س: أطلب من سماحة الشيخ الحديث عن صلاة الليل، وعن صفة الصلاة، ولا سيما أنه قد قرأ كثيرا من الأوصاف عن هذه الصلاة (١)
ج: صلاة الليل قربة عظيمة، يقول النبي ﷺ: «أفضل
_________________
(١) السؤال الرابع من الشريط رقم (٩٥).
[ ١٠ / ١٦ ]
الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل (١)» وصلاة الليل لها شأن عظيم، قال الله جل وعلا في وصف عباده المؤمنين عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٢) وقال سبحانه في وصف المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال الله لنبيه ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (٥) ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٦) ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ (٧) الآية، وقال ﷾: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٨) ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩)، فصلاة الليل لها شأن عظيم، والأفضل فيها أن تكون مثنى مثنى، يقول النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى (١٠)» فيصلي ما تيسر له ثنتين ثنتين، ثم يوتر
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم، برقم (١١٦٣).
(٢) سورة الفرقان الآية ٦٤
(٣) سورة الذاريات الآية ١٧
(٤) سورة الذاريات الآية ١٨
(٥) سورة المزمل الآية ١
(٦) سورة المزمل الآية ٢
(٧) سورة المزمل الآية ٣
(٨) سورة السجدة الآية ١٦
(٩) سورة السجدة الآية ١٧
(١٠) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الحلق والجلوس في المسجد، برقم (٤٧٢)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى، برقم (٧٤٩).
[ ١٠ / ١٧ ]
بواحدة، وأفضلها في آخر الليل؛ الثلث الأخير، وإن صلى في أول الليل قبل أن ينام؛ لئلا يغلب عليه النوم آخر الليل، واحتاط في ذلك فلا بأس، هو أعلم بنفسه، إن قدر في آخر الليل فهو أفضل، وإن لم يتيسر له ذلك أوتر في أول الليل وأقله واحدة، أقل الإيتار في الليل واحدة بعد صلاة العشاء، وسنتها الراتبة، فإن أوتر بثلاث فالأفضل له أن يسلم من ثنتين، ثم يوتر بواحدة، وهكذا إذا أوتر بخمس يسلم من أربع من كل ثنتين، ثم يوتر بواحدة، وهكذا، «وكان النبي ﷺ في الغالب يوتر بإحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ثم يوتر بواحدة (١)» «وربما أوتر بثلاث عشرة، ويسلم من كل ثنتين ويوتر بواحدة (٢)» والأمر في هذا واسع والحمد لله، وليس فيه حد محدود، فلو أوتر بعشرين، أو
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوتر، برقم (٩٩٤)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ، برقم (٧٣٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، برقم (١١٦٤)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (٧٦٥).
[ ١٠ / ١٨ ]
بثلاثين أو بأربعين يسلم من كل ثنتين، ثم أوتر بواحدة، كل هذا لا بأس به، ولكن يراعي في هذا الطمأنينة وعدم العجلة والنقر، يطمئن في صلاته ويخشع فيها ولا يعجل، خمس ركعات أو سبع ركعات مع الطمأنينة والعناية أفضل من تسع أو إحدى عشرة مع العجلة، والسنة أن يداوم عليها دائما، سواء في أول الليل أو في وسط الليل، أو في آخر الليل، والأفضل آخر الليل إذا تيسر، يقول ﷺ: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل (١)» رواه مسلم في الصحيح، هذا هو الأفضل إذا تيسر، ويقول ﷺ في الحديث الصحيح: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ (٢)» متفق على صحته،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، برقم (٧٥٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، برقم (١١٤٥)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، برقم (٧٥٨).
[ ١٠ / ١٩ ]
هذا حديث عظيم، يدل على أن آخر الليل أفضل؛ لأنه وقت التنزل الإلهي، وهو نزول يليق بالله لا يشابهه خلقه سبحانه، مثل الاستواء والغضب والرضا والرحمة، كلها تليق بالله لا يشابهه خلقه ﷾، ينزل نزولا يليق بجلاله لا يشابهه نزول خلقه، ولا يعلم كيفيته إلا هو ﷾، وهكذا قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، وقوله جل وعلا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، وما أشبه ذلك، كلها صفات تليق بالله، لا يشابه خلقه في غضبهم، ولا في استوائهم ولا في نزولهم، ولا في رحمتهم، إلى غير ذلك من صفات الله، كلها تليق بالله، يجب إثباتها لله على الوجه اللائق بالله ﷾، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وإذا أراد أن يكون قيام الليل له عادة معلومة يستمر على العدد الذي يستطيعه؛ على ثلاث، على خمس، على سبع، وإذا زاد بعض الأحيان عند النشاط فلا بأس، لكن يعتاد عددا معلوما يداوم عليه؛ لقول النبي ﷺ
_________________
(١) سورة طه الآية ٥
(٢) سورة المائدة الآية ١١٩
(٣) سورة المجادلة الآية ١٤
[ ١٠ / ٢٠ ]
«أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل (١)» فالعمل الدائم أفضل، فإذا زاد في بعض الأحيان عند النشاط فهذا ينفعه، ولا يضره.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصر ونحوه، برقم (٥٨٦٢)، ومسلم في كتاب الصيام، باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان واستحباب ألا يخلي شهرا عن صوم، برقم (١٩٥٨) واللفظ له.
[ ١٠ / ٢١ ]