س٤٣: سائل يقول: سمعت أحد المذيعين يوم جمعة وكان يتحدث في فضل يوم الجمعة، وقد أورد حديثا يقول: «فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ فقال: إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٢) رواه الخمسة إلا الترمذي.
أليس هذا يتعارض مع الآية الكريمة التي يقول الله فيها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣) [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (٤) [الكهف: ٨]، وأنه لما دخل عليه العباس عمه حينما مات، ومكث ثلاثة أيام قبل أن يدفن، وكان واضعا يديه على أنفه، وقال: عجلوا بدفن صاحبكم، والله إنه ليأسن كما يأسن سائر البشر. وهذا الحديث الذي سمعته موجود في كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخيار، والحديث أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وذكره ابن أبي حاتم في العلل وحكى عن أبيه بأنه حديث منكر; لأن في إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو منكر الحديث، وقال ابن العربي إن الحديث لم يثبت. وأسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه؟
الجواب: الحديث المذكور معروف عند أهل العلم ولا بأس به عند أهل العلم، ولا نكارة في ذلك، فإن الله جل وعلا له أن يخص من شاء من
_________________
(١) سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٨٥) .
(٢) سنن النسائي الجمعة (١٣٧٤)،سنن أبو داود الصلاة (١٠٤٧)،سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (١٦٣٦)،مسند أحمد بن حنبل (٤/٨)،سنن الدارمي الصلاة (١٥٧٢) .
(٣) سورة الكهف الآية ١١٠
(٤) سورة الكهف الآية ٨
[ ٩٣ ]
عباده بما يشاء ﷾، فإذا خص الأنبياء بتحريم أجسادهم على الأرض فلا غرابة في ذلك; لما لهم لديه من الكرامة.
والصلاة والسلام عليه مشروعة مطلقا، ولو فرضنا أن الجسد قد أكلته الأرض كما تأكل أجساد الناس الآخرين، فإن هذا لا يمنع من الصلاة والسلام عليه، ولا يمنع أيضا من تخصيص الجمعة بالإكثار من ذلك لما جاء في الحديث، فإن الصلاة والسلام عليه مشروعان دائما -﵊- في حياته وبعد وفاته ﵊.
وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صل عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
وقال ﵊ كما روى مسلم في الصحيح: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا» (٢) . فالصلاة والسلام عليه أمر مشروع في حياته وبعد وفاته، حال كونه في البرزخ وفي غير ذلك، وهذا أمر مشروع ومعلوم عند الجميع.
أما كون جسده يبقى فهو في هذا الحديث، وسنده لا بأس به عند أهل العلم، أما قول العباس، فلم أعلم إلى يومي هذا صحته ولم أتتبع أسانيده، ولو فرضنا صحة هذا عن العباس فإنه لا ينافيه; فقد يعتري الجسد ما يعتريه ولكنه يسلم ويبقى، ويحرم على الأرض أن تأكله، ويزول ما يعتريه من تغير ورائحة، فإن الله على كل شيء قدير ﷾، فإذا وضع في القبر ففي الإمكان أن تزول هذه الرائحة وهذا التغير، وأن يبقى الجسد سليما طريا، وليس في الشرع ولا في العقل
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٥٦
(٢) صحيح مسلم الصلاة (٣٨٤)،سنن الترمذي المناقب (٣٦١٤)،سنن النسائي الأذان (٦٧٨)،سنن أبو داود الصلاة (٥٢٣)،مسند أحمد بن حنبل (٢/١٦٨) .
[ ٩٤ ]
ما يمنع ذلك.
والمقصود أن الصلاة والسلام عليه مشروعان مطلقا سواء بقي الجسد أم لم يبق الجسد، وكونه تعرض صلاتنا عليه لا يمنع ذلك فناء جسده لو لم يصح الحديث; لأن الروح باقية في الرفيق الأعلى، وهكذا الأرواح باقية عند أهل السنة والجماعة، أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، وروحه ﷺ في أعلى عليين ﵊، وأرواح المؤمنين في طيور تعلق في شجر الجنة كما صح بذلك الحديث، وأرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديل معلقة تحت العرش، وهي في أجواف طير خضر كما جاء في الحديث الشريف.
فالمقصود أن الأرواح باقية وفي الإمكان عرض الصلاة والسلام عليه، ﵊، ولو ذهب الجسد، ولكن حديث «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١) لا بأس به، فالأصل الأخذ به والبقاء عليه، حتى يعلم بالأدلة التي لا شك فيها ما يخالف ذلك.
وقوله ﷺ: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٢) خبر منه ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فمتى سلم الخبر من العلة، وهو عند أهل العلم في ظاهر أسانيده صحيح ولا بأس به، وإذا ثبت أثر العباس، فإن ما قاله العباس لو ثبت ووقع لا يمنع من بقاء الجسد وزوال هذا الأثر كما تقدم.
_________________
(١) سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٨٥) .
(٢) سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٨٥) .
[ ٩٥ ]