س٥٧: قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أخبر أن والديه في النار. والسؤال: ألم يكونا من أهل الفترة والقرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون، إنما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) [الإسراء: ١٥] فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحدا إلا بعد بعث الرسول، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة، أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة. والحجة قد تقوم عليهم حتى يوم القيامة، كما جاء في السنة أنه تقام الحجة على أهل الفترات ويمتحنون يوم القيامة; فمن أجاب وامتثل نجا، ومن عصى دخل النار، والنبي ﷺ قال: «إن أبي وأباك في النار لرجل سأله عن أبيه قال أين أبي فقال في النار فلما رأى ما في وجهه من التغير قال إن أبي وأباك في النار» (٣) حتى يتسلى بذلك، وأنه
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ١٥
(٢) سورة الإسراء الآية ١٥
(٣) صحيح مسلم الإيمان (٢٠٣)،سنن أبو داود السنة (٤٧١٨)،مسند أحمد بن حنبل (٣/١١٩) .
[ ١٢١ ]
ليس خاصا بأبيه، ولعل هذين بلغتهما الحجة، فلعل أبا الرجل وأبا النبي ﷺ بلغتهما الحجة.
والنبي ﷺ حينما قال: «إن أبي وأباك في النار» (١) قاله عن علم، فهو ﵊ لا ينطق عن الهوى، كما قال الله ﷾: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٢) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥) [النجم: ١-٤] . فلولا أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ قد قامت عليه الحجة; لما قال النبي ﷺ في حقه ما قاله، فلعله بلغه ما يوجب عليه الحجة من جهة دين إبراهيم ﵊، فإنهم كانوا على ملة إبراهيم حتى أحدثوا ما أحدثه عمرو بن لحي الخزاعي، وسار في الناس ما أحدثه عمرو، من بث الأصنام ودعوتها من دون الله، فلعل عبد الله كان قد بلغه ما يدل على أن ما عليه قريش من عبادة الأصنام باطل فتابعهم; فلهذا قامت عليه الحجة.
وهكذا ما جاء في الحديث من أنه ﷺ استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، فاستأذن أن يزورها فأذن له، فهو لم يؤذن له أن يستغفر لأمه; فلعله لأنه بلغها ما يقيم عليها الحجة، أو لأن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في أحكام الدنيا، فلا يدعى لهم، ولا يستغفر لهم; لأنهم في ظاهرهم كفار، وظاهرهم مع الكفرة، فيعاملون معاملة الكفرة وأمرهم إلى الله في الآخرة.
فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يمتحن يوم القيامة; لأنه ﷾ قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٦) [الإسراء: ١٥]
_________________
(١) صحيح مسلم الإيمان (٢٠٣)،سنن أبو داود السنة (٤٧١٨)،مسند أحمد بن حنبل (٣/١١٩) .
(٢) سورة النجم الآية ١
(٣) سورة النجم الآية ٢
(٤) سورة النجم الآية ٣
(٥) سورة النجم الآية ٤
(٦) سورة الإسراء الآية ١٥
[ ١٢٢ ]
فإذا علم أن أناسا في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة فإن أجابوا صاروا إلى الجنة وإن عصوا صاروا إلى النار، وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة، والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم، وأطفال الكفار على الصحيح يمتحنون; لأن الرسول ﷺ لما سئل عنهم قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، فإن أجابوا جوابا صحيحا نجوا، وإلا صاروا مع الهالكين، فليس بحمد الله في حق أبوي النبي ﷺ إشكال على من عرف السنة وقاعدة الشرع.
_________________
(١) صحيح البخاري الجنائز (١٣١٧)،صحيح مسلم القدر (٢٦٦٠)،سنن النسائي الجنائز (١٩٥١)،سنن أبو داود السنة (٤٧١١)،مسند أحمد بن حنبل (١/٣٥٨) .
[ ١٢٣ ]