الرقى والتمائم
الفتوى رقم (١٨٤٥٠)
س: كثر في هذه الأيام أدعياء الطب من غير الأطباء المعتمدين من قبل وزارة الصحة، ونظرا لخطورة فئة منهم على العقيدة الإسلامية، فإنني أرجو أن أسمع رأي ديننا الإسلامي الحنيف في:
من يدعي أنه يعالج الناس بالكتاب والسنة ويقوم بفحص المرضى رجالا ونساء، وتشخيص أمراضهم ويصف لهم علاجات، ويقرأ لهم في الماء والعسل وغيره، مع أنه قد لا يعرف أصول الدين أو كيف يأخذ من الكتاب أو السنة. على سبيل المثال: سمعت شريطا لأحد المشائخ يقول: إن علاج القلق هو أن يقرأ المريض كل يوم جزءا من القرآن وتفسيره من ابن كثير. فكيف يكون أصل هذا العلاج من الكتاب والسنة؟
ج: رقية المريض بدنيا أو نفسيا أو من عين أو سحر أو غير ذلك، لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية الصحيحة، وإذا كان ذلك ممن يعرف بالعقيدة السليمة والالتزام بالأمور الشرعية، والمعرفة بأمور الطب فيما يخص التداوي
[ ١ / ٧٢ ]
بالأدوية المباحة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
١- أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
٢- وأن تكون باللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره.
٣- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
واختلفوا في كونها شرطا، والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي (صحيح مسلم) من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله: كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك (^١)» .
وله من حديث جابر: «نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاءه آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب. قال: فعرضوا عليه فقال: "ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه (^٢)» .
وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطا، والشرط الآخر لا بد منه) ا. هـ.
_________________
(١) صحيح مسلم السلام (٢٢٠٠)، سنن أبي داود الطب (٣٨٨٦) .
(٢) صحيح مسلم السلام (٢١٩٩)، سنن ابن ماجه الطب (٣٥١٥)، مسند أحمد (٣/٣١٥) .
[ ١ / ٧٣ ]
(الفتح ١٠ \ ١٩٥) .
وما لا يعقل معناه إن لم يؤد إلى الشرك فإنه يفتح باب الشعوذة وتسويغ أعمال السحرة والمبتدعين والخرافيين.
أما من يدعون علم الغيب أو يستحضرون الجن أو أشباههم من المشعوذين أو المجهولين الذين لا تعرف حالهم ولا تعرف كيفية علاجهم- فلا يجوز إتيانهم، ولا سؤالهم، ولا العلاج عندهم، لقول النبي ﷺ: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة (^١)» أخرجه مسلم، وقوله ﷺ: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد (^٢)» ﷺ، أخرجه أحمد وأهل السنن بإسناد جيد.
ولأحاديث أخرى في هذا الباب كلها تدل على تحريم سؤال العرافين والكهنة وتصديقهم، وهم الذين يدعون علم الغيب أو يستعينون بالجن أو يوجد من أعمالهم وتصرفاتهم ما يدل على ذلك، وفيهم وأشباههم ورد الحديث المشهور الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد جيد، عن جابر ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ عن النشرة، فقال: " هي من عمل الشيطان (^٣)» .
وفسر العلماء هذه النشرة: بأنها ما كان يعمل في الجاهلية من حل السحر بمثله، ويلتحق بذلك كل علاج يستعان فيه بالكهنة والعرافين وأصحاب الكذب والشعوذة.
_________________
(١) صحيح مسلم السلام (٢٢٣٠)، مسند أحمد (٤/٦٨) .
(٢) سنن الترمذي الطهارة (١٣٥)، سنن أبو داود الطب (٣٩٠٤)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٦٣٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤٧٦)، سنن الدارمي الطهارة (١١٣٦) .
(٣) سنن أبي داود الطب (٣٨٦٨)، مسند أحمد (٣/٢٩٤) .
[ ١ / ٧٤ ]
هذا وقد كان النبي ﷺ يرقي أصحابه، ومن ذلك ما روي عنه ﷺ: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض. . .، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع» فيبرأ.
ومن الأدعية المشروعة: "بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك"، ومنها: «اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (^١)» .
ومنها: أن يضع الإنسان يده على موضع الألم الذي يؤلمه من بدنه فيقول: «بسم الله ثلاث مرات، أعوذ بعزة الله وقدوته من شر ما أجد وأحاذر (^٢)» سبع مرات. أخرجه مسلم في (صحيحه) . إلى غير ذلك.
أما كتابة الآيات والأذكار وتعليقها على المريض فلا يجوز على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (^٣)» ويستثنى من ذلك ما أجازه الشرع من الرقى.
"أما النفث في الماء، فإن كان المراد به التبرك بريق النافث فهو حرام، ويعد من وسائل الشرك؛ لأن ريق الإنسان ليس للبركة والشفاء، ولا أحد يتبرك بريقه إلا رسول الله ﷺ.
_________________
(١) سنن أبي داود الطب (٣٨٨٣)، سنن ابن ماجه الطب (٣٥٣٠)، مسند أحمد (١/٣٨١) .
(٢) صحيح مسلم السلام (٢٢٠٢)، سنن الترمذي الطب (٢٠٨٠)، سنن أبي داود الطب (٣٨٩١)، سنن ابن ماجه الطب (٣٥٢٢)، مسند أحمد (٤/٢١٧)، موطأ مالك الجامع (١٧٥٤) .
(٣) سنن أبي داود الطب (٣٨٨٣)، سنن ابن ماجه الطب (٣٥٣٠)، مسند أحمد (١/٣٨١) .
[ ١ / ٧٥ ]
وأما النفث بالريق مع تلاوة القرآن الكريم والأدعية، مثل: أن يقرأ الفاتحة، والفاتحة رقية وهي أعظم ما يرقى به المريض، فهذا لا بأس به، وقد فعله أصحاب النبي ﷺ في رقية اللديغ فشفاه الله، وأخبروا النبي ﷺ بذلك فأقرهم عليه، وقال: "أصبتم" وهو مجرب ونافع بإذن الله، وقد كان النبي ﷺ ينفث في يديه عند نومه بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^١)، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (^٢)، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (^٣)، فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده ثلاث مرات.
أما ما جاء في السؤال من أن علاج القلق هو قراءة جزء من القرآن وتفسيره من ابن كثير فلا أصل له، لكن القرآن كله مما يرقى به وينفع الله به.
أما تخصيص آيات معينة لرقية بعض الأمراض بلا دليل فلا يجوز، فإن القرآن خير كله وشفاء للمؤمنين، ومن أعظم ما يرقى به منه الفاتحة كما سبق.
ويجب التنبه إلى أن القرآن ما نزل ليكون دواء لأمراض الناس البدنية فقط، لكن نزل لأمر عظيم وخطب جليل، ليكون نذيرا للعالمين وهاديا إلى صراط الله المستقيم، وحاكما بينهم فيما يختلفون فيه، ومحذرا من طريق الكفر والكافرين، وهو مع هذا ينفع الله تعالى به عباده المؤمنين من أسقامهم الدينية والبدنية، كما قال
_________________
(١) سورة الإخلاص الآية ١
(٢) سورة الفلق الآية ١
(٣) سورة الناس الآية ١
[ ١ / ٧٦ ]
تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (^٢) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
_________________
(١) سورة فصلت الآية ٤٤
(٢) سورة الإسراء الآية ٨٢
[ ١ / ٧٧ ]