المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٦/٢/١٤٢٣
السؤال
سمعت أن من يقرأ القرآن على غير ترتيبه أي ينكس في ترتيب السور ينكس الله قلبه، فهل هذا صحيح؟
الجواب
التنكيس نوعان:
النوع الأول: تنكيس الآيات، وهو أن يقرأ الآيات بقلب ترتيبها، فتكون الآية رقم (٢) قبل الآية رقم (١) وهكذا، كأن يقرأ: مالك يوم الدين الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
وهذا التنكيس لا يجوز إطلاقًا، ومن قرأ به فهو منكوس القلب؛ لأنه يخلُّ بالقرآن وبمعانيه.
وعلى هذا يحمل الأثر الوارد عن ابن مسعود -﵁- أنه سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسًا، فقال: "ذلك منكوس القلب"، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٩٤٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٠٢٩٨)، وأبو عبيد في فضائل القرآن، والطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢١١١)، وإسناده جيد.
النوع الثاني: تنكيس السور، وهو أن يقرأ السور خلاف ترتيبها في المصحف، فيقرأ سورة الناس، ثم الفلق، ثم الصمد، وهكذا.
وقد حمل بعض العلماء أثر ابن مسعود -﵁- السابق على تنكيس السور، ولكن الذي يظهر أن كلام ابن مسعود -﵁- عن الذي ينكس الآيات لا الذي ينكس السور، خصوصًا إذا علم أن ترتيب مصحف ابن مسعود -﵁- لم يكن كالترتيب الذي استقر عليه المصحف العثماني، وهذه مسألة تحتاج إلى نظر وبحث.
[ ١١٠ ]
ثم إنه قد صح عن النبي –ﷺ- أنه قرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فقد روى مسلم في صحيحه (٧٧٢) عن حذيفة بن اليمان –﵁- قال: "صليت مع النبي –ﷺ- ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوّذ".
وعمل النبي –ﷺ- يدل على جواز التنكيس، وقد حمله بعض العلماء على أنه قبل أن يستقر الترتيب في العرضة الأخيرة، وهذا يعني أن هذا مما نسخ، وهذا غير سديد؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لجاء من النص الصريح ما يدل على ذلك، فلما لم يرد عن النبي –ﷺ- أمر باتباع ترتيب السور، ولا ورد عنه –ﷺ- نهي عن أن يخالف الترتيب، فإن الأمر يبقى على الجواز، خصوصًا مع وجود عمله –ﷺ- كما في هذا الحديث، وكذا تقريره لهذا في الحديث الذي ورد عن أنس بن مالك قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ"قل هو الله أحد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فلما أتاهم النبي –ﷺ- أخبروه الخبر، فقال: "مايحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال النبي –ﷺ- حبُّك إياها أدخلك الجنة"، ذكره البخاري تعليقًا في كتاب الأذان باب: الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم، ورواه الترمذي (٢٩٠١) والحاكم (٩١٣) وغيرهما.
ولا شك أن التزام الرجل بقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة يلزمه أن يقرأ بعدها سورة متقدمة عليها، وفي هذا الحديث تقرير النبي –ﷺ- لهذا العمل، فهو دليل على جواز تنكيس السور أيضًا.
[ ١١١ ]
ثم إن عمل المسلمين منذ القديم في تعليمهم للصبيان جاء على تنكيس السور، حيث يبدؤون بهم من آخر القرآن، ولو كان لا يجوز لما أطبق عليه المسلمون كما ترى.
ومن حَمَلَ أثر ابن مسعود -﵁- على عدم جواز تنكيس السور فإن ذلك يلزم منه لوازم، منها:
١-أنه يجب وجوبًا عينيًا معرفة ترتيب السور.
٢-أن المسلمين لم يكونوا يعملون بهذا الترتيب حتى كتب عثمان -﵁- المصاحف؛ لأن قراء الصحابة لم يكن كلهم على علم بهذا الترتيب، كما لم يكونوا على علم بما نسخ وما لم ينسخ، فكانوا يقرؤون بما قرؤوا على رسول الله -ﷺ-، ولم يَدَعُوه إلا في عهد عثمان -﵁- حيث أجمعوا على التزام مصاحف عثمان -﵁-، وتركوا ترتيب السور الذي كان في مصاحفهم، كما تركوا المنسوخ من الآيات، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط ليس هذا محله والله الموفق.
والمقصود أن تنكيس السور جائز بالدلائل السابقة، والله أعلم.
[ ١١٢ ]