند في الطاعة، واحتج بالقدر، وأشبه الشيطان في قوله: «رب بما أغويتني» . (سورة الحجر، الآية:٣٩) . وقد أجبته باختصار حسب ما يتضح به الصواب، وأحلت بالتفصيل على ما كتبه علماء الأمة وتوسعوا فيه، وناقشوا فيه شبه المبطلين، وقد رغب إلي بعض الإخوة في نشره رجاء أن يقتنع به أهل العناد، فأذنت له في ذلك، وأضفت إليه تكملة من رسالة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى، من شرحه لقصيدة شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الجبرية، وفي ذلك كفاية ومقنع لمن قصد الحق بالصواب.
وأما من عاند وأصر على الاحتجاج بالقدر، فعلاجه أن يضرب ويجلد، ويضيق عليه، ويحتج بالقدر، حتى تنقطع شبهته، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
نص السؤال
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ:
وبعد:
فقد سئل فضيلة الشيخ٠ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، حفظه الله ورعاه، عن مسألة محيرة، لكثير من الناس، فقال السائل:
عندما يؤمر إنسان بمعروف وينهى عن منكر في أي أمر من أمور الدين، كبيرًا كان أو صغيرًا، فإنه يرد ذلك إلى القضاء والقدر، ويقول: قدر الله علي أن أفعل هذا الشر وهذه المعصية. فإذا قلت له: ألا تستطيع عمل الخير وترك الشر؟! قال: بلى. ولكن إذا قدر الله علي أن أكون من أهل النار فيسبق علي الكتاب لا محال.
[ ٥٤ / ٣ ]
ثم يستدل بقول الله تعالى: «يضل من يشاء ويهدي من يشاء» . (سورة فاطر، الآية: ٨) . ويستدل أيضًا بقوله ﷺ: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إليه غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» . (أخرجه البخاري برقم (٦٥٩٤)، ومسلم برقم (٢٦٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁) .
نرجو توجيه رد واضح على هذه المسألة المحيرة لكثير من الناس، خاصة أنني لم أجد كتابًا مبسطًا إلى عامة الناس يوضح المسألة، ويرد على الشبهات التي تعترضهم، وجزاكم الله خيرًا.
نص الجواب
وقد أجاب فضيلته بهذا الجواب الشافي الكافي، عل الله أن يهدي به أناسًا قد ضلوا في هذا الأمر، فقال فضيلته:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
إن هؤلاء الذين يحتجون بهذه الحجج، لاشك أنهم متناقضون، فهم لا يعملون بها في كل حال! فلا يعملون بالقضاء والقدر، ويسلمون له في كل أحوالهم! فلأجل ذلك يقال: أنهم متناقضون!
ونحن نقول للجواب عن هذا السؤال: إن هذا السؤال قديم، يحتج به الفسقة دائمًا! ويرددونه في مجتمعاتهم، ويرددونه إذا نصحوا! فهو ليس بجديد!
وقد ذكروا أن ذميًا أو ملحدًا دخل على شيخ الإسلام بن تيمية -﵀-،وقدم له أبياتًا يحتج فيها بالقدر! فقال:
أيا علماء الدين، ذمي دينكم تحير، دلوه بأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري –بزعمكم- ولم يرضه مني، فما وجه حيلتي؟
[ ٥٤ / ٤ ]
دعاني، وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل؟ بينوا لي قضيتي
قضى بضلالي، ثم قال: ارض بالقضاء،
فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي؟!
فإن كنت بالمقضي – يا قوم – راضيًا
فربي لا يرضى بشؤم بليتي
وهل لي رضا ما ليس يرضاه سيدي
فقد حرت، دلوني على كشف حيرتي
إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة فهل أنا عاص في اتباع المشيئة؟
وهل لي اختيار أن أخالف حكمه؟ فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي
ثم إن شيخ الإسلام أجابه نظمًا، وهو جالس في مجلسه، فأخذ القلم وجعل يكتب الجواب وهم حاضرون، فظنوا أنه يكتب نثرًا، فإذا هو يكتب نظمًا على نمط ذلك السؤال! فنظم في مجلسه مائة وثلاثين بيتًا على نمط تلك القصيدة التي نظمها ذلك الشاعر الذمي!
