س: وردنا عدد من الأسئلة حول أحكام طهارة المريض وصلاته، وهذا جوابها مفصلا فيما يلي:
ج: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد شرع الله ﷾ الطهارة لكل صلاة، فإن رفع الحدث وإزالة النجاسة، سواء كانت في البدن أو الثوب أو المكان المصلى فيه - شرطان من شروط الصلاة.
فإذا أراد المسلم الصلاة وجب عليه أن يتوضأ الوضوء المعروف من الحدث الأصغر، أو يغتسل إن كان حدثه أكبر، ولا بد قبل الوضوء من الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة في حق من بال أو أتى الغائط لتتم الطهارة والنظافة.
وفيما يلي بيان لبعض الأحكام المتعلقة بذلك:
فالاستنجاء بالماء واجب لكل خارج من السبيلين كالبول والغائط، وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء، إنما عليه الوضوء؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة هاهنا.
والاستجمار يقوم مقام الاستنجاء بالماء، ويكون بالحجارة أو ما يقوم مقامها، ولا بد فيه من ثلاثة أحجار طاهرة فأكثر، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من استجمر فليوتر (٢)»، ولقوله ﷺ أيضا: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه (٣)» رواه
_________________
(١) ما يتعلق بصلاة المريض، انظر ص٤٧.
(٢) رواه البخاري في (الوضوء) برقم (١٥٦) ومسلم في الطهارة برقم (٣٥٠) .
(٣) رواه أبو داود في (الطهارة) برقم (٣٦)، والدارمي في (الطهارة) برقم (٦٦٨) .
[ ٢٤ ]
أبو داود. ولنهيه ﷺ عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، رواه مسلم.
ولا يجوز الاستجمار بالروث والعظام والطعام وكل ما له حرمة، والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة، وما أشبهها كالمناديل واللبن - اليابس من التراب والجص - ونحو ذلك، ثم يتبعها الماء؛ لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر المحل، فيكون أبلغ، والإنسان مخير بين الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة وما أشبهها، أو الجمع بينهما.
عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء (١)» . متفق عليه. وعن عائشة ﵂ أنها قالت لجماعة من النساء: «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم، وإن رسول الله ﷺ كان يفعله (٢)» قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف، وإن اقتصر على الحجر أجزأه ثلاثة أحجار إذا نقى بهن المحل، فإن لم تكف زاد رابعا وخامسا حتى ينقي المحل، والأفضل أن يقطع على وتر، لقول النبي ﷺ: «من استجمر فليوتر (٣)»، ولا يجوز الاستجمار باليد اليمنى، لقول سلمان في حديثه: «نهانا رسول الله ﷺ أن يستنجي أحدنا بيمينه (٤)» . ولقوله ﷺ: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه (٥)» .
وإن كان أقطع اليسرى أو بها كسر أو مرض ونحوهما، استجمر بيمينه للحاجة ولا حرج في ذلك، وإن جمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء كان أفضل وأكمل.
_________________
(١) صحيح البخاري الوضوء (١٥٢)، صحيح مسلم الطهارة (٢٧١)، سنن النسائي الطهارة (٤٥)، سنن أبو داود الطهارة (٤٣)، مسند أحمد بن حنبل (٣/١٧١)، سنن الدارمي الطهارة (٦٧٦) .
(٢) سنن الترمذي الطهارة (١٩)، سنن النسائي الطهارة (٤٦) .
(٣) صحيح البخاري الوضوء (١٦١)، صحيح مسلم الطهارة (٢٣٧)، سنن النسائي الطهارة (٨٨)، سنن أبو داود الطهارة (٣٥)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٣٣٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٧١)، موطأ مالك الطهارة (٣٣)، سنن الدارمي الطهارة (٦٦٢) .
(٤) رواه مسلم في (كتاب الطهارة) باب الاستطابة برقم (٣٨٦) .
(٥) رواه مسلم في (كتاب الطهارة) برقم (٣٩٢) .
[ ٢٥ ]
ولما كانت الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر والسهولة، فقد خفف الله ﷾ عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم ليتمكنوا من عبادته تعالى بدون حرج ولا مشقة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقال ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وقال ﵊: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٤)»، وقال: «إن الدين يسر (٥)» .
فالمريض إذا لم يستطع التطهر بالماء بأن يتوضأ من الحدث الأصغر أو يغتسل من الحدث الأكبر لعجزه أو لخوفه من زيادة المرض أو تأخر برئه، فإنه يتيمم، وهو أن يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة، فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ (٦)، والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء، لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧)، ولقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٨)»، ولقوله ﷺ لعمار بن ياسر: «إنما يكفيك أن تقول بيديك: هكذا (٩)»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
_________________
(١) سورة الحج الآية ٧٨
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٥
(٣) سورة التغابن الآية ١٦
(٤) رواه البخاري في (الاعتصام بالكتاب والسنة)، برقم (٦٧٤٤)، واللفظ له، ومسلم في (الفضائل) برقم (٤٣٤٨) .
