س: تسأل السائلة وتقول: هل هناك دليل على أن الرسول ﷺ رأى الله ﷿؟ وهل هناك دليل على رؤية الناس يوم القيامة للرسول ﷺ؟ (١).
_________________
(١) السؤال الحادي عشر من الشريط رقم (٢٠٧).
[ ١ / ١٦٠ ]
ج: أما في الدنيا فلم ير ربه - ﵊، وقد طلب موسى أن يرى ربه فقال. ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ (١)، وقال نبينا محمد ﵊: «واعلموا أنه لن يرى أحدكم ربه حتى يموت (٢)»، والنبي ﷺ لم ير ربه، سئل عن هذا، قال لما سأله أبو ذر، قال «يا رسول الله: هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نورا (٣)»، وفي لفظ قال: «نور أنى أراه (٤)»، رواهما مسلم في الصحيح.
فبين لنا أنه لن يرى أحد منا ربه حتى يموت، فعلم بهذا أنه لا يرى في الدنيا ﷾، وإنما يرى في الآخرة، قد يرى في النوم كما أخبر به النبي ﷺ، لكن لا يرى بالعين في اليقظة إلا في الآخرة، فقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ أن الله يرى في الآخرة، يراه المؤمنون في القيامة، ويراه أهل الجنة في الجنة، وهذا إجماع أهل السنة والجماعة، وقد أنكر ذلك بعض أهل البدع، وقالوا: إنه لا يرى
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٤٣
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة. باب ذكر ابن صياد، برقم ٢٩٣١.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "، برقم ١٧٨.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "، برقم ١٧٨، والإمام أحمد في مسنده، مسند الأنصار ﵃، حديث أبي ذر الغفاري ﵁، برقم ٢٠٩٨٧.
[ ١ / ١٦١ ]
حتى في الآخرة، وهذا قول باطل، بل من عرف الأحاديث الصحيحة المتواترة عرف أنه حق، أنه يرى في الآخرة ويرى في الجنة، يراه المؤمنون، وأن من أنكر ذلك فقد كذب الرسول ﷺ، فالرسول ﷺ أخبرنا أننا نرى ربنا، قال في بعض الروايات في الصحيحين ﵊: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب (١)» فأخبر ﷺ أنه يرى جل وعلا رؤية واضحة ظاهرة، يراه المؤمنون في القيامة، ويراه المؤمنون في الجنة كما يرى القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يعني لا يزاحمون في رؤيته ولا يتضامون أيضا ولا يشكون برؤيته ﷾، هكذا أخبر ﷺ، بل جاءت به الأخبار عن رسول الله المتواترة، اليقينية عن رسول الله ﷺ، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، كلهم أجمعوا على أن الله سبحانه - يرى في الآخرة، ويراه أهل الجنة، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢) يعني: الكفار، لا يرونه في القيامة محجوبون عنه، وأما المؤمنون فيرونه في القيامة ويرونه في الجنة كما يشاء ﷾، هذا هو قول أهل الحق وهو قول أهل السنة والجماعة، وقد ذهب جمع من أهل العلم على أن من أنكر ذلك فهو كافر، ذهب جمع من أهل السنة والجماعة على من أنكر رؤية الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم ١٨٣.
(٢) سورة المطففين الآية ١٥
[ ١ / ١٦٢ ]
في الجنة وفي القيامة يكون كافرا، لأنه مكذب للرسول ﷺ فيما صح عنه ﵊ من الأحاديث المتواترة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﵊، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم وسائر المسلمين ممن يراه، ومن يفوز بذلك يوم القيامة وفي دار الكرامة، ونسأل الله العافية من طاعة الهوى والشيطان.
س: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج، علما أني سمعت رجلا يقول في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١) ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٢) ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (٣): إن جبريل ﵇ لا يستطيع الوصول إلى هذا المكان، إنما هو الله سبحانه؟ أرشدوني جزاكم الله خيرا (٤).
ج: الصواب أن نبينا محمدا ﷺ لم ير ربه ليلة الإسراء والمعراج، وإنما رأى جبرائيل، هذا هو الصواب، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٥) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٦) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٧) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٨) ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٩) هذا جبرائيل ﵇: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ (١٠) يعني: ذا قوة ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ (١١) يعني: جبرائيل،
_________________
(١) سورة النجم الآية ١٣
(٢) سورة النجم الآية ١٤
(٣) سورة النجم الآية ١٥
(٤) السؤال الرابع من الشريط رقم (١٢٥).
