مس الجن
بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
برقم٢١٥١٨ بشأن مسألة دخول الجني في بدن الإنسي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فإجابة لما سأل عنه السائل حماد بن عبد الله الحماد، كاتب عدل الخرج، حول ما كتبه المدعو: محمد بن عبد الله الفوزان في جريدة الجزيرة عدد (١٠١٦٨) وتاريخ ٢٩\٤\١٤٢١هـ من إنكار تلبس الجني بالإنسي، فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تقول: قد دل كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي ووقوعه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^١)، قال ابن جرير ﵀: يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه، (من المس) يعني من الجنون (^٢) .
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) (تفسير ابن جرير الطبري) ٥\٣٨-٣٩، ت: التركي.
[ ١ / ١١٥ ]
وقال البغوي ﵀: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^١) أي: الجنون. يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا.
وقال ابن كثير ﵀: أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أن يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس ﵄: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. رواه ابن أبي حاتم. قال: وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال القرطبي ﵀: في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى ٢٤ / ٢٧٦-٢٧٧) ما نصه: (وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسول الله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^٢)، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (^٣)»، وقال عبد الله بن
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٥
(٣) صحيح البخاري الاعتكاف (٢٠٣٩)، صحيح مسلم السلام (٢١٧٤)، سنن أبي داود السنة (٤٧١٩)، سنن ابن ماجه الصيام (١٧٧٩)، مسند أحمد (٣/١٥٦)، باقي مسند المكثرين (٣/٢٨٥) .
[ ١ / ١١٦ ]
الإمام أحمد بن حنبل: (قلت لأبي: إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل بدن المصروع. فقال: يا بني يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه) . قال شيخ الإسلام: (وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب جمل لأثر به أثرا عظيما، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله. . .) إلى أن قال: (وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك) انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وبما ذكرناه من الأدلة الشرعية وإجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على جواز دخول الجني بالإنسان يتبين للقراء بطلان قول من أنكر ذلك، فعلى الكاتب محمد بن عبد الله الفوزان أن يرجع إلى الصواب، ولا يعود إلى الكلام فيما ليس له به علم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^١)، والقول على الله بلا علم في منزلة فوق الشرك في التحريم، قال تعالى:
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٣٦
[ ١ / ١١٧ ]
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ٣٣
[ ١ / ١١٨ ]