والقصيدة موجودة في مؤلفات شيخ الإسلام، أولها قوله:
سؤالك – يا هذا – سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية
فهذا سؤال خاصم الملأ العلا -قديمًا- به، أبْليسَ أصْلُ البَلِيَّةِ
ومن يك خصمًا للمهيمن: يرجعن على أُمِّ رأْسٍ، هاويًا في الحُفَيْرَةِ
وتدعي خصوم الله – يوم معادها إلى النار، طرا معشر القدرية
سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا به للشريعة
إلى أن قال في آخرها:
فدونك علمًا بالذي قد أجبت من معان إذا انحلت بفهم غريزة
أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى، ولله رب الخلق، أكمل مدحتي
وقد طبعت هذه القصيدة في المجلد الثامن من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وطبعت أيضًا في ترجمة شيخ الإسلام: (العقود الدرية في مناقب الشيخ ابن تيمية) لابن عبد الهادي، وتوجد أيضًا في غير ذلك.
ثم إن شيخنا عبد الرحمن بن محمد الدوسري ﵀، نظم أيضًا على نمطها أبياتًا أخصر منها متضمنًا لمدلولها.
[ ٥٤ / ٥ ]
كذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مطبوعة في المجلد الثامن من الفتاوى عنوانها: (أقوم ماقيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) . والعنوان يظهر أنه ليس من وضع شيخ الإسلام، وإنما هو من بعض النساخ.
كذلك أيضًا للعلامة ابن القيم كتاب كبير اسمه: (شفاء العليل) يدور حول القضاء والقدر، وضح فيه المسألة وبين كيف يحتج بالقدر؟ ومتى؟، وأيضًا ذكر شيخ الإسلام القضاء والقدر بكلام مختصر في كتابه: (العقيدة الواسطية) حيث ذكر أن الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق الخ.
وأما الدرجة الثانية:
فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن الخ.
ثم قال: ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين.
ثم قال: ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر الخ.
ثم قال شيخ الإسلام: والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم الخ.
ثم قال: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة الخ.
أقسام الناس في القدر:
والإيمان بالقدر ينقسم الناس حوله ثلاثة أقسام:
القسم الأول: نفوا قدرة الله:
[ ٥٤ / ٦ ]
وهم المعتزلة، فقالوا: إن العبد يخلق فعله، وليس لله قدرة على أفعال العباد، بل العبد هو الذي يتحرك بنفسه، وهو الذي يفعل بنفسه، والله لا يقدر أن يرده، فلو أراد العبد شيئًا وأراد الله ضده، لم يقدر الله على أن يرده!
وهؤلاء غلوا في قدرة العبد، ونفوا قدرة الله، وادعوا أن ذلك تنزيه لله، وهؤلاء في الحقيقة قد تنقصوا الله، وجعلوه عاجزًا! وقد تكلم بعض العلماء عليهم في ذلك، ومنهم صاحب شرح الطحاوية، وأورد لذلك قصصًا وأمثالًا.
القسم الثاني: غلبوا قدرة الله:
وهم الجبرية الذين لم يجعلوا للعبد أية قدرة؛ بل جعلوه مجبورًا على حركاته وعلى أفعاله، وليست له أية أفعال، ولا تنسب إليه أية أقوال! بل إن حركاته بمنزلة حركة الشجر التي تحركها الرياح، أو حركة المرتعش الذي ترتعد يداه، ولا يقدر على أن يمسكهما، فجعلوه مجبرًا على فعله، ولم يجعلوا له أي اختيار في ذلك، ويقول قائلهم:
ألقاه في البحر مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماءِ!!
ويقول آخر:
وضعوا اللحم للبزاة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة إذ أطلقوا لهن الرسن
لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن
فكأنهم يقولون: إن الله هو الذي أوقع العبد في المعصية، وهو الذي حرك أفعاله، فإذن تعذيبه له يكون ظلمًا، فليس للعبد أي اختيار!! ولا شك أنهم مخطئون.
ولا بأس أن أعلق على أقوالهم وإن كان الكلام يستدعي طولًا، فأقول:
إن هؤلاء متناقضون، ذلك لأنهم لا يستمرون على فعلهم؛ بل إنهم لا يعتمدون عليه في كل الأحوال، ولا يحتجون بالقدر في كل حال من الأحوال.
