س ١٩: سائل يقول: عن عمران بن حصين ﵁ «أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال ما هذا؟ قال من الواهنة فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» (١) وأيضا أسمع أن من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. فما معنى الحلقة، والخيط، والوهن؟ وما هو الشرك؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك
_________________
(١) سنن ابن ماجه الطب (٣٥٣١)،مسند أحمد بن حنبل (٤/٤٤٥) .
[ ٥٤ ]
سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد فهذا الحديث الذي ذكره السائل، وهو حديث عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ﵁ وعن أبيه رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند بإسناد جيد ورواه غيره، «أن رجلا كان في يده حلقة علقها من أجل الواهنة» (١) وهي مرض يأخذ باليد من المنكب فكانت الجاهلية تعلق هذه الحلقة تزعم أنها تنفع من هذا المرض فقال النبي ﷺ لما رآها على هذا الرجل - وفي رواية أنه رآها على عمران نفسه -: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا» (٢) انزعها: يعني أزلها، وقوله: إنها لا تزيدك إلا وهنا يدل على أن العلاجات غير المشروعة لا تزيد صاحبها إلا وهنا، أي إلا مرضا على مرضه وشرا على شره، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا وذلك لأنها نوع من التمائم التي يعلقها الجهلة، وهي نوع من الشرك؛ لأنها تعلق القلوب على غير الله، وتلفتها إلى غير الله، ولهذا أنكرها الشارع ونهى عنها.
ومن هذا الباب قوله ﷺ: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك.» (٣)
والتمائم هي ما يعلق على الأولاد وعلى المرضى من ودع أو طلاسم أو عظام أو غير ذلك مما يعلقه الجهلة يزعمون أنها تشفي المريض، أو أنها تمنعه من الجن، أو من العين، فكل هذا باطل لا يجوز فعله، وهو من الشرك الأصغر، وما ذلك إلا لأنها تعلق القلوب على غير الله وتجعلها في إعراض وغفلة عن الله ﷿.
_________________
(١) سنن ابن ماجه الطب (٣٥٣١)،مسند أحمد بن حنبل (٤/٤٤٥) .
(٢) سنن ابن ماجه الطب (٣٥٣١)،مسند أحمد بن حنبل (٤/٤٤٥) .
(٣) مسند أحمد بن حنبل (٤/١٥٤) .
[ ٥٥ ]
والواجب تعليق القلوب بالله وحده، ورجاء الشفاء منه ﷾ وسؤاله والضراعة إليه بطلب الشفاء، لأنه المالك لكل شيء فهو النافع الضار، وهو الذي بيده الشفاء ﷾، فلهذا شرع الله ﷿ ترك هذه التعاليق، وشرع النهي عنها، حتى تجتمع القلوب على الله، وعلى الإخلاص له سبحانه، والتوكل عليه، وسؤاله الشفاء ﷾ دون كل ما سواه، فلا يجوز للمسلم أن يعلق حلقة من حديد، ولا من صفر، ولا من ذهب، ولا من غير ذلك بقصد الشفاء أو من مرض اليد أو الرجل أو نحو ذلك.
ومن هذه الأسورة الحديدة المعدنية التي يستعملها بعض الناس، فهي من جنس هذا، ويجب منعها، ويقول البعض أنها تمنع من الروماتيزم، وهذا شيء لا وجه له فيجب منعها كالحلقة التي علقها عمران.
وهكذا ما يعلق من عظام، أو من شعر الذئب، أو من ودع، أو من طلاسم أو أشياء مجهولة، كل هذا يجب منعه، وكله داخل في قوله ﷺ: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له» (١)، ولما دخل حذيفة على رجل مريض ووجده قد علق خيطا قال ما هذا؟ قال من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٢) [يوسف: ١٠٦] .
فلا يجوز للمسلم أن يعلق خيوطا، ولا حلقات، ولا تمائم، ولا غير ذلك، بل يجب أن يبتعد عن هذه الأمور التي كانت تعتادها الجاهلية، وأن يلتزم بأمر الإسلام الذي فيه الهدى والنور، والصلاح والإصلاح،
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل (٤/١٥٤) .
(٢) سورة يوسف الآية ١٠٦
[ ٥٦ ]
وفيه العاقبة الحميدة، والله ولي التوفيق.
والشرك شركان: أكبر وأصغر، فالشرك الذي يكون بسبب تعليق التميمة والحلقة شرك أصغر; لأنه يصرف القلوب إلى غير الله، ويعلقها بغير الله، فصار من الشرك من هذه الحيثية، وهو من أسباب الغفلة عن الله، وعدم كمال التوكل عليه ﷾، وصار هذا نوعا من الشرك، ولهذا قال النبي ﷺ: «من تعلق تميمة فقد أشرك» (١) يعني قد صرف شعبة من قلبه لغير الله، والواجب إخلاص العبادة لله وحده، والتعلق عليه ﷾، والواجب التوكل عليه أيضا جل وعلا، وأن يكون قلبك معلقا بالله ترجو رحمته وتخشى عقابه، وتسأله من فضله، وترجو منه الشفاء ﷾.
أما الأدوية العادية المباحة فلا بأس بها، سواء كان الدواء مأكولا أو مشروبا، أو شيئا مباحا من الحبوب أو من الإبر، أو من الضمادات، كل هذا لا بأس به، أما تعليق التمائم، وهي الأشياء المكتوبة في قراطيس أو رقع، أو تعليق قطع من الحديد، أو قطع من الصفر، أو من الذهب، أو من الفضة، أو ما أشبه ذلك، فهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ سماه تميمة.
أما الأدوية المعروفة المباحة من مشروب أو مأكول أو ضماد أو حبوب تؤكل أو إبر تضرب أو ما أشبه ذلك، فهذه كلها إذا عرف أنها تنفع فلا بأس بها، ولا تدخل في هذا الباب كما تقدم.
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل (٤/١٥٦) .
[ ٥٧ ]