المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٧/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
سؤالي هو: في سورة النساء آيتان متتاليتان لم أفهمهما فهما صحيحًا، وسبب ذلك لي خلطًا عجيبًا يقول المولى - ﷿-: "وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا"، "مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا" [النساء:٧٨-٧٩]، فما الفرق بين الأولى والثانية؟ وهل هذا يعني أن الإنسان مسير؟؟ وكيف نخالف الجبرية إذا؟
وجزاكم الله كل خير.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فنقول أولًا أحبك الله الذي من أجله أحببتنا، ونسأل المولى -﷿- أن يجمعنا وإياكم في الدنيا على محبته وطاعته، وفي الآخرة في دار كرامته، ثم لتعلم أيها الحبيب أن كلام الله تعالى لا اختلاف فيه ولا تناقض، "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" [فصلت: ٤٢]، وما يتوهمه بعض الناس من اختلاف بين الآيات فإنما هو من جهة نظر الناظر وقصور علمه، لا من جهة حقيقة كلام الله تعالى، فهو (مبين)؛ كما وصفه الله - ﷿-، وما ذكرت من سؤال بين آيتي النساء المذكورتين فالجواب عليه من وجهين:
[ ٨ ]
الوجه الأول: أن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله تعالى وهذا معنى "قل كل من عند الله" [النساء: ٧٨] أي بتقديره ﷿، لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى على عباده، وهذا معنى: "ما أصابك من حسنة فمن الله"، أما السيئة فسببها فعل العبد كما قال تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" [الشورى: ٣٠] وهذا معنى قوله: "وما أصابك من سيئة فمن نفسك" [النساء: ٧٩] أي بسبب فعلك، فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه لا إلى مقدره، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله فهي من باب إضافة الشيء إلى مقدره وموجده.
الوجه الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في [مجموع الفتاوى
(٨/١١٠)] من أن المراد بالحسنة والسيئة في الآية الأولى يعني النعم والمصائب، كما في قوله تعالى: "إن تمسسكم حسنة تسؤهم" - يعني نعمة- "وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها" - يعني المصائب- "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا" [آل عمران: ١٢٠] والمراد بالحسنة والسيئة في الآية الثانية الطاعة والمعصية، نحو قوله تعالى: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها" [الأنعام: ١٦٠] قال: وفي كل موضع ما يبين المراد باللفظ فليس في القرآن العزيز بحمد الله إشكال بل هو مبين، ا. هـ.
يعني أن الحسنة والسيئة تطلق في القرآن الكريم ويراد بها النعمة والمصيبة، كما تطلق ويراد بها الطاعة والمعصية، وفي سياق الآيات ما يدل على أي المعنيين هما المرادان.
ففي الآية الأولى المراد بالحسنة والسيئة فيها: النعم والمصائب، وكلها من عند الله، وفي الآية الثانية المراد بالحسنة والسيئة: الطاعة والمعصية، فالطاعة من الله تعالى تفضلًا وتوفيقًا، والمعصية من العبد فعلًا وإرادة، وإن كانت كل من الطاعات والمعاصي من عند الله تقديرًا وإيجادًا، والله أعلم.
[ ٩ ]