(٥) رواه البخاري في (الإيمان) برقم (٣٨) .
(٦) سورة النساء الآية ٤٣
(٧) سورة التغابن الآية ١٦
(٨) صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨)، صحيح مسلم الحج (١٣٣٧)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٦١٩)، سنن ابن ماجه المقدمة (٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٥٠٨) .
(٩) صحيح البخاري التيمم (٣٤٧)، صحيح مسلم الحيض (٣٦٨)، سنن الترمذي الطهارة (١٤٤)، سنن النسائي الطهارة (٣٢٠)، سنن أبي داود الطهارة (٣٢٢)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٥٧١)، مسند أحمد (٤/٢٦٥)، سنن الدارمي الطهارة (٧٤٥) .
[ ٢٦ ]
ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار.
ولا يصح التيمم إلا بنية؛ لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (١)» .
وللمريض في الطهارة عدة حالات:
١ - إن كان مرضه يسيرا لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا ولا مرضا مخوفا ولا إبطاء برء ولا زيادة ألم ولا شيئا فاحشا، وذلك كصداع ووجع ضرس ونحوهما، أو كان ممن يمكنه استعمال الماء الدافئ ولا ضرر عليه، فهذا لا يجوز له التيمم؛ لأن إباحته لنفي الضرر ولا ضرر عليه؛ ولأنه واجد للماء فوجب عليه استعماله.
٢ - وإن كان به مرض يخاف معه تلف النفس، أو تلف عضو، أو حدوث مرض يخاف معه تلف النفس أو تلف عضو أو فوات منفعة، فهذا يجوز له التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢) .
٣ - وإن كان به مرض لا يقدر معه على الحركة ولا يجد من يناوله الماء جاز له التيمم. فإن كان لا يستطيع التيمم يممه غيره، وإن تلوث بدنه أو ملابسه أو فراشه بالنجاسة ولم يستطع إزالة النجاسة أو التطهر منها – جاز له الصلاة على حالته التي هو عليها؛ لقول الله سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، ولا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بأي حال من الأحوال بسب عجزه عن الطهارة أو إزالة النجاسة.
_________________
(١) صحيح البخاري بدء الوحي (١)، صحيح مسلم الإمارة (١٩٠٧)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (١٦٤٧)، سنن النسائي الطهارة (٧٥)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٠١)، سنن ابن ماجه الزهد (٤٢٢٧)، مسند أحمد بن حنبل (١/٤٣) .
(٢) سورة النساء الآية ٢٩
(٣) سورة التغابن الآية ١٦
[ ٢٧ ]
٤ - من به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء فأجنب - جاز له التيمم للأدلة السابقة، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك، وتيمم للباقي.
٥ - إذا كان المريض في محل لم يجد ماء ولا ترابا ولا من يحضر له الموجود منهما، فإنه يصلي على حسب حاله وليس له تأجيل الصلاة، لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) .
٦ - المريض المصاب بسلس البول أو استمرار خروج الدم أو الريح ولم يبرأ بمعالجته، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ويغسل ما يصيب بدنه وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبا طاهرا إن تيسر له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، وقوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٤)»، ويحتاط لنفسه احتياطا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه أو مكان صلاته.
وله أن يفعل في الوقت ما تيسر من صلاة وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت، فإذا خرج الوقت وجب عليه أن يعيد الوضوء أو تيمم إن كان لا يستطيع الوضوء لأن النبي ﷺ أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة وهي التي يستمر معها الدم غير دم الحيض. وما خرج في الوقت من البول فلا يضره بعد وضوئه إذا دخل الوقت.
_________________
(١) سورة التغابن الآية ١٦
(٢) سورة الحج الآية ٧٨
(٣) سورة البقرة الآية ١٨٥
(٤) صحيح البخاري الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨)، صحيح مسلم الحج (١٣٣٧)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٦١٩)، سنن ابن ماجه المقدمة (٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٥٠٨) .
[ ٢٨ ]
وإن كان عليه جبيرة يحتاج إلى بقائها مسح عليها في الوضوء والغسل، وغسل بقية العضو، وإن كان المسح على الجبيرة أو غسل ما يليها من العضو يضره كفاه التيمم عن محلها، وعن المحل الذي يضره غسله.
ويبطل التيمم بكل ما يبطل به الوضوء، وبالقدرة على استعمال الماء، أو وجوده إن كان معدوما.
والله ولي التوفيق.
[من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀]
[ ٢٩ ]