س: سائلة تقول: إنني ولله الحمد أقوم الليل إلا أنني أوتر بعد سنة العشاء، وذلك خوفا من أن يقبض الله روحي، قبل أدائها وخوفا من أن يغلبني النوم، فلا أستطيع أداءها، فبماذا تنصحونني وهل ما أنا عليه صحيح؟ (١)
ج: قيام الليل من أفضل القربات، ومن صفات عباد الرحمن الأخيار، ومن صفات المتقين الأبرار: قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٢) ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ (٣) ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٤) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٥)، وقال سبحانه في صفة
_________________
(١) السؤال الأول من الشريط رقم (٢٦٦).
(٢) سورة الذاريات الآية ١٥
(٣) سورة الذاريات الآية ١٦
(٤) سورة الذاريات الآية ١٧
(٥) سورة الذاريات الآية ١٨
[ ١٠ / ٧١ ]
عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (١) فأنت على خير، فنوصيك بالثبات، وسؤال الله القبول، وعليك بالاستقامة، ولكن الأفضل لك أن تجعلي الوتر آخر الليل، ما دمت تقومين آخر الليل، فاجعلي الوتر آخر الليل، وأحسني الظن بالله، وأبشري بالخير، ما دمت قد اعتدت هذا الخير، تقومين آخر الليل، فاجعلي وترك آخر الليل، لقول النبي ﷺ، في الحديث الصحيح: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل (٢)» بين ﷺ أن صلاة آخر الليل مشهودة، وأنها أفضل من أول الليل، وأنت بحمد الله تطمعين أن تقومي، قد اعتدت القيام، فأخري الوتر في آخر الليل، وإذا غلبك النوم صلي في النهار ما يقابل ذلك، شفعا دون وتر، كما كان النبي يفعل ﷺ، «كان إذا غلبه النوم، أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وكانت عادته ﷺ، غالبا إحدى عشرة ركعة، فإذا شغله نوم أو مرض، زاد واحدة
_________________
(١) سورة الفرقان الآية ٦٤
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، برقم (٧٥٥).
[ ١٠ / ٧٢ ]
صلى ثنتي عشرة ركعة (١)» هكذا روت عائشة ﵂ في صحيح مسلم، والمؤمن يجب أن يكون حسن الظن بالله ﷾، فعليك أن تحسني الظن بالله، والاجتهاد في الخير، وأن تكون صلاتك آخر الليل مع الوتر لهذا الحديث الصحيح، ولقوله ﷺ، في الحديث الصحيح: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ (٢)» هذا الحديث العظيم، متواتر عن النبي ﷺ، وهو يدل على فضل آخر الليل، وأن العبادة فيه لها فضل عظيم، وأن دعاء العبد حري بالاستجابة، وهكذا توبته واستغفاره، وهذا النزول نزول يليق بالله جل وعلا، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته، ﷾ فهو في نزوله كسائر صفاته، كالاستواء والكلام والغصب، والرضا، وغير ذلك كلها صفات تليق بالله لا يشابه فيها خلقه ﷾، فكما قال السلف في الاستواء: إنه اللائق بالله، فهكذا النزول، وهكذا بقية الصفات، يقول جل وعلا:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، برقم (٧٤٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، برقم (١١٤٥)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، برقم (٧٥٨).
[ ١٠ / ٧٣ ]
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) سئل مالك إمام دار الهجرة في زمانه، ﵀، قيل له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب وهكذا روي عن أمة سلمة أم المؤمنين، وعن ربيعة شيخ مالك، أنهم قالوا هذا المعنى، الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وهكذا النزول معروف، والكيف مجهول، ينزل كيف يشاء ﷾ نزولا يليق بجلاله، ولا يشابه خلقه في صفاته سبحانه، وهكذا يتكلم إذا شاء كما يليق بجلاله، ويغضب إذا شاء على أهل المعصية والكفر به غضبا يليق بجلاله، لا يشابه غضب المخلوقين، وهكذا رضاه، وهكذا سائر صفاته، ﷾ كلها يجب أن تمر كما جاءت، مع الإيمان بها، واعتقاد
_________________
(١) سورة طه الآية ٥
(٢) سورة طه الآية ٥
[ ١٠ / ٧٤ ]
أنها حق، وأنها تليق بالله، لا يشابه فيها خلقه، ولا يعلم كيفيتها إلا هو ﷾.
[ ١٠ / ٧٥ ]