س٥٥: يقول السائل: للنبي ﷺ يوم القيامة ثلاث شفاعات، فلمن
[ ١١٦ ]
تجوز الشفاعة الأولى والثانية والثالثة؟
الجواب: له ﵊ ثلاث شفاعات خاصة به ﵊.
إحداها: الشفاعة العظمى في أهل الموقف يوم القيامة، يشفع لهم حتى يقضى بينهم، وهذا هو المقام المحمود الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٩]، هذا هو المقام المحمود الذي يبعثه الله يوم القيامة، وهو أنه يشفع في أهل الموقف ﵊ إلى الله سبحانه ليقضى بينهم في هذا الموقف العظيم، حتى ينصرف كل إلى ما كتب الله له.
أما الشفاعة الثانية: فهي الشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة ; فإنهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته ﵊ فيشفع إلى ربه فيؤذن لهم بدخول الجنة.
الشفاعة الثالثة: خاصة بعمه أبي طالب، يشفع في عمه أبي طالب أن يخفف عنه، قال ﷺ: إنه وجده في غمرات النار فشفع له حتى صار في ضحضاح من النار، فالرسول ﷺ يشفع لعمه أبي طالب فقط في التخفيف لا في الخروج; لأنه مات كافرا، هذا الذي عليه أهل العلم والتحقيق، أنه مات كافرا، أراد النبي ﷺ عند موته أن يقول لا إله إلا الله فأبى وقال: هو على ملة عبد المطلب فمات على الكفر بالله.
فالرسول ﷺ شفع له بأن يكون في ضحضاح من النار، بسبب ما حصل من نصره للنبي ﷺ وتعبه وحمايته له ﵊، ولهذا حرص ﷺ أن يسلم لكن لم يقدر له الإسلام فصار هذا من الآيات
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٧٩
[ ١١٧ ]
الدالة على أنه ﷺ لا يملك هداية أحد، فالهداية بيد الله ﷾، فهو يهدي من يشاء، ولهذا لما مات عمه أبو طالب على الكفر أنزل الله في حقه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [القصص: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) [البقرة: ٢٧٢] .
ولهذا شفع فيه في أن يكون في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه -نسأل الله العافية-، ولقد قال النبي ﷺ: «أهون الناس عذابا يوم القيامة أبو طالب فإنه في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه» (٣) أو كما قال ﵊. وفي لفظ آخر يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة من يكون له نعلان من نار يغلي منهما دماغه» (٤) وهو يرى أنه أشد الناس عذابا وهو أهونهم عذابا.
وهناك شفاعات له أخرى ﷺ ليست مختصة به ﷺ، فهناك شفاعات فيمن دخل النار من أهل التوحيد يخرج منها، ومن لم يدخلها أن لا يدخلها من العصاة; فإن العصاة قسمان:
قسم يعفى عنه قبل دخول النار بالشفاعة أو برحمة الله ﷾، وعفوه جل وعلا.
وقسم يدخل النار بمعاصيهم وسيئاتهم ثم بعد ما يمضي عليهم ما شاء الله في النار يخرجون منها بشفاعة الشفعاء، أو برحمة الله سبحانه المجردة من دون شفاعة أحد; لأنه كتب جل وعلا أنه لا يخلد فيها إلا الكفرة، فالنار لا يخلد فيها إلا الكفار.
_________________
(١) سورة القصص الآية ٥٦
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٢
(٣) صحيح البخاري الرقاق (٦١٩٦)،صحيح مسلم الإيمان (٢١٠)،مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٥) .
(٤) صحيح البخاري الرقاق (٦١٩٤)،صحيح مسلم الإيمان (٢١٣)،سنن الترمذي صفة جهنم (٢٦٠٤)،مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٧١) .
[ ١١٨ ]
أما العصاة إذا دخلوها فإنهم يمكثون فيها ما شاء الله ثم يخرجون، هذا هو الذي عليه أهل الحق; من أهل السنة والجماعة أن العصاة لا يخلدون في النار ولكن يمكث فيها من دخلها منهم ما شاء الله ثم يخرجهم الله من النار إلى نهر يقال له نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في (حميل) السيل.
وهؤلاء الذين يخرجون من النار أقسام:
منهم من يخرج بشفاعة النبي ﷺ، ومنهم من يخرج بشفاعة غيره من الأنبياء، ومنهم من يخرج بشفاعة الملائكة، ومنهم من يخرج بشفاعة المؤمنين والأفراط، ومنهم من يبقى في النار حتى يخرجه الله برحمته، من دون شفاعة أحد، فإذا شفع الشفعاء وانتهى أمرهم يخرج الله من النار من بقي فيها من بقيه أهل التوحيد، الذين ماتوا على بعض السيئات والمعاصي، فيخرجهم سبحانه من النار فضلا منه ورحمة ﷾.
والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) مع ما ثبت من الأحاديث الصحيحة عن ذلك.
_________________
(١) سورة النساء الآية ٤٨
[ ١١٩ ]