س: نطلب من سماحتكم أن تشرحوا لنا معنى الركن الأول من أركان الإسلام، وما يقتضيه ذلك المعنى، وكيف يتحقق في الإنسان؟ وما حكم من جهل شيئا منه؟ (١):
ج: إن الله بعث نبيه محمدا - ﷺ - إلى الناس عامة عربهم وعجمهم، جنهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم، يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له وإلى الإيمان بالرسول ﵊ وبما جاء به وإلى الإيمان بجميع المرسلين وبجميع الملائكة، والكتب المنزلة من السماء وباليوم الآخر، وهو البعث والنشور، والجزاء والحساب، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، وإن الله قدر الأشياء، وعلمها وأحصاها وكتبها ﷾، فكل شيء يقع فهو بقضاء الله وقدره
_________________
(١) السؤال العاشر من الشريط رقم (٧٤).
[ ١ / ١٠ ]
﷾، وأمر الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، هذا هو أول شيء دعا إليه، وهو الركن الأول من أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلما قال للناس قولوا: لا إله إلا الله، وأمر أن يؤمنوا بأنه رسول الله ﵊ امتنع الأكثرون وأنكروا هذه الدعوة، وقالت له قريش ما ذكر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١)،: وقال سبحانه عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣)، فاستنكروا هذه الدعوة؛ لأنهم عاشوا على عبادة الأوثان والأصنام واتخاذ الآلهة مع الله ﷿، ولهذا أنكروا دعوة الرسول ﵊ إلى توحيد الله والإخلاص له، وهذا الذي دعا إليه - ﷺ - هو الذي دعت إليه الرسل جميعا كما قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥).
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي - ﷺ - أنه قال:
_________________
(١) سورة ص الآية ٥
(٢) سورة الصافات الآية ٣٥
(٣) سورة الصافات الآية ٣٦
(٤) سورة النحل الآية ٣٦
(٥) سورة الأنبياء الآية ٢٥
[ ١ / ١١ ]
«بني الإسلام على خمس يعني: على خمس دعائم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (١)»، وفي الصحيح أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن «النبي - ﷺ - أتاه سائل يسأله في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الحاضرين أحد، فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال: " الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ": قال: صدقت. قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه ثم قال ما الإيمان؟ قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. (٢)» الحديث. ثم أخبرهم النبي - ﷺ - أن هذا هو جبرائيل أتاهم يعلمهم دينهم، لما لم يسألوا أتاهم جبرائيل بأمر الله يسأله عن هذا الدين العظيم حتى يتعلموا ويستفيدوا، فدين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة الظاهرة:
أولها: شهادة أن لا إله
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، برقم ٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم ٨.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان وأركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم ١٦.
[ ١ / ١٢ ]
إلا الله وأن محمدا رسول الله.
ثانيها: إقام الصلوات الخمس.
ثالثها: أداء الزكاة.
رابعها: صوم رمضان.
خامسها: حج بيت الله الحرام.
وعلى أركان باطنة إيمانية في القلب وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
فلا بد من هذه الأصول، ولا بد أن يؤمن المكلف بهذه الأصول الستة الباطنية التي تتعلق بالقلب، فيؤمن أن الله ربه وإلهه ومعبوده الحق ﷾، ويؤمن بملائكة الله وبكتب الله التي أنزلها على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك، ويؤمن أيضا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده أولهم نوح وآخرهم محمد ﵊، وهم كثيرون بين الله بعضهم في القرآن العظيم، ويؤمن أيضا باليوم الآخر والبعث بعد الموت والجزاء من عند الله ﷿ وأن أهل الإيمان لهم السعادة، وأهل الكفر لهم الخيبة والندامة والنار، ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن الله قدر الأشياء وعلمها وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما يقع في الوجود من خير وشر وطاعة ومعصية فقد سبق بهذا علم الله وكتابته وقدره ﷾.
فالأصل العظيم الأول الذي طالبت به الرسل هو الإيمان بأن الله هو الإله الحق ﷾، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، هذا أصل أصيل أجمعت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم دعوا إلى
[ ١ / ١٣ ]
هذا الأصل الأصيل، وهو أن يؤمن الناس بأن الله هو الإله الحق وأنه لا معبود بحق سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله أي: لا معبود حق إلا الله، وما عبده الناس من أصنام أو أشجار أو أحجار أو أنبياء أو أولياء أو ملائكة كله باطل، العبادة بالحق لله وحده ﷾: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١)، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤).
