س٦٩: يقول الأخ السائل: بعض المسلمين يعتقدون أن للأولياء تصرفات تضر وتنفع وتجلب المنافع وتدفع البلاء، بينما هم ينتمون إلى الإسلام، ويؤدون شعائر الإسلام كالصلاة وغيرها، فهل تصح الصلاة خلف إمامهم؟ وهل يجوز الاستغفار لهم بعد موتهم؟ أفيدونا مشكورين؟
الجواب: هذا قول من أقبح الأقوال، وهذا من الكفر والشرك بالله ﷿؛ لأن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يجلبون منافع ولا يدفعون مضار إذا كانوا أمواتا، إذا صح أن يسموا أولياء لأنهم معروفون بالعبادة والصلاح، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، بل النافع الضار هو الله وحده، فهو الذي يجلب النفع للعباد وهو الذي يدفع عنهم الضر، كما قال الله جل وعلا للنبي ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (١) [الأعراف: ١٨٨]، فهو النافع الضار ﷾.
قال ﷾ في المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) [يونس: ١٨]، فالله جل وعلا هو النافع الضار، وجميع الخلق لا ينفعون ولا يضرون.
أما الأموات فظاهر؛ لأنه قد انقطعت حركاتهم وذهبت حياتهم، فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم، ولا يضرون لأنهم فقدوا الحياة وفقدوا القدرة على التصرف، وهكذا في الحياة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله،
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٨٨
(٢) سورة يونس الآية ١٨
[ ١٤٣ ]
ومن زعم أنهم مستقلون بالنفع والضر وهم أحياء كفر أيضا، بل النافع الضار هو الله وحده ﷾، ولهذا لا تجوز عبادتهم، ولا دعاؤهم، ولا الاستغاثة بهم، ولا النذر لهم، ولا طلب المدد منهم.
ومن هذا يعلم كل ذي بصيرة أن ما يفعله الناس عند قبر البدوي، أو عند قبر الحسين، أو عند قبر موسى كاظم، أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو ما أشبه ذلك، من طلب المدد والغوث أنه من الكفر بالله، ومن الشرك بالله ﷾، فيجب الحذر من ذلك، والتوبة من ذلك، والتواصي بترك ذلك. ولا يصلى خلف هؤلاء لأنهم مشركون، وعملهم هذا شرك أكبر، فلا يصلى خلفهم، ولا يصلى على ميتهم؛ لأنهم عملوا الشرك الأكبر الذي كانت عليه الجاهلية في عهد النبي ﷺ، كأبي جهل وأشباهه من كفار مكة، وعليه كفار العرب؛ وهو دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو بالأشجار والأحجار وهذا هو عين الشرك بالله ﷿، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) [الأنعام: ٨٨] .
والواجب على أهل العلم أن يبينوا لهم، وأن يوضحوا لهم الحق، وأن يرشدوهم إلى الصواب، وأن يحذروهم من هذا الشرك بالله، فيجب على العلماء في كل مكان في مصر والشام، والعراق، ومكة، والمدينة، وسائر البلاد، أن يرشدوا الناس، ولاسيما عند وجود الحجاج، فيجب أن يرشدوا، وأن يبينوا لهم هذا الأمر العظيم، والخطر الكبير؛ لأن بعض الناس قد وقع فيه في بلاده، فيجب أن يبين لهم توحيد الله، ومعنى لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ٨٨
[ ١٤٤ ]
الشرك وتنفي العبادة لغير الله، وتوجب العبادة لله وحده، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) [الإسراء: ٢٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) [البينة: ٥]، ومعنى قوله جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤) [الزمر: ٢، ٣]، وقوله سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) [غافر: ١٤] .
فالواجب توجيه العباد إلى الخير، وإرشادهم إلى توحيد الله، وأن الواجب على كل إنسان أن يعبد الله وحده، ويخصه بالعبادة؛ من دعاء، ورجاء، وتوكل وطلب الغوث، وصلاة، وصيام، إلى غير ذلك، كله لله وحده، ولا يجوز أبدا فعل شيء من ذلك لغير الله ﷾، سواء كان نبيا أو وليا أو غير ذلك.
فالنبي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، ولكن يجب أن يتبع ويطاع في الحق ويحب المحبة الصادقة، ونبينا ﷺ أفضل الأنبياء وأشرفهم ومع ذلك لا يدعى من دون الله، ولا يستغاث به، ولا يسجد له، ولا يصلى له، ولا يطلب منه المدد، ولكن يتبع، ويصلى ويسلم عليه، ويجب أن يكون أحب إلينا من أنفسنا، وأموالنا وآبائنا وأولادنا، وغيرهم، كما قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٦) .
لكن هذه المحبة لا توجب أن نشرك به، ولا تسوغ لنا أن ندعوه من دون الله، أو نستغيث به، أو نسأله المدد، أو الشفاء. ولكن نحبه المحبة الصادقة لأنه رسول الله إلينا، ولأنه أفضل
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٢) سورة البينة الآية ٥
(٣) سورة الزمر الآية ٢
(٤) سورة الزمر الآية ٣
(٥) سورة غافر الآية ١٤
(٦) صحيح البخاري الإيمان (١٥)،صحيح مسلم الإيمان (٤٤)،سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٥٠١٣)،سنن ابن ماجه المقدمة (٦٧)،مسند أحمد بن حنبل (٣/٢٧٨)،سنن الدارمي الرقاق (٢٧٤١) .
[ ١٤٥ ]
الخلق، ولأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، نحبه في الله محبة صادقة فوق محبة الناس والمال والولد، ولكن لا نعبده مع الله. وهكذا الأولياء نحبهم في الله، ونترحم عليهم من العلماء والعباد، ولكن لا ندعوهم مع الله، ولا نستغيث بهم، ولا نطوف بقبورهم، ولا نطلب منهم المدد، كل هذا شرك بالله ولا يجوز.
والطواف بالكعبة لله وحده، فالطواف بالقبر من أجل طلب الفائدة من الميت، وطلب المدد، وطلب الشفاء وطلب النصر على الأعداء كل هذا من الشرك بالله ﷿. فالواجب الحذر منه غاية الحذر.
ومن وسائل الشرك بهم البناء على قبورهم، واتخاذ المساجد والقباب عليها، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) متفق على صحته، وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» (٢) وفي صحيح مسلم أيضا عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٣) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
_________________
(١) صحيح البخاري الجنائز (١٣٢٤)،صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (٥٣١)،سنن النسائي المساجد (٧٠٣)،مسند أحمد بن حنبل (٦/١٢١)،سنن الدارمي الصلاة (١٤٠٣) .
(٢) صحيح مسلم الجنائز (٩٧٠)،سنن الترمذي الجنائز (١٠٥٢)،سنن النسائي الجنائز (٢٠٢٧)،سنن أبو داود الجنائز (٣٢٢٥)،سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (١٥٦٣)،مسند أحمد بن حنبل (٣/٣٣٩) .
(٣) صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (٥٣٢) .
[ ١٤٦ ]