فأجاب رحمه الله تعالى: قول السائل: نعلم أنه روي عن النبي ﷺ، الصواب أن يقال: إنه ثبت عن النبي ﷺ؛ لأن قول: روي عن الرسول معناه تضعيف الحديث، والحديث ثابت، وهو أن الرسول ﵊ صلى بأصحابه صلاة الصبح على إثر مطر نزل، فلما أنهى صلاته أقبل عليهم وقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) . من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بالله؛ لأنه اعترف لله بالفضل، وأن هذا المطر من آثار فضله ورحمته ﵎، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يضيف النعم إلى بارئها ومسديها وهو الله ﵎، ولا حرج أن يضيفها إلى سببها الثابت شرعًا أو حسًا إلا أنه إذا أضافها إلى سببها الثابت حسًا أو شرعًا، فإنه لا يضيفها إلى السبب مقرونًا مع الله ﷿ بالواو، وإنما يضيفها إلى سببها مقرونًا مع الله تعالى بثم، أو إلى سببها وحده. فلو أن شخصًا أنقذ غريقًا من غرق فهنا لا يخلو من حالات:
الأولى: أن يقول: أنقذني الله تعالى على يد فلان، وهذا أفضل الأحوال.
الثانية: أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، وهذه جائزة، وهي دون الأولى.
الثالثة: أن يقول: أنقذني فلان، ويعتقد أنه سبب محض، وأن الأمر كله إلى الله ﷿، وهذه جائزة، ويدل لجوازها أن النبي ﷺ لما أخبر عن عمه أبي طالب أنه كان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه- والعياذ بالله- قال النبي ﵊: (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) . الرابعة: أن يقول: أنقذني الله وفلان، وهذا لا يجوز؛ لأنه أشرك سببًا مع الله بحرف يقتضي التسوية وهو الواو، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال له رجل: ما شاء الله وشيءت. فقال النبي ﷺ: (أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده) . فالمطر النازل لاشك أنه بفضل الله ورحمته وبتقديره ﷿ وقضائه، ولكن الله تعالى جعل له أسبابًا، كما أشار الله إليه بقوله: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) . قال: (يُرْسِلُ) (فَتُثِيرُ) أضاف الإثارة إلى السحاب؛ لأنها سبب هذه الإثارة، فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء، فلا بأس بإضافة الشيء إلى سببه مع اعتقاد أنه سبب محض، وأن خالق السبب هو الله ﷿. وأما قول الرسول ﵊ عن الله ﵎: (أن من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهوكافر بي مؤمن بالكوكب، فهذا لأنهم أضافوا الشيء إلى سبب غير صحيح؛ لأن النوء ليس سببًا للمطر، فالنوء الذي هو الكوكب ليس هو الذي يجلب المطر، ولا علاقة له به، ولذلك أحيانًا تكثر الأمطار في نوء من الأنواء في سنة وتقل في سنة أخرى وتعدم في سنة ثالثة، وربما يكون العكس فالأنواء ليس لها تأثير في نزول المطر ولهذا كانت إضافة المطر إليها نوعًا من الشرك فإن اعتقد أن النوء يحدث المطر بنفسه بدون الله فذلك شرك في الربوبية، شرك أكبر مخرج عن الملة، فهذا وجه قوله ﵎ فيما رواه عنه نبيه محمد ﷺ: (من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) . وأما ما اشتهر من أن الأمطار تكون بسبب تبخر البحار ونحو ذلك: فهذا إن صح فإنه لا ينافي ما ذكره الله تعالى في القرآن، إذ من الجائز أن يكون هذا البخار تثيره الريح حتى يصعد في جو السماء، ثم يبسطه الله تعالى في السماء كيف يشاء، ثم ينزل به المطر، وهذه مسألة ترجع إلى أهل العلم بهذا الشأن، فإذا ثبت ذلك فإنا نقول: هذا البخار الذي تصاعد من البحار الذي خلقه هو الله، والذي جعله يتصاعد في الجو حتى يمطر هو الله ﷿، ولا ينافي ذلك ما جاء في القرآن إذا صح علميًا. والله أعلم.
***
[ ٤ / ٢ ]