المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/علوم القرآن
التاريخ ١٢/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
هناك من يزعم أن المكي قد خلا من التشريع والأحكام؛ لأنه كان في مكة بين أميين، على حين أن المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام، وذلك يدل على أن القرآن من وضع محمد - ﷺ- وتأليفه تبعًا لتأثره بالوسط الذي يعيش فيه؛ لأنه لما حل بالمدينة بين أهل الكتاب المثقفين جاء مليئًا بتلك العلوم والمعارف.
كيف أستطيع نقض هذه الشبهة بأسلوب علمي مع تزويدي بالمصدر، وفقكم الله وزادكم علمًا. وجزاكم خير الجزاء.
الجواب
ليس صحيحًا زعم خلو القرآن المكي من التشريع لأمية أهل مكة، ولكن حقيقة الأمر أن القرآن المكي ركز على تقرير عقيدة الألوهية في النفوس لتدنس فطر الناس بالشرك الأكبر، وتعلقهم بالأوثان والأصنام، فلم يكن من الحكمة في شيء أن يدعى الناس إلى الزكاة والصوم، والحج، وهم مشركون وثنيون، حتى إذا دخل الإسلام من شاء الله هدايته من أهل مكة من المهاجرين الأولين، ورحب الأنصار في المدينة بشريعة الله ودينه العظيم، ودخل الإسلام بيوتهم، وخالط الإيمان شغاف قلوب هاتين الفئتين العظيمتين المهاجرين والأنصار، بدأت التشريعات والأحكام تنزل تباعًا في المدينة، بعد أن تهيأ المسلمون لتحملها والقيام بأعبائها.
[ ١٠٢ ]
هذا كل ما في الأمر، وأما زعم البعض بأن التشريعات المدنية كانت مجاراة لأهل الكتاب المثقفين فدعوى عارية من الصحة؛ لأن أهل الكتاب من يهود المدينة كانوا ذوي ثقافة توراتية محرفة، وأقلية عددية واضحة في المجتمع المدني، فلم يعطهم القرآن الكريم أكثر من حجمهم الطبقي، وليس الخطاب القرآني لأهل الكتاب إلا لإقامة الحجة عليهم، وتذكيرهم بوجوب الاستجابة لدعوة الرسول - ﷺ- عطفًا على ما عندهم من بعض علم الكتب السابقة، ودعوى اختلاق نبينا - ﷺ- للقرآن دعوى قديمة تولى كبرها صناديد قريش ومشركو مكة، وهي تتجدد بتجدد الملاحدة المكذبين لله ولرسوله -﵊-.
ويمكن كشف هذه الشبهة ونقضها حين تذكر أن نبينا -﵇- كان أميًا لا يحسن كتابة أو قراءة اسمه الشريف، ولم يسجل له التاريخ مجالس علم أو مذاكرة مع أهل الكتاب، أو غيرهم ليتسنى لذي كذب أن يقول عن القرآن بأنه إفك افتراه محمد -﵇- وأعانه عليه قوم آخرون.
كما يمكن دحض هذه الشبهة - بل هذه الفرية - حين نتذكر إعجاز القرآن بألفاظه ومعانيه، بحيث لا يتأتى لبشر مهما أوتي من فصاحة، أو بلاغة أن يأتي بسورة واحدة من مثل القرآن، بل لا يتأتى ذلك للإنس والجن أن يفعلوا "ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" [الإسراء:٨٨] .
وأنصحك بقراءة ما كتبه الزرقاني في كتابه: (مناهل العرفان في علوم القرآن) ففيه فصول نافعة كما فيه جزء حول ما سألت عنه، كما فند جملة من الشبهات المثارة حول القرآن بما فيها شبهة اختلاق نبينا محمد - ﷺ- للقرآن. وفقك الله وأعانك.
[ ١٠٣ ]