ولا بد مع هذا الأصل من الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام من عهد نوح الإيمان بنوح، وفي عهد هود الإيمان بهود، مع توحيد الله، وفي عهد صالح الإيمان بصالح، مع توحيد الله وهكذا في عهد كل رسول لا بد من توحيد الله، والإيمان بأنه لا إله إلا الله ولا بد من الإيمان بالرسول الذي بلغ الرسالة في عهده إلى آخرهم عيسى ﵊، آخر الأنبياء بني إسرائيل، ثم بعث الله خاتمهم وأفضلهم نبينا محمدا - ﷺ -، فعيسى هو آخر أنبياء بني إسرائيل، ومحمد هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء جميعا، ليس بعده نبي ولا رسول ﵊، وهو أفضل الرسل، وهو إمامهم، وهو خاتمهم،
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٦٣
(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٣) سورة الفاتحة الآية ٥
(٤) سورة البينة الآية ٥
[ ١ / ١٤ ]
فلا بد في حق الأمة أمة محمد - ﷺ - جنها وإنسها، عربها وعجمها، ذكورها وإناثها، أغنيائها وفقرائها، حكامها ومحكوميها، لا بد أن يؤمنوا بهذا النبي، فمن لم يؤمن به فلا إسلام له، ولا دين له، فلا بد من الإيمان بأن الله هو الإله الحق، وأنه لا إله بحق إلا الله، ولا بد من الإيمان بمحمد - ﷺ - وأنه رسول الله حقا، إلى جميع الناس، فمن لم يؤمن بهاتين الشهادتين فليس بمسلم، إذ لا بد من الإيمان بهما واعتقاد معناهما، وأن معنى لا إله إلا الله؛ معناها لا معبود حق إلا الله فلا يجوز أن يدعى مع الله ملك أو نبي أو شجر أو حجر أو جن أو صنم، فإذا قال: يا رسول الله انصرني. بعد موته - ﷺ -، أو قال: يا سيدي البدوي انصرني. أو: اشف مريضي. أو: يا سيدي الحسين. أو: يا سيدي عبد القادر. أو: المدد المدد. صار هذا شركا بالله ﷿، يبطل معنى لا إله إلا الله؛ لأنك لم تأت بالعبادة لله وحده، بل أشركت مع الله غيره، ودعوت مع الله غيره، والله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) ويقول:
_________________
(١) سورة الجن الآية ١٨
(٢) سورة يونس الآية ١٠٦
(٣) سورة البينة الآية ٥
(٤) سورة الإسراء الآية ٢٣
[ ١ / ١٥ ]
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١).
ويقول النبي - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة (٢)». ويقول جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣). فلا بد من إخلاص العبادة لله وحده، ومنها الدعاء، فإذا قلت للميت أو للشجر أو للصنم: أغنني، انصرني، اشف مريضي، المدد المدد. صار شركا بالله، وصار نقضا لقول: لا إله إلا الله. وهكذا من كذب الرسول محمدا - ﷺ -، وشك في رسالته، أو قال: إنه للعرب دون العجم - أو قال: إنه ليس خاتم النبيين بل بعده نبي. كل هذا كفر وضلال، ونقض للإسلام، نسأل الله العافية. فلا بد من الإيمان بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، ولا بد من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ليس بعده نبي، وأن من ادعى النبوة بعده كافر بالله كذاب؛ كمسيلمة، والأسود العنسي في اليمن، وسجاح التميمية، وطليحة الأسدي، وجميع من ادعوا من بعده، فأجمع الصحابة ﵃ وأرضاهم على كفرهم وقاتلوهم؛ لأنهم كذبوا معنى قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤). وقد تواترت الأحاديث عن
_________________
(١) سورة الفاتحة الآية ٥
(٢) أخرجه الإمام أحمد في أول مسند الكوفيين، حديث النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ -، برقم ١٧٨٨٨
(٣) سورة غافر الآية ٦٠
(٤) سورة الأحزاب الآية ٤٠
[ ١ / ١٦ ]
رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي (١)».
فهذه الشهادة التي هي شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هي الأصل الأصيل، وهي الركن الأول من أركان الإسلام، فلا إسلام إلا بهاتين الشهادتين، لو صلى وصام وحج، وصام النهار وقام الليل، وذكر الله كثيرا، ولكنه لا يؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة، لا يؤمن بأن: لا إله إلا الله، بل يرى أنه لا مانع من عبادة الأوثان والأصنام، لا يرى مانعا من عبادة البدوي أو الحسين أو الشيخ عبد القادر أو علي بن أبي طالب، أو غيرهم، إذا اعتقد أنه يجوز هذا؛ يدعوهم من دون الله، يستغيث بهم، ينذر لهم، صار مشركا بالله ﷿، وصار كلامه هذا وعقيدته ناقضة لقول: لا إله إلا الله. وهكذا لو قال: إن محمدا - ﷺ - ليس بخاتم الأنبياء. أو: ليس مرسلا للثقلين بل هو للعرب خاصة. كان كافرا بالله ﷿، فلا بد أن يؤمن بأنه رسول الله إلى جميع الثقلين، ولا بد أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء، ليس بعده نبي ولا رسول. هذا هو الأصل الأصيل.
ثم بعد هذا يطالب المسلم بعد هذا بالصلاة، يطالب بالزكاة بالصيام بالحج، ببقية الأوامر، وترك النواهي بعد ما يثبت هذا الأصل، بعد إيمانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في باقي مسند الأنصار، ومن حديث ثوبان ﵁، برقم ٢٧٧٠٣.
[ ١ / ١٧ ]
يعني: إيمانه بأن الله سبحانه هو المعبود الحق، وأن العبادة حقه وحده، وأنه لا يعبد معه سواه؛ لا نبي ولا ملك ولا شجر ولا صنم، ولا غير ذلك. ولا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله، مع التصديق بجميع الأنبياء الماضين، وأنهم أدوا الرسالة، وبلغوها عليهم الصلاة والسلام، مع الإيمان بجميع ما تقدم؛ بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. لا بد من هذا وهذا، ولا بد مع هذا كله من التصديق بما أخبر الله به ورسوله عما كان وما يكون، فالله صادق في خبره، ورسوله صادق ﵊. فمن كذب الله أو كذب الرسول - ﷺ - كفر، ولو صلى وصام، نسأل الله للجميع الهداية.
***
[ ١ / ١٨ ]