الفتوى رقم (١٩٠٢٢)
س: يقول الرسول ﷺ حين سئل عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» رواه أحمد.
وفي رواية أخرى زاد «لا يرقون (^١)» . (تفسير ابن كثير ج٢) تفسير: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (^٢) . يقول الإمام الحافظ ابن حجر بعدها ساق جزءا من حديث عمران بن حصين: «لا رقية إلا من عين أو حمة (^٣)»، وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس قال: «رخص رسول الله ﷺ في الرقى من العين والحمة والنملة (^٤)» .
السؤال: ما معنى "لا يرقون ولا يسترقون" في الحديث الأول، وهل الرقى إلا من العين والحمة والنملة؟
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٢٢٠) .
(٢) سورة آل عمران الآية ١١٠
(٣) سنن الترمذي الطب (٢٠٥٧)، سنن أبو داود الطب (٣٨٨٤)، مسند أحمد بن حنبل (٤/٤٤٦) .
(٤) صحيح البخاري الطب (٥٧٢١)، صحيح مسلم السلام (٢١٩٦)، سنن الترمذي الطب (٢٠٥٦)، سنن ابن ماجه الطب (٣٥١٦)، مسند أحمد (٣/١٢٧) .
[ ١ / ٨٢ ]
ج: الثابت ما ورد في (الصحيحين) وغيرهما عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال في آخر الحديث، في شأن الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: «هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون (^١)» الحديث وهذا لفظ البخاري (ج ٧ ص ٢٦)، وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) عن ابن مسعود (ج ١ ص ٤٠١، ٤٠٣) بنحوه.
أما ما ورد في رواية مسلم وغيره "ولا يرقون " فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ: "ولا يرقون"، وقد قال النبي ﷺ - وقد سئل عن الرقى-: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه (^٢)»، وقال ﷺ: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (^٣)»، وقد رقى جبريل النبي ﷺ، ورقى النبي ﷺ أصحابه.
ومعنى "لا يسترقون" أي: لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم؛ لأن طالب الرقية من الراقي فيه نوع من التعلق بالراقي وسؤاله، لا سيما أن المريض يتشبث فيما يظنه سببا لشفائه بخيوط العنكبوت،
_________________
(١) أحمد ١\٢٧١، والبخاري ٧\١٦، ٢٦، ١٨٣، ١٩٩ ومسلم ١\١٩٩ -٢٠٠، ٢٠٠ رقم (٢٢٠)، والترمذي ٤\٦٣١ برقم (٢٤٤٦)، والبغوي ١٥\١٣٦ برقم (٤٣٢٢) .
(٢) صحيح مسلم السلام (٢١٩٩)، مسند أحمد (٣/٣١٥) .
(٣) صحيح مسلم السلام (٢٢٠٠)، سنن أبي داود الطب (٣٨٨٦) .
[ ١ / ٨٣ ]
فيستجيب لما يطلبه الراقي منه، وإن لم يكن مقتنعا بما يقول له، فيضعف في هذه الحالة كمال توكله على الله؛ ولذلك وصف الله السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب بتمام التوكل؛ لأنهم لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فيجمعون بين كمال وقوة الصبر على الابتلاء والضراء، وبين تمام التوكل على الله وحده، والفوز برضاه والثواب على ذلك. وهذا لا ينافي أخذهم بالأسباب، وإنما تركوا ذلك استسلاما للقضاء، وتلذذا بالبلاء، وتحقيقا لكمال التوحيد، وتمام التوكل على الله سبحانه، وطلب التداوي، والأخذ بالأسباب، وطلب الرقية لا ينافي التوكل، بل ذلك مما أمر الشرع به عند الحاجة له، مع الاعتقاد أن الله هو النافع الضار، وهو الذي خلق الأسباب والمسببات، وأن الله لم يخلق داء إلا جعل له دواء، كما جاءت بذلك السنة الصحيحة.
وذكر الرقية للعين والحمة في قوله ﷺ: «لا رقية إلا من عين أو حمة (^١)» لا يدل على الحصر.
قال الخطابي في (معالم السنن ج ٤ ص. ٢١٠): (وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرهما من الأمراض والأوجاع. . .، وإنما معناه: أنه لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والسم، وهذا كما قيل: لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه رقى
_________________
(١) سنن الترمذي الطب (٢٠٥٧)، سنن أبو داود الطب (٣٨٨٤)، مسند أحمد بن حنبل (٤/٤٤٦) .
[ ١ / ٨٤ ]
بعض أصحابه من وجع كان به، ولما ورد عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء بنت عبد الله قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة ﵂، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة (^٢)» ا. هـ. أخرجه أبو داود في (سننه) وأخرجه الإمام أحمد في (المسند ج ٦ ص ٣٧٢) .
وقد ثبت «عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمرها أن تسترقي من العين (^٣)»، وثبت عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ أمرهم أن يسترقوا لجارية كانت عندها في بيتها. فدل ذلك على أنه لا كراهة في الاسترقاء عند الحاجة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
_________________
(١) أحمد ٦/ ٣٧٢، وأبو داود ٤/ ٢١٥ برقم (٢٨٨٧)، والنسائي في (الكبرى) ٧/ ٧٥ برقم (٧٥٠١) (ط: مؤسسة الرسالة)، وابن أبي شيبة ٧ / ٣٩٦، والحاكم ٤/ ٤١٤، والطحاوي في (شرح المعاني) ٤/ ٣٢٦، والطبراني ٢٤ / ٣١٤ برقم (٧٩٠)، وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) ٦ / ٤ برقم (٣١٧٧)، والبيهقي ٩ / ٣٤٩
(٢) قال في (بذل المجهود) ج ١٦ ص ٢١٧: (وهي قروح تخرج في الجنب أو الجنبين) (^١)
(٣) صحيح البخاري الطب (٥٧٣٨)، صحيح مسلم السلام (٢١٩٥)، سنن ابن ماجه الطب (٣٥١٢)، مسند أحمد (٦/٦٣) .
[ ١ / ٨٥ ]