س٧٤: سائل يقول: قبل ثلاث سنوات نذرت لوجه الله تعالى نذرا؛ فقلت: علي نذر أن أضع دينارا عراقيا كل شهر في قبر النبي يونس ﵇،
[ ١٥٧ ]
مع العلم أن المبالغ التي توضع في القبر تؤخذ. فهل هذا النذر صحيح وجائز وأستمر على تنفيذه أم أتوقف أم أعطيه للفقراء كل شهر؟ وما الحكم إذا توقفت عن وضعه وعدم إعطائه للفقراء؛ وما هي كفارة ذلك؟ أفيدوني أثابكم الله.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد. . .
فقد أجمع أهل العلم على أن النذر لا يجوز لغير الله كائنا من كان؛ لأنه عبادة وقربة إلى الله ﷾، والناذر يعظم المنذور له بهذا النذر، والنذر للأموات من الأنبياء وغير الأنبياء شرك أكبر، فإذا نذر أن يقدم دراهم أو دنانير أو أطعمة أو زيتا أو غير ذلك للقبور أو للأصنام أو غيرها من المعبودات من دون الله، فإنه يكون نذرا باطلا، ويكون شركا أكبر.
فالواجب عليك في هذا أن تدع هذا العمل؛ لأن نذرك باطل، وعليك التوبة إلى الله ﷾، فإن تقديم النذر إلى قبر النبي يونس ﵊ مقصوده القربى، أي التقرب إليه بهذا النذر، وطلب الزلفى لديه، أو الشفاعة منه إلى الله في شفاء المرضى، أو كذا أو كذا، وهذا كله باطل، ولا يجوز النذر إلا لله وحده ﷾.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (١) خرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂، والله يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٧٠] .
_________________
(١) صحيح البخاري الأيمان والنذور (٦٣١٨)،سنن الترمذي النذور والأيمان (١٥٢٦)،سنن النسائي الأيمان والنذور (٣٨٠٧)،سنن أبو داود الأيمان والنذور (٣٢٨٩)،سنن ابن ماجه الكفارات (٢١٢٦)،مسند أحمد بن حنبل (٦/٣٦)،موطأ مالك النذور والأيمان (١٠٣١)،سنن الدارمي النذور والأيمان (٢٣٣٨) .
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٠
[ ١٥٨ ]
فالنذر الشرعي مدح الله الموفين به، كالنذر بأن تصلي أو تصوم أو تتصدق لله فهذا نذر شرعي، قال ﷾: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (١) [الإنسان: ٧]، مدح المؤمنين بهذا الوفاء. أما النذور التي للقبور والأشجار والأحجار أو للأصنام أو للكواكب أو للجن أو للأنبياء أو للأولياء، فكلها نذور باطلة؛ لأنها عبادة، والعبادة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) [الإسراء: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) [البينة: ٥] وقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) [الذاريات: ٥٦] وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) [الفاتحة: ٥]
فبادر بالتوبة إلى الله، واستغفر الله ﷾، واحفظ مالك ولا تقدمه إلا في شيء يرضي الله كالصدقة على الفقراء والمساكين، وصلة الرحم، وتعمير المساجد ودورات المياه حولها، ونحو ذلك مما ينفع المسلمين.
أما النذور للقبور أو للجن، أو للأصنام أو للأشجار والأحجار، أو للكواكب، كلها نذور باطلة لا يجوز تنفيذها بالكلية، وهي قربة لغير الله، وعبادة لغير الله، وشرك بالله ﷾، رزقنا الله وإياك الهداية والبصيرة، ومن علينا وعليك بالتوبة النصوح، إنه جل وعلا جواد كريم.
_________________
(١) سورة الإنسان الآية ٧
(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣
(٣) سورة البينة الآية ٥
(٤) سورة الذاريات الآية ٥٦
(٥) سورة الفاتحة الآية ٥
[ ١٥٩ ]