س٥٣: يقول السائل في رسالته: يقول الله تعالى يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (١) [النحل: ٥٦]، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) [النحل: ٩٣]، ولكني وجدت آية في سورة الرحمن تنفي حدوث السؤال للإنس والجن يوم القيامة، يقول المولى فيها: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٣) [الرحمن: ٣٩]، فكيف يمكن الجمع بين هذه الآيات التي تثبت الحساب والأخرى التي تنفي السؤال؟
الجواب: أيها الأخ السائل، اعلم أن يوم القيامة له أحوال وله شئون، وهو يوم طويل، مقداره خمسون ألف سنة، كما قال جل وعلا في كتابه
_________________
(١) سورة النحل الآية ٥٦
(٢) سورة النحل الآية ٩٣
(٣) سورة الرحمن الآية ٣٩
[ ١١٤ ]
العظيم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (٣) ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٤) [المعارج: ٤-٧] .
فهو يوم طويل عظيم، وله شئون وله أحوال، والناس فيه على أحوال، ففي وقت يسألون، وفي وقت لا يسألون، في وقت يسألهم الله عن أعمالهم، كما قال ﷿: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) [الحجر: ٩٢، ٩٣]، فيسألهم ويجازيهم، وتعرض عليهم صحائفهم، وفي وقت آخر من هذا اليوم الطويل لا يسألون، وهكذا ما في قوله جل وعلا عن الكفار أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٧) [الأنعام: ٢٣]، وفي الموضع الآخر قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٨) [النساء: ٤٢]، ولهذا نظائر، فيوم القيامة طويل عظيم، للناس فيه شئون مع ربهم ﷿، فتارة يقرون وتارة يجحدون، وتارة يسألون وتارة لا يسألون، فانتبه لهذا، ولا تشك في شيء من ذلك، فكله حق، والله المستعان.
_________________
(١) سورة المعارج الآية ٤
(٢) سورة المعارج الآية ٥
(٣) سورة المعارج الآية ٦
(٤) سورة المعارج الآية ٧
(٥) سورة الحجر الآية ٩٢
(٦) سورة الحجر الآية ٩٣
(٧) سورة الأنعام الآية ٢٣
(٨) سورة النساء الآية ٤٢
[ ١١٥ ]