ونقول لهؤلاء: إذا كان الحال كذلك فلا تطلبوا المعيشة مادام أن الله قدر لكم رزقًا، فإنه سيأتيكم به، اجلسوا في بيوتكم ولا تتكسبوا، ولا تحرثوا، ولا تزرعوا، ولا تتاجروا، ولا تعلموا، ولا تعملوا، أي عمل! بل لا تأكلوا، ولا تشربوا، ولا غير ذلك، فإذا كان الله قد قدر لكم ذلك فإنه سيأتيكم ويصل إليكم!
[ ٥٤ / ٧ ]
فلو قلنا ذلك لهم لما امتثلوا، فدل ذلك على أنهم متناقضون.
فما دام أنك تقدر، وأنك تقلب في أمور الدنيا، فلماذا لا يكون لك القدرة على الأعمال الصالحة، مثل العبادات والطاعات والحسنات والقربات ونحوها؟!
كذلك أيضًا نقول لهم: إن هذا كله بقضاء وقدر، ولكن لكم أفعال تستطيعون بها أن تنسب إليكم، فقد روي أن عمر ﵁ رفع إليه سارق، فلما أراد أن يقطع يده، قال السارق: يا أمير المؤمنين، هذا قدر، فالله قدر علي هذه السرقة. فقال عمر ﵁: أنت سرقت بقدر الله ونحن نقطع يدك بقدر الله فإذا كان هذا بقدر فهذا أيضًا بقدر!
كذلك ذكر أن رجلًا كان يقود أعمى، فجعل يقوده بعنف، وجعل يعثر به في الحفر، وفي الحجارة، ونحوها ويقول: هذا بقدر! هذا مقدر! ثم إن الرجل الأعمى ضربه بعصاه بقوة، فقال: هذا أيضًا بقدر، فإذا كان تعثرك بي وتعمدك بي بقدر، فأنا أضربك بقضاء وقدر!
ونقول لهؤلاء أيضًا: إن العقوبة التي رتبها الله تعالى على هذه الأفعال، لا شك أنكم تستحقونها؛ لأن الله رتب على من فعل كذا عقوبة كذا، فالعقوبة على أفعالكم بقضاء وقدر.
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة:
إن عقيدة أهل السنة أن الله تعالى أعطى العباد قدرة يزاولون بها أعمالهم، أو جعل لهم اختيارًا يفضلون به بعض الأعمال على بعض فلذلك تنسب إليهم أعمالهم، وتضاف إليهم أفعالهم، ولو كانت بقضاء الله وبقدره وبمشيئته، فإنه سبحانه لا يعصى قسرًا، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، ولكن له الحجة البالغة.
والله ﷾ يذكر دائمًا احتجاج المشركين بالقدر، ثم يرد عليهم، وينكر عليهم، مثل قوله تعالى: «سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء - هذا احتجاج من المشركين بعموم مشيئة الله – إلى قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين» . (سورة الأنعام، الآيتان: ١٤٨، ١٤٩) . فأخبر بأن له الحجة، ولو شاء لهداهم.
[ ٥٤ / ٨ ]
ويقول تعالى في آية أخرى: «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين» . (سورة الشعراء، الآية: ٤٠) .فهو ﷾ لو شاء لهداهم، ولكن اقتضت حكمته أن يكون في هذا الخلق سعيد وشقي، وفاجر وتقي، وكافر ومسلم، ومشرك وموحد، وعابد وغير عابد، اقتضت ذلك حكمة الله ﷾، واقتضى أمره وحكمته أن جعل الناس قسمين:
قسم خلقهم للجنة، فبعملها يعملون!
وقسم خلقهم للنار، فبعملها يعملون!
ومكن كلًا منهم، وأعطاهم إرادة، وأعطاهم قدرة يزاولون بها أعمالهم، وتلك القدرة وتلك الإرادة هي التي يثابون أو يعاقبون عليها!
ومع ذلك فإنهم كلهم تحت مشيئة الله، ولهم مشيئتهم، ولكنها مرتبطة بمشيئة الله، يقول الله تعالى: «لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله» . (سورة التكوير، الآيتان: ٢٨، ٢٩) . يعني أن لكم مشيئة على الاستقامة، ومع ذلك فإن مشيئتكم مرتبطة بمشيئة الله.
وقال تعالى: «فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله» . (سورة المدثر، الآيتان: ٥٥، ٥٦) .
وقال تعالى: «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله» . (سورة الإنسان، الآيتان: ٢٩، ٣٠) .
فالله أثبت للعباد مشيئة، ولكنها مغلوبة بمشيئة الله ﷾، وله الحكمة في ذلك، وبمشيئة هؤلاء العباد الذين مكنهم وأعطاهم إياها، يثابون ويعاقبون عليها.