(٥) سورة النجم الآية ١
(٦) سورة النجم الآية ٢
(٧) سورة النجم الآية ٣
(٨) سورة النجم الآية ٤
(٩) سورة النجم الآية ٥
(١٠) سورة النجم الآية ٦
(١١) سورة النجم الآية ٨
[ ١ / ١٦٣ ]
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ (١) ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢) يعني: من محمد ﵊، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ (٣) يعني: أوحى جبرائيل إلى عبد الله، هو محمد ﵊ يعني معروفا من السياق، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٤) ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٥) ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٦) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٧) ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٨) كل هذا في جبرائيل هذا هو الصواب، إنه السياق كله في جبرائيل لا في حق الله ﷿، هذا هو الحق، وقد وقع في رواية شريك بن عبد الله بعض الأغلاط، وذكر ما يدل على أنه الله ﷾، ولكن أهل الحق من أئمة الحديث غلطوا شريكا في ذلك، فالصواب أن الآية في جبرائيل، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٩) ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (١٠) هذا جبرائيل ﵊، وكان رآه مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، رآه في مكة ورآه عند السدرة، وله ستمائة جناح، كل جناح منها مد البصر، وهذا من آيات الله العظيمة ﷾، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁، قال: «سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ فقال ﵊: رأيت نورا (١١)» وفي لفظ آخر «نور أنى أراه (١٢)» فبين ﵊ أنه لم ير ربه وإنما رأى نورا، سئلت عائشة
_________________
(١) سورة النجم الآية ٨
(٢) سورة النجم الآية ٩
(٣) سورة النجم الآية ١٠
(٤) سورة النجم الآية ١٠
(٥) سورة النجم الآية ١١
(٦) سورة النجم الآية ١٢
(٧) سورة النجم الآية ١٣
(٨) سورة النجم الآية ١٤
(٩) سورة النجم الآية ١٣
(١٠) سورة النجم الآية ١٤
(١١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "، برقم ١٧٨.
(١٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: " نور أنى أراه "، برقم ١٧٨، والإمام أحمد في مسنده، مسند الأنصار ﵃، حديث أبي ذر الغفاري ﵁، برقم ٢٠٩٨٧.
[ ١ / ١٦٤ ]
عن ذلك؛ فأفادت أنه لم ير ربه، وتلت قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١) يعني: في الدنيا أما في الآخرة فيراه النبي ﷺ، والمؤمنون يرونه يوم القيامة، ويرونه في الجنة كما يشاء، ﷾، هذا بإجماع أهل السنة والجماعة، المؤمنون يرونه يوم القيامة في عرصات القيامة، ويرونه في الجنة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﵊، أنه قال للصحابة: «هل تضارون في رؤية الشمس صحوا من دون سحاب؟، قالوا: لا. قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم سترون ربكم كذلك، ترونه كما ترون هذه الشمس وهذا القمر (٢)» يعني: رؤية حقيقية. هذا واضح في مسألة الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا، يوم القيامة وفي دار الكرامة كما ترى الشمس، وكما يرى القمر وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي، ربنا لا شبيه له ﷾، ليس كمثله شيء ﷾، ولكن الرسول ﷺ شبه الرؤية في وضوحها، وإنها يقين كرؤية الشمس والقمر، يعني: أنها رؤية واضحة ثابتة، يقينية لا شبه فيها.
أما المرئي سبحانه فليس له شبيه، ولا نظير، جل وعلا. وهذا هو قول أهل الحق، قول أهل السنة والجماعة، وقد ثبت هذا في الصحيحين، من حديث أبي هريرة وحديث جرير بن عبد الله البجلي،
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١٠٣
(٢) البخاري الرقاق (٦٢٠٤)، مسلم الإيمان (١٨٣)، أحمد (٢/ ٢٧٦).
[ ١ / ١٦٥ ]
ومن أحاديث أخرى كثيرة متواترة، عن رسول الله ﵊، في إثبات رؤية الله جل وعلا، المؤمنون يرونه يوم القيامة، ويرونه أيضا في الجنة، أما الكفار فإنهم محجوبون عن الله ﷿، كما أخبر بهذا سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢) فهم محجوبون عن رؤية الله ﷿، لا يرونه أما أهل الإيمان فيرونه، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٣) وجوه ناضرة يعني من البهاء والحسن، ناضرة من النضارة من البهاء والحسن والجمال، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤)، تنظر إليه ﷾ كما يشاء، فضلا منه وإحسانا ﷾، وكما قال ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٥) المعنى للذين أحسنوا في الدنيا الحسنى في الآخرة، وهي الجنة وزيادة وهي النظر إلى ربنا ﷾، فالواجب على كل مؤمن وكل مؤمنة أن يعتقد ذلك، وأن يؤمن بذلك وأن يبرأ إلى الله من طريقة أهل البدع، الذين أنكروا الرؤية ونفوها كالجهمية والمعتزلة، ومن سار في ركابهم، هذا القول من أبطل الباطل، وأضل الضلال، وجحدان لما بينه الله في كتابه، وبينه رسوله ﵊.
_________________
(١) سورة المطففين الآية ١٤
(٢) سورة المطففين الآية ١٥
(٣) سورة القيامة الآية ٢٢
(٤) سورة القيامة الآية ٢٣
(٥) سورة يونس الآية ٢٦
[ ١ / ١٦٦ ]
نسأل الله أن لا يحجبنا عن رؤيته، وأن يوفقنا وجميع إخواننا المؤمنين لرؤيته ﷾، والتنعم بذلك في القيامة وفي دار الكرامة؛ إنه جل وعلا جواد كريم، ونسأل الله العافية من هذه البدع، الذين حرموا هذا الخير، وحرموا هذا التوفيق، نسأل الله العافية. وحرموا أن يقروا بالحق الذي أقر به المؤمنون، وهم جديرون بأن يمنعوا من هذا يوم القيامة؛ لجحدهم إياه، نسأل الله العافية.
[ ١ / ١٦٧ ]