س: سماحة الشيخ بينوا لنا كيف كانت عقيدة أصحاب رسول الله - ﷺ - في صفات الله ﷾، وفي توحيد الله، وفي القرآن، وفي البعث والجزاء؟ جزاكم الله خيرا؟ (١).
ج: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه! أما بعد: هذا سؤال عظيم جدير بالعناية. عقيدة أصحاب النبي - ﷺ - في أسماء الله وصفاته، وفي البعث والنشور، وفي غير ذلك - هي ما دل عليه القرآن العظيم والسنة المطهرة الصحيحة عن رسول الله ﷺ.
فهم - ﵃ - تلقوا عن نبيهم العقيدة التي دل عليها القرآن العظيم، وهي الإيمان بالله أنه ربهم ومعبودهم الحق ﷾ الذي لا تجب العبادة إلا له ﷾. هو الذي يصلى له، ويدعى ويستغاث به، وينذر له، ويصلى له ويسجد ويذبح له، إلى غير ذلك، العبادة حقه ﷾. فعقيدتهم أن العبادة حق الله وحده، وأنه لا يصرف منها شيء إلى غير الله، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل.
وقد كانوا في الجاهلية يعبدون الأصنام، ويدعونها ويستغيثون بها، والأشجار والأحجار. فلما بعث الله نبيه محمدا - ﷺ - هداهم للإسلام وعرفوا أن ما هم عليه هو الباطل، وأنه الشرك الأكبر، وأن العبادات كلها يجب أن تكون لله وحده.
_________________
(١) السؤال الأول من الشريط رقم (٣٨٠)
[ ١ / ١١٤ ]
وعقيدتهم في أسماء الله وصفاته الإيمان بها، وإمرارها كما جاءت وعدم التكييف والتمثيل، فهم يؤمنون بأن الله هو السميع البصير، الحكيم العليم، الرحمن الرحيم، وأنه على العرش استوى فوق جميع الخلق، وأنه العلي العظيم ﷾.
وأنه الحي القيوم، وأنه المتصرف في عباده كيف يشاء، مدبر الأمور وخالق الخلق، ورازق العباد. لا شبيه له ولا مثل له ولا كفء له ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤)، ويقول سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥).
فهذه عقيدة أصحاب النبي - ﷺ - في أسماء الله وصفاته، يؤمنون بأنه سبحانه فوق العرش فوق جميع الخلق، وأنه العلي العظيم، وأن الأعمال الصالحة ترفع إليه، كما قال جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٦)، وقال جل وعلا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٧). والعروج: الصعود من أسفل إلى أعلى.
وقال جل وعلا: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٩). .
_________________
(١) سورة الإخلاص الآية ١
(٢) سورة الإخلاص الآية ٢
(٣) سورة الإخلاص الآية ٣
(٤) سورة الإخلاص الآية ٤
(٥) سورة الشورى الآية ١١
(٦) سورة فاطر الآية ١٠
(٧) سورة المعارج الآية ٤
(٨) سورة غافر الآية ١٢
(٩) سورة البقرة الآية ٢٥٥
[ ١ / ١١٥ ]
وقال سبحانه في حق عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١)، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٢). .
فهو فوق العرش، فوق جميع الخلق، فهو العلي الأعلى، هو ذو العرش، كما قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (٣). فهو فوق العرش، فوق جميع الخلق، قد استوى عليه. والاستواء هو العلو والارتفاع فوق العرش، استواء يليق بجلال الله، لا يشابه خلقه في استوائهم، ولا في كلامهم، ولا في غير ذلك، فهو ﷾ العلي الأعلى، فوق العرش بلا كيف.
أهل السنة والجماعة، وهم أصحاب النبي وأتباعهم - لا يكيفون، لا يقولون: استوى، كيف استوى؟ بل يقولون: استوى على العرش بلا كيف، على الكيف الذي يعلمه سبحانه، لا نعلم كيفية صفاته جل وعلا، بل نقول: استوى بلا كيف، وهو الرحمن الرحيم، وهو العزيز الحكيم، وهو السميع البصير، بلا كيف.
لكن نعلم يقينا أن صفاته كاملة، وأنه لا شبيه له ولا مثل له، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤)، فلا يجوز لأحد أن يكيفها ولا أن يمثلها، فالمشبهة كفار، من شبه الله بخلقه فقد كفر، وكذب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) ومن عطل صفاته وأنكرها كالجهمية كفر، أو عطل معانيها كالمعتزلة كفر. فالواجب إثبات أسمائه وصفاته لفظها ومعناها، يجب
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٥٥
(٢) سورة النساء الآية ١٥٨
(٣) سورة غافر الآية ١٥
(٤) سورة الشورى الآية ١١
(٥) سورة الشورى الآية ١١
[ ١ / ١١٦ ]
إثبات الأسماء والصفات لفظا ومعنى لله ﷿، فهو موصوف بها.
وهو ﷾ له معناها، فهو العلي له العلو، رحمن له الرحمة، سميع يسمع، بصير يبصر، إلى غير ذلك. كله حق، على وجه لا شبيه له في ذلك، ولا كفء له، ولا ند له ﷾.
وكلام الله منزل غير مخلوق، تكلم بالقرآن، وكلامه منزل غير مخلوق، وهكذا كلم موسى، كلم محمدا - ﷺ -. يكلم الملائكة، كلامه حق. يسمع، ليس كمثله شيء. كلامه نقول فيه كسائر الصفات: كلام صحيح حقيقي، لا يشبه كلام المخلوقين، صفة من صفاته كالسمع والبصر، والرضا والغضب والرحمة، وغير ذلك من صفاته جل وعلا.
فالواجب على جميع المكلفين الإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومن دون زيادة أو نقص، بل يجب إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله.
هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وعقيدة الصحابة ﵃ وأرضاهم. وأما الذين غيروا وبدلوا فليسوا من الصحابة في شيء، وليسوا من أهل السنة في شيء كالجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم.
أهل السنة والجماعة يؤمنون بالله ﷾، واحد لا شريك له، ويعتقدون معنى قول: لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، فهم يؤمنون بأنه سبحانه المعبود الحق، وأنه لا إله غيره، ولا شريك له، ويؤمنون بأنه سبحانه ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأن أسماءه كلها حسنى، وأن صفاته كلها علا.
لا يشبهه شيء
[ ١ / ١١٧ ]
من خلقه ﷾ في شيء من صفاته، والواجب على جميع المكلفين الإيمان بذلك، والسير على منهج الصحابة ﵃ وأرضاهم. وهو توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأنه يستحق العبادة والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنها حق، وأنه سبحانه لا شبيه له، ولا مثل له ولا كفء له. ولا يقاس بخلقه ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، ﷾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٣). .
هذا هو دين الله، هذا هو الحق الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
_________________
(١) سورة الشورى الآية ١١
(٢) سورة الإخلاص الآية ٤
(٣) سورة النحل الآية ٧٤
[ ١ / ١١٨ ]