فعلى كل حال نقول لهؤلاء الذين يقولون: (سبق الكتاب)، (وكتب الكتاب) !! ونحو ذلك.
[ ٥٤ / ٩ ]
نقول لهم: قد قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة» . فقال رجل من القوم: ألا نتكل؟ قال ﷺ: «لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: «فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى» . (سورة الليل، الآيات: ٥-١٠) .» . (أخرجه البخاري برقم٦٦٠٥)، (ومسلم برقم٢٦٤٧) (من حديث علي ﵁ وقد سمعه في البقيع) .
فقد أثبت الله تعالى في هذه الآية أن للإنسان عملًا فقال: «أعطى واتقى، وصدق» وهذه كلها أعمال، ثم قال: «فسنيسره لليسرى» أي إذا عمل صالحًا كالتقوى والصدق ونحوها فإنا سنيسره لليسرى.
ثم قال: «بخل واستغنى، وكذب» وهذه أيضًا أعمال، قال: «فسنيسره للعسرى» أي إذا عمل أعمالًا غير صالحة كالبخل والكذب ونحوها فإنا سنيسره للعسرى.
فالإنسان إذن له عمل، وعمله هو أنه يؤمر فيأتمر ويمتثل، ويكون ذلك بمشيئة الله، فلو شاء الله تعالى لم يستطع، ولو شاء الله لرده، ولحال بينه وبين ذلك، لكنه شاء، وله مشيئته التامة، فحلى بينه وبين هذا الاختيار، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وتوعدهم على ذلك:
فتوعدهم على الشر بأنه يعاقبهم عليه، وإن كان الله قادرًا على هدايتهم.
ووعدهم على الخير بأنه يثيبهم عليه، وإن كان الله قادرًا على إضلالهم.
وله الحكمة البالغة بأن:
خلق هؤلاء للجنة وهداهم، وأقبل بقلوبهم، فله المنة عليهم، فلا ينعمهم إلا بفضله.
وخلق هؤلاء للنار، ويعذبهم بها، وإن كان قادرًا على أن يهديهم، ولكنه حال بينهم وبين ذلك، ولم يوفقهم لأسباب الهداية، وجعل لهم الاختيار في أن فضلوا الشر على الخير، فإن عملوا بالشر وصاروا من أهله، عاقبهم ربهم، وعقوبتهم تكون عدلًا منه وليس ظلمًا: «ولا يظلم ربك أحدًا» . «سورة الكهف، الآية: ٤٩) .
[ ٥٤ / ١٠ ]
وبالجملة فإن الكلام في هذا يطول، ومن أراد أن يتوسع في ذلك فليراجع رسالة شيخ الإسلام، وغيرها من الرسائل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمدًا وآله وصحبه وسلم.
خاتمة
وبعد هذا الجواب المفصل المقنع إن شاء الله فإننا نذكر مثالين – واقعين لكثير من الناس في القضاء والقدر –، وقد ذكرهما فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي – ﵀ – في كتابه:
«الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية» فقال:
المثال الأول:
رجل كان مسرفًا على نفسه كثير الجراءة على المعاصي
فقال له صاحبه – وهو يناصحه ويحاوره –: أما ترتدع عما أنت عليه؟ أما تتوب إلى ربك وتنيب إليه؟ أما علمت أن عقابه شديد على العاصين؟.
فقال المسرف: دعني أتمتع فيما أريد؛ فلو شاء الله لهداني، ولو أراد لي غير ذلك لما أغواني. فقال له الناصح: بهذا الاعتذار الكاذب ازداد جرمك، وتضاعف ذنبك؛ فإن الله لم يغوك بل الذي أغواك: الشيطان؛ وانقادت له النفس الأمارة بالسوء حيث قال الشيطان - مخاطبًا لربه _: «قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين» . (سورة ص، الآيتان: ٨٢، ٨٣) . فالشيطان دعاك إلى المعاصي فأجبته، والله دعاك إلى الهدى فعصيته.
بين الله لك السعادة وطرقها، وسهل أسبابها ورغبك فيها ووضح لك طريق الشقاوة، وحذرك من سلوكها واتباع خطوات الشيطان. وأخبرك بما تؤول إليه: من العذاب الشديد؛ فرضيت، واستبدلت الضلالة بالهدى، والشقاوة بالسعادة.
وجعل لك قدرة وإرادة تختار بهما، وتتمكن بهما من كل ما تريد. ولم يلجئك إلى فعل المعاصي، ولا منعك من الخير فسلكت طريق الغي وتركت طريق الرشد. فلا تلم إلا نفسك.
[ ٥٤ / ١١ ]
أما سمعت ما يقول الداعي لأتباعه يوم القيامة - حيث يقوم خطيبًا فيهم: «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي» . (سورة إبراهيم، الآية: ٢٢) .
فقال المسرف: كيف أستطيع أن أترك ما أنا فيه: والله هو الذي قدره علي؟! وهل يمكنني الخروج عن قضائه وقدره.
فقال له الناصح: نعم؛ يمكنك الخروج بقدره. والتوبة والإقلاع عما أنت فيه - وأنت تعلم علمًا لا تشك فيه - من قدر الله. فارفع قدر الله بقدره.
ثم إن قولك: (إن المعاصي الواقعة مني، من قدر الله)؛ إن أردت: أن الله أجبرك عليها وحال بينك وبين الطاعة؛ فأنت كاذب. وأول من يعلم كذبك نفسك: فإنك تعلم كل العلم أنك لو أردت ترك الذنوب لما فعلتها، ولو أردت إرادة جازمة فعل الواجبات لفعلتها. فلقد أقدمت على المعاصي برغبة منك ومحبة لها، وإرادة لا تشك ولا يشك غيرك فيها، وتعلم أن قولك: (إنها بقضاء الله وقدره)؛ دفع اللوم عنك. فهل تقبل هذا العذر: لو ظلمك ظالم، أو تجرأ عليك متجرئ؛ وقال: (إني معذور بالقدر؛ فلا تلمني) . أما يزيدك كلامه هذا حنقًا وتعرف أنه متهكم بك؟!.
فقال المسرف بلى؛ هذا الواقع.
فقال الناصح: كيف ترضى أن تعامل ربك - الذي خلقك وأنعم عليك النعم الكثيرة - بما لا ترضى أن يعاملك به الناس؟!. وإن أردت بقولك: (إنها بقضاء وقدر)؛ بمعنى: أن الله علم مني أني سأقدم عليها، وأعطاني قدرة وإرادة أتمكن بهما من فعلها؛ وأنا الذي فعلت المعاصي بما أعطاني ربي: من القوى التي مكنني فيها من المعاصي؛ واعلم أنه لم يجبرني ولم يقهرني، وإنما أنا الذي فعلت، وأنا الذي تجرأت_: فقد رجعت إلى الحق والصواب، واعترفت بأن لله الحجة البالغة على عباده.
المثال الثاني
في الآجال والأرزاق
[ ٥٤ / ١٢ ]
اعلم: أن الآجال والأرزاق - كسائر الأشياء - مربوطة بقضاء الله وقدره. فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ «ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» . (سورة الأعراف، الآية: ٣٤) .
فهذا أمر لا ريب فيه ولا شك. ومع ذلك، فهي أيضًا كغيرها: لها أسباب دينية، وأسباب طبيعة مادية، والأسباب تبع قضاء الله وقدره. ولو كان شيء سابق القضاء والقدر - من الأسباب -: لسبقته العين؛ لحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» . (أخرجه مسلم برقم (٢١٨٨) . لقوتها ونفوذها.
فمن الأسباب الدينية لطول العمر، وسعة الرزق: لزوم التقوى والإحسان إلى الخلق، لاسيما الأقارب. كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره - أي يطيل عمره - فليصل رحمه» . (أخرجه البخاري برقم (٢٠٦٧) و(٥٩٨٦) . ومسلم برقم (٢٥٥٧) من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: (من سره) . وبرقم (٢٥٥٧) عن أنس بن مالك ﵁ بلفظ: (من أحب» .
وذلك: أن الله يجازي العبد من جنس عمله؛ فمن وصل رحمه: وصل الله أجله ورزقه، وصلًا حقيقيًا.؟ وضده: من قطع رحمه، قطعه الله: في أجله وفي رزقه. قال تعالى: «ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب» . (سورة الطلاق، الآية: ٢) .
ومن الأسباب الدينية لقطع طول العمر: البغي والظلم للعباد. فالباغي سريع المصرع، والظالم لا يغفل الله عن عقوبته، وقد يعاقبه عاجلًا بقصم العمر.
ومن الأسباب الدينية لمحق الرزق: المعاملات المحرمة كالربا والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، فصاحبها يظن - بل يجزم _: أنها توسع عليه الرزق. ولهذا تجرأ عليها. والله تعالى يعامله بنقيض قصده. قال تعالى: «يمحق الله الربى ويربي الصدقات» . (سورة البقرة، الآية: ٢٧٦) .
[ ٥٤ / ١٣ ]
فالمعاملة بالربا تمحق صاحبها، وتمحق ماله. وإن تمتع به قليلًا فمآله إلى المحق والقل. كما أن المتصدق يفتح الله له: من أبوب الرزق. ما لا يفتحه على غيره. كما قال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، بل تزده» (ثلاثًا) . (أخرجه مسلم برقم (٢٥٨٨) . والترمذي برقم (٢٠٢٩) . وأحمد في المسند (٢/٣٨٦) . ولم يرد في شيء من هذه الروايات قوله: بل «بل تزده ثلاثًا» .) .
وكذلك الغش وأكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق: من أكبر أسباب المحق؛ مع ما على صاحبها: من الإثم والعقوبة.
ومن أسباب طول العمر وقصره الطبيعية: الصحة والمرض.
فالعافية من الأسقام سبب لطول العمر؛ كما أن الأمراض بأنواعها سبب لقصره.
والمسكن والبقعة: إذا كانت صحيحة طيبة الهواء، صارت من أسباب عافية أهلها وطول أعمارهم. والعكس بالعكس: البقاع الرديئة المناخ والهواء، أو البقاع الوبيئة - سبب لقصر العمر، كما هو شاهد.
والتوقي عن المخاطر والمهالك، واستعمال الأسباب الواقية - فائدتها في طول العمر ظاهرة. والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وسلوك المخاطر، وكل أمر فيه خطر - سبب ظاهر للهلاك. والأمثلة في هذا كثيرة.
ومن الأسباب المادية في حصول الرزق وسعته: استعمال المكاسب النافعة. وهي كثيرة متنوعة: كل أحد يناسب له ما يوافقه ويحسنه، ويليق بحاله. كما قال تعالى: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور» . (سورة الملك، الآية: ١٥) . فيدخل في هذا العمل جميع الأسباب النافعة. وكذلك قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض» . (سورة البقرة، الآية: ٢٦٧. وانظر: آية ٢٥٤، ٢٦٥منها) . إلى غير ذلك من الآيات.
[ ٥٤ / ١٤ ]
وكل هذه الأمور تابعة لقضاء الله وقدره. فإن الله تعالى قدر الأمور بأسبابها: فالأسباب والمسببات من قضاء الله وقدره ولهذا لما قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله؛ أرأيت أدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، ورقى نسترقيها؛ هل ترد من قضاء الله وقدره شيئًا؟ فقال: «هي من قضاء الله وقدره» . (أخرجه الترمذي برقم (٢٠٦٥) و(٢١٤٨) وابن ماجه (٣٤٣٧) (وأحمد في المسند وقد ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٣٥٩/٢١٥٩» .
وكذلك الأدعية المتنوعة سبب كبير لحصول المطلوب، والسلامة من المرهوب. وقد أمر الله بالدعاء، ووعد بالإجابة. والدعاء نفسه، والإجابة كلها داخلة في القضاء والقدر.
وقد جمع النبي ﷺ الأمر، بالعمل بكل سبب نافع، مع الاستعانة بالله. كما ثبت في الصحيح مرفوعًا: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله» . (أخرجه مسلم رقم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة ﵁) .
فهذا أمر بالحرص على الأسباب النافعة في الدين والدنيا، مع الاستعانة بالله. لأن هذه هي الاستقامة. وذلك لأن الانحراف من أحد أمور ثلاثة: إما أن لا يحرص على الأمور النافعة؛ بل: يكسل عنها، وربما اشتغل بضدها. أو يشتغل بها، ولكن: يتكل على حوله وقوته، وينظر إلى الأسباب، ويعلق جميع قلبه بها، وينقطع عن مسببها. أو لا يشتغل بالأسباب النافعة، ويزعم: أنه متوكل على الله. فإن التوكل لا يكون إلا بعد العمل بالأسباب.
فهذا الحديث بين فيه النبي ﷺ الطرق النافعة للعبادة.
ولنقتصر على هذا فأنه يحصل به المقصود. والله أعلم؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٥٤ / ١